Al-AlusiAn‑Nur · 24:35

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:35, continued

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ تَشْبِيهُ النُّورِ المُرادُ بِهِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لِلنَّفْسِ بِمَراتِبِها بِذَلِكَ ومَراتِبُها أرْبَعٌ، الأُولى أنْ تَكُونَ النَّفْسُ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ لَها كَما في مَبْدَإ الطُّفُولِيَّةِ وتُسَمّى القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ لِأنَّها كالهَيُولى في أنَّها في ذاتِها خالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ قابِلَةٌ لَها، وثانِيَتُها أنْ تَسْتَعْمِلَ آلاتِها أيِ الحَواسِّ مُطْلَقًا فَيَحْصُلُ لَها عُلُومٌ أوَّلِيَّةٌ، وتَسْتَعِدُّ لِاكْتِسابِ عُلُومٍ نَظَرِيَّةٍ وتُسَمّى القُوَّةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا بِالمَلَكَةِ لِحُصُولِ مَلَكَةِ الِانْتِقالِ إلى النَّظَرِيّاتِ لَها بِسَبَبِ تِلْكَ الأوَّلِيّاتِ، وثالِثَتُها أنْ تَصِيرَ النَّظَرِيّاتُ مَخْزُونَةً عِنْدَها وتَحْصُلُ لَها مَلَكَةُ اسْتِحْضارِها مَتى شاءَتْ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ وتُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا بِالفِعْلِ لِحُصُولِ تِلْكَ العُلُومِ لَها بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ، ورابِعَتُها أنَّ تَرَتُّبَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ وتُدْرِكَ العُلُومَ النَّظَرِيَّةَ مُشاهِدَةً إيّاها بِالفِعْلِ وتُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا مُسْتَفادًا لِاسْتِفادَتِها مِنَ العَقْلِ الفَعّالِ فَشَبَّهَتِ القُوَّةَ بِالمُرَتَّبَةِ الأوْلى بِالمِشْكاةِ الخالِيَةِ في بَدْءِ الأمْرِ عَنِ الأنْوارِ الحِسِّيَّةِ المُسْتَعِدَّةِ لِلِاسْتِنارَةِ بِها وبِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِالزُّجاجَةِ المُتَلَأْلِئَةِ في نَفْسِها القابِلَةِ لِلْأنْوارِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِنَ الغَيْرِ الخارِجِيِّ وبِالمَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ بِالمِصْباحِ الَّذِي اشْتَعَلَتْ فَتِيلَتُهُ المُشَبَّعَةُ مِنَ الزَّيْتِ وبِالمَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ بِالنُّورِ المُتَضاعَفِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ والشَّيْخُ ابْنُ سِينا بَعْدَ أنْ بَيَّنَ المَراتِبَ حَمَلَ مُفْرَداتِ التَّنْزِيلِ عَلَيْها، وحَقَّقَ في المُحاكَماتِ وجْهَ التَّرْتِيبِ فِيها حَيْثُ جَعَلَ الزُّجاجَةَ في المِشْكاةِ والمِصْباحَ في الزُّجاجَةِ بِأنَّ هُناكَ اسْتِعْدادًا مَحْضًا كَما في المَرْتَبَةِ الأُولى واسْتِعْدادُ اكْتِسابٍ كَما في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ واسْتِعْدادُ اسْتِحْضارٍ كَما في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ ولا شَكَّ أنَّ اسْتِعْدادَ الِاكْتِسابِ بِحَسْبِ الِاسْتِعْدادِ المَحْضِ واسْتِعْدادُ الِاسْتِحْضارِ بِحَسْبِ اسْتِعْدادِ الِاكْتِسابِ فَتَكُونُ الزُّجاجَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ بِالمَلَكَةِ كَأنَّما هي في المِشْكاةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ الهَيُولانِيِّ والمِصْباحُ وهو العَقْلُ بِالفِعْلِ في الزُّجاجَةِ الَّتِي هي العُقَلُ بِالمَلَكَةِ لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ بِاعْتِبارِ حُصُولِ العَقْلِ أوَّلًا وحَيْثُ إنَّ العَقْلَ بِالمَلَكَةِ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِالفِكْرِ أوْ بِالحَدْسِ أوْ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ أُشِيرُ إلى الفِكْرِ بِالشَّجَرَةِ الزَّيْتُونَةِ وإلى الحَدْسِ بِالزَّيْتِ وإلى القُوَّةِ القُدْسِيَّةِ بِيَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ودَفَعَ ما يَظْهَرُ مِن عَدَمِ انْطِباقِ ما ذَكَرَ عَلى النَّظْمِ الجَلِيلِ لِأنَّهُ وصَفَ فِيهِ الشَّجَرَةَ بِما سَمِعْتَ مِنَ الصِّفاتِ، وهَذِهِ أُمُورٌ مُتَبايِنَةٌ لا يَجُوزُ وصْفُ أحَدِها بِالآخَرِ بِأنَّ الشَّجَرَةَ الزَّيْتُونَةَ شَيْءٌ واحِدٌ فَإذا تَرَقَّتْ في أطْوارِها حَصَلَ لَها زَيْتٌ إذا تَرَقّى وصْفًا كادَ يُضِيءُ وكَذَلِكَ الِاكْتِسابُ قُوَّةٌ نَفْسِيَّةٌ هي فِكْرَةٌ فَإذا تَرَقَّتْ كانَتْ حَدْسًا، ثُمَّ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ فَهي وإنْ كانَتْ مُتَبايِنَةً تَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ كالشَّجَرَةِ

صفحة 173

وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِن عالَمِ الحِسِّ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا مَعَ تَكَلُّفِهِ وابْتِنائِهِ عَلى ما أسَّسَهُ الفَلاسِفَةُ الَّذِينَ هم في عَمًى عَنْ نُورِ الشَّرِيعَةِ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ فِيهِمْ:

قُطِعَتِ الأُخُوَّةُ عَنْ مَعْشَرٍ ∗∗∗ بِهِمْ مَرَضٌ مِن كِتابِ الشِّفا

فَماتُوا عَلى دِينِ رَسْطالِسَ ∗∗∗ وعِشْنا عَلى سُنَّةِ المُصْطَفى

لا يُناسِبُ المَقامَ ولا يَنْتَظِمُ مَعَهُ أطْرافُ الكَلامِ، وفِيهِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نُورٌ عَلى نُورٌ﴾ داخِلٌ في التَّمْثِيلِ وفِيهِ خِلافٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ يَعْلَمُ بِمَعُونَةِ ما ذَكَرْنا حالَ التَّشْبِيهِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في المُرادِ بِالنُّورِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ فِيهِ أتَمُّ نُورًا وأشَدُّ ظُهُورًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ﴿ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النُّورُ: 40] ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ [النُّورُ: 35] أيْ يَهْدِي سُبْحانَهُ هِدايَةً خاصَّةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا لِذَلِكَ النُّورِ المُتَضاعَفِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتُهُ مِن عِبادِهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم سُبْحانَهُ لِفَهْمِ وُجُوهِ دَلالَةِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الَّتِي نَوَّرَ بِها السَّماواتِ والأرْضَ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِفَهْمِ ما في القُرْآنِ مِن دَلائِلَ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإعْجازِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ وفِيهِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ بِحَسْبِ ما في النُّورِ مِنَ الأقْوالِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ هَذِهِ الهِدايَةِ ومَلاكُها لَيْسَ إلّا مَشِيئَتَهُ تَعالى وأنَّ إظْهارَ الأسْبابِ بِدُونِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الإفْضاءِ إلى المَطالِبِ:

إذا لَمْ يَكُ التَّوْفِيقُ عَوْنًا لِطالِبٍ ∗∗∗ طَرِيقُ الهُدى أعْيَتْ عَلَيْهِ مَطالِبُهُ

﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ في تَضاعِيفِ الهِدايَةِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ حالُهم فَإنَّ لِضَرْبِ المَثَلِ دَخْلًا عَظِيمًا في بابِ الإرْشادِ لِأنَّهُ إبْرازٌ لِلْمَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرٌ لِأوابِدِ المَعانِي بِصُورَةِ المَأْنُوسِ ولِذَلِكَ مَثَّلَ جَلَّ وعَلا نُورَهُ المُرادَ بِهِ ما يَشْمَلُ القُرْآنَ أوِ القُرْآنَ المُبَيِّنَ فَقَطْ بِنُورِ المِشْكاةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِلْإيذانِ بِاخْتِلافٍ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الهِدايَةِ الخاصَّةِ وضَرْبُ الأمْثالِ الَّذِي هو مِن قُبَيْلِ الهِدايَةِ العامَّةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَعْلِيقُ الأوْلى بِمَن شاءَ والثّانِيَةُ بِالنّاسِ كافَّةً.

﴿واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ تَعالى بِهِدايَةِ مَن يَلِيقُ بِها ويَسْتَحِقُّها مِنَ النّاسِ دُونَ مَن عَداهم لِمُخالَفَتِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي مَبْنى التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ وأنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ سُبْحانَهُ العامَّةِ عَلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَرائِقَ شَتًّى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أحْوالُهم وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ لَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وقِيلَ جِيءَ بِها لِوَعْدٍ مِن تَدَبُّرِ الأمْثالِ ووَعِيدِ مَن لَمْ يَكْتَرِثْ بِها، وقِيلَ لِبَيانِ أنَّ فائِدَةَ ضَرْبِ الأمْثالِ الَّتِي هي لِلتَّوْضِيحِ إنَّما هي لِلنّاسِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وبِما ذَكَرَ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِ المَحْكُومِ بِهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском