Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:11–14
25:11Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ [الفَرْقانُ: 11] كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ وخَيْرِيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنَّةِ لِما فِيهِ مِن تَعَدُّدِ الجَنَّةِ وجَرَيانِ الأنْهارِ والمَساكِنِ الرَّفِيعَةِ في تِلْكَ الجِنانِ بِأنْ يَكُونَ في كُلٍّ مِنها مَسْكَنٌ أوْ في كُلِّ مَساكِنَ ومِنَ الكَنْزِ لِما أنَّهُ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وهو إنَّما يُطْلَبُ لِتَحْصِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ وهو أيْضًا أظْهَرُ في الأبَهَةِ وأمْلَأُ لِعُيُونِ النّاسِ مِنَ الكَنْزِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِجَوابِ الِاقْتِراحِ الأوَّلِ لِظُهُورِ مُنافاتِهِ لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ ورُبَّما يَعْلَمُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ كَذا قِيلَ.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ الإشارَةَ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ﷺ جَنَّةً يَأْكُلُ مِنها و﴿جَنّاتٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿خَيْرًا﴾ مُحَقِّقٌ لِخَيْرِيَّتِهِ مِمّا قالُوا لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُطْلَقًا عَنْ قَيْدِ التَّعَدُّدِ وجَرَيانِ الأنْهارِ، وتَعْلِيقُ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ الجَعْلِ لِعَدَمِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحُكْمِ والمَصالِحِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِجَوابِ الِاقْتِراحَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خُرُوجِهِما عَنْ دائِرَةِ العَقْلِ واسْتِغْنائِهِما عَنِ الجَوابِ لِظُهُورِ بُطْلانِهِما ومُنافاتِهِما لِلْحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ وإنَّما الَّذِي لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ هو الِاقْتِراحُ الأخِيرُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ بَعْضَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ قَدْ أُوتُوا في الدُّنْيا مَعَ النُّبُوَّةِ مُلْكًا عَظِيمًا انْتَهى، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في الإشارَةِ جَعَلَهُ الإمامُ الرّازِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وما ذُكِرَ أوَّلًا اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ وحَكاهُ عَنْ مُجاهِدٍ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها إشارَةٌ إلى ما عَيَّرُوا بِهِ مِن أكْلِ الطَّعامِ والمَشْيِ في الأسْواقِ وقالَ: إنَّهُ بَعِيدٌ، وحَكاهُ الإمامُ عَنْ عِكْرِمَةَ وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما اخْتارَهُ صاحِبُ الإرْشادِ، والظّاهِرُ أنَّ ( يَجْعَلْ ) مَجْزُومٌ فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ الجَزاءِ الَّذِي هو جَعْلُ هو جَزاءٌ أيْضًا وقَدْ جِيءَ بِهِ جُمْلَةً اسْتِقْبالِيَّةً عَلى الأصْلِ في الجَزاءِ، فَقَدْ ذَكَرَ أهْلُ المَعانِي أنَّ الأصْلَ في جُمْلَتَيْ إنَّ الشَّرْطِيَّةَ أنْ تَكُونا فِعْلِيَّتَيْنِ اسْتِقْبالِيَّتَيْنِ لَفْظًا كَما أنَّهُما مُسْتَقْبَلَتانِ مَعْنًى، والعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ في اللَّفْظِ لا يَكُونُ إلّا لِنُكْتَةٍ.
صفحة 240
وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَلى هَذا بِالجُمْلَتَيْنِ الماضَوِيَّتَيْنِ لَفْظًا في ﴿إنْ شاءَ جَعَلَ﴾ إلَخْ لِزِيادَةِ تَبْكِيتِ الكُفّارِ فِيما اقْتَرَحُوا مِن جِنْسِهِ، ولَمّا لَمْ يَقْتَرِحُوا ما هو مِن جِنْسِ جَعْلِ القُصُورِ لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ ذَلِكَ المَسْلَكَ فَتَدَبَّرْ، وقِيلَ: كانَ الظّاهِرُ نُعِدُّ التَّعْبِيرَ أوَّلًا في الجَزاءِ بِالماضِي أنْ يُعَبِّرَ بِهِ هُنا أيْضًا لَكِنَّهُ عَدَلَ إلى المُضارِعِ لِأنَّ جَعْلَ القُصُورِ في الجِنانِ مُسْتَقْبَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى جَعْلِ الجِنانِ، ثُمَّ إنَّ هَذا العَطْفَ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ القُصُورِ في الخَيْرِ المُبَدَّلِ مِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جَنّاتٍ﴾ وكانَ ما تَقَدَّمَ عَنِ الكَشّافِ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى بِمَعُونَةِ السِّياقِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أُدْغِمَتْ لامُهُ في لامِ ﴿لَكَ﴾ لَكِنَّ إدْغامَ المَثَلَيْنِ إذا تَحَرَّكَ أوَّلُهُما إنَّما هو مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو، والَّذِي قَرَأ بِالتَّسْكِينِ مِنَ السَّبْعَةِ هو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وفي رِوايَةِ مَحْبُوبٍ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِالرَّفْعِ بِلا إدْغامٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٍ وحَمِيدٍ وأبِي بَكْرٍ، والعَطْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ واحْتِمالُ الإدْغامِ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ عَلى المَعْنى في ﴿جَعَلَ﴾ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ ألا يَرى أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَّرْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿جَعَلَ﴾ لِأنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ ماضِيًا جازَ في جَوابِهِ الجَزْمُ والرَّفْعُ كَقَوْلِ زُهَيْرٍ في مَدْحِ هَرَمِ بْنِ سِنانٍ:
وإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ يَقُولُ لا غائِبَ مالِيَ ولا حَرَمَ
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ الجَوابَ في مِثْلِ ذَلِكَ مَحْذُوفٌ وأنَّ المُضارِعَ المَرْفُوعَ عَلى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ، والمِبْرَدُ إلى أنَّهُ هو الجَوابُ وأنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ والتَّرْكِيبِ عِنْدَ الجُمْهُورِ فَصِيحٌ سائِغٌ في النَّثْرِ كالشِّعْرِ، وحَكى أبُو حَيّانَ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ إذْ لَمْ يَجِئْ إلّا في الشِّعْرِ، وتَمامُ الكَلامِ في تَحْقِيقِ المَذاهِبِ في مَحَلِّهِ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: الرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ قِيلَ وهو اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ، والكَلامُ وعْدٌ لَهُ ﷺ بِجَعْلِ تِلْكَ القُصُورِ في الآخِرَةِ ولِذا عَدَلَ عَنِ الماضِي إلى المُضارِعِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كانَ قائِلًا يَقُولُ: كَيْفَ الحالُ في الآخِرَةِ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُ لَكَ فِيها قُصُورًا، وجَعَلَ بَعْضُهم عَلى الِاسْتِئْنافِ هَذا الجَعْلَ في الدُّنْيا أيْضًا عَلى مَعْنى إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ في الدُّنْيا جَنّاتٍ ويَجْعَلُ لَكَ في تِلْكَ الجَنّاتِ قُصُورًا إنْ تَحَقَّقَتِ الشُّرْطِيَّةُ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: الرَّفْعُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿تَجْرِي﴾ صِفَةٌ بِتَقْدِيرٍ ويَجْعَلُ فِيها أيِ الجَنّاتِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ «ويَجْعَلَ» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، ووَجْهُهُ عَلى ما نَقَلَ عَنِ السِّيرافِيِّ أنَّ الشَّرْطَ لَمّا كانَ غَيْرَ مَجْزُومٍ أشْبَهُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ غَيْرَ واقِعِ حالٍ المُشارَطَةِ أشْبَهُ النَّفْيِ، وقَدْ ذَكَرَ النَّصْبَ بَعْدَهُ سِيبَوَيْهُ، وقالَ إنَّهُ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَرْفُوعٌ وفَتْحُ لامِهِ اتِّباعًا لِلّامِ ﴿لَكَ﴾ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ:
لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونِ ذاتِ أوْقالٍ
مِن أنَّهُ فَتَحَ راءً غَيْرَ اتِّباعًا لِهَمْزَةِ أنَّ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ في البَيْتِ، ونَظِيرُ الآيَةِ في هَذِهِ القِراءاتِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
فَإنْ يَهْلَكْ أبُو قابُوسٍ يَهْلَكُ ∗∗∗ رَبِيعُ النّاسِ والشَّهْرُ الحَرامُ
ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرُ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
فَإنَّهُ يُرْوى في نَأْخُذُ الجَزْمَ والرَّفْعَ والنَّصْبَ ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ انْتِقالٌ إلى حِكايَةِ نَوْعٍ آخَرَ
صفحة 241
مِن أباطِيلِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِأمْرِ المَعادِ وما قَبْلَ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأمْرِ التَّوْحِيدِ وأمْرِ النُّبُوَّةِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ العَوْدُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكَلامِ السّابِقِ، واخْتِلافُ أسالِيبِ الحِكايَةِ لِاخْتِلافِ المَحْكِيِّ، وما ألْطَفَ تَصْدِيرَ حِكايَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ بِبَلِ الِانْتِقالِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيرًا﴾ إلَخْ لِبَيانِ ما لَهم في الآخِرَةِ بِسَبَبِهِ أيْ هَيَّأْنا لَهم نارًا عَظِيمَةً شَدِيدَةَ الِاشْتِعالِ شَأْنُها كِيتْ وكِيتْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِها عَلى ما يَشْعُرُ بِهِ وضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم أوْ لِكُلِّ مَن كَذَّبَ بِها كائِنًا مَن كانَ وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضَعَ السّاعَةَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها لِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ، وهَذا الِاعْتِدادُ وإنْ كانَ لَيْسَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِها خاصَّةً بَلْ يُشارِكُهُ في السَّبَبِيَّةِ لَهُ ارْتِكابُهُمُ الأباطِيلِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ وأمْرِ النُّبُوَّةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَتِ السّاعَةُ نَفْسُها هي العِلَّةُ القَرِيبَةُ لِدُخُولِهِمُ السَّعِيرِ أُشِيرُ بِما ذَكَرَ إلى سَبَبِيَّةِ التَّكْذِيبِ بِها لِدُخُولِها ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْإشارَةِ إلى سَبَبِيَّةِ شَيْءٍ آخَرَ وقِيلَ إنَّ مَن كَذَّبَ بِالسّاعَةِ صارَ كالِاسْمِ لِأُولَئِكَ المُشْرِكِينَ والمُكَذِّبِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ أيِ الجامِعِينَ لِلْأوْصافِ الثَّلاثَةِ لِأنَّ التَّكْذِيبَ بِها أخَصُّ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ وأكْثَرُ دَوَرانًا عَلى ألْسِنَتِهِمْ
إذْ مِنَ الكَفّارِ مَن يُشْرِكُ ويُكَذِّبُ بِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا يُكَذِّبُ بِالسّاعَةِ، فالمُرادُ مَن يُكَذِّبُ بِالسّاعَةِ أُولَئِكَ الصِّنْفُ مِنَ الكَفَرَةِ وهو كَما تَرى.
وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ إلَخْ وإضْرابٌ عَنْهُ إلى ما هو أعْجَبُ مِنهُ عَلى مَعْنى أنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وهَذا تَكْذِيبٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ- وتَعالى-
فَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ تَعالى كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ- إلى قَوْلِهِ تَعالى-: فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَزَعَمَ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ»»
وظاهِرُهُ أنَّ أعْجَبِيَّةَ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ لِأنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الأعْجَبِيَّةَ لِأنَّهم أنْكَرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى عَلى الإعادَةِ مَعَ ما شاهَدُوهُ في الأنْفُسِ والآفاقِ وما ارْتَكَزَ في أوْهامِهِمْ مِن أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ ولَيْسَ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَكْذِيبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا أمْرَ السّاعَةِ إلّا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهو تَكْذِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في الحَدِيثِ إشارَةً إلى ما ارْتَضاهُ.
وقِيلَ: إضْرابٌ عَنْ ذاكَ عَلى مَعْنى أتَوْا بِأعْجَبَ مِنهُ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ وأنْكَرُوها والحالُ أنّا قَدِ اعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِها سَعِيرًا فَإنَّ جَراءَتَهم عَلى التَّكْذِيبِ بِها وعَدَمُ خَوْفِهِمْ مِمّا أعَدَّ لِمَن كَذَّبَ بِها مِن أنْواعِ العَذابِ أعْجَبُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا نُسَلِّمُ كَوْنَ الجَراءَةِ عَلى التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ أعْجَبُ مِنَ الجَراءَةِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزَةِ ولا نُسَلِّمُ أنَّ انْضِمامَ عَدَمِ الخَوْفِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذا كانَ ذَلِكَ التَّرَتُّبُ في السّاعَةِ المُكَذِّبُ بِها يُفِيدُ شَيْئًا وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: هو إضْرابٌ عَنْ ذاكَ عَلى مَعْنى أتَوْا بِأعْجَبَ مِنهُ حَيْثُ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ الَّتِي أخْبَرَ بِها جَمِيعُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فالجَراءَةُ عَلى التَّكْذِيبِ بِها جَراءَةٌ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِمْ والجَراءَةُ عَلى التَّكْذِيبِ بِهِمْ أعْجَبُ مِنَ الجَراءَةِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ. وتَعَقَّبَ بِأنَّ مُرادَهم مِنَ القَوْلِ السّابِقِ نَفْيُ نَبُّوتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَكْذِيبِهِ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ مِنَ الكَذِبِ في دَعْواهُ إيّاها لِعَدَمِ مُخالَفَةِ حالِهِ ﷺ حالِهِمْ واتِّصافِهِ بِما زَعَمُوا مُنافاتِهِ لِلرِّسالَةِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ ومُتَحَقِّقٌ في جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَتَكْذِيبُهُ ﷺ لِذَلِكَ تَكْذِيبٌ لَهم أيْضًا فَلا يَكُونُ التَّكْذِيبُ بِالسّاعَةِ عَلى ما ذُكِرَ أعْجَبُ مِن تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ لِاشْتِراكِ التَّكْذِيبَيْنِ في كَوْنِهِما في حُكْمِ تَكْذِيبِ الكُلِّ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ﴾ إلَخِ الواقِعُ جَوابًا لَهم والمُنْبِئُ عَنِ الوَعْدِ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ في الآخِرَةِ مُسَوِّقٌ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِي نَفْعًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ:
صفحة 242
عَوَّجُوا لِنِعَمٍ فَحَيُّوا دِمْنَةَ الدّارِ ∗∗∗ ماذا تُحْيُونَ مِن نُؤْيِ وأحْجارِ
والمَعْنى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالسّاعَةِ فَكَيْفَ يَقْتَنِعُونَ بِهَذا الجَوابِ وكَيْفَ يُصَدِّقُونَ بِتَعْجِيلٍ مِثْلِ ما وعَدَكَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: إضْرابٌ عَنِ الجَوابِ إلى بَيانِ العِلَّةِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى التَّكْذِيبِ، والمَعْنى بَلْ كَذَّبُوا بِالسّاعَةِ فَقَصُرَتْ أنْظارُهم عَلى الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ وظَنُّوا أنَّ الكَرامَةَ لَيْسَتْ إلّا بِالمالِ وجَعَلُوا خُلُوَّ يَدِكَ عَنْهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِكَ.
25:12Page 361
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ صِفَةً لِلسَّعِيرِ والتَّأْنِيثِ بِاعْتِبارِ النّارِ، وقِيلَ لِأنَّهُ عَلِمَ لِجَهَنَّمَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وفِيهِ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ دُخُولَ ألْ عَلَيْهِ ولَمُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ.
وأُجِيبُ بِأنَّ دُخُولَ ألْ لِلَمْحِ الصِّفَةِ وهي تَدْخُلُ الإعْلامَ لِذَلِكَ كالحَسَنِ والعَبّاسِ وبِأنَّهُ صُرِّفَ لِلتَّناسُبِ ورِعايَةِ الفاصِلَةِ. أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ وتَأْنِيثِهِ هُنا لِلتَّفَنُّنِ، وإسْنادُ الرُّؤْيَةِ إلَيْها حَقِيقَةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ وكَذا نِسْبَةُ التَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ فِيما بَعْدُ إذْ لا امْتِناعَ في أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى النّارَ حَيَّةً مُغْتاظَةً زافِرَةً عَلى الكُفّارِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الظَّواهِرِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ لَها إدْراكًا كَهَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ﴾ [قْ: 30]
وقَوْلُهُ ﷺ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ««شَكَتِ النّارُ إلى رَبِّها فَقالَتْ: رَبِّ أكَلَ بَعْضِي بِعَضًا فَأذَنَ لَها بِنَفْسَيْنِ نَفَسٌ في الشِّتاءِ ونَفَسٌ في الصَّيْفِ»»
إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وإذا
صَحَّ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهٍ مِن طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنْ أبِي أمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِجَهَنَّمَ مِن عَيْنٍ؟ قالَ: نَعَمْ أمّا سَمِعْتُمُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَهَلْ تَراهم إلّا بِعَيْنَيْنِ»»
كانَ ما قُلْناهُ هو الصَّحِيحُ. وإسْنادُها إلَيْها لا إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ التَّغَيُّظَ والزَّفِيرَ مِنها لِهَيَجانِ غَضَبِها عَلَيْهِمْ عِنْدَ رُؤْيَتِها إيّاهم ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ هو أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يَرى مِنهُ، ورُوِيَ أنَّهُ هُنا مَسِيرَةُ خَمْسَمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عامٍ وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ السَّدِّيِّ والكَلْبِيِّ ورُوِيَ أيْضًا عَنْ كَعْبٍ، وقِيلَ:
مَسِيرَةُ سَنَةٍ وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ونَسَبَهُ في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ الى السَّدِّيِّ. والكَلْبِيُّ ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ أيْ صَوْتِ تَغَيُّظٍ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ السَّماعِ بِهِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ الغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ والتَّغَيُّظُ هو إظْهارُ الغَيْظِ وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ صَوْتٍ مَسْمُوعٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِالسَّماعِ مُطْلَقَ الإدْراكِ كَأنَّهُ قِيلَ: أدْرَكُوا لَها تَغَيُّظًا ﴿وزَفِيرًا﴾ هو إخْراجُ النَّفْسِ بَعْدَ مُدَّةٍ عَلى ما في القامُوسِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو تَرْدِيدُ النَّفْسِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ مِنهُ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ في نَفْسِ صَوْتِ ذَلِكَ النَّفْسِ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّماعُ ولِذا اسْتَشْكِلُوا تَعَلُّقَ السَّماعِ بِالتَّغَيُّظِ دُونَ الزَّفِيرِ فَأوَّلُوا لِذَلِكَ بِما سَمِعْتَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ما ذُكِرَ مِن قُبَيْلِ قَوْلِهِ:
ورَأيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدًا مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا
وهُوَ بِتَقْدِيرِ سَمِعُوا لَها وأدْرَكُوا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ويُعادُ كُلٌّ إلى ما يُناسِبُهُ. ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ بِجَعْلِ التَّغَيُّظِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنِ المَسْمُوعاتِ مَسْمُوعًا، والتَّنْوِينُ فِيهِ وفي ( زَفِيرًا ) لِلتَّفْخِيمِ.
وقَدْ جاءَ في الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ زَفِيرِها أعاذَنا اللَّهُ تَعالى مِنها، فَفي خَبَرٍ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ
صفحة 243
بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها﴾ إلَخْ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا تُرْعِدُ فَرائِصَهُ حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَجْثُوَ عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولَ: يا رَبِّ لا أسْألُكَ اليَوْمَ إلّا نَفْسِي.
وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى الأوَّلِينَ والآخَرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ فَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ صُفُوفًا فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ائْتِ بِجَهَنَّمَ فَيَأْتِي بِها ثُمَّ تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ حَتّى إذا كانَتْ مِنَ الخَلائِقِ عَلى قَدْرِ مِائَةِ عامٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً طارَتْ لَها أفْئِدَةُ الخَلائِقِ ثُمَّ زَفَرَتْ ثانِيَةً فَلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا جَثا لِرُكْبَتَيْهِ ثُمَّ تَزْفِرُ الثّالِثَةَ فَتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَذْهَلُ العُقُولُ فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِئٍ إلى عَمَلِهِ حَتّى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: بِخِلَّتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي ويَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: بِمُناجاتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي ويَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: بِما أكْرَمْتَنِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي لا أسْألُكَ مَرْيَمَ الَّتِي ولَدَتْنِي ومُحَمَّدٌ ﷺ يَقُولُ: أُمَّتِي أُمَّتِي لا أسْألُكَ اليَوْمَ نَفْسِي فَيُجِيبُهُ الجَلِيلُ جَلَّ جَلالُهُ إنَّ أوْلِيائِي مِن أُمَّتِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ فَوَعِزَّتِي لِأُقِرَنَّ عَيْنَكَ ثُمَّ تَقِفُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى يَنْتَظِرُونَ ما يُؤَمِّرُونَ. وهَذِهِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في أنَّ النّارَ هي الَّتِي تَزْفِرُ وأنَّ الزَّفِيرَ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ زَفِيرَها صَوْتُ لَهِيبِها واشْتِعالِها، وقِيلَ: إنَّ كُلًّا مِنَ الرُّؤْيَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ لِزَبانِيَتِها ونِسْبَتِهِ إلَيْها عَلى حَذْفِ المُضافِ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَأتْهُمْ﴾ مِن قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لا تَتَراءى ناراهُما» وقَوْلُهُمْ: دَوْرُهم تَتَراءى وتَتَناظَرُ كانَ بَعْضُها يَرى بَعْضًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ والمَجازِ المُرْسَلِ،
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ إذا كانَتْ بِمَرْأى مِنهُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا﴾ عَلى تَشْبِيهِ صَوْتِ غَلَيانِها بِصَوْتِ المُغْتاظِ وزَفِيرُهُ وفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ وجَوَّزَ أنَّ تَكُونَ تَمْثِيلِيَّةً، وقَدْ ذَكَرَ هَذا التَّأْوِيلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُقَدَّمًا لَهُ وذَكَرَ بَعْضُ الأئِمَّةِ أنَّ هَذا مَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ لِأنَّهم جَعَلُوا البِنْيَةَ شَرْطًا في الحَياةِ.
وفِي الكَشْفِ الأشْبَهِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأنَّ البِنْيَةَ شَرْطٌ ومِن أيْنَ العِلْمُ بِأنَّ بِنْيَةَ نارِ الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَعِدُّ لِلْحَياةِ بَلْ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَعْرُوفِ جَمادِيَّتِهِ حَيًّا ناطِقًا فَكانَ خَبَرًا عَلى خِلافِ المُعْتادِ أوِ الحَمْلِ عَلى المَجازِ التَّمْثِيلِيِّ الشّائِعِ في كَلامِهِمْ لا سِيَّما في كَلامِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإذْ لاحَ الوَجْهُ فَكُنِ الحاكِمَ في تَرْكِ الظّاهِرِ إلى هَذا أوْ ذاكَ، وفَتْحُ هَذا البابِ لا يَجُرُّ إلى مَذْهَبِ الفَلاسِفَةِ كَما تَوَهَّمَ صاحِبُ الِانْتِصافِ ولا يُخالِفُ تَعَبُّدَنا بِالظَّواهِرِ فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ أيْضًا لَيْسَ بِظاهِرٍ انْتَهى، وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ الإغْماضِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما ذُكِرَ أنَّ الحَمْلَ عَلى الحَقِيقَةِ هُنا أبْلَغُ في التَّهْوِيلِ ولَعَلَّهُ يُهَوِّنُ أمْرَ الخَبَرِ عَلى خِلافِ المُعْتادِ وهَذا إنْ لَمْ يَصِحَّ الخَبَرُ السّابِقُ أمّا إذا صَحَّ فَلا يَنْبَغِي العُدُولُ عَمّا يَقْتَضِيهِ ولَيْسَ لِأحَدٍ قَوْلٌ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ فَإنَّهُ الأعْلَمُ بِظاهِرِ الكِتابِ وخافِيهِ.
25:13Page 361
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا﴾ أيْ في مَكانٍ فَهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ( ومِنها ) حالٌ مِنهُ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ، وجَوَّزَ تَعَلُّقَهُ بِألْقَوْا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَيِّقًا﴾ صِفَةٌ لَمَكانًا مُقَيِّدَةٍ لِزِيادَةِ شِدَّةِ الكَرْبِ مَعَ الضِّيقِ كَما أنَّ الرُّوحَ مَعَ السِّعَةِ وهو السِّرُّ في وصْفِ الجَنَّةِ بِأنَّ عَرْضَها السَّمَواتُ والأرْضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ أُسِيدٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
صفحة 244
سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا﴾ إلَخْ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيَسْتَكْرِهُونَ في النّارِ كَما يَسْتَكْرِهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَّجُّ في الرُّمْحِ.
وقَرَأ الكَلْبِيُّ: الأسْفَلُونَ يَرْفَعُهُمُ اللَّهَبُ والأعْلَوْنَ يَحُطُّهُمُ الدّاخِلُونَ فَيَزْدَحِمُونَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «ضَيْقًا» بِسُكُونِ الياءِ.
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( أُلْقُوا ) أيْ إذا ألْقَوْا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا حالَ كَوْنِهِمْ مُقَرَّنِينَ قَدْ قُرِّنَتْ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ بِالجَوامِعِ، وقِيلَ: مُقَرَّنِينَ مَعَ الشَّياطِينِ في السَّلاسِلِ كُلَّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانِهِ وفي أرْجُلِهِمُ الأصْفادُ، وحُكِيَ عَنِ الجِبائِيِّ، وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «مَقْرُنُونَ» بِالرَّفْعِ ونَسَبَها ابْنُ خالَوَيْهٍ إلى مُعاذٍ، ووَجْهُها عَلى ما في البَحْرِ كَوْنُهُ بَدَلًا مِن ضَمِيرِ ( أُلْقُوا ) بَدَلُ نَكِرَةٍ مِن مَعْرِفَةِ ﴿دَعَوْا هُنالِكَ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ الهائِلِ ﴿ثُبُورًا﴾ أيْ هَلاكًا كَما قالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ وهو مَفْعُولُ ( دَعَوْا ) أيْ نادَوْا ذَلِكَ فَقالُوا: يا ثُبُوراهُ عَلى مَعْنى احْضِرْ فَهَذا وقْتُكَ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ النِّداءَ بِمَعْنى التَّمَنِّي فَيَتَمَنَّوْنَ الهَلاكَ لِيُسَلِّمُوا مِمّا هو أشَدُّ مِنهُ كَما قِيلَ أشَدُّ مِنَ المَوْتِ ما يَتَمَنّى مَعَهُ المَوْتَ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ نَصْبَ ( ثُبُورًا ) عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَدَعَوْا عَلى مَعْنى دُعُوا دُعاءً، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ ومَفْعُولُ ﴿دَعَوْا﴾ مُقَدَّرٌ أيْ دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهم قائِلِينَ ثَبَرْنا ثُبُورًا وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، ولا اخْتِصاصَ لِدُعاءِ الثُّبُورِ بِكَفَرَةِ الإنْسِ فَإنَّهُ يَكُونُ لِلشَّيْطانِ أيْضًا.
أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ والبَزّارُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مَن خَلْفِهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ وهو يُنادِي يا ثُبُوراهُ ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهم حَتّى يَقِفَ عَلى النّارِ: فَيَقُولُ يا ثُبُوراهُ ويَقُولُونَ يا ثُبُورَهُمُ»» الحَدِيثُ،
وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّ أوَّلَ مَن يَقُولُ ذَلِكَ إبْلِيسُ ثُمَّ يَتْبَعُهُ أتْباعُهُ، وظاهِرُهُ شُمُولُ الأتْباعِ كَفَرَةُ الإنْسِ والجِنِّ، ولا يَتَوَهَّمُ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِبَعْضِ كَفَرَةِ الإنْسِ بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ لِما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
25:14Page 361
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ إمّا مَنصُوبٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿دَعَوْا﴾ أيْ دَعَوْا مَقُولًا لَهم ذَلِكَ حَقِيقَةً كَما هو الظّاهِرُ بِأنَّ تَخاطُبَهُمُ المَلائِكَةِ لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خُلُودِ عَذابِهِمْ وأنَّهم لا يُجابُونَ إلى ما يَدْعُونَهُ أوْ لا يَنالُونَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ مِنَ الهَلاكِ المُنَجِّي أوْ تَمْثِيلًا لَهم وتَصْوِيرًا لِحالِهِمْ بِحالِ مَن يُقالُ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ وخِطابٌ كَما قِيلَ أيْ دَعَوْهُ حالَ كَوْنِهِمْ أحِقّاءَ بِأنْ يُقالَ لَهم ذَلِكَ، وإمّا لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ إذا ألْقَوْا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا دَعُوا «ثُبُورًا» فَيُقالُ لَهُمْ: لا تَدْعُوا إلَخْ، أوْ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ عِنْدَ دُعائِهِمُ المَذْكُورِ؟ فَقِيلَ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ إقْناطُهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِنَ الهَلاكِ وتَنْبِيهُهم عَلى أنَّ عَذابَهُمُ المُلْجِئَ لَهم إلى ذَلِكَ أبَدِيٌّ لا خَلاصَ لَهم مِنهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ أشارَ إلى أنَّ المُخْلِصَ مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ عادَةً غَيْرُ مُخْلِصٍ وما يُخْلِصُ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ هَلاكًا واحِدًا فَإنَّهُ لا يُخَلِّصُكم ﴿وادْعُوا ثُبُورًا﴾ وهَلاكًا ﴿كَثِيرًا﴾ لا غايَةَ لِكَثْرَتِهِ لِتَخْلُصُوا بِهِ وأنّى بِالهَلاكِ الكَثِيرُ.
ومِن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدٌ
وهَذا مَعْنى دَقِيقٌ لَمْ أعْلَمْ أنَّ أحَدًا ذَكَرَهُ، وقِيلَ: وصْفُ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَقُولُوا يا ثُبُوراهُ فَقَطْ وقُولُوا يا ثُبُوراهُ يا هَلاكاهُ يا ويْلاهُ يا لَهْفاهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ وهو كَما تَرى.
صفحة 245
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وصَفَهُ بِذَلِكَ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ المُتَعَلِّقِ بِهِ لا بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ في نَفْسِهِ فَإنَّ ما يَدْعُونَهُ ثُبُورٌ واحِدٌ في حَدِّ ذاتِهِ لَكِنَّهُ كُلَّما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ مِن تِلْكَ الأدْعِيَةِ الكَثِيرَةِ صارَ كَأنَّهُ ثُبُورٌ مُغايِرٌ لِما تَعَلَّقَ بِهِ دُعاءٌ آخَرُ، وتَحْقِيقُهُ لا تَدْعُوهُ دُعاءً واحِدًا وادْعُوهُ أدْعِيَةً كَثِيرَةً فَإنَّ ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ لِغايَةِ شِدَّتِهِ وطُولِ مُدَّتِهِ مُسْتَوْجِبٌ لِتَكْرِيرِ الدُّعاءِ في كُلِّ آنٍ، ثُمَّ قالَ: وهَذا أدَلُّ عَلى فَظاعَةِ العَذابِ وهو لَهُ مِن جَعْلِ تَعَدُّدِ الدُّعاءِ وتَجَدُّدِهِ لِتَعَدُّدِ العَذابِ بِتَعَدُّدِ أنْواعِهِ وألْوانِهِ أوْ لِتَعَدُّدِهِ بِتَجَدُّدُ الجُلُودُ كَما لا يَخْفى، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى إنَّكم وقَعْتُمْ فِيما لَيْسَ ثُبُورَكم فِيهِ واحِدًا إنَّما هو ثُبُورٌ كَثِيرٌ إمّا لِأنَّ العَذابَ أنْواعٌ وألْوانٌ كُلُّ نَوْعٍ مِنها ثُبُورٌ لِشِدَّتِهِ وفَظاعَتِهِ أوْ لِأنَّهم كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَها فَلا غايَةَ لِهَلاكِهِمْ فَلا يُلائِمُ المَقامَ كَيْفَ وهَمَ إنَّما يَدْعُونَ هَلاكًا يُنْهِي عَذابَهم ويُنْجِيهِمْ مِنهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجَوابُ إقْناطًا لَهم عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ اسْتِحالَتِهِ ودَوامِ ما يُوجِبُ اسْتِدْعاءَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ انْتَهى، وتَعَقَّبَ القَوْلَ بِأنَّ وصْفَ الثُّبُورِ بِالكَثْرَةِ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الدُّعاءِ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ النُّظُمَ وكَذا كَوْنُهُ بِحَسْبِ كَثْرَةِ الألْفاظِ المُشْعِرَةِ بِالثُّبُورِ لِأنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ دُعاءً كَثِيرًا، وأمّا قَوْلُهُ: وأمّا ما قِيلَ إلَخْ فَهو لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ فَتَأمَّلْ.
وحَكى عَلِيُّ بْنُ عِيسى ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا الأمْرِ أيْ ما صَرَفَكَ عَنْهُ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الثُّبُورُ في الآيَةِ مِن ذَلِكَ كَأنَّهم نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا فَقالُوا: واصْرِفاهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَما يُقالُ: وانَدَماهُ فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا، وتَقْيِيدُ النَّهْيِ والأمْرِ بِاليَوْمِ لِمَزِيدِ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَسائِرِ الأيّامِ المَعْهُودَةِ الَّتِي يُخْلِصُ مِن عَذابِها ثُبُورٌ واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِالسّاعَةِ الَّتِي أصابَهم ما أصابَهم بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِها فَفِيهِ زِيادَةُ إيلامٍ لَهُمْ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «ثُبُورًا» بِفَتْحِ الثّاءِ في ثَلاثَتِها وفُعُولٍ بِفَتْحِ الفاءِ في المَصادِرِ قَلِيلٌ نَحْوُ القُفُولِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences