Al-AlusiAl‑Mu'minun · 23:72–90

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:72–90

23:72Page 346

أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢

Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.

﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ فَهو انْتِقالٌ إلى تَوْبِيخٍ آخَرَ، وغَيَّرَ لِلْخِطابِ لِمُناسَبَتِهِ ما بَعْدَهُ، وكانَ المُرادُ أمْ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَسْألُهم عَلى أداءِ الرِّسالَةِ ﴿خَرْجًا﴾ أيْ جَعْلًا فَلِأجْلِ ذَلِكَ لا يُؤْمِنُونَ بِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أيْ رِزْقِهِ في الدُّنْيا وثَوابِهِ في الآخِرَةِ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ السُّؤالِ المُسْتَفادِ مِنَ الإنْكارِ أيْ لا تَسْألُهم ذَلِكَ فَإنَّ ما رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا والعُقْبى خَيْرٌ مِن ذَلِكَ لِسِعَتِهِ ودَوامِهِ وعَدَمِ تَحَمُّلِ مِنَّةِ الرِّجالِ فِيهِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَشْرِيفِهِ ﷺ ما لا يَخْفى.

«والخَرْجُ» بِإزاءِ الدَّخْلِ يُقالُ لِكُلِّ ما تُخْرِجُهُ إلى غَيْرِكَ والخَراجُ غالِبٌ في الضَّرِيبَةِ عَلى الأرْضِ فَفِيهِ إشْعارٌ

صفحة 54

بِالكَثْرَةِ واللُّزُومِ فَيَكُونُ أبْلَغَ ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِهِ عَنْ عَطاءِ اللَّهِ تَعالى، وكَذا عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ الخَرْجَ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ والخَراجُ ما لَزِمَكَ واللُّزُومُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى إنَّما هو لِفَضْلِ وعْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ الخَرْجُ أعَمُّ مِنَ الخَراجِ وساوى بَيْنَهُما بَعْضُهم.

وقَرَأ عامِرٌ «خَرْجًا فَخَرَجَ» وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «خَراجًا فَخَراجٌ» لِلْمُشاكَلَةِ وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى «خَرَجا فَخَرَجَ» وكَأنَّ اخْتِيارَ ﴿خَرْجًا﴾ في جانِبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإشارَةِ إلى قُوَّةٍ تُمَكِّنُهم في الكُفْرِ واخْتِيارِ «خَرَجا» في جانِبِهِ تَعالى لِلْمُبالَغَةِ في حَطِّ قَدْرِ خَراجِهِمْ حَيْثُ كانَ المَعْنى فالشَّيْءُ القَلِيلُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرٌ مِن كَثِيرِهِمْ فَما الظَّنُّ بِكَثِيرِهِ جَلَّ وعَلا ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَأْكِيدٌ لِخَيْرِيَّةِ خَراجِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَإنَّ مَن كانَ خَيْرَ الرّازِقِينَ يَكُونُ رِزْقُهُ خَيْرًا مِن رِزْقِ غَيْرِهِ.

واسْتَدَلَّ الجِبائِيُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُساوِيهِ أحَدٌ في الإفْضالِ عَلى عِبادِهِ وعَلى أنَّ العِبادَ قَدْ يَرْزُقُ بَعْضُهم بَعْضًا.

23:73Page 346

وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣

And indeed, you invite them to a straight path.

﴿وإنَّكَ لَتَدْعُوهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَشْهَدُ العُقُولُ السَّلِيمَةُ بِاسْتِقامَتِهِ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ اعْوِجاجٍ تُوجِبُ الِاتِّهامَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَقَدْ ألْزَمَهم عَزَّ وجَلَّ الحُجَّةَ وأزاحَ عِلَلَهم في هَذِهِ الآياتِ بِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِمْ رَجُلُ مَعْرُوفٍ أمْرُهُ وحالُهُ مَخْبُورُ سِرِّهِ وعَلَنِهِ خَلِيقٌ بِأنْ يُجْتَبى مِثْلُهُ لِلرِّسالَةِ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ وأنَّهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ حَتّى يَدَّعِيَ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوى العَظِيمَةِ بِباطِلٍ ولَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ سِلْمًا إلى النَّيْلِ مِن دُنْياهم واسْتِعْطاءِ أمْوالِهِمْ ولَمْ يَدْعُهم إلّا إلى دِينِ الإسْلامُ الَّذِي هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ مَعَ إبْرازِ المَكْنُونِ مِن أدْوائِهِمْ وهو إخْلالُهم بِالتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ واسْتِهْتارُهم بِدِينِ الآباءِ الضَّلالُ مِن غَيْرِ بُرْهانٍ وتَعَلُّلِهِمْ بِأنَّهُ مَجْنُونٌ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وثَباتِ التَّصْدِيقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالمُعْجِزاتِ والآياتِ النَّيِّرَةِ وكَراهَتِهِمْ لِلْحَقِّ وإعْراضِهِمْ عَمّا فِيهِ حَفِظَهم مِنَ الذِّكْرِ اهْـ. وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ.

23:74Page 346

وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤

But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.

﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ هم كَفَرَةُ قُرَيْشٍ المُحَدِّثُ عَنْهم فِيما مَرَّ وصَفُوا بِذَلِكَ تَشْنِيعًا لَهم مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِماكِ في الدُّنْيا وزَعْمِهِمْ أنَّ لا حَياةَ بَعْدَها وإشْعارٍ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنَّ الإيمانَ بِالآخِرَةِ وخَوْفَ ما فِيها مِنَ الدَّواهِي مِن أقْوى الدَّواعِي إلى طَلَبِ الحَقِّ وسُلُوكِ سَبِيلِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ المُنْكِرِينَ لِلْحَشْرِ ويَدْخُلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ المُسْتَقِيمُ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ ﴿لَناكِبُونَ﴾ أيْ لَعادِلُونَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصِّراطِ جِنْسُهُ أيْ إنَّهم عَنْ جِنْسِ الصِّراطِ فَضْلًا عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمُ الَّذِي تَدْعُوهم إلَيْهِ لَناكِبُونَ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ ضَلالِهِمْ وغايَةِ غَوايَتِهِمْ لِما أنَّهُ يُنَبِّئُ عَنْ كَوْنِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِمّا لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصِّراطِ ولَوْ كانَ مُعْوَجًّا، وفِيهِ أنَّ التَّعْلِيلَ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ لا يُساعِدُ إلّا عَلى إرادَةِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، وأظُنُّ أنَّهُ قَدْ نَكَبَ عَنِ الصِّراطِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ هُنا الصِّراطُ المَمْدُودُ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ وهو طَرِيقُ الجَنَّةِ أيْ أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ لَمائِلُونَ يُمْنَةً ويُسْرَةً إلى النّارِ.

23:75Page 347

۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥

And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.

﴿ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ أيْ مِن سُوءِ حالٍ، قِيلَ: هو ما عَرّاهم بِسَبَبِ أخْذِ مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ أعْنِي الجَزَعَ عَلَيْهِمْ وذَلِكَ بِإحْيائِهِمْ وإعادَتِهِمْ إلى الدُّنْيا بَعْدَ القَتْلِ أيْ ولَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ضُرَّهم بِإرْجاعِ مُتْرَفِيهِمْ إلَيْهِمْ ﴿لَلَجُّوا﴾ لَتَمادَوْا ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ إفْراطِهِمْ في الكُفْرِ والِاسْتِكْبارِ وعَداوَةِ الرَّسُولِ

صفحة 55

ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ عامِهِينَ مُتَرَدِّدِينَ في الضَّلالِ يُقالُ عَمُّهُ كَمَنَعَ وفَرَحَ عَمُّها وعَمُّوها وعُمُوهَةٌ وعَمَهانًا، وقِيلَ: هو ما هم فِيهِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ ومَزِيدِ الِاضْطِرابِ مِن ذَلِكَ لَمّا رَأوْا ما حَلَّ بِمُتْرَفِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وكَشَفَهُ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالكَفِّ عَنْ قِتالِهِمْ وسَبْيِهِمْ بَعْدُ أوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ وهو وجْهٌ لَيْسَ بِالبَعِيدِ وقِيلَ: المُرادُ بِالضُّرِّ عَذابُ الآخِرَةِ أيْ إنَّهم في الرَّداءَةِ والتَّمَرُّدِ إلى أنَّهم لَوْ رَحِمُوا وكَشَفَ عَنْهم عَذابَ النّارِ ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِشِدَّةِ لُجاجِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.

واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِهِ القَحْطُ والجُوعُ الَّذِي أصابَهم بِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ أنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ، وقَدْ «دَعا عَلَيْهِمْ ﷺ بِذَلِكَ في مَكَّةَ يَوْمَ ألْقى عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وهو قائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ صَلّى جَزُورًا

فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ»

ودَعا بِذَلِكَ أيْضًا بِالمَدِينَةِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَكَثَ شَهْرًا إذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثّانِيَةِ مِن صَلاةِ الفَجْرِ بَعْدَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ انْجُ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ إلَخْ،» ورُبَّما فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنَ الرَّكْعَةِ الأخِيرَةِ مِن صَلاةِ العِشاءِ، وكِلْتا الرِّوايَتَيْنِ ذَكَرَهُما بُرْهانُ الدِّينِ الحَلَبِيُّ في سِيرَتِهِ، والكَثِيرُ عَلى أنَّهُ الجُوعُ الَّذِي أصابَهم مِن مَنعِ ثُمامَةَ المِيرَةِ عَنْهُمْ، وذَلِكَ «أنَّ ثُمامَةَ بْنَ أثالٍ الحَنَفِيَّ جاءَتْ بِهِ إلى المَدِينَةِ سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسَلَّمَةَ حِينَ بَعَثَها ﷺ إلى بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلابٍ فَأسْلَمَ بَعْدَ أنِ امْتَنَعَ مِنَ الإسْلامِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَلَمّا قَدَمَ مَكَّةَ لَبّى وهو أوَّلُ مَن دَخَلَها مُلَبِّيًا ومِن هُنا قالَ الحَنَفِيُّ:

ومِنّا الَّذِي لَبّى بِمَكَّةَ مُعْلِنًا بِرَغْمِ أبِي سُفْيانَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ

فَأخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَقالُوا: لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَيْنا وقَدْ صَبَوْتَ يا ثُمامَةَ قالَ: أسْلَمْتُ واتَّبَعْتُ خَيْرَ دِينٍ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ واللَّهُ لا يَصِلُ إلَيْكم حَبَّةٌ مِنَ اليَمامَةِ وكانَتْ رِيفًا لِأهْلِ مَكَّةَ حَتّى يَأْذَنَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ خَرَجَ ثُمامَةُ إلى اليَمامَةِ فَمَنَعَهم أنْ يَحْمِلُوا إلى مَكَّةَ شَيْئًا حَتّى أضَرَّ بِهِمُ الجُوعُ وأكَلَتْ قُرَيْشٌ العَلْهَزَ.

فَكَتَبَتْ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ فَقَدْ قَتَلْتَ الآباءَ بِالسَّيْفِ والأبْناءَ بِالجُوعِ إنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وأنْتَ قَدْ قَطَعْتَ أرْحامَنا فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ثُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَلِّ بَيْنَ قَوْمِي وبَيْنَ مِيرَتِهِمْ فَفَعَلَ»، وفي رِوايَةٍ أنَّ أبا سُفْيانَ جاءَهُ ﷺ فَقالَ: ألَسْتَ إلَخْ، ووَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ وكانَ هَذا قَبْلَ الفَتْحِ بِقَلِيلٍ، وعِنْدِي أنَّ ( لَوْ ) تَبْعُدُ هَذا القَوْلَ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما هو نَصٌّ في أنَّ قِصَّةَ ثُمامَةَ سَبَبٌ لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى:

23:76Page 347

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦

And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]

﴿ولَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ إلى آخِرِهِ فَيَكُونُ الجُوعُ مُرادًا مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ فِيهِ عَلى ذَلِكَ، ولا يَرُدُّ عَلى مَن قالَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ فَما خَضَعُوا بِذَلِكَ ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ لِأنَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: المُرادُ بِالخُضُوعِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ الِانْقِيادُ لِأمْرِهِ سُبْحانَهُ والإيمانُ بِهِ جَلَّ وعَلا وما كانَ مِنهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ ما نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ولا يَرُدُّ عَلى مَن فَسَّرَ العَذابَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

23:77Page 347

حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧

Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.

﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ بِهِ أيْضًا لُزُومُ المُنافاةِ بَيْنَ ما هُناكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ وما هُنا مِن نَفْيِ الِاسْتِكانَةِ لِرَبِّهِمْ ونَفْيِ التَّضَرُّعِ

صفحة 56

المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ إذْ لَهُ أنْ يَقُولَ: الجُؤارُ مُطْلِقُ الصُّراخِ وهو غَيْرُ الِاسْتِكانَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وغَيْرِ التَّضَرُّعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو ظاهِرٌ، وكَذا إذا أُرِيدَ بِالجُؤارِ الصُّراخُ بِاسْتِغاثَةٍ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالِاسْتِكانَةِ لَهُ تَعالى ما عَلِمْتَ آنِفًا مِنَ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّ التَّضَرُّعَ ما كانَ عَنْ صَمِيمُ الفُؤادِ والجُؤارُ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ هُناكَ بِالجُؤارِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِغاثَتَهم كانَتْ أشْبَهَ شَيْءٍ بِأصْواتِ الحَيَواناتِ، وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ لِبَيانِ حالِ المَقْتُولِينَ وما هُنا لِبَيانِ حالِ الباقِينَ، وعَبَّرَ في التَّضَرُّعِ بِالمُضارِعِ لِيُفِيدَ الدَّوامَ إلّا أنَّ المُرادَ دَوامُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ أيْ ولَيْسَ مِن عادَتِهِمُ التَّضَرُّعُ إلَيْهِ تَعالى أصْلًا، ولَوْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى نَفْيِ الدَّوامِ كَما هو الظّاهِرُ لا يَرِدُ ما يَتَوَهَّمُ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا هم يَجْأرُونَ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْضًا، واسْتَكانَ اسْتَفْعَلَ مِنَ الكَوْنِ، وأصْلُ مَعْناهُ انْتَقَلَ مِن كَوْنٍ إلى كَوْنٍ كاسْتَحْجَرَ ثُمَّ غَلَبَ العُرْفُ عَلى اسْتِعْمالِهِ في الِانْتِقالِ مَن كَوْنِ الكِبَرِ إلى كَوْنِ الخُضُوعِ فَلا إجْمالَ فِيهِ عَرَفًا، وقالَ أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ فارِسٍ: سُئِلْتُ عَنْ ذَلِكَ في بَغْدادَ لَمّا دَخَلْتُها زَمَنَ الإمامُ النّاصِرِ وجَمَعَ لِي عُلَماءَها فَقُلْتُ واسْتَحْسَنَ مِنِّي: هو مُشْتَقٌّ مِن قَوْلِ العَرَبِ: كُنْتُ لَكَ إذا خَضَعْتُ وهي لُغَةٌ هَذِيلِيَّةٌ وقَدْ نَقَلَها أبُو عُبَيْدَةَ في الغَرِيبَيْنِ وعَلَيْهِ يَكُونُ مِن بابِ قَرَّ واسْتَقَرَّ، ولا يَجْعَلُ مَنِ اسْتَفْعَلَ المَبْنِيِّ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ اسْتَعْصَمَ واسْتَحْسَرَ إلّا أنْ يُرادَ في الآيَةِ حِينَئِذٍ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا نَفْيَ المُبالِغَةِ، وقِيلَ هو مِنَ الكَيْنِ اللُّحْمَةِ المُسْتَبْطِنَةِ في الفَرَجِ لِذِلَّةِ المُسْتَكِينِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ افْتَعِلْ مِنَ السُّكُونِ والألْفُ إشْباعٌ كَما في قَوْلِهِ:

وأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تَرْمِي ومِن ذَمُ الرِّجالِ بِمِنتَزاحٍ

وقَوْلُهُ:

أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ العَقْرابِ ∗∗∗ الشّائِلاتُ عَقْدِ الأذْنابِ

واعْتَرَضَ بِأنَّ الإشْباعَ المَذْكُورَ مَخْصُوصٌ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ وبِأنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ بِكَوْنِهِ في جَمِيعِ تَصارِيفِ الكَلِمَةَ واسْتَكانَ جَمِيعَ تَصارِيفِهِ كَذَلِكَ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِمّا فِيهِ إشْباعٌ ﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًَا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ مِن عَذابِ الآخِرَةِ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ التَّهْوِيلُ بِفَتْحِ البابِ والوَصْفِ بِالشِّدَّةِ وإلى هَذا ذَهَبَ الجِبائِيُّ، ( وحَتّى ) مَعَ كَوْنِها غايَةً لِلنَّفْيِ السّابِقِ مُبْتَدَأٌ لِما بَعْدَها مِن مَضْمُونِ الشُّرْطِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى هَذِهِ الحالِ حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ ﴿إذا هم فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ البابِ أوْ في ذَلِكَ العَذابِ أوْ بِسَبَبِ الفَتْحِ أقْوالٌ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَيِّرُونَ آيِسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ أوْ ذَوُو حُزْنٍ مِن شِدَّةِ البَأْسِ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الرُّومُ: 12] ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزُّخْرُفُ: 75] وقِيلَ: هَذا البابُ اسْتِيلاءُ النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ وقَدْ أيَسُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن كُلِّ ما كانُوا يَتَوَهَّمُونَهُ مِنَ الخَيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ الجُوعُ الَّذِي أكَلُوا فِيهِ العَلْهَزَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ، ورَوَتِ الإمامِيَّةُ- وهم بَيْتُ الكَذِبِ-

عَنْ أبِي جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ ذَلِكَ عَذابٌ يُعَذَّبُونَ بِهِ في الرَّجْعَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا، والوَجْهُ في الآيَةِ عِنْدِي ما تَقَدَّمَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ وبَعْضُ مَن قالَ بِمَكِّيَّتِها ادَّعى أنَّ فِيها أخْبارًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.

23:78Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨

And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ لِتُحِسُّوا بِها الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ والتَّكْوِينِيَّةَ ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَتَفَكَّرُوا

صفحة 57

بِها في الآياتِ وتَسْتَدِلُّوا بِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ، وقَدَّمَ السَّمْعَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ، وأفْرَدَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ ولَمْ يَجْمَعْهُ الفُصَحاءُ في الأكْثَرِ، وقِيلَ: أفْرَدَ لِأنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ نَوْعٌ واحِدٌ مِنَ المُدْرِكاتِ وهو الأصْواتُ بِخِلافِ البَصَرِ فَإنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ الأضْواءُ والألْوانُ والأكْوانُ والأشْكالُ وبِخِلافِ الفُؤادِ فَإنَّهُ يُدْرَكُ بِهِ أنْواعٌ شَتّى مِنَ التَّصَوُّراتِ والتَّصْدِيقاتِ. وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الحِسِّيِّ والعَقْلِيِّ، وتَقْدِيمُ ما يُشِيرُ إلى الأوَّلِ قَدْ تَقَدَّمَ فَتَذْكُرُ فَما في العَهْدِ مَن قَدَّمَ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ لِأنَّ العُمْدَةَ في الشُّكْرِ صَرَفَ تِلْكَ القُوى الَّتِي هي في أنْفُسِها نِعَمٌ باهِرَةٌ إلى ما خُلِقَتْ هي لَهُ فَنَصَبَ ﴿قَلِيلا﴾ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والقِلَّةُ عَلى ظاهِرِها بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لِلنّاسِ بِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ، وقِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والأوْلى عِنْدِي لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً مَعَ جَوازِ كَوْنِ القِلَّةِ عَلى ظاهِرِها كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ وما عَلا سائِرَ الأقْوالِ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ.

23:79–80Page 347

وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩

And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.

وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠

And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?

﴿وهُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ أيْ خَلْقِكم وبَثِّكم فِيها ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ تُجْمَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَعْدَ تَفَرُّقِكم لا إلى غَيْرِهِ تَعالى فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَشْكُرُونَهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وهُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يُشارِكَهُ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿ولَهُ﴾ تَعالى شَأْنُهُ خاصَّةً ﴿اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ هو سُبْحانَهُ وتَعالى المُؤَثِّرُ في اخْتِلافِهِما أيْ تَعاقُبِهِما مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَخْتَلِفُ إلى فُلانٍ أيْ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ بِالمَجِيءِ والذَّهابِ أوْ تُخالُفِهِما زِيادَةً ونَقْصًا، وقِيلَ: المَعْنى لِأمْرِهِ تَعالى وقَضائِهِ سُبْحانَهُ اخْتِلافِهِما فَفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، واللّامُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ ألّا تَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ أوْ أتَتَفَكَّرُونَ فَلا تَعْقِلُونَ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ صارَ مِنّا وأنَّ قُدْرَتَنا تَعُمُّ جَمِيعَ المُمَكَّناتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ «يَعْقِلُونَ» عَلى أنَّ الِالتِفاتَ إلى الغِيبَةِ لِحِكايَةِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ: عَلى أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ لِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ ولَيْسَ بِذاكَ.

23:81–82Page 347

بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١

Rather,1 they say like what the former peoples said.

قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢

They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

﴿بَلْ قالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُضْمَرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ فَلَمْ يَعْقِلُوا بَلْ قالُوا ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ أيْ آباؤُهم ومَن دانَ بِدِينِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ ﴿قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلِهِ مِنَ المُبْهَمِ وتَفْصِيلٌ لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِ.

23:83Page 347

لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣

We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."

﴿لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وآباؤُنا﴾ هَذا البَعْثُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ مِن حَيْثُ إسْنادِهِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وصَحَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّ الأنْبِياءَ المُخْبِرِينَ بِالبَعْثِ كانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ مَن يَمُوتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ مِن حَيْثُ إسْنادِهِ إلى آبائِهِمْ لا إلَيْهِمْ أيْ ووُعِدَ آباؤُنا مِن قَبْلُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن آبائِنا أيْ كائِنَيْنِ مِن قَبْلِ ﴿إنْ﴾ هَذا أيْ ما هَذا ﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ أكاذِيبِهِمُ الَّتِي سَطَّرُوها جَمْعُ أُسْطُورَةٍ كَأُحْدُوثَةٍ وأُعْجُوبَةٍ وإلى هَذا ذَهَبَ المِبْرَدُ وجَماعَةٌ، وقِيلَ: جَمْعُ أسْطارٍ جَمْعُ سَطْرٍ كَفَرَسٍ وأفْراسٍ، والأوَّلُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْفَقُ لِأنَّ جَمْعَ المُفْرَدِ أوْلى وأقِيسُ ولِأنَّ بِنْيَةَ أُفْعُولَةٍ تَجِيءُ لِما فِيهِ التَّلَهِّي فَيَكُونُ حِينَئِذٍ كَأنَّهُ قِيلَ مَكْتُوباتٍ لا طائِلَ تَحْتَها.

23:84–85Page 347

قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤

Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥

They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"

﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ

صفحة 58

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ ومِنَ العُقَلاءِ أوْ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَأخْبِرُونِي بِهِ. وفي الآيَةِ مِنَ المُبالَغَةِ في الِاسْتِهانَةِ بِهِمْ وتَقْرِيرُ فَرْطِ جَهالَتِهِمْ ما لا يَخْفى.

ويُقَوِّي هَذا أنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الجَوابِ قَبْلَ أنْ يُجِيبُوا فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فَإنَّ بَداهَةَ العَقْلِ تَضْطَرُّهم إلى الِاعْتِرافِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها فاللّامُ لِلْمَلِكِ بِاعْتِبارِ الخَلْقِ ( ﴿قُلْ﴾ ) أيْ عِنْدِ اعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ أتَعْلَمُونَ أوْ أتَقُولُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أيْ مِن فِطَرِ الأرْضِ ومِن فِيها ابْتِداءٌ قادِرٌ عَلى إعادَتِها ثانِيًا فَإنَّ البَدْءَ لَيْسَ بِأهْوَنَ مِنَ الإعادَةِ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ في قِياسِ المَعْقُولِ. وقُرِئَ «تَتَذَكَّرُونَ» عَلى الأصْلِ.

23:86–87Page 347

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦

Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧

They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"

﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الرَّبِّ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ العَرْشِ ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ مِن أنْ يَكُونَ تَبَعًا لِلسَّماواتِ وجُودًا وذِكْرًا، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «العَظِيمَ» بِالرَّفْعِ نَعْتًا لِلرَّبِّ.

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِغَيْرِ لامٍ فِيهِ. وفِيما بَعْدَهُ ولَمْ يَقْرَأْ عَلى ما قِيلَ في السّابِقِ بِتَرْكِ اللّامِ والقِراءَةُ بِغَيْرِ لامٍ عَلى الظّاهِرِ وبِاللّامِ عَلى المَعْنى وكِلا الأمْرَيْنِ جائِزانِ فَلَوْ قِيلَ: مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ؟ فَقِيلَ: زِيدٌ كانَ جَوابًا عَنْ لَفْظِ السُّؤالِ، ولَوْ قِيلَ: لِزَيْدٌ لَكانَ جَوابًا عَلى المَعْنى لِأنَّ مَعْنى مَن صاحِبِ هَذِهِ الدّارِ؟ لِمَن هَذِهِ الدّارُ وكِلا الأمْرَيْنِ وارِدٌ في كَلامِهِمْ، أنْشَدَ صاحِبُ المَطْلَعِ:

إذا قِيلَ مَن رَبُّ المَزالِفِ والقُرى ورَبُّ الجِيادِ الجَرْدِ قُلْتُ لَخالِدٌ

وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:

وقالَ السّائِلُونَ لِمَن حَفَرْتُمْ ∗∗∗ فَقالَ المُخْبِرُونَ لَهم وزِيرٌ

﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم وتَوْبِيخًا ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا تَتَّقُونَ أنْفُسَكم عِقابَهُ عَلى تَرْكِ العَمَلِ بِمُوجِبِ العِلْمِ حَيْثُ تَكْفُرُونَ بِهِ تَعالى وتُنْكِرُونَ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ وتَثْبُتُونَ لَهُ سُبْحانَهُ شَرِيكًا.

23:88–89Page 347

قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨

Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"

سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩

They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِمّا ذَكَرَ ومِمّا لَمْ يَذْكُرُ وصِيغَةُ المَلَكُوتِ لِلْمُبالَغَةِ في المَلِكِ فالمُرادُ بِهِ المَلِكُ الشّامِلُ الظّاهِرُ، وقِيلَ: المالِكِيَّةُ والمُدَبِّرِيَّةُ، وقِيلَ: الخَزائِنُ ﴿وهُوَ يُجِيرُ﴾ أيْ يَمْنَعُ مَن يَشاءُ مِمَّنْ يَشاءُ ﴿ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ ولا يُمْنَعُ أحَدٌ مِنهُ جَلَّ وعَلا أحَدًا، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى النُّصْرَةِ أوِ الِاسْتِعْلاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِاسْتِهانَتِهِمْ وتَجْهِيلِهِمْ عَلى ما مَرَّ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ والوَصْفُ بِأنَّهُ الَّذِي يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ ﴿قُلْ﴾ تَهَجِّيَنا لَهم وتَقْرِيعًا ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ كَيْفَ أوْ مِن أيْنَ تُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنِ الرُّشْدِ مَعَ عِلْمِكم بِهِ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ البَغْيِ فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مَسْحُورًا مُخْتَلُّ العَقْلِ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، وهَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ أعْنِي ﴿قُلْ لِمَنِ﴾ إلى هُنا عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ تَقْرِيرٌ لِلسّابِقِ وتَمْهِيدٌ لِلاحِقٍ وقَدْ رُوعِيَ في السُّؤالِ فِيها قَضِيَّةُ التَّرَقِّي فَسُئِلَ عَمَّنْ لَهُ الأرْضُ ومِن فِيها، وقِيلَ: ﴿مَن﴾ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلاءِ ولِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ غَيْرُهم مِن طَرِيقِ الأُولى ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ لَهُ السَّمَواتُ والعَرْشُ العَظِيمُ والأرْضُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كِلا شَيْءٍ ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فَأتى بِأعَمِّ العامِّ وكَلِمَةِ الإحاطَةِ وأوْثَرَ المَلَكُوتَ وهو المَلِكُ الواسِعُ، وقِيلَ: ﴿بِيَدِهِ﴾ تَصْوِيرًا وتَخْيِيلًا وكَذَلِكَ رُوعِيَ هَذِهِ النُّكْتَةُ في الفَواصِلِ فَعَيَّرُوا أوَّلًا بِعَدَمُ التَّذَكُّرِ فَإنَّ أيْسَرَ النَّظَرِ يَكْفِي في انْحِلالِ عَقْدِهِمْ ثُمَّ بِعَدَمُ الاتِّقاءِ وفِيهِ وعِيدٌ ثُمَّ بِالتَّعَجُّبِ مِن خُدَعِ عُقُولِهِمْ فَتَخَيَّلَ الباطِلَ

صفحة 59

حَقًّا والحَقَّ باطِلًا وأنّى لَها التَّذَكُّرُ والخَوْفُ.

23:90Page 348

بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠

Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.

﴿بَلْ أتَيْناهم بِالحَقِّ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ والمُرادُ بِالحَقِّ الوَعْدُ بِالبَعْثِ وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ والتَّوْحِيدُ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ السِّياقِ وقُرِئَ «بَلْ أتَيْتُهُمْ» بِتاءِ المُتَكَلِّمِ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِتاءِ الخِطابِ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أوْ في ذَلِكَ قَوْلِهِمْ بِما يُنافِي التَّوْحِيدَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском