Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:27–29
24:27Page 352
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧
O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].
ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إثْرَ ما فَصَلَ الزَّواجِرَ عَنِ الزِّنا وعَنْ رَمْيِ العَفائِفِ عَنْهُ شَرَعَ في تَفْصِيلِ الزَّواجِرِ عَمّا عَسى يُؤَدِّي إلى أحَدِهِما مِن مُخالَطَةِ الرِّجالِ بِالنِّساءِ ودُخُولِهِمْ عَلَيْهِنَّ في أوْقاتِ الخَلَواتِ وتَعْلِيمِ الآدابِ الجَمِيلَةِ والأفاعِيلِ المُرْضِيَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إلَخْ، وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما أخْرَجَ الفَرْيابِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ عُدَيِّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ «أنَّ امْرَأةً قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى الحالَةِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ لا ولَدٌ ولا والِدٌ فَيَأْتِينِي آتٍ فَيَدْخُلُ عَلَيَّ فَكَيْفَ أصْنَعُ؟
فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ،» وإضافَةُ البُيُوتِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لامِيَّةٌ اخْتِصاصِيَّةٌ، والمُرادُ عِنْدَ بَعْضِ الِاخْتِصاصِ المَلَكِيِّ، ووَصْفُ البُيُوتِ بِمُغايَرَةِ بُيُوتِهِمْ بِهَذا المَعْنى خارِجٌ مَخْرَجِ العادَةِ الَّتِي هي سُكْنى كُلِّ أحَدٍ في مِلْكِهِ وإلّا فالآجِرُ والمُعَيِّرُ أيْضًا مَنهِيّانِ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذْنٍ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ اخْتِصاصُ السُّكْنى أيْ غَيْرِ بُيُوتِكُمُ الَّتِي تَسْكُنُونَها لِأنَّ كَوْنَ الآجِرِ والمُعَيِّرِ مَنهِيَّيْنِ كَغَيْرِهِما عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إذَنِ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ إرادَةِ الِاخْتِصاصِ المَلَكِيِّ فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى الِاخْتِصاصِ المَذْكُورِ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ ذاكَ خارِجٌ مَخْرَجَ العادَةِ، وقُرِئَ ﴿بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ بِكَسْرِ الباءِ لِأجْلِ الياءِ ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أيْ تَسْتَأْذِنُوا مَن يَمْلِكُ الإذْنَ مِن أصْحابِها، وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويُخالِفُهُ ما رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وناسٌ آخَرُونَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أخْطَأ الكاتِبُ وإنَّما هي «حَتّى تَسْتَأْذِنُوا» لَكِنْ قالَ أبُو حَيّانَ: مَن رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ فَهو طاعِنٌ في الإسْلامِ مُلْحِدٌ في الدِّينِ وابْنُ عَبّاسٍ بَرِيءٌ مِن ذَلِكَ القَوْلِ انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ تَصْحِيحَ الحاكِمِ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيثِ لَكِنْ لِلْخَبَرِ المَذْكُورِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وكِتابُ الأحادِيثِ المُخْتارَةِ لِلضِّياءِ كِتابٌ مُعْتَبَرٌ، فَقَدْ قالَ السَّخاوِيُّ في فَتْحِ المُغِيثِ في تَقْسِيمِ أهْلِ المَسانِيدِ ومِنهم مَن يَقْتَصِرُ عَلى الصّالِحِ لِلْحُجَّةِ كالضِّياءِ في مُخْتارَتِهِ، والسُّيُوطِيُّ بَعْدَ ما عُدَّ في دِيباجَةِ جَمْعِ الجَوامِعِ الكُتُبُ الخَمْسَةُ
وهِيَ صَحِيحُ البُخارِيِّ وصَحِيحُ مُسْلِمٍ وصَحِيحُ ابْنِ حِبّانَ والمُسْتَدْرِكُ والمُخْتارَةُ لِلضِّياءِ قالَ وجَمِيعُ ما في هَذِهِ الكُتُبِ الخَمْسَةِ صَحِيحٌ.
ونَقَلَ الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ في طَبَقاتِ الحَنابِلَةِ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ أنَّهُ قالَ: كِتابُ المُخْتارَةِ خَيْرٌ مِن صَحِيحِ الحاكِمِ فَوُجُودُ هَذا الخَبَرِ هُناكَ مَعَ ما ذَكَرَ مِن تَعَدُّدِ طُرُقِهِ يَبْعُدُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ أجابَ عَنْ هَذا الخَبَرِ ونَحْوِهِ مِنَ الأخْبارِ الطّاعِنَةِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ في تَواتُرِ القُرْآنِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وسَيَأْتِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَعْضُها أيْضًا. بِأنَّ الرِّواياتِ ضَعِيفَةٌ ومُعارَضَةٌ بِرِواياتٍ
صفحة 134
أُخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرِهِ وهَذا دُونَ طَعْنِ أبِي حَيّانَ. وأجابَ ابْنُ اشْتَهٍ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ الخَطَأُ في الِاخْتِيارِ وتَرْكُ ما هو الأوْلى بِحَسْبِ ظَنِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِجَمْعِ النّاسِ عَلَيْهِ مِنَ الأحْرُفِ السَّبْعَةِ لا أنَّ الَّذِي كَتَبَ خَطَأً خارِجٌ عَنِ القُرْآنِ.
واخْتارَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ هَذا الجَوابَ وقالَ: هو أوْلى وأقْعَدُ مِن جَوابِ ابْنِ الأنْبارِيِّ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ حَمْلَ كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ لِما أنَّ ما ذُكِرَ خِلافُ ظاهِرِ كَلامِهِ، وأيْضًا ظَنَّ ابْنُ عَبّاسٍ أوْلَوِيَّةَ ما أجْمَعَ سائِرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى خِلافِهِ مِمّا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في العُرْضَةِ الأخِيرَةِ بِعِيدِهِ وكَأنَّهم رَأوْا أنَّ التِزامَ ذَلِكَ أهْوَنُ مِن إنْكارِ ثُبُوتِ الخَبَرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعَ تَعَدُّدِ طُرُقِهِ وإخْراجِ الضِّياءِ إيّاهُ في مُخْتارَتِهِ، ويُشَجِّعُ عَلى هَذا الإنْكارِ اعْتِقادُ جَلالَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وثُبُوتِ الإجْماعِ عَلى تَواتُرِ خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِهِ فَتَأمَّلْ.
واسْتِعْمالُ الِاسْتِئْناسِ بِمَعْنى الِاسْتِئْذانِ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْتِفْعالٌ مِن آنَسَ الشَّيْءَ بِالمَدِّ عَلَّمَهُ أوْ أبْصَرَهُ وإبْصارُهُ طَرِيقٌ إلى العِلْمِ فالِاسْتِئْناسُ اسْتِعْلامٌ والمُسْتَأْذِنُ طالِبُ العِلْمِ بِالحالِ مُسْتَكْشِفٌ أنَّهُ هَلْ يُرادُ دُخُولُهُ أوْ لا.
وقِيلَ الِاسْتِئْناسُ خِلافُ الِاسْتِيحاشِ فَهو مِنَ الأُنْسِ بِالضَّمِّ خِلافَ الوَحْشَةِ. والمُرادُ بِهِ المَأْذُونِيَّةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ:
حَتّى يُؤْذَنَ لَكم فَإنَّ مَن يَطْرُقُ بَيْتَ غَيْرِهِ لا يَدْرِي أيُؤَذِّنُ لَهُ أمْ لا؟ فَهو كالمُسْتَوْحِشِ مِن خَفاءِ الحالِ عَلَيْهِ فَإذا أذِنَ لَهُ اسْتَأْنَسَ، وهو في ذَلِكَ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ، وقِيلَ: الِاسْتِئْناسُ مِنَ الإنْسِ بِالكَسْرِ بِمَعْنى النّاسِ أيْ حَتّى تَطْلُبُوا مَعْرِفَةَ مَن في البُيُوتِ مِنَ الإنْسِ. وضَعُفَ بِأنَّ فِيهِ اشْتِقاقًا مِن جامِدٍ كَما في المُسْرِجِ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّراجِ وبِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن في البَيْتِ لا تَكْفِي بِدُونِ الإذْنِ فَيُوهِمُ جَوازَ الدُّخُولِ بِلا إذْنٍ. ومِنَ النّاسِ مَن رَجَّحَهُ بِمُناسَبَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ ولا يُكافَئُ التَّضْعِيفُ بِما سَمِعْتَ.
وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ المَعْنى حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ مِن أنْفُسِكم بِالِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ وتُؤْنِسُوا أنْفُسَكم بِأنْ تَعْلَمُوا أنْ قَدْ شَعَرَ بِكم ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: المَعْنى حَتّى تَطْلُبُوا عِلْمَ أهْلِ البَيْتِ، والمُرادُ حَتّى تُعَلِّمُوهم عَلى أتَمِّ وجْهٍ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ ما
رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ ما الِاسْتِئْناسُ؟ فَقالَ: «يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِالتَّسْبِيحَةِ والتَّكْبِيرَةِ والتَّحْمِيدَةِ يَتَنَحْنَحُ يُؤْذَنُ أهْلُ البَيْتِ»»
وما
أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: تَسْتَأْنِسُوا تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّمُوا،
وقِيلَ المُرادُ حَتّى تُؤْنِسُوا أهْلَ البَيْتِ بِإعْلامِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ أوْ نَحْوِهِ، والخِبْرانِ المَذْكُورانِ لا يَأْبَيانِهِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، وفي دَلالَةِ ما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِ الِاسْتِئْناسِ في الخَبَرِ عَلى ما سَبَقَ لَهُ بَحْثٌ سَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ أيِ السّاكِنِينَ فِيها، وظاهِرُ الآيَةِ بِأنَّ الِاسْتِئْذانَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وبِهِ قالَ بَعْضُهم.
وقالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ المُخْتارُ تَقْدِيمُ التَّسْلِيمِ عَلى الِاسْتِئْذانِ،
فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «السَّلامَ قَبْلَ الكَلامِ»»
وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ فِيمَن يَسْتَأْذِنُ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ قالَ: لا يُؤْذَنُ لَهُ حَتّى يُسَلِّمَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ وهْبٍ في كِتابِ المَجالِسِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: أرْسَلَنِي أبِي إلى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: أألِجُّ؟ فَقالَ: ادْخُلْ فَلَمّا دَخَلْتُ قالَ: مَرْحَبًا يا ابْنَ أخِي لا تَقُلْ أألِجُّ ولَكِنْ قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكم فَإذا قِيلَ: وعَلَيْكُ فَقُلْ:
صفحة 135
أأدْخُلُ؟ فَإذا قالُوا: ادْخُلْ فادْخُلْ.
وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبُغَ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم أيَدْخَلُ عُمَرُ ؟» واخْتارَ الماوِرْدِيُّ التَّفْصِيلَ وهو أنَّهُ إنْ وقَعَتْ عَيْنُ المُسْتَأْذِنِ عَلى مَن في البَيْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ قَدَّمَ السَّلامَ وإلّا قَدَّمَ الِاسْتِئْذانَ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِئْذانَ بِما يَدُلُّ عَلى طَلَبِ الإذْنِ صَرِيحًا والمَأْثُورُ المَشْهُورُ في ذَلِكَ أأُدْخُلُ؟ كَما سَمِعْتَ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ بِما يَفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا وجَعَلُوا مِنهُ التَّسْبِيحَ والتَّكْبِيرَ ونَحْوَهُما مِمّا يَحْصُلُ بِهِ إيذانُ أهْلِ البَيْتِ بِالجائِي فَإنَّ في إيذانِهِمْ دَلالَةٌ عَلى ما طَلَبَ الإذْنَ مِنهُمْ، وحَمَلُوا ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ أبِي أيُّوبٍ وكَلامِ مُجاهِدٍ عَلى ذَلِكَ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءَ واجِبٌ عَلى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ويَكْفِي فِيهِ المَرَّةُ الواحِدَةُ عَلى ما يَقْتَضِيهُ ظاهِرُ الآيَةِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشَّعْبِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ:
كانَ يُقالُ الِاسْتِئْذانُ ثَلاثًا فَمَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِنَّ فَلْيَرْجِعْ، أمّا الأُولى فَيَسْمَعُ الحَيَّ، وأمّا الثّانِيَةُ فَيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وأمّا الثّالِثَةُ فَإنْ شاؤُوا أذِنُوا وإنْ شاؤُوا رَدُّوا. وفي الأمْرِ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ الثَّلاثِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أخْرَجَهُ مالِكٌ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ.
وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ لا يَزِيدُ عَلى الثَّلاثِ إلّا إنْ تَحَقَّقَ أنَّ مَن في البَيْتِ لَمْ يَسْمَعْ، وظاهِرُ الآيَةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِئْذانِ إذا أُرِيدَ الدُّخُولُ عَلى المَحارِمِ،
وقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّإ عَنْ عَطاءَ بْنِ يَسارٍ ««أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أأُسْتَأْذَنُ عَلى أُمِّي؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: لَيْسَ لَها خادِمٌ غَيْرِي أأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ؟ قالَ: أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ قالَ الرَّجُلُ: لا قالَ: فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»»
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَيْكم أنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلى أُمَّهاتِكم وأخَواتِكُمْ، وهو أيْضًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ بَعْضُ الآثارِ مَشْرُوعٌ لِلنِّساءِ إذا أرَدْنَ دُخُولَ بُيُوتٍ غَيْرِ بُيُوتِهِنَّ. فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ إياسٍ قالَتْ: كُنْتُ في أرْبَعِ نِسْوَةٍ نَسْتَأْذِنُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَعالى عَنْها فَقُلْتُ: نَدْخُلُ؟ فَقالَتْ: لا فَقالَ واحِدٌ:
السَّلامُ عَلَيْكم أنَدْخُلُ؟ قالَتِ: ادْخُلُوا ثُمَّ قالَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ إلَخْ وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَفي الآيَةِ نَوْعُ تَغْلِيبٍ، ووَجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ لَهُنَّ نَحْوُ وجْهِ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلرِّجالِ فَإنَّ أهْلَ البَيْتِ قَدْ يَكُونُونَ عَلى حالٍ لا يُحِبُّونَ اطِّلاعَ النِّساءِ عَلَيْهِ كَما لا يُحِبُّونَ اطِّلاعَ الرِّجالِ.
وصَحَّ مِن حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ. وغَيْرُهُما ««إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ النَّظَرِ»»
ومِن هُنا لا يَنْبَغِي النَّظَرُ في قَعْرِ البَيْتِ قَبْلَ الِاسْتِئْذانِ،
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن كانَ يَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَلا يَدْخُلُ عَلى أهْلِ بَيْتٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ ويُسَلِّمَ فَإذا نَظَرَ في قَعْرِ البَيْتِ فَقَدْ دَخَلَ»»
«وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما أخْرَجَ أبُو داوُدَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ ولَكِنَّ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ ويَقُولُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ»» وذَلِكَ أنَّ الدَّوْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ فاسْتِقْبالُ البابِ رُبَّما يُفْضِي إلى النَّظَرِ، وظاهِرُ الآيَةِ أيْضًا مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِئْذانِ لِلْأعْمى لِدُخُولِهِ في عُمُومِ المَوْصُولِ، ووَجْهُها كَراهَةَ اطِّلاعِهِ بِواسِطَةِ السَّمْعِ عَلى ما لا يَجِبُ أهْلُ البَيْتِ اطِّلاعُهُ عَلَيْهِ مِنَ الكَلامِ مَثَلًا.
وفِي الكَشّافِ إنَّما شَرَعَ الِاسْتِئْذانَ لِئَلّا يُوقِفُ عَلى الأحْوالِ الَّتِي يَطْوِيها النّاسُ في العادَةِ عَنْ غَيْرِهِمْ
صفحة 136
ويَتَحَفَّظُونَ مِنِ اطِّلاعِ أحَدٍ عَلَيْها ولَمْ يَشْرَعْ لِئَلّا يَطَّلِعَ الدّامِرُ عَلى عَوْرَةِ أحَدٍ ولا تَسْبِقُ عَيْنُهُ إلى ما لا يَحُلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ فَقَطْ، وهو تَعْلِيلٌ حَسَنٌ إلّا أنَّهُ يَحْتاجُ القَوْلَ بِذَلِكَ إلى القَوْلِ بِأنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّما جَعَلَ الِاسْتِئْذانَ مِن أجْلِ النَّظَرِ»» خارِجَ مَخْرَجَ الغالِبِ.
وجِيءَ بِإنَّما لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ لا لِلْحَصْرِ وقَدْ صَرَّحُوا بِمَجِيءِ إنَّما لِذَلِكَ فَلا تَغْفُلْ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِئْذانَ والتَّسْلِيمَ مُتَغايِرانِ لَكِنَّ ظاهِرَ بَعْضِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِئْذانَ داخِلٌ في التَّسْلِيمِ كَما أنَّ بَعْضَها يَقْتَضِي مُغايَرَتَهُ لَهُ وعَدَمَ دُخُولِهِ فِيهِ، ووَجْهُ جَعْلِهِ مِنَ التَّسْلِيمِ أنَّهُ بِدُونِهِ كالعَدَمِ لِما أنَّ السُّنَّةَ فِيهِ أنْ يَقْرِنَ بِالتَّسْلِيمِ. هَذا وُفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ «حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا» ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ عَلى ما قِيلَ إلى الدُّخُولِ بِالِاسْتِئْذانِ والتَّسْلِيمِ المَفْهُومِ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِ في ضِمْنِ الفِعْلَيْنِ المُغَيّا بِهِما أيِ الِاسْتِئْذانِ والتَّسْلِيمِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الدُّخُولِ بَغْتَةً والدُّخُولِ عَلى تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، فَقَدْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أرادَ أنْ يَدْخُلَ بَيْتًا غَيْرَ بَيْتِهِ يَقُولُ: حُيِّيتُمْ صَباحًا حُيِّيتُمْ مَساءً فَيَدْخُلُ فَرُبَّما أصابَ الرَّجُلَ مَعَ امْرَأتِهِ في لِحافٍ، وخَيْرِيَّةُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ قِيلَ عَلى زَعْمِهِمْ لِما في الِانْتِظارِ مِنَ المَذَلَّةِ ولِعَدَمِ تَحِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ حَسَنَةٌ كَما هو عادَةُ النّاسِ اليَوْمَ في قَوْلِهِمْ: صَباحُ الخَيْرِ ومَساءُ الخَيْرِ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ مِن قُبَيْلِ الخَلِّ أحْلى مِنَ العَسَلِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿خَيْرٌ﴾ صِفَةً فَلا تَقْدِيرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ أرْشَدْتُمْ إلى ذَلِكَ أوْ قِيلَ لَكم هَذا كَيْ تَتَذَكَّرُوا وتَتَّعِظُوا وتَعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ.
24:28Page 353
فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨
And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.
﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ بِأنْ كانَتْ خالِيَةً مِنَ الأهْلِ ﴿فَلا تَدْخُلُوها﴾ واصْبِرُوا ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ مِن جِهَةِ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ عِنْدَ وِجْدانِكم إيّاهُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الدُّخُولَ في البُيُوتِ الخالِيَةِ مِن غَيْرِ إذْنٍ سَبَبٌ لِلْقِيلِ والقالِ، وفِيهِ تَصَرُّفٌ بِمِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ رِضاهُ وهو يُشْبِهُ الغَضَبَ، وهَذِهِ الآيَةُ لِبَيانِ حُكْمِ البُيُوتِ الخالِيَةِ عَنْ أهْلِها كَما أنَّ الآيَةَ الأُولى لِبَيانِ حُكْمِ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أهْلُها.
وجَوَّزَ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الِاسْتِئْناسِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ والأمْرُ دائِرٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا مِنَ الآذِنِينَ أيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ فَلا تَدْخُلُوها إلَخْ ويُفِيدُ هَذا حُرْمَةَ دُخُولِ ما فِيهِ مَن لا يَمْلِكُ الإذْنَ كَعَبْدٍ وصَبِيٍّ مِن دُونِ إذْنِ مَن يَمْلِكُهُ، ومَنِ اخْتارَ الأوَّلَ قالَ: إنْ حُرْمَةَ ما ذَكَرَ ثابِتَةً بِدَلالَةِ النَّصِّ فَتَأمَّلْ. وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ إلى آخِرِهِ دُونَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها أحَدٌ لِأنَّ المُعْتَبِرَ وجَدَ أنَّها خالِيَةٌ مِنَ الأهْلِ مُطْلَقًا أوْ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ الإذْنَ سَواءً كانَ فِيها أحَدٌ في الواقِعِ أمْ لَمْ يَكُنْ كَذا قِيلَ: وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِمْ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ، بِأنْ كانَتْ خالِيَةً كَوْنُها خالِيَةً بِحَسْبِ الِاعْتِقادِ، وكَذا يُقالُ في نَظِيرِهِ فَلا تَغْفُلْ، ثُمَّ إنْ ما أفادَتْهُ الآيَتانِ مِنَ الحُكْمِ قَدْ خَصَّصَهُ الشَّرْعُ فَجَوَّزَ الدُّخُولَ لِإزالَةِ مُنْكَرٍ تَوَقَّفَتْ عَلى الدُّخُولِ مِن غَيْرِ إذْنِ أهْلِ البَيْتِ والدُّخُولُ في البَيْتِ الخالِي لِإطْفاءِ حَرِيقٌ فِيهِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ السُّوَرَ الَّتِي فِيها الدُّخُولُ مِن غَيْرِ إذْنٍ مِمَّنْ يَمْلِكُ الإذْنَ فَلْتُراجِعْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإذْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ما يَعُمُّ الإذْنَ دَلالَةً وشَرْعًا ولِذا وقَعَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى
صفحة 137
القَوْلِ بِالتَّخْصِيصِ وفِيهِ خَفاءٌ ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ أيْ إنْ أُمِرْتُمْ مِن جِهَةِ أهْلِ البَيْتِ بِالرُّجُوعِ سَواءً كانَ الآمِرُ مَن يَمْلِكُ الإذْنَ أمْ لا فارْجِعُوا ولا تُلِحُّوا ﴿هُوَ﴾ أيِ الرُّجُوعِ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ أطْهَرَ مِمّا لا يَخْلُو عَنْهُ اللَّجُّ والعِنادُ والوُقُوفُ عَلى الأبْوابِ بَعْدَ القَوْلِ المَذْكُورِ مِن دَنَسِ الدَّناءَةِ والرَّذالَةِ أوْ أنَفَعَ لِدِينِكم ودُنْياكم عَلى أنْ ﴿أزْكى﴾ مِنَ الزَّكاةِ بِمَعْنى النُّمُوِّ.
والظّاهِرُ أنَّ صِيغَةَ أفْعَلَ في الوَجْهَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ، وقَيَّدْنا الوُقُوفَ عَلى الأبْوابِ بِما سَمِعْتَ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَناءَةٌ مُطْلَقًا، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ يَأْتِي دُورَ الأنْصارِ لِطَلَبِ الحَدِيثِ فَيَقْعُدُ عَلى البابِ ولا يَسْتَأْذِنُ حَتّى يَخْرُجَ إلَيْهِ فَإذا خَرَجَ ورَآهُ قالَ: يا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ لَوْ أخْبَرَتْنِي بِمَكانِكَ فَيَقُولُ: هَكَذا أمَرَنا أنْ نَطْلُبَ العِلْمَ، وكَأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَدَّ ذَلِكَ مِنَ التَّواضُعِ وهو مِن أقْوى أسْبابِ الفُتُوحِ لِطالِبِ العِلْمِ، وقَدْ أعْطانِي اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ نَصِيبًا وافِيًا مِنهُ فَكُنْتُ أكْثَرَ التَّلامِذَةِ تَواضُعًا وخِدْمَةً لِلْمَشايِخِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ ما تَأْتُونَ وما تَذْرُونَ مِمّا كَلَّفْتُمُوهُ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
24:29Page 353
لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩
There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا﴾ أيْ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ أيْ مَوْضُوعَةٍ لِسُكْنى طائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَطْ بَلْ لِيَتَمَتَّعَ بِها مَن يَحْتاجُ إلَيْها كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَّخِذَها سَكَنًا كالرَّبْطِ والخاناتِ والحَوانِيتَ والحَمّاماتِ وغَيْرِها فَإنَّها مُعَدَّةٌ لِمَصالِحِ النّاسِ كافَّةً كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ صِفَةٌ لِلْبُيُوتِ أوِ اسْتِئْنافِ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ الجَناحِ أيْ فِيها حَقُّ تَمَتُّعٍ لَكم كالِاسْتِكْنانِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ وإيواءِ الأمْتِعَةِ والرِّحالِ والشِّراءِ والبَيْعِ والِاغْتِسالِ وغَيْرِها مِمّا يَلِيقُ بِحالِ البُيُوتِ وداخِلِيها فَلا بَأْسَ بِدُخُولِها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ مِن داخِلِيها مِن قَبْلُ ولا مِمَّنْ يَتَوَلّى أمْرَها ويَقُومُ بِتَدْبِيرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا﴾ إلَخْ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِتُجّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ مِن مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ وبَيْتِ المَقْدِسِ ولَهم بُيُوتٌ مَعْلُومَةٌ عَلى الطَّرِيقِ فَكَيْفَ يَسْتَأْذِنُونَ ويُسَلِّمُونَ ولَيْسَ فِيها سُكّانٌ؟ فَرَخَّصَ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ فَأنْزَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾
إلَخْ،» وعَنى الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِـ البُيُوتِ المَعْلُومَةِ الخاناتِ الَّتِي في الطُّرُقِ وهي في الآيَةِ أعَمُّ مِن ذَلِكَ، ولا عِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِمْ مِن تَفْسِيرِها فِيها بِذَلِكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وكَذا ما أخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنْ عَطاءَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ أنَّها البُيُوتُ الخَرِبَةُ الَّتِي تُدْخَلُ لِلتَّبَرُّزِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا مِن أنَّها دُورُ مَكَّةَ فَهو مِن بابِ التَّمْثِيلِ أيْضًا لَكِنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ مَبْنِيَّةٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ دَوْرَ مَكَّةَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ والنّاسُ فِيها شُرَكاءُ وقَدْ عَلِمْتُ ما في المَسْألَةِ مِنَ الخِلافِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في النّاسِخِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ إلَخْ واسْتَثْنى مِنهُ البُيُوتَ الغَيْرَ المَسْكُونَةَ، ورُوِيَ حَدِيثُ الِاسْتِثْناءِ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسْنِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ خَبَرِ
صفحة 138
مُقاتِلٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يُظْهِرُ ذَلِكَ الآنَ الآيَةَ الأُولى في البُيُوتِ المَمْلُوكَةِ والمَسْكُونَةِ وهَذِهِ الآيَةُ في البُيُوتِ المُباحَةِ الَّتِي لا اخْتِصاصَ لَها بِواحِدٍ دُونَ واحِدٍ. والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ الجَلِيلُ أنَّ البُيُوتَ فِيما تَقَدَّمَ أعَمُّ مِن هَذِهِ البُيُوتِ فَيَكُونُ ما ذُكِرَ تَخْصِيصًا لِذَلِكَ وهو المَعْنِيُّ بِالِاسْتِثْناءِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ وعِيدٌ لِمَن يَدْخُلُ مَدْخَلًا مِن هَذِهِ المَداخِلِ لِفَسادٍ أوِ اطِّلاعٍ عَلى عَوْراتٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences