Al-AlusiAn‑Nur · 24:62–63

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:62–63

24:62Page 359

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٢

The believers are only those who believe in Allāh and His Messenger and, when they are [meeting] with him for a matter of common interest, do not depart until they have asked his permission. Indeed, those who ask your permission, [O Muḥammad] - those are the ones who believe in Allāh and His Messenger. So when they ask your permission due to something of their affairs, then give permission to whom you will among them and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلَخْ دَلالَةً عَلى أنَّ مَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ والمُنْتَفِعُ بِتِلْكَ الآياتِ جَمْعٌ مَن سَلَّمَ نَفْسَهُ لِصاحِبِ الشَّرِيعَةِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدِيِ الغاسِلِ لا يُحْجِمُ ولا يُقْدِمُ دُونَ إشارَتِهِ ﷺ ولِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ أوْرَدَ هَذِهِ الآيَةَ شِهابُ الحَقِّ والدِّينُ أبُو حَفْصٍ عُمَرُ السَّهَرْوَرْدِيُّ قَدَّسَ سِرَّهُ في بابِ سَيْرِ المُرِيدِ مَعَ الشَّيْخِ ونَبَّهَ بِذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما يَرْسُمُهُ مِن أُمُورِ الدِّينِ فَهو أمْرٌ جامِعٌ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: إنَّ هَذا اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ في أواخِرِ الأحْكامِ السّابِقَةِ تَقْرِيرًا لَها وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِها وتَكْمِيلًا لَها بِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِنْسِها، وإنَّما ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الواقِعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ مَعَ تَضَمُّنِهِ لَهُ قَطْعًا تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ يَجْعَلَ قَرِينًا لِلْإيمانِ المَذْكُورِ مُنْتَظِمًا في سِلْكِهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلى ( آمَنُوا ) داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الصِّلَةِ وبِذَلِكَ يَصِحُّ الحَمْلُ، والحَصْرُ بِاعْتِبارِ الكَمالِ أيْ إنَّما الكامِلُونَ في الإيمانِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ عَنْ صَمِيمِ قُلُوبِهِمْ وأطاعُوا في جَمِيعِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فُصِّلَ مِن قَبْلُ مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِعامَّةِ أحْوالِهِمُ المُطَّرِدَةِ في الوُقُوعِ وأحْوالِهِمُ الواقِعَةِ بِحَسْبِ الِاتِّفاقِ كَما إذا كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أمْرٍ مُهِمٍّ يَجِبُ اجْتِماعُهم في شَأْنِهِ كالجُمْعَةِ والأعْيادِ والحُرُوبِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الِاجْتِماعِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ الأمْرَ الجامِعَ الجِهادُ وقالَ الضَّحّاكُ وابْنُ سَلامٍ هو كُلُّ صَلاةٍ فِيها خِطْبَةٌ كالجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ والِاسْتِسْقاءِ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ هو الجِهادُ وصَلاةُ الجُمْعَةِ والعِيدَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوْلى العُمُومُ وإنْ كانَتِ الآيَةُ نازِلَةً في حُفَرِ الخَنْدَقِ ولَعَلَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، ووُصِفَ الأمْرُ بِالجَمْعِ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لَهُ لِلْمُبالِغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ.

وقَرَأ اليَمانِيُّ «عَلى أمْرٍ جَمِيعٍ» وهو بِمَعْنى جامِعٍ أوْ مَجْمُوعٍ لَهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ عَنْهُ ﷺ ﴿حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الذَّهابِ فَيَأْذَنُ لَهم بِهِ فَيَذْهَبُونَ فالغايَةُ هي الإذْنُ الحاصِلُ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والِاقْتِصارُ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتِمُّ مِن قِبَلِهِمْ وهو المُعْتَبِرُ في كَمالِ الإيمانِ لا الإذْنُ ولا الذَّهابُ المُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ واعْتِبارُهُ في ذَلِكَ لِما أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّتِهِ والمُمَيَّزِ لِلْمُخْلِصِ عَنِ المُنافِقِ فَإنَّ دَيْدَنُهُ التَّسَلُّلُ لِلْفِرارِ، ولِتَعْظِيمِ ما في الذَّهابِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الجِنايَةِ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ عَقَّبَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ المُسْتَأْذِنِينَ هُمُ المُؤْمِنُونَ عَكْسَ الأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُما مُتَعاكِسانِ سَواءً بِسَواءٍ ومِنهُ يَلْزَمُ أنَّهُ كالمِصْداقِ لِصِحَّةِ الإيمانَيْنِ وكَذَلِكَ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ اسْتِئْهالَ الإيمانَيْنِ لِذَلِكَ ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ بَيانٌ لِما هو وظِيفَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذا البابِ إثْرَ بَيانِ ما هو وظِيفَةُ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلِها أيْ بَعْدَ ما تَحَقَّقَ أنَّ الكامِلِينَ في الإيمانِ هُمُ المُسْتَأْذِنُونَ فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أيْ لِبَعْضِ أمْرِهِمُ المُهِمِّ وخَطْبِهِمُ المُلِمُّ

صفحة 224

﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ تَفْوِيضٌ لِلْأمْرِ إلى رَأْيِهِ ﷺ واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ بَعْضَ الأحْكامِ مُفَوَّضَةٌ إلى رَأْيِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهَذِهِ مَسْألَةُ التَّفْوِيضِ المُخْتَلِفِ في جَوازِها بَيْنَ الأُصُولِيِّينَ وهي أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ فَيُقالُ لَهُ: احْكم بِما شِئْتَ فَإنَّهُ صَوابٌ فَأجازَ ذَلِكَ قَوْمٌ لَكِنِ اخْتَلَفُوا فَقالَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ: بِجَوازِ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِلنَّبِيِّ وغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ: بِجَوازِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ خاصَّةً في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الرِّسالَةِ ما يَدُلُّ عَلى التَّرَدُّدِ بَيْنَ الجَوازِ والمَنعِ ومُنِعَ مِن ذَلِكَ الباقُونَ. والمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا في الوُقُوعِ، قالَ الآمِدِيُّ والمُخْتارُ الجَوازُ دُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ فَلْيُراجَعْ. والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ جَوازُ أنْ يُفَوِّضَ الحُكْمَ إلى المُجْتَهِدِ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُحَكِّمُ تَرَوِّيًا لا تَشَهِّيًا ويَكُونُ التَّفْوِيضُ حِينَئِذٍ كالأمْرِ بِالِاجْتِهادِ، والألْيَقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعالى وشَأْنِ رَسُولِهِ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ ما هُنا عَلى ذَلِكَ وتَكُونُ المَشِيئَةُ مُقَيَّدَةً بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ. وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا خِلافَ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَرَوِّيًا بَلِ الخِلافُ في جَوازِ أنْ يُقالَ: احْكم بِما شِئْتَ تَشَهِّيًا كَيْفَما اتَّفَقَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعْدَ التَّقْيِيدِ لا يَكُونُ ما نَحْنُ فِيهِ مِن مَحَلِّ النِّزاعِ، ومِنَ الغَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ مِمَّنْ شِئْتَ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ وإنْ كانَ لِعُذْرٍ قَوِيٍّ لا يَخْلُو عَنْ شائِبَةِ تَقْدِيمِ أمْرِ الدُّنْيا عَلى أمْرِ الآخِرَةِ. وتَقْدِيمُ «لَهُمْ» لِلْمُبادَرَةِ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ لِلْمُسْتَأْذِنِينَ لا لِلْإذْنِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ مُبالَغٌ في مَغْفِرَةِ فُرُطاتِ العِبادِ ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالَغٌ في إفاضَةِ شَآبِيبِ الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْمَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في ضِمْنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُمْ، وقَدْ بالَغَ جَلَّ شَأْنُهُ في الِاحْتِفالِ بِرَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ سُبْحانَهُ الِاسْتِئْذانَ لِلذَّهابِ عَنْهُ ذَنْبًا مُحْتاجًا لِلِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ الذَّهابِ بِدُونِ إذْنٍ ورَتَّبَ الإذْنَ عَلى الِاسْتِئْذانِ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ لا عَلى الِاسْتِئْذانِ مُطْلَقًا ولا عَلى الِاسْتِئْذانِ لِأيِّ أمْرٍ مَهْما كانَ أوْ غَيْرِ مُهِمٍّ ومَعَ ذَلِكَ عَلَّقَ الإذْنَ بِالمَشِيئَةِ، وإذا اعْتَبَرْتَ وُجُوهَ المُبالِغَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ إلى هُنا وجَدْتُها تَزِيدُ عَلى العَشْرَةِ.

وفِي أحْكامِ القُرْآنِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ أنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ اسْتِئْذانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الِانْصِرافِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كُلِّ أمْرٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وغَيْرُ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأئِمَّةِ مِثْلُهُ في ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن أدَبِ الدِّينِ وأدَبِ النَّفْسِ، وقالَ ابْنُ الفُرْسِ: لا خِلافَ في الغَزْوِ أنَّهُ يَسْتَأْذِنُ إمامَهُ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ يَدْعُوهُ إلى الِانْصِرافِ واخْتَلَفَ في صَلاةِ الجُمْعَةِ إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ كالرُّعافِ وغَيْرِهِ فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذانُ سَواءٌ كانَ أمامَهُ الأمِيرُ أمْ غَيْرُهُ أخْذًا مِنَ الآيَةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ والزَّهْرِيِّ.

24:63Page 359

لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

Do not make [your] calling of the Messenger among yourselves as the call of one of you to another. Already Allāh knows those of you who slip away, concealed by others. So let those beware who dissent from his [i.e., the Prophet's] order,1 lest fitnah2 strike them or a painful punishment.

و ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلِهِ، والِالتِفاتُ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْ لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُساهَلَةُ فِيهِ والرُّجُوعُ عَنْ مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ واخْتارَهُ المِبْرَدُ والقَفّالُ وقِيلَ: المَعْنى لا تَحْسَبُوا دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم

صفحة 225

عَلى بَعْضٍ فَتَعْرِضُوا لِسُخْطِهِ ودُعائِهِ عَلَيْكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ والرُّجُوعِ عَنْ مَجْلِسِهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مِمّا جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَأْباهُ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرِكم وفَقِيرِكم غَنِيِّكم يَسْألُهُ حاجَتَهُ فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ فَإنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَجابٌ لا مَرَدَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِضُوا لِدُعائِهِ لَكم بِامْتِثالِ أمْرِهِ واسْتِئْذانِهِ عِنْدَ الِانْصِرافِ عَنْهُ إذا كُنْتُمْ مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ وتُحَقِّقُوا قَبُولَ اسْتِغْفارِهِ لَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِدُعائِهِ عَلَيْكم بِضِدِّ ذَلِكَ.

ولا يَخْفى وجْهُ تَقْرِيرِ الجُمْلَةِ لِما قَبْلِها عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لَكِنْ بَحْثٌ في دَعْوى أنَّ جَمِيعَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَجابٌ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ اللَّهَ تَعالى في أُمَّتِهِ أنْ لا يُدِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَهُ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قَدْ يَرُدُّ بَعْضَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرُدُّ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾

وفِي الحَدِيثِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرُدُّ دُعاءَ المُؤْمِنِ وإنْ تَأخَّرَ»»

وقَدْ قالَ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ:

الِاسْتِجابَةُ أقْسامٌ إمّا تَعْجِيلُ ما سالَ أوْ أنْ يَدَّخِرَ لَهُ خَيْرٌ مِمّا طَلَبَ أوْ يَصْرِفُ عَنْهُ مِنَ البَلاءِ بِقَدْرِ ما سالَ مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِوَضًا مِن أنْ لا يُذِيقَ بَعْضُهم بَأْسِ بَعْضِ الشَّفاعَةِ

وقالَ: ««أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْها في الآخِرَةِ عَذابُها في الدُّنْيا الزِّلْزالُ والفِتَنُ»»

كَما في أبِي داوُدَ فَإذا كانَتِ الفِتْنَةُ سَبَبًا لِصَرْفِ عَذابِ الآخِرَةِ عَنِ الأُمَّةِ فَلا يُقالُ: ما أجابَ دُعاءَهُ ﷺ لِأنَّ عَدَمَ اسْتِجابَتِهِ أنْ لا يُعْطِي ما سَألَ أوْ لا يُعَوِّضُ عَنْهُ ما هو خَيْرٌ مِنهُ، والمُرادُ بِالمَنعِ في الحَدِيثِ مَنعُ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ لا عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ بِذَلِكَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وتَمامِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتَهُ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ والنِّداءِ وراءَ الحُجُراتِ ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظَّمِ مِثْلِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ويا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ وأبُو نَعِيمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ يا أبا القاسِمِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا﴾ الآيَةَ إعْظامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِلسُّيُوطِيَ أنَّ في هَذا النَّهْيِ تَحْرِيمُ نِدائِهِ ﷺ بِاسْمِهِ.

والظّاهِرُ اسْتِمْرارُ ذَلِكَ بَعْدَ وفاتِهِ إلى الآنِ. وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ النِّداءُ بِيا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ مِمّا يُنادِي بِهِ العَرَبُ بَعْضُهم بَعْضًا. وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ لا تُلائِمُ السِّباقَ واللَّحاقَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وجْهُ الِارْتِباطِ بِما قَبْلِها عَلَيْهِ الإرْشادُ إلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَسْتَأْذِنُكَ ونَحْوُهُ، وكَذا خِطابُ مَن مَعَهُ في أمْرٍ جامِعٍ إيّاهُ ﷺ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِنَحْوِ يا رَسُولَ اللَّهِ لا بِنَحْوِ يا مُحَمَّدُ، ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ الِارْتِباطِ بِما قَبْلُ ولا حاجَةَ إلى بَيانِ المُناسِبَةِ بِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما ما يُنافِي التَّعْظِيمَ اللّائِقَ بِشَأْنِهِ العَظِيمِ ﷺ، نَعَمِ الأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا كَما لا يَخْفى. وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ «نَبِيِّكُمْ» بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ آخَرِ الحُرُوفِ مُشَدَّدَةٍ بَدَلِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ الظَّرْفُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿الرَّسُولِ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ نَعْتًا لَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ والمُضافُ إلَيْهِ في رُتْبَةِ العِلْمِ

صفحة 226

وهُوَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِألْ ويُشْتَرَطُ في النَّعْتِ أنْ يَكُونَ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ لِأنَّ ﴿الرَّسُولِ﴾ قَدْ صارَ عِلْمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ.

﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ﴾ وعِيدٌ لِمَن هو بِضِدٍّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّسَلُّلُ الخُرُوجُ مِنَ البَيْنِ عَلى التَّدْرِيجِ والخُفْيَةِ، وقَدْ لِلتَّحْقِيقِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِتَقْلِيلِ المُتَسَلِّلِينَ في جَنْبِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى وأنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ إمّا حَقِيقَةً أوِ اسْتِعارَةً ضِدِّيَّةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَ بَعْضِ النُّحاةِ بِإفادَةِ قَدِ التَّكْثِيرُ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ غَيْرِ صَحِيحٍ وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

أخِي ثِقَةٍ لا يَهْلَكُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ المالُ نائِلَهُ

فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ لِلْمَدْحِ يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ أيْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الجَماعَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى خُفْيَةٍ ﴿لِواذًا﴾ أيْ مُلاوَذَةٍ بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ لا يَخْرُجُ أحَدٌ لِرُعافٍ أوْ إحْداثٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ يُشِيرُ إلَيْهِ بِإصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ فَيَأْذَنُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ وكانَ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَثْقُلُ عَلَيْهِ الخُطْبَةُ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ فَكانَ إذا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قامَ المُنافِقُ إلى جَنْبِهِ يَسْتَتِرُ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ الآيَةُ، وقِيلَ يَلُوذُ بِهِ إراءَةَ أنَّهُ مِن أتْباعِهِ.

ونُصِبَ ﴿لِواذًا﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُلاوِذِينَ وهو مَصْدَرُ لاوَذَ لِعَدَمِ قَلْبِ واوَهِ ياءً تَبَعًا لِفِعْلِهِ ولَوْ كانَ مَصْدَرُ لاذَ لَقِيلَ لِياذًا كَقِيامًا.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «لَوْ إذا» بِفَتْحِ اللّامِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاذَ ولَمْ تُقْلَبْ واوُهُ ياءً لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَها فَهو كَطَوافٍ مَصْدَرُ طافَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاوَذَ وفَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الحَذَرِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلِها مِن عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ الحَذَرَ البَتَّةَ، والمُخالَفَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الآخَرِ في حالِهِ أوْ فِعْلِهِ والأكْثَرُ اسْتِعْمالُها بِدُونِ عَنْ فَيُقالُ خالَفَ زَيْدٌ عُمْرًا وإذا اسْتُعْمِلَتْ بِعْنَ فَذاكَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الإعْراضِ.

وقِيلَ الخُرُوجُ أيْ يُخالِفُونَ مُعْرِضِينَ أوْ خارِجِينَ عَنْ أمْرِهِ. وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: عُدَيٌّ يُخالِفُونَ بِعْنَ لِما في المُخالَفَةِ مِن مَعْنى التَّباعُدِ والحَيْدِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ يَحِيدُونَ عَنْ أمْرِهِ بِالمُخالَفَةِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: يُخالِفُونَ أمْرَهُ.

وقِيلَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الصَّدِّ، وقِيلَ إذا عُدِّيَ بِعْنَ يُرادُ بِهِ الصَّدُّ دُونَ تَضْمِينٍ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ يُقالُ:

خالَفَ زَيْدًا عَنِ الأمْرِ أيْ صَدَّهُ عَنْهُ والمَفْعُولُ عَلَيْهِ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ يُخالِفُونَ المُؤْمِنُونَ أيْ يَصُدُّونَهم عَنْ أمْرِهِ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّ المُرادَ تَقْبِيحُ حالِ المُخالِفِ وتَعْظِيمُ أمْرِ المُخالِفِ عَنْهُ فَذَكَرَ الأهَمَّ وتَرَكَ ما لا اهْتِمامَ بِهِ وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى فَيُقالُ خالَفَ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ نَحْوَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿عَنْ﴾ هُنا بِمَعْنى بُعْدٍ، والمَعْنى يَقَعُ خِلافَهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحٍ وأطْعَمْتُهُ عَنْ جُوعٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ أيْ يُخالِفُونَ ﴿أمْرِهِ﴾ وضَمِيرُ أمْرِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الأمْرَ لَهُ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ أوْ لِلرَّسُولِ ﷺ فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، والأمْرُ لَهُ قِيلَ الطَّلَبُ أوِ الشَّأْنُ أوْ ما يَعُمُّهُما، ولا يَخْفى أنَّ في تَجْوِيزٍ عَلى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في الضَّمِيرِ نَظَرًا فَلا تَغْفُلْ. وقُرِئَ «يَخْلِّفُونَ» بِالتَّشْدِيدِ أيْ يَخْلُفُونَ أنْفُسَهَمْ عَنْ أمْرِهِ

صفحة 227

﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ أيْ بَلاءٍ ومِحْنَةٍ في الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الفِتْنَةِ بِالقَتْلِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرُها بِتَسْلِيطِ سُلْطانٍ جائِرٍ، وعَنِ السَّدِّيِّ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُها بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى.

﴿أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ في الآخِرَةِ. وقِيلَ في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ القَتْلُ وبِالفِتْنَةِ ما دُونَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. وكَلِمَةٌ أوْ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ. وإعادَةُ الفِعْلِ صَرِيحًا لِلِاعْتِناءِ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ. وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيها عَلى مُخالِفِ الأمْرِ الحَذِرِ عَنِ العَذابِ وذَلِكَ تَهْدِيدٌ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ وهو دَلِيلُ كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ إذْ لا تَهْدِيدَ عَلى تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ، وأيْضًا بِناءُ حُكْمِ الحَذَرِ عَنِ العَذابِ إلى المُخالِفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَذَرَهُ عَنْهُ مِن حَيْثُ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا أفْضى إلى العَذابِ كَما في قَوْلِكَ فَلْيَحْذَرِ الشّاتِمُ لِلْأمِيرِ أنْ يَضْرِبَهُ ولا إفْضاءَ في تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ.

وهَذا الأمْرُ أعْنِي ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ بِخُصُوصِهِ مُسْتَعْمَلٌ في الإيجابِ إذْ لا مَعْنى لِنَدْبِ الحَذَرِ عَنِ العِقابِ أوْ إباحَتِهِ، وأيْضًا إشْعارُ الآيَةِ بِوُجُوبِ الحَذَرِ غَيْرُ خافٍ بِقَرِينَةِ وُرُودِها في مَعْرِضِ الوَعِيدِ بِتَوَقُّعِ إصابَةِ العَذابِ عَلى أنَّهُ لَوْ حَمَلَ الأمْرَ المَذْكُورَ عَلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ وذَلِكَ لَأنَّ التَّحْذِيرَ عَمّا لَمْ يَعْلَمْ أوْ لَمْ يَظُنَّ تَحَقُّقَهُ ولا تَحَقَّقَ ما يُفْضِي إلى وُقُوعِهِ في الجُمْلَةِ سَفَهٌ غَيْرُ جائِزٍ بِمَعْنى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ ولِهَذا يُلامُ مَن يُحَذِّرُ عَنْ سُقُوطِ الجِدارِ المُحْكَمُ الغَيْرِ المائِلِ، وأيًّا ما كانَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ لِلْوُجُوبِ لِأنَّهُ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزاعِ إذْ يَكْفِي في المَطْلُوبِ عَلى ما قَرَّرْنا اسْتِعْمالَهُ في النَّدْبِ أيْضًا، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى مُخالَفَةِ الأمْرِ عَدَمُ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ أوْ حَمْلِهِ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ مَثَلًا فَيَحْمِلُ عَلى غَيْرِهِ بَعِيدٍ جِدًّا، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الفَهْمِ أنَّهُ تَرَكَ الِامْتِثالَ والإتْيانَ بِالمَأْمُورِ فَلا يُتْرَكُ إلى ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ. واعْتَرَضَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا القِيلِ والقالِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأوامِرِ حَقِيقَةً في الوُجُوبِ لِإطْلاقِ الأمْرِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ﴿أمْرِهِ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ وهو يُفِيدُ العُمُومَ حَيْثُ فُقِدَتْ قَرِينَةُ العَهْدِ عَلى أنَّ الإطْلاقَ كافٍ في المَطْلُوبِ، وهو كَوْنُ الأمْرِ المُطْلَقِ لِلْوُجُوبِ خاصَّةً. إذْ لَوْ كانَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ أيْضًا لَمْ يَتَرَتَّبِ التَّهْدِيدُ عَلى مُخالَفَةِ مُطْلَقِ الأمْرِ. وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا قائِلَ بِالفَصْلِ في صِيَغِ الأمْرِ بِأنَّ بَعْضَها لِلْوُجُوبِ وبَعْضَها لِغَيْرِهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالأمْرِ الطَّلَبَ، ولَوْ فَسَّرَ بِالشَّأْنِ وكانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَزِمَ مِنَ القَوْلِ بِدَلالَتِها عَلى الوُجُوبِ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ ﷺ واجِبًا عَلَيْنا ولا قائِلَ بِهِ. والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَهُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ مَشْهُورٌ سَواءً فَسِرْ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الطّاعَةَ امْتِثالُ الأمْرِ القَوْلِيِّ أوْ فَسَّرَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأمّا إذا جَعَلَ إشارَةً إلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ ومَعْنى ﴿يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ فَلا ولَيْسَ بِالوَجْهِ وإنْ آثَرَهُ جَمْعٌ لِفَواتِ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ الأوَّلِيِّ والعُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ في لَفْظِ الأمْرِ ثُمَّ المُخالَفَةُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهى، وهَذا الَّذِي آثَرَهُ جَمْعٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ عَنِ البَغْوِيُّ ثُمَّ قالَ: هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ ويُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمُ والتَّأْوِيلُ لِأنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الشَّأْنِ وواحِدُ الأُمُورِ وبَيانُهُ أنَّ ما قَبْلَهُ حَدِيثٌ في الأمْرِ الجامِعِ وهو الأمْرُ الَّذِي يَجْمَعُ عَلَيْهِ النّاسُ ومَدْحُ مَن لَزِمَ مَجْلِسَ رَسُولًا لِلَّهِ ﷺ ولَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ وذَمَّ مَن فارَقَهُ بِغَيْرِ الإذْنِ وأمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ في حَقِّ مَن فارَقَ بِالإذْنِ لِأنَّ

صفحة 228

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾ يُؤْذِنُ أنَّ القَوْمَ ثَلاثُ فِرَقٍ المَأْذُونُ في الذَّهابِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والمُتَخَلِّفُ عَنْهُ ثُمَّ المُتَخَلِّفُ إمّا أنْ يَدُومَ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَذْهَبْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ أوْ يَتَسَلَّلْ لِواذًا وهُمُ المُنافِقُونَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ إلَخْ مُتَرَتِّبٌ عَلى القِسْمِ الثّالِثِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والفِعْلِ المُضارِعِ يُفِيدُ مَعْنى الدَّأْبِ والعادَةِ وقَدْ أُقِيمَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ عِلَّةً لِاسْتِحْقاقِهِمْ فِتْنَةَ الدّارَيْنِ انْتَهى، وقَدْ كَشَفَ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ صاحِبُ الكَشْفِ نَعَمْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فَواتَ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ لا يُقاوِمُ العَهْدَ ولا عُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الحادِثَةِ وكَذا المُخالَفَةُ فِيما ذَكَرَ ولَوْ سَلَّمَ فَهو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ فَإنَّ الأمْرَ لَيْسَ حَقِيقَةً في الأمْرِ العامِّ وقَوْلُهُ: بِلا ضَرُورَةٍ مَمْنُوعٌ فَإنَّ إضافَةَ العَهْدِ صارِفَةٌ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا مُكابَرَةٌ ومَنعٌ مُجَرَّدٌ لا يَسْمَعُ فَإنَّ الأبْلَغِيَّةَ لا شُبْهَةَ فِيا فَإنَّ تَهْدِيدَ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدُّ مِن تَرْكِهِ بِلا إذْنٍ وكَوْنُ الأمْرِ حَقِيقَةً في الطَّلَبِ هو الأصَحُّ في الأُصُولِ والمُخالِفَةُ المُقارِنَةُ لِلْأمْرِ لا شُبْهَةَ في أنَّ حَقِيقَتَها عَدَمُ الِامْتِثالِ واشْتِراكُ الإلْزامِ لَيْسَ بِتامٍّ لِأنَّ أمْرَهُ إذا عَمَّ يَشْمَلُ الأمْرَ الجامِعَ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْضًا وعَهْدَ الإضافَةِ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ حَتّى يُعَدَّ صارِفًا كَذا قِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ، وقَدْ يُقالُ بِناءً عَلى كَوْنِ الأمْرِ المَذْكُورِ إشارَةً إلى الأمْرِ الجامِعِ: إنَّهُ جِيءَ بِأوْفى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما أنَّ الأمْرَ الجامِعَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دُنْيَوِيًّا كالتَّشاوُرِ وفي الأُمُورِ الحَرْبِيَّةِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ المِحْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُنْصَرِفِينَ وإمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دِينِيًّا كَإقامَةِ الجُمْعَةِ الَّتِي فِيها تَعْظِيمُ شَعائِرِ الإسْلامِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ.

وبِالجُمْلَةِ لا اسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى اعْتِبارِ العَهْدِ وأمّا إذا لَمْ يَعْتَبِرْ فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِها، وقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ وتَمامُهُ جُرْحًا وتَعْدِيلًا وغَيْرُ ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском