Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:5–10
25:5Page 360
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ بَعْدَ ما جَعَلُوا الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ إفْكًا مُخْتَلَقًا بِإعانَةِ البَشَرِ بَيَّنُوا عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ كَيْفِيَّةَ الإعانَةِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أساطِيرَ وهي خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ أوْ هو أوْ هي أساطِيرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اكْتَتَبَها﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ عامِلَ الحالِ إذا كانَ مَعْنَوِيًّا لا يَجُوزُ حَذْفُهُ كَما في المُغْنِي، وفِيهِ أنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ كَما في شَرْحِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أساطِيرُ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿اكْتَتَبَها﴾ الخَبَرُ ومُرادُهم كَتَبَها لِنَفْسِهِ والإسْنادُ مَجازِيٌّ كَما في بَنى الأمِيرُ المَدِينَةَ، والمُرادُ أمَرَ بِكِتابَتِها أوْ يُقالُ حَقِيقَةً اكْتُتِبَ أمْرٌ بِالكِتابَةِ فَقَدْ شاعَ افْتُعِلَ بِهَذا المَعْنى كاحْتُجِمَ وافْتُصِدَ إذا أُمِرَ بِالحِجامَةِ والفَصْدِ، وقِيلَ قالُوا ذَلِكَ لِظَنِّهِمْ أنَّهُ يَكْتُبُ حَقِيقَةً أوْ لِمَحْضِ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى عِلْمِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ ﷺ، وقِيلَ: مُرادُهم جَمْعُها مِن كَتَبَ الشَّيْءَ جَمَعَهُ والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. وقَرَأ طَلْحَةُ «اكْتَتَبَها» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ والأصْلُ اكْتَتَبَها لَهُ كاتِبٌ فَحَذَفَ اللّامَ وأفْضى الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ فَصارَ اكْتَتَبَها إيّاهُ كاتِبٌ ثُمَّ حَذَفَ الفاعِلَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ العِلْمِيِّ بِخُصُوصِهِ فَبَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ وأسْنَدَ لِلضَّمِيرِ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا بَعْدَ أنْ كانَ مَنصُوبًا بارِزًا، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ إقامَةِ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ مَقامَ الفاعِلِ مَعَ وُجُودِ الصَّرِيحِ وهو هُنا ضَمِيرُ الأساطِيرِ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ عَلى عَدَمِ الجَوازِ وتَعَيَّنَ المَفْعُولُ الصَّرِيحُ لِلْإقامَةِ فَيُقالُ عِنْدَهُمُ: اكْتَتَبَتْهُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
صفحة 236
ومِنّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجالُ سَماحَةً وجُودًا إذا ذَهَبَ الرِّياحُ الزُّعازِعُ
بِنَصْبِ الرِّجالِ وعَلى الأوَّلِ كانَ حَقُّ التَّرْكِيبِ اخْتِيرَهُ الرِّجالُ بِالرَّفْعِ فَإنَّ الأصْلَ اخْتارَهُ مِنَ الرِّجالِ مُخْتارٌ وظاهِرٌ أنَّهُ إذا عَمِلَ فِيهِ ما تَقَدَّمَ يَصِيرُ إلى ما ذَكَرَ ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ تَلْقى تِلْكَ الأساطِيرُ عَلَيْهِ بَعْدَ اكْتِتابِها لِيَحْفَظَها مِن أفْواهِ مَن يُمْلِيها عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ المُكْتَتِبِ لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَتَلَقّاها مِنهُ بِالقِراءَةِ فالإمْلاءُ الإلْقاءُ لِلْحِفْظِ بَعْدَ الكِتابَةِ اسْتِعارَةٌ لا الإلْقاءُ لِلْكِتابَةِ كَما هو المَعْرُوفُ حَتّى يُقالَ: إنَّ الظّاهِرَ العَكْسُ بِأنْ يُقالَ: أمْلَيْتُ عَلَيْهِ فَهو يَكْتَتِبُها أوِ المَعْنى أرادَ اكْتِتابَها أوْ طَلَبَ كِتابَتِها فَأمْلَيْتُ عَلَيْهِ أيْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ أوْ عَلى كاتِبِهِ فالإمْلاءُ حِينَئِذٍ باقٍ عَلى ظاهِرِهِ. وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى تُتْلى بِالتّاءِ بَدَلَ المِيمِ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ دائِمًا أوْ قَبْلَ انْتِشارِ النّاسِ وحِينَ يَأْتُونَ إلى مَساكِنِهِمْ وعَنَوْا بِذَلِكَ أنَّها تُمْلى عَلَيْهِ خِفْيَةً لِئَلّا يَقِفُ النّاسُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وهَذِهِ جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ مِنهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ﴿اكْتَتَبَها﴾ إلَخْ مِن قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يُكَذِّبُهم بِهِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ أنْ لَوِ افْتُتِحَتِ الهَمْزَةُ في ﴿اكْتَتَبَها﴾ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو في مَعْنى الإنْكارِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ نَحْوُ قَوْلِ حَضْرَمِيِّ بْنِ عامِرٍ وقَدْ خَرَجَ يَتَحَدَّثُ في مَجْلِسِ قَوْمٍ وهو في حُلَّتَيْنِ لَهُ فَقالَ جُزْءُ بْنُ سِنانِ بْنِ مُؤْلَةَ: واللَّهِ إنَّ حَضْرَمِيًّا لِجَذَلٍ بِمَوْتِ أخِيهِ إنَّ وِرْثَهُ:
أفْرَحَ أنْ أرْزَأ الكِرامَ وأنْ ∗∗∗ أُورِثُ زَوَّدا شَصايِصًا نُبْلًا
مِن أبْياتٍ، وحَقَّ لِلْحَسَنِ عَلى ما في الكَشّافِ أنْ يَقِفَ عَلى الأوَّلِينَ.
25:6Page 360
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
﴿قُلْ﴾ لَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَحْقِيقًا لِلْحَقِّ ﴿أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وصْفُهُ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ المَعْلُومَةِ مِن بابِ أوْلى لِلْإيذانِ بِانْطِواءِ ما أنْزَلَهُ عَلى أسْرارٍ مَطْوِيَّةٍ عَنْ عُقُولِ البَشَرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِمُجازاتِهِمْ بِجِناياتِهِمُ المَحْكِيَّةِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى أيْ لَيْسَ ذَلِكَ كَما تَزْعُمُونَ بَلْ هو أمْرٌ سَماوِيٌّ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وأوْدَعَ فِيهِ فُنُونَ الحِكَمِ والأسْرارِ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ لا تَحُومُ حَوْلَهُ الإفْهامِ حَيْثُ أعْجَزَكم قاطِبَةً بِفَصاحَتِهِ وبَلاغَتِهِ وأخْبَرَكم بِمُغَيَّباتِ مُسْتَقْبِلَهِ وأُمُورٍ مَكْنُونَةٍ لا يَهْتَدِي إلَيْها ولا يُوقِفُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى العَلِيمِ الخَبِيرِ عَلَيْها، وإذا أرادُوا بِبَكَرَةٍ وأصِيلًا خِفْيَةً عَنِ النّاسِ ازْدادَ مَوْقِعُ السِّرِّ حُسْنًا، وأمّا التَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَهو لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الجِناياتِ المَحْكِيَّةِ لَكِنْ أخَّرَ عَنْهم لِما أنَّهُ سُبْحانَهُ أزَلًا وأبَدًا مُسْتَمِرٌّ عَلى المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ المُسْتَتْبَعَتَيْنِ لِلتَّأْخِيرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ إنَّهُ جَلَّ وعَلا مُتَّصِفٌ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَلِذَلِكَ لا يُعَجِّلُ عُقُوبَتَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَعَ كَمالِ اسْتِيجابِهِ إيّاها وغايَةُ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْها ولَوْلا ذَلِكَ لِصَبَّ عَلَيْكُمُ العَذابَ صَبّا، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ فِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفَرْقانُ: 21] .
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً عَنِ الِاقْتِدارِ العَظِيمِ عَلى عُقُوبَتِهِمْ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إلّا القادِرُ عَلى
العُقُوبَةِ، وفي إيثارِها تَعْيِيرٌ لَهم ونَعِيَ عَلى فِعْلِهِمْ يَعْنِي أنَّكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَتَصَدّى لِعَذابِكم مِن صِفَتِهِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأجْلِ
صفحة 237
أنْ يَعْرِفُوا أنَّ هَذِهِ الذُّنُوبَ العَظِيمَةَ المُتَجاوِزَةَ عَنِ الحَدِّ مَغْفُورَةٌ إنْ تابُوا وأنَّ رَحْمَتَهُ واصِلَةٌ إلَيْهِمْ بَعْدَها وأنْ لا يَيْأسُوا مِن رَحْمَتِهِ تَعالى بِما فَرَّطَ مِنهم مَعَ إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ المُعاداةِ والمُخاصَمَةِ الشَّدِيدَةِ وهو كَما تَرى.
25:7–8Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ
أخْرَجَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ عَتَبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ وأبا سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ وأبا البُحْتُرِيِّ والأُسُودَ بْنُ المُطَّلِبِ وزَمَعَةَ بْنَ الأُسُودِ والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ وأبا جَهْلٍ بْنِ هِشامٍ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ والعاصِي بْنَ وائِلٍ ونَبِيهَ بْنَ الحَجّاجِ ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تَعْذُرُوا مِنهُ فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ فَجاءَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنَعْذُرَ مِنكَ فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما بِي مِمّا تَقُولُونَ ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكم ولا الشَّرَفُ فِيكم ولا المُلْكُ عَلَيْكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَيْنِي وبَيْنَكم قالُوا: يا مُحَمَّدُ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ فَما لِنَفْسِكَ سَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ عَمّا تَبْتَغِي فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ وتَلْتَمِسُ المَعاشَ كَما نَلْتَمِسُهُ حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أنا بِفاعِلٍ ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾»
إلَخْ.
وقَدْ سِيقَ هُنا لِحِكايَةِ جِنايَتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِخُصُوصِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ الفَرْقانِ بَعْدَ حِكايَةِ جِنايَتِهِمُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالمُنَزَّلِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيُهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَها مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ لَها، وقَدْ وقَعَتِ اللّامُ مَفْصُولَةً عَنْ هَذا المَجْرُورِ بِها في خَطِّ الإمامِ وهي سَنَةٌ مُتْبِعَةٌ وعَنَوْا بِالإشارَةِ والتَّعْبِيرِ بِالرَّسُولِ الِاسْتِهانَةَ والتَّهَكُّمَ، وجُمْلَةُ ﴿يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ حالٌ مِن ( الرَّسُولِ ) والعامِلُ فِيها ما عُمِلَ في الجارِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ أيَّ شَيْءٍ وأيَّ سَبَبٍ حَصَلَ لِهَذا الزّاعِمِ أنَّهُ رَسُولٌ حالَ كَوْنِهِ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَما تَأْكُلُ ﴿ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ لِابْتِغاءِ الأرْزاقِ كَما نَفْعَلُهُ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والنَّفْيِ إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ. ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ جَعْلَ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافِيَّةِ والأوْلى ما ذَكَرْنا، ومُرادُهُمُ اسْتِبْعادُ الرِّسالَةِ المُنافِيَةِ لِأكْلِ الطَّعامِ وطَلَبِ المَعاشِ عَلى زَعْمِهِمْ فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ صَحَّ ما يَدَّعِيهِ فَما بالُهُ لَمْ تَأْلَفْ حالُهُ حالَنا ولَيْسَ هَذا إلّا لِعَمَهِهِمْ ورَكاكَةِ عُقُولِهِمْ وقُصُورِ أبْصارِهِمْ عَلى المَحْسُوساتِ فَإنَّ تَمَيُّزَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَمّا عَداهم لَيْسَ بِأُمُورٍ جُسْمانِيَّةٍ وإنَّما هو بِأُمُورٍ نَفْسانِيَّةٍ أعْنِي ما جَبَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الكَمالِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الكَهْفُ: 110] واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى إباحَةِ دُخُولِ الأسْواقِ لِلْعُلَماءِ وأهْلِ الدِّينِ والصَّلاحِ خِلافًا لِمَن كَرِهَهُ لَهم.
صفحة 238
﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ تَنْزِلُ عَمّا تَقَدَّمَ كَأنَّهم قالُوا: إنْ لَمْ تُوجَدِ المُخالَفَةُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في الأكْلِ والتَّعَيُّشِ فَهَلّا يَكُونُ مَعَهُ مَن يُخالِفُ فِيهِما يَكُونُ رَدْءًا لَهُ في الإنْذارِ فَإنْ لَمْ تُوجَدْ فَهَلّا يُخالِفُنا في أحَدِهِما وهو طَلَبُ المَعاشِ بِأنْ يُلْقى إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ كَنْزٌ يَسْتَظْهِرُ بِهِ ويَرْتَفِعُ احْتِياجُهُ إلى التَّعَيُّشِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فَلا أقَلَّ مِن رَفْعِ الِاحْتِياجِ في الجُمْلَةِ بِإتْيانِ بُسْتانٍ يَتَعَيَّشُ بِرَيْعِهِ كَما لِلدَّهاقِينِ والمَياسِيرِ مِنَ النّاسِ. والزَّمَخْشَرِيُّ ذَكَرَ أنَّهم عَنَوْا بِقَوْلِهِمْ ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلِكًا ثُمَّ نَزَلُوا عَنْ مَلَكِيَّتِهِ إلى صُحْبَةِ مَلِكٍ لَهُ يُعِينُهُ ثُمَّ نَزَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى كَوْنِهِ مَرْفُودًا بِكَنْزٍ ثُمَّ نَزَلُوا فاقْتَنَعُوا بِأنْ يَكُونَ لَهُ بُسْتانٌ يَأْكُلُ مِنهُ ويَرْتَزِقُ، قِيلَ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ فَقَطْ تَنْزِلُ مِنهم وما قَبْلُ اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَمّا يُقالُ كَيْفَ يُخالِفُ حالَهُ ﷺ حالَكم وبِأيِّ شَيْءٍ يَحْصُلُ ذَلِكَ ويَتَمَيَّزُ عَنْكُمْ؟ ولا يَخْفى ما فِيهِ ونَصَبَ ( فَيَكُونَ ) عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ، وقُرِئَ «فَيَكُونُ» بِالرَّفْعِ حَكاهُ أبُو مُعاذٍ، وخَرَجَ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفٌ عَلى ( أُنْزِلَ ) لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ مَوْقِعَهُ المُضارِعُ لَكانَ مَرْفُوعًا لِأنَّكَ تَقُولُ ابْتِداءً لَوْلا يَنْزِلُ بِالرَّفْعِ وقَدْ عَطَفَ عَلَيْهِ ( يُلْقى وتَكُونُ ) وهُما مَرْفُوعانِ أوْ هو جَوابُ التَّحْضِيضِ عَلى إضْمارِ هو أيْ فَهو يَكُونُ، ولا يَجُوزُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ نَصْبٌ ( يُلْقى ) وتَكُونُ بِالعَطْفِ عَلى يَكُونُ المَنصُوبُ لِأنَّهُما في حُكْمِ المَطْلُوبِ بِالتَّحْضِيضِ لا في حُكْمِ الجَوابِ.
ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ أوَّلًا بِالماضِي مَعَ أنَّ الأصْلَ في أوَّلًا الَّتِي لِلتَّحْضِيضِ أوِ العَرْضِ دُخُولُها عَلى المُضارِعِ لِأنَّ إنْزالَ المَلِكِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَذِيرًا أمْرٌ مُتَحَقِّقٌ لَمْ يَزَلْ مُدَّعِيًا لَهُ ﷺ فَما أخْرَجُوا الكَلامَ حَسْبَما يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسَلَّمًا عِنْدَهُمْ، وفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ مِنهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِخِلافِ الإلْقاءِ وحُصُولِ الجَنَّةِ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ فِيهِما وإنْ كانَ هو الأصْلُ إشارَةً إلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهم طَلَبُوا شَيْئًا لا يَنْفَدُ. وذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِيِّ عَنِ الهَرَوِيِّ أنَّهُ قالَ بِمَجِيءِ لَوْلا لِلِاسْتِفْهامِ ومَثَّلَ لَهُ بِمِثالَيْنِ أحَدُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ﴾، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَعْنى لَمْ يَذْكُرْهُ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّها في المِثالِ المَذْكُورِ مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ [النُّورُ: 13]، وذَكَرَ أنَّها في ذَلِكَ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ وهي حِينَئِذٍ تَخْتَصُّ بِالماضِي، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ عَنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ما وقَعَ هُنا فَأمْرُ كَوْنِها فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ في غايَةِ الخَفاءِ فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ «أوْ يَكُونُ» بِالياءِ آخِرُ الحُرُوفِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطِلْحَةُ والأعْمَشُ «نَأْكُلُ» بِالنُّونِ إسْنادًا لِلْفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الكُفْرِ القائِلِينَ ما ذَكَرَ ﴿وقالَ الظّالِمُونَ﴾ هُمُ القائِلُونَ الأوَّلُونَ وإنَّما وضَعَ المَظْهَرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ فِيما قالُوهُ لِكَوْنِهِ إضْلالًا خارِجًا عَنْ حَدِّ الضَّلالِ مَعَ ما فِيهِ مِن نِسْبَتِهِ ﷺ إلى ما يَشْهَدُ العَقْلُ والنَّقْلُ بِبَراءَتِهِ مِنهُ أوْ إلى ما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُتَمَسِّكًا لِما يَزْعُمُونَ مِن نَفْيِ الرِّسالَةِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ، وقالَ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ مِنهم وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أنَّهم قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما تَتْبَعُونَ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ سَحَرَ فَغَلَبَ عَلى عَقْلِهِ فالمُرادُ بِالسِّحْرِ ما بِهِ اخْتِلالُ العَقْلِ، وقِيلَ:
أُصِيبَ سِحْرُهُ أيْ رِئَتِهِ فاخْتَلَّ حالُهُ كَما يُقالُ مَرْؤُوسٌ أيْ أُصِيبَ رَأْسُهُ، وقِيلَ: يَسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ أيْ يُغَذّى أوْ ذا سِحْرٍ أيْ رِئَةٍ عَلى أنَّ مَفْعُولَ لِلنَّسَبِ وأرادُوا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وقِيلَ أيُّ ذا سِحْرٍ بِكَسْرِ السِّينِ وعَنَوْا- قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- ساحِرًا، والأظْهَرُ عَلى ما في البَحْرِ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ، وذَكَرَ أنَّ هو الأنْسَبُ بِحالِهِمُ.
25:9Page 360
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ﴾ اسْتِعْظامٌ
صفحة 239
لِلْأباطِيلِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِها وتَعْجِيبٌ مِنها أيِ انْظُرْ كَيْفَ قالُوا في حَقِّكَ الأقاوِيلَ العَجِيبَةَ الخارِجَةَ عَنِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِغَرابَتِها مَجْرى الأمْثالِ واخْتَرَعُوا لَكَ تِلْكَ الصِّفاتِ والأحْوالَ الشّاذَّةَ البَعِيدَةَ مِنَ الوُقُوعِ ﴿فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ فَبَقَوْا مُتَحَيِّرِينَ ضَلالًا لا يَجِدُونَ في القَدْحِ في نُبُوَّتِكَ قَوْلًا يَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهِ وإنْ كانَ باطِلًا في نَفْسِهِ فالفاءُ الأُولى سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ«ضَلُّوا» غَيْرُ مَنَوِيٍّ والفاءُ الثّانِيَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ أوْ فَضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ فَلا يَجِدُونَ طَرِيقًا مُوَصِّلًا إلَيْهِ فَإنَّ مَنِ اعْتادَ اسْتِعْمالَ هَذِهِ الأباطِيلِ لا يَكادُ يَهْتَدِي إلى اسْتِعْمالِ المُقَدِّماتِ الحَقَّةِ فالفاءُ في المَوْضِعَيْنِ سَبَبِيَّةٌ ومُتَعَلِّقُ «ضَلُّوا» مَنَوِيٌّ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، والمُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ ما أتَوْا بِهِ قادِحًا في نُبُوَّتِهِ ﷺ ونَفى أنْ يَكُونَ عِنْدَهم ما يَصْلُحُ لِلْقَدْحِ قَطْعًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ القَدْحَ فِيها إنَّما يَكُونُ في القَدَحِ بِالمُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلَيْها وما أتَوْا بِهِ لا يُفِيدُ ذَلِكَ أصْلًا وأنّى لَهم بِما يُفِيدُهُ.
25:10Page 360
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أيْ تَكاثَرَ خَيْرُ الَّذِي إنْ شاءَ وهَبَ لَكَ في الدُّنْيا شَيْئًا خَيْرًا لَكَ مِمّا اقْتَرَحُوهُ وهو أنْ يَجْعَلَ لَكَ مِثْلَ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ مِنَ الجَنّاتِ والقُصُورِ كَذا في الكَشّافِ، وعَنْ مُجاهِدٍ إنْ شاءَ جَعْلَ لَكَ جَنّاتِ الآخِرَةِ وقُصُورًا في الدُّنْيا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ إنْ شاءَ جَعَلَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، ودَخَلَتْ ﴿إنْ﴾ عَلى فِعْلِ المَشِيئَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنالُ ذَلِكَ إلّا بِرَحْمَتِهِ تَعالى وأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى مَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ والعِبادِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَقٌّ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أبْلَغُ في تَبْكِيتِ الكُفّارِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ولا يَرُدُّ كَما زَعَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences