Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:91–100
23:91Page 348
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ لِتَنَزُّهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ الِاحْتِياجِ وتُقَدِّسِهِ تَعالى عَنْ مُماثَلَةِ أحَدٍ.
﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ يُشارِكُهُ سُبْحانَهُ في الأُلُوهِيَّةِ ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ أيْ لاسْتَبَدَّ بِالَّذِي خَلَقَهُ واسْتَقَلَّ بِهِ تَصَرُّفًا وامْتازَ مُلْكُهُ عَنْ مُلْكِ الآخَرِ ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ ولَوَقَعَ التَّحارُبُ والتَّغالُبُ بَيْنَهم كَما هو الجارِي فِيما بَيْنَ المُلُوكِ والتّالِي باطِلٌ لِما يُلْزِمُ مِن ذَلِكَ نَفْيِ أُلُوهِيَّةِ الجَمِيعِ أوْ أُلُوهِيَّةِ ما عَدا واحِدًا مِنهم وهو خِلافُ المَفْرُوضِ أوْ لَمّا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُ بِيَدِهِ تَعالى وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وهو باطِلٌ في نَفْسِهِ لِما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في الكَلامِ وعِنْدَ الخَصْمِ لِأنَّهُ يَقُولُ بِاخْتِصاصِ مَلَكُوتِ كُلِّ شَيْءٍ بِهِ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤالُ والجَوابُ السّابِقانِ آنِفًا كَذا قِيلَ، ولا يَخْفى أنَّ اللُّزُومَ في الشُّرْطِيَّةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الآيَةِ عادِيٌّ لا عَقْلِيٌّ ولِذا قِيلَ: إنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ إقْناعِيٍّ لِلتَّوْحِيدِ لا قَطْعِيٍّ. وفي الكَشْفِ قَدْ لاحَ لَنا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ أنَّ الآيَةَ بُرْهانٌ نَيِّرٍ عَلى تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ مُرَجَّحَ المُمَكَّناتِ الواجِبُ الوُجُودُ تَعالى شَأْنُهُ جَلَّ عَنْ كُلِّ كَثْرَةٍ أمّا كَثْرَةُ المُقَوِّماتِ أوِ الأجْزاءِ الكَمِّيَّةِ فَبَيِّنَةُ الِانْتِفاءِ لِإيذائِها بِالإمْكانِ، وأمّا التَّعَدُّدُ مَعَ الِاتِّحادِ في الماهِيَّةِ فَكَذَلِكَ لِلِافْتِقارِ إلى المُمَيِّزِ ولا يَكُونُ مُقْتَضى الماهِيَّةِ لِاتِّحادِهِما فِيهِ فَيُلْزِمُ الإمْكانَ، ثُمَّ المِيزانُ في الطَّرَفَيْنِ صِفَتا كَمالٍ لِأنَّ الِاتِّصافَ بِما لا كَمالَ فِيهِ نَقْصٌ فَهُما ناقِصانِ مُمْكِنانِ مُفْتَقِرانِ في الوُجُودِ إلى مُكَمِّلٍ خارِجٍ هو الواجِبُ بِالحَقِيقَةِ، وكَذَلِكَ الِافْتِقارُ في كَمالِ ما لِلْوُجُودِ يُوجِبُ الإمْكانَ لِإيجابِهِ أنْ يَكُونَ فِيهِ أمْرٌ بِالفِعْلِ وأمْرٌ بِالقُوَّةِ واقْتِضائِهِ التَّرْكِيبِ والإمْكانِ.
ومِن هُنا قالَ العُلَماءُ: إنَّ واجِبَ الوُجُودِ بِذاتِهِ واجِبٌ بِجَمِيعِ صِفاتِهِ لَيْسَ لَهُ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ ومَعَ الِاخْتِلافِ في الماهِيَّةِ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُ المُرَجَّحُ مُرَجِّحًا أيْ لا يَكُونُ الإلَهُ إلَهًا لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ واحِدٌ مِنَ المُمَكَّناتِ إنِ اسْتَقَلّا بِتَرْجِيحِهِ لَزِمَ تَوارُدُ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ شَخْصِيٍّ وهو ظاهِرُ الِاسْتِحالَةِ فَكَوْنُهُ مُرَجَّحًا إلَهًا يُوجِبُ الِافْتِقارَ إلَيْهِ وكَوْنُ غَيْرِهِ مُسْتَقِلًّا بِالتَّرْجِيحِ يُوجِبُ الِاسْتِغْناءَ عَنْهُ فَيَكُونُ مُرَجَّحًا غَيْرَ مُرَجِّحٍ في حالَةٍ واحِدَةٍ، وإنْ تَعاوَنا فَكَمَثَلٍ إذْ لَيْسَ ولا واحِدَ مِنهُما بِمُرَجَّحٍ وفَرْضًا مُرَجَّحَيْنِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العَجْزِ عَنِ الإيجادِ والِافْتِقارِ إلى الآخَرِ، وإنِ اخْتَصَّ كُلٌّ مِنهُما بِبَعْضٍ مَعَ أنَّ الِافْتِقارَ إلَيْهِما عَلى السَّواءِ لَزِمَ اخْتِصاصَ ذَلِكَ المُرَجَّحِ بِمُخَصَّصٍ يُخَصِّصُهُ بِذَلِكَ البَعْضِ بِالضَّرُورَةِ ولَيْسَ الذّاتَ لِأنَّ الِافْتِقارَ إلَيْهِما عَلى السَّواءِ فَلا أوْلَوِيَّةَ لِلتَّرْجِيحِ مِن حَيْثُ الذّاتِ ولا مَعْلُولَ الذّاتِ لِأنَّهُ يَكُونُ مُمْكِنًا والكَلامُ فِيهِ عائِدٌ فَيَلْزِمُ المُحالَ مِنَ الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ أعْنِي الِافْتِقارَ إلى مُمَيَّزٍ غَيْرِ الذّاتِ ومُقْتَضاها ولُزُومُ النَّقْصِ لِكُلِّ واحِدٍ لِأنَّ هَذا المُمَيَّزَ صِفَةُ كَمالٍ ثُمَّ مُخَصَّصُ كُلٍّ بِذَلِكَ التَّمْيِيزِ هو الواجِبُ الخارِجُ لا هُما، وإلى المِحالِ الأوَّلِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ وهو لازِمٌ عَلى تَقْدِيرِ التَّخالُفِ في الماهِيَّةِ واخْتِصاصِ كُلٍّ بِبَعْضٍ، وخَصَّ هَذا القَسَمَ لِأنَّ ما سِواهُ أظْهَرُ اسْتِحالَةٍ، وإلى
صفحة 60
الثّانِي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ إمّا مُطْلَقًا وإمّا مِن وجْهٍ فَيَكُونُ العالِي هو الإلَهُ أوْ لا يَكُونُ ثَمَّ إلَهٍ أصْلًا وهَذا لازِمٌ عَلى تَقْدِيرِيِّ التَّخالُفِ والِاتِّحادِ والِاخْتِصاصِ وغَيْرِهِ فَهو تَكْمِيلٌ لِلْبُرْهانِ مِن وجْهٍ وبُرْهانٌ ثانٍ مِن آخَرَ، فَقَدْ تَبَيَّنَ ولا كَفَرْقِ الفَجْرِ أنَّهُ تَعالى هو الواحِدُ الأحَدُ جَعَلَ وجُودَهُ زائِدًا عَلى الماهِيَّةِ أوْ لا فاعِلًا بِالِاخْتِيارِ أوْ لا، ولَيْسَ بِرِهانُ الوَحْدَةِ مَبْنِيًّا عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ كَما ظَنَّهُ الإمامُ الرّازِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ انْتَهى، وهو كَلامٌ يُلَوِّحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ، ورُبَّما يُورِدُ عَلَيْهِ بَعْضَ مُناقِشاتٍ تَنْدَفِعُ بِالتَّأمُّلِ الصّادِقِ، وما أشَرْنا إلَيْهِ مِنِ انْفِهامِ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ مِنَ الآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الفِراءُ فَقَدْ قالَ: إنَّ إذا حَيْثُ جاءَتْ بَعْدَها اللّامُ فَقَبْلُها لَوْ مُقَدَّرَةٌ إنْ لَمْ تَكُنْ ظاهِرَةً نَحْوُ ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما تَزْعُمُونَ لَذَهَبَ كُلُّ إلَخْ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: إذا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ ويُقَدَّرُ قِسْمُ يَكُونُ ﴿لَذَهَبَ﴾ جَوابًا لَهُ، والتَّقْدِيرُ واللَّهُ إذا أيْ إنْ كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ لَذَهَبَ وهو في مَعْنى لِيَذْهَبْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ [الرُّومُ: 51] أيْ لِيَظَلُّنَّ لِأنَّ إذا تَقْتَضِي الِاسْتِقْبالَ وهو كَما تَرى، وقَدْ يُقالُ: إنَّ إذا هَذِهِ لَيْسَتِ الكَلِمَةُ المَعْهُودَةُ وإنَّما هي إذا الشَّرْطِيَّةُ حُذِفَتْ جُمْلَتُها الَّتِي تُضافُ إلَيْها وعُوِّضَ عَنْها التَّنْوِينُ كَما في يَوْمَئِذٍ والأصْلُ إذا كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ لَذَهَبَ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِإذا مِن قُبَيْلِ مُجاراةِ الخَصْمِ، وقِيلَ: ﴿كُلُّ إلَهٍ﴾ لِما أنَّ النَّفْيَ عامٌّ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ الجِنْسِ ( وما ) في ﴿بِما خَلَقَ﴾ مَوْصُولَةُ حَذْفٍ عائِدُها كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ويَحْتاجُ إلى نَوْعِ تَكَلُّفٍ لا يَخْفى. ولَمْ يَسْتَدِلَّ عَلى انْتِفاءِ اتِّخاذِ الوَلَدِ إمّا لِغايَةِ ظُهُورِ فَسادِهِ أوْ لِلِاكْتِفاءِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي أُقِيمَ عَلى انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّ ابْنَ الإلَهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ إلَهًا إذِ الوَلَدُ يَكُونُ مِن جِنْسِ الوالِدِ وجَوْهَرُهُ وفِيهِ بَحْثٌ ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ مُبالَغَةٌ في تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الوَلَدِ والشَّرِيكِ، وما مَوْصُولَةٌ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً. وقُرِئَ «تَصِفُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.
23:92Page 348
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
و ﴿عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ أيْ كُلِّ غَيْبٍ وشَهادَةٍ، وجَرَّ ﴿عالِمِ﴾ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ صِفَةٌ لَهُ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الثُّبُوتُ والِاسْتِمْرارُ فَيَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ.
وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ السَّبْعَةِ، وغَيْرُهم بِرَفْعِهِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو عالِمٌ، والجَرُّ أجْوَدُ عِنْدَ الأخْفَشِ والرَّفْعُ أبْرَعُ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى دَلِيلٍ آخَرَ عَلى انْتِفاءِ الشَّرِيكِ بِناءً عَلى تَوافُقِ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ في تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذَلِكَ، وفي الكَشْفِ أنَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( عالِمِ ) إلَخْ إشارَةٌ إلى بُرْهانٍ آخَرَ راجِعٍ إلى إثْباتِ العُلُوِّ أوْ لُزُومُ الجَهْلِ الَّذِي هو نَقْصٌ وضِدُّ العُلُوِّ لِأنَّ المُتَعَدِّدِينَ لا سَبِيلَ لَهُما إلى أنْ يَعْلَمَ كُلُّ واحِدٍ حَقِيقَةَ الآخَرِ كَعِلْمِ ذَلِكَ الآخَرِ بِنَفْسِهِ بِالضَّرُورَةِ وهو نَوْعُ جَهْلٍ وقُصُورٍ، ثُمَّ عِلْمُهُ بِهِ يَكُونُ انْفِعالِيًّا تابِعًا لِوُجُودِ المَعْلُومِ فَيَكُونُ في إحْدى صِفاتِ الكَمالِ- أعْنِي العِلْمَ- مُفْتَقِرًا وهو يُؤْذِنُ بِالنُّقْصانِ والإمْكانِ ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِذَلِكَ فَهو كالنَّتِيجَةِ لِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الفاءُ عاطِفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ عِلْمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى كَما تَقُولُ زَيْدٌ شُجاعٌ فَعَظُمَتْ مُنْزِلَتُهُ عَلى مَعْنى شَجَّعَ فَعَظُمَتْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَأقُولُ تَعالى إلَخْ عَلى أنَّهُ إخْبارٌ مُسْتَأْنِفٌ.
23:93–94Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي﴾
صفحة 61
أيْ إنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي لِأنَّ ما والنُّونَ زِيدَتا لِلتَّأْكِيدِ ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ أيِ الَّذِي يُوعَدُونَهُ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ المُسْتَأْصَلِ وأمّا العَذابُ الأُخْرَوِيُّ فَلا يُناسِبُ المَقامَ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ قَرِينًا لَهم فِيما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ، وجاءَ الدُّعاءُ قَبْلَ الشَّرْطِ وقَبْلَ الجَزاءِ مُبالَغَةً في الِابْتِهالِ والتَّضَرُّعِ، واخْتِيرَ لَفْظُ الرَّبِّ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ المالِكُ النّاظِرُ في مَصالِحِ العَبْدِ، وفي أمَرِهِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حِرْزٍ عَظِيمٍ مِن أنْ يُجْعَلَ قَرِينًا لَهم إيذانٌ بِكَمالِ فَظاعَةِ العَذابِ المَوْعُودِ وكَوْنِهِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَسْتَعِيذَ مِنهُ مَن لا يَكادُ يُمْكِنُ أنْ يَحِيقَ بِهِ. وهو مُتَضَمِّنٌ رَدَّ إنْكارَهُمُ العَذابِ واسْتِعْجالَهم بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ.
وقِيلَ أمَرَ ﷺ بِذَلِكَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وإظْهارًا لِكَمالِ العُبُودِيَّةِ، وقِيلَ لِأنَّ شُؤْمَ الكَفَرَةِ قَدْ يَحِيقُ بِمَن سِواهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنْفالُ: 25] ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنَّ لَهُ في أُمَّتِهِ نِقْمَةً ولَمْ يُطْلِعْهُ عَلى وقْتِها أهْوَ في حَياتِهِ أمْ بَعْدَها فَأمَرَهُ بِهَذا الدُّعاءِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ «تَرِئَنِي» بِالهَمْزِ بَدَلَ الياءِ وهو كَما في البَحْرِ إبْدالُ ضَعِيفٍ.
23:95Page 348
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
﴿وإنّا عَلى أنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقادِرُونَ﴾ ولَكُنّا لا نَفْعَلُ بَلْ نُؤَخِّرُهُ عَنْهم لِعِلْمِنا بِأنَّ بَعْضَهم أوْ بَعْضَ أعْقابِهِمْ سَيُؤْمِنُونَ أوْ لِأنّا لا نُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ، وقِيلَ قَدْ أراهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ وهو ما أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ أوْ فَتْحِ مَكَّةَ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: ولا يَخْفى بَعْدَهُ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنْ يَكُونَ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ عَذابًا هائِلًا مُسْتَأْصَلًا لا يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ ﷺ لِلْحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ الحَسَناتِ الَّتِي يَدْفَعُ بِها ﴿السَّيِّئَةَ﴾ بِأنْ تَحْسُنَ إلى المُسِيءِ في مُقابَلَتِها ما اسْتَطَعْتَ، ودُونَ هَذا في الحَسَنِ أنْ يَحْسُنَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ودُونَهُ أنْ يَصْفَحَ عَنْ إساءَتِهِ
فَقَطْ، وفي ذَلِكَ مِنَ الحَثِّ لَهُ ﷺ إلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الكَرِيمِ مِن حُسْنِ الأخْلاقِ ما لا يَخْفى، وهو أبْلَغُ مِنِ ادْفَعْ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ لِمَكانِ ﴿أحْسَنُ﴾ والمُفاضِلَةُ فِيهِ عَلى حَقِيقَتِها عَلى ما ذَكَرْنا وهو وجْهٌ حَسَنٌ في الآيَةِ، وجَوَّزَ أنْ تُعْتَبَرَ المُفاضَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ عَلى مَعْنى أنَّ الحَسَنَةَ في بابِ الحَسَناتِ أزْيَدُ بِهِ مِنَ السَّيِّئَةِ في بابِ السَّيِّئاتِ ويَطْرُدُ هَذا في كُلِّ مُفاضَلَةٍ بَيْنَ ضِدَّيْنِ كَقَوْلِهِمُ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ فَإنَّهم يَعْنُونَ أنَّهُ في الأصْنافِ الحُلْوَةِ أمْيَزُ مِنَ الخَلِّ في الأصْنافِ الحامِضَةِ، ومِن هَذا القَبِيلِ ما يُحْكى عَنْ أشْعَبَ الماجِنِ أنَّهُ قالَ: نَشَأْتُ أنا والأعْمَشُ في حَجْرِ فُلانٍ فَما زالَ يَعْلُو وأسْفَلَ حَتّى اسْتَوَيْنا فَإنَّهُ عَنى اسْتِواءَهُما في بُلُوغِ كُلٍّ مِنهُما الغايَةَ حَيْثُ بَلَغَ هو الغايَةَ في التَّدَلِّي والأعْمَشُ الغايَةُ في التَّعَلِّي، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَتَعَيَّنُ هَذا الأحْسَنُ وكَذا السَّيِّئَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِأخِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ فَيَقُولُ: إنْ كُنْتُ كاذِبًا فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لَكَ وإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأنا أسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَغْفِرَ لِي.
وقِيلَ: الَّتِي هي أحْسَنُ شَهادَةً أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهَ والسَّيِّئَةُ الشِّرْكُ، وقالَ عَطاءُ والضَّحّاكُ: الَّتِي هي أحْسَنُ
صفحة 62
السَّلامِ والسَّيِّئَةُ الفُحْشُ، وقِيلَ: الأوَّلُ المَوْعِظَةُ والثّانِي المُنْكَرُ، واخْتارَ بَعْضُهُمُ العُمُومَ وأنَّ ما ذَكَرَ قُبَيْلَ التَّمْثِيلِ، والآيَةُ قِيلَ:
مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وقِيلَ: هي مَحْكَمَةٌ لِأنَّ الدَّفْعَ المَذْكُورَ مَطْلُوبٌ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى ثَلْمُ الدِّينِ والإزْراءِ بِالمُرُوءَةِ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَصِفُونَ﴾ أيْ بِوَصْفِهِمْ إيّاكَ أوْ بِالَّذِي يَصِفُونَكَ بِهِ مِمّا أنْتَ بِخِلافِهِ، وفِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالجَزاءِ والعُقُوبَةِ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَفْوِيضِ أمْرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ آيَةُ مُوادَعَةٍ فافْهَمْ.
23:97–98Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
﴿وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أيْ وساوِسِهِمُ المُغْرِيَةِ عَلى خِلافِ ما أمَرْتَ بِهِ وهي جَمْعُ هَمْزَةٍ، والهَمْزُ النَّخْسُ والدَّفْعُ بِيَدٍ أوْ غَيْرِها، ومِنهُ مِهْمازُ الرّائِضِ لِحَدِيدَةٍ تُرْبَطُ عَلى مُؤَخِّرِ رِجْلِهِ يَنْخُسُ بِهِ الدّابَّةَ لِتُسْرِعَ أوْ لِتَثِبَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلى الوَسْوَسَةِ والحَثِّ عَلى المَعاصِي لِما بَيْنَهُما مِنَ الشُّبَهِ الظّاهِرِ، والجَمْعُ لِلْمَرّاتِ أوْ لِتَنَوُّعِ الوَساوِسِ أوْ لِتَعَدُّدِ الشَّياطِينَ ﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أيْ مِن حُضُورِهِمْ حَوْلِي في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وتَخْصِيصُ حالِ الصَّلاةِ وقِراءَةِ القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وحالَ حُلُولِ الأجَلِ كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ لِأنَّها أحْرى الأحْوالِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنها لا سِيَّما الحالَ الأخِيرَةَ ولِذا قِيلَ: اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ النَّزْعِ عِنْدَ النَّزْعِ، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وفي الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ مِنَ الحُضُورِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّعَوُّذِ مِن هَمَزاتِهِمْ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ مِن مُلابَسَتِهِمْ، وإعادَةِ الفِعْلِ مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِالمَأْمُورِ بِهِ وعَرَضَ نِهايَةَ الِابْتِهالِ في الِاسْتِدْعاءِ ويَسُنُّ التَّعَوُّذَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وحُضُورِهِمْ عِنْدَ إرادَةِ النَّوْمِ،
فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعِلِّمُنا كَلِماتٍ نَقُولُهُنَّ عِنْدَ النَّوْمِ مِنَ الفَزَعِ بِسْمُ اللَّهِ أعُوذُ بِكَلِماتِ اللَّهِ التّامَّةِ مِن غَضَبِهِ وعِقابِهِ وشَرِّ عِبادِهِ ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأنْ يَحْضُرُونَ»»
23:99Page 348
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩
[For such is the state of the disbelievers] until, when death comes to one of them, he says, "My Lord, send me back
﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ حَتّى ابْتِدائِيَّةٌ وغايَةٌ لِمُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلِها والتَّقْدِيرُ فَلا أكُونُ كالكُفّارِ الَّذِينَ تَهْمِزُهُمُ الشَّياطِينُ وتَحْضُرُهم حَتّى إذا جاءَ إلَخْ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَيا عَجَبًا حَتّى كُلَيْبٍ تَسُبُّنِي فَإنَّ التَّقْدِيرَ يَسُبُّنِي كُلُّ النّاسِ حَتّى كَلِيبٍ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الجُمْلَةُ هُنا لِدَلالَةِ ما بَعْدِ حَتّى، وقِيلَ إنَّ هَذا الكَلامَ مَرْدُودٌ عَلى ﴿يَصِفُونَ﴾ الثّانِي عَلى مَعْنى إنَّ حَتّى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَزالُونَ عَلى سُوءِ المَقالَةِ والطَّعْنِ في حَضْرَةِ الرِّسالَةِ حَتّى إذا إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ إلَخِ اعْتِراضٌ مُؤَكَّدٌ لِلْإغْضاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلَخْ بِالِاسْتِعاذَةِ بِهِ تَعالى مِنَ الشَّياطِينِ أنْ يَزِلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا أُمِرَ بِهِ، وقِيلَ عَلى ( يَصِفُونَ ) الأوَّلُ أوْ عَلى ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مُرُورًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ويَكُونُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ إلى هَذا المَقامِ مِنِ اعْتِراضِ تَحْقِيقًا لِكَذِبِهِمْ ولِاسْتِحْقاقِهِمْ جَزاءَهُ ولَيْسَ بِالوَجْهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( حَتّى ) هُنا ابْتِدائِيَّةً لا غايَةَ لِما قَبْلِها. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّها إذا كانَتِ ابْتِدائِيَّةً لا تُفارِقُها الغايَةُ، والظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ أنَّ ضَمِيرَ ﴿أحَدَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى الكُفّارِ، والمُرادُ مِن مَجِيءِ المَوْتِ ظُهُورًا إماراتُهُ أيْ إذا ظَهَرَ لِأحَدِهِمْ أيُّ أحَدٍ كانَ مِنهم أماراتُ المَوْتِ وبَدَتْ لَهُ أحْوالُ
صفحة 63
الآخِرَةِ ﴿قالَ﴾ تَحَسُّرًا عَلى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ رُدَّنِي إلى الدُّنْيا، والواوُ لِتَعَظُّمُ المُخاطَبِ وهو اللَّهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ:
لا فارْحَمُونِي يا إلَهَ مُحَمَّدٍ فَإنْ لَمْ أكُنْ أهْلًا فَأنْتَ لَهُ أهْلٌ
وقَوْلُ الآخَرِ:
وإنْ شِئْتَ حَرَّمَتِ النِّساءُ سِواكم ∗∗∗ وإنْ شِئْتَ لَمْ أُطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرَدًا
والحُقُّ أنَّ التَّعْظِيمَ يَكُونُ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ بَلْ والغائِبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ وإنْكارُ ذَلِكَ غَيْرُ رَضِيٍّ والإيهامُ الَّذِي يَدَّعِيهِ ابْنُ مالِكٍ هُنا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وقِيلَ: الواوُ لِكَوْنِ الخِطابِ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يا مَلائِكَةَ رَبِّي ارْجِعُونِي، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ( رَبِّ ) اسْتِغاثَةً بِهِ تَعالى و ( ارْجِعُونِ ) خِطابٌ لِلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ورُبَّما يَسْتَأْنِسُ لِذَلِكَ بِما
أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: زَعَمُوا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: إنَّ المُؤْمِنَ إذا عايَنَ المَلائِكَةَ قالُوا: نُرْجِعُكَ إلى دارِ الدُّنْيا؟ قالَ: إلى دارِ الهُمُومِ والأحْزانِ بَلْ قُدُومًا إلى اللَّهِ تَعالى وأمّا الكافِرُ فَيَقُولُونَ لَهُ: نُرْجِعُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ ارْجِعُونِي»، وقالَ المازِنِيُّ: جَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلى التَّكْرارِ فَكَأنَّهُ قالَ: رَبِّ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي، ومِثْلُ ذَلِكَ تَتَنَبَّهُ الضَّمِيرُ في قَفا نَبْكِ ونَحْوِهِ.
واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ الخَفاجِيُّ بِأنَّهُ إذا كانَ أصْلُ ارْجِعُوا مَثَلًا ارْجِعِ ارْجِعِ ارْجِعْ لَمْ يَكُنْ ضَمِيرُ الجَمْعِ بَلْ تَرْكِيبُهُ الَّذِي فِيهِ حَقِيقَةٌ فَإذا كانَ مَجازًا فَمِن أيِّ أنْواعِهِ وكَيْفَ دَلالَتُهُ عَلى المُرادِ وما عَلاقَتُهُ وإلّا فَهو مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ومِن غَرِيبِهِ أنَّ ضَمِيرَهُ كانَ مُفْرَدًا واجِبَ الِاسْتِتارِ فَصارَ غَيْرَ مُفْرَدٍ واجِبَ الإظْهارِ ثُمَّ قالَ: لَمْ تَزَلْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ قَدِيمًا في خاطِرِي والَّذِي خَطَرَ لِي أنَّ لَنا اسْتِعارَةً أُخْرى غَيْرَ ما ذَكَرَ في المَعانِي ولِكَوْنِها لا عَلاقَةَ لَها بِالمَعْنى لَمْ تَذْكُرْ وهي اسْتِعارَةُ لَفْظٍ مَكانَ لَفْظٍ آخَرَ لِنُكْتَةٍ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعْناهُ وهو كَثِيرٌ في الضَّمائِرِ كاسْتِعْمالِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ الظّاهِرِ مَكانَ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ في كَفى بِهِ حَتّى لَزِمَ انْتِقالُهُ عَنْ صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أُخْرى ومِن لَفْظٍ إلى لَفْظٍ آخَرَ وما نَحْنُ فِيهِ مِن هَذا القَبِيلِ فَإنَّهُ غَيْرُ الضَّمائِرِ المُسْتَتِرَةِ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ ظاهِرٍ فَلَزِمَ الِاكْتِفاءَ بِأحَدِ ألِفاظِ الفِعْلِ وجَعَلَ دَلالَةَ ضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى تَكَرُّرِ الفِعْلِ قائِمًا مَقامَهُ في التَّأْكِيدِ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ فِيهِ، ولِابْنِ جِنِّيٍّ في الخَصائِصِ كَلامٌ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلِ انْتَهى كَلامُهُ.
ولِعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ جَدًّا، ولَعَلَّ الأقْرَبَ أنْ يُقالَ: أرادَ المازِنِيُّ أنَّهُ جَمَعَ الضَّمِيرَ لِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِ الواحِدِ مَنزِلَةَ الجَماعَةِ المُخاطِبِينَ ويَتْبَعُ ذَلِكَ كَوْنُ الفِعْلِ الصّادِرِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ الصّادِرِ مِنَ الجَماعَةِ ويَتْبَعُهُما كَوْنُ ( ارْجِعُونِ ) مَثَلًا بِمَنزِلَةِ ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي ارْجِعْنِي لَكِنَّ إجْراءً نَحْوَ هَذا في نَحْوِ- قِفا نَبْكِ- لا يَتَسَنّى إلّا إذا قِيلَ بِأنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ التَّعْظِيمَ كَما قَدْ يَقْصِدُ ذَلِكَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ ولَمْ يَخْطُرْ لِي أنِّي رَأيْتُهُ فَلْيَتَتَبَّعْ ولِيَتَدَبَّرْ
23:100Page 348
لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كـَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠
That I might do righteousness in that which I left behind."1 No! It is only a word he is saying; and behind them is a barrier until the Day they are resurrected.
﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ أيْ في الإيمانِ الَّذِي تَرَكْتُهُ، ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي وهو إمّا راجِعٌ لِلْعَمَلِ والإيمانِ لِعِلْمِهِ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ أوْ لِلْعَمَلِ فَقَطْ لِتَحْقِيقِ إيمانِهِ إنْ رَجَعَ فَهو كَما في قَوْلِكَ: ﴿لَعَلِّي﴾ أرْبَحُ في هَذا المالِ أوْ كَقَوْلِكَ: ( لِعَلِيّ ) أبْنِي عَلى أُسٍّ أيْ أأُسِّسَ ثُمَّ أبْنِي، وقِيلَ: فِيما تَرَكْتَ مِنَ المالِ أوْ مِنَ الدُّنْيا جُعِلَ مُفارَقَةَ ذَلِكَ تَرْكًا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ.
صفحة 64
وفِي البُرْهانِ حَكى البَغْوِيُّ عَنِ الواقِدِيِّ أنَّ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن لَعَلَّ فَإنَّها لِلتَّعْلِيلِ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ فَإنَّها لِلتَّشْبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السَّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ نَحْوَهُ، ثُمَّ إنَّ طَلَبَ الرَّجْعَةِ لَيْسَ مِن خَواصِّ الكُفّارِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مانِعَ الزَّكاةِ وتارِكَ الحَجِّ المُسْتَطِيعَ يَسْألانِ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا حَضَرَ الإنْسانَ الوَفاةُ يَجْمَعُ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ يَمْنَعُهُ عَنِ الحَقِّ فَيَجْعَلُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾»»
وهَذا الخَبَرُ يُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ مِمّا تَرَكَتِ المالَ ونَحْوَهُ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنْ طَلَبِ الرَّجْعَةِ واسْتِبْعادٌ لَها ﴿إنَّها﴾ أيْ قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ إلَخْ ﴿كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ لا مَحالَةَ لا يُخَلِّيها ولا يَسْكُتُ عَنْها لِاسْتِيلاءُ الحَسْرَةُ وتَسَلُّطُ النَّدَمِ عَلَيْهِ فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِلتَّقْوى أوْ هو قائِلُها وحْدَهُ فالتَّقْدِيمُ لِلِاخْتِصاصِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يُجابُ إلَيْها ولا تُسْمَعُ مِنهُ بِتَنْزِيلِ الإجابَةِ والِاعْتِدادِ مَنزِلَةِ قَوْلِها حَتّى كَأنَّ المُعْتَدَّ بِها شَرِيكٌ لِقائِلِها، ومِثْلُ هَذا مُتَداوَلٌ فَيَقُولُ مَن كَلَّمَهُ صاحِبُهُ بِما لا جَدْوى تَحْتَهُ: اشْتَغِلْ أنْتَ وحْدَكَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ فَتَكَلَّمْ واسْتَمِعْ يَعْنِي أنَّها مِمّا لا تَسْمَعُ مِنكَ ولا تَسْتَحِقُّ الجَوابَ، والكَلِمَةُ هُنا بِمَعْنى الكَلامِ كَما في قَوْلِهِمْ: كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وهي في هَذا المَعْنى مَجازٌ عِنْدَ النُّحاةِ، وأمّا عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ فَقِيلَ حَقِيقَةٌ، وقِيلَ مَجازٌ مَشْهُورٌ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿كَلا﴾ وما بَعْدَها مِن كَلامِهِ تَعالى، وأبْعَدَ جَدًّا مَن زَعَمَ أنَّ ﴿كَلا﴾ مِن قَوْلِ مَن عايَنَ المَوْتَ وأنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ والنَّدَمِ ﴿ومِن ورائِهِمْ﴾ أيْ أمامَهم وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ، والضَّمِيرُ لِأحَدِهِمْ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى لِأنَّهُ في حُكْمِ كُلِّهِمْ كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأوَّلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ ﴿بَرْزَخٌ﴾ حاجِزٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الرَّجْعَةِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ مِن قُبُورِهِمْ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا تَعْلِيقٌ لَرَجَعَتِهِمْ إلى الدُّنْيا بِالمَحالِّ كَتَعْلِيقِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعْرافُ: 40] وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ مِن ورائِهِمْ حاجِزٌ بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ في القِيامَةِ مِنَ القُبُورِ باقٍ إلى يَوْمِ يَبْعَثُونَ، وقِيلَ: حاجِزٌ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَزاءِ التّامِّ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإذا جاءَ ذَلِكَ اليَوْمَ جَوَّزُوا عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences