Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:25–31
25:25Page 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ العامِلُ في ( يَوْمَ ) إمّا اذْكُرْ أوْ يَنْفَرِدُ اللَّهُ تَعالى بِالمُلْكِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ وقِيلَ: العامِلُ ذاكَ بِمَعْناهُ المَذْكُورِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( يَوْمَئِذٍ ) أوْ ( يَوْمَ يَرَوْنَ ) وتَشَقَّقُ تَتَفَتَّحُ، والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَهُ لِلتَّهْوِيلِ، وأصْلُهُ تَتَشَقَّقُ فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ كَما في ﴿تَلَظّى﴾ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ بِإدْغامِ التّاءِ في الشِّينِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَبَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ المُظِلَّةُ لَنا، وبِالغَمامِ السَّحابُ المَعْرُوفُ، والباءُ الدّاخِلَةُ عَلَيْهِ باءُ السَّبَبِ، أيْ: تَشَقَّقُ السَّماءُ بِسَبَبِ طُلُوعِ الغَمامِ مِنها، ولا مانِعَ مِن أنْ تَشَقَّقُ بِهِ كَما يُشَقُّ السَّنامُ بِالشَّفْرَةِ، واللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وحَدِيثُ امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى السَّماءِ حَدِيثُ خُرافَةٍ.
وقِيلَ: باءُ الحالِ وهي باءُ المُلابَسَةِ، واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، أيْ: تَشَقَّقُ مُتَغَيِّمَةً، وقِيلَ: بِمَعْنى عَنْ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ.
والفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِكَ انْشَقَّتِ الأرْضُ بِالنَّباتِ وانْشَقَّتْ عَنْهُ أنَّ مَعْنى الأوَّلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَقَّها بِطُلُوعِهِ فانْشَقَّتْ بِهِ، ومَعْنى الثّانِي أنَّ التُّرْبَةَ ارْتَفَعَتْ عَنْهُ عِنْدَ طُلُوعِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَمامِ غَمامٌ أبْيَضُ رَقِيقٌ مِثْلُ الضَّبابَةِ، ولَمْ يَكُنْ إلّا لِبَنِي إسْرائِيلَ في تِيهِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ تَعالى فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهو غَمامٌ زَعَمُوا أنَّهُ في الجَنَّةِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ ما يَعُمُّ السَّماواتِ كُلَّها وتَشَقَّقُ سَماءً سَماءً، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الأهْوالِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ أيْ تَنْزِيلًا عَجِيبًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَقالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ أهْلُها، وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِجَمِيعِهِمْ فَتَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا؟ فَيَقُولُونَ: لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا ومِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّالِثَةُ فَيَنْزِلُ أهْلُها وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الثّانِيَةِ والدُّنْيا وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم وبِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الرّابِعَةِ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ الثّالِثَةِ والثّانِيَةِ والأُولى وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الخامِسَةِ وهم أكْثَرُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّادِسَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ والإنْسِ والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القَنا وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخِذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن تَرْقُوَتِهِ إلى مَوْضِعِ القُرْطِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ
صفحة 10
خَمْسُمِائَةِ عامٍ، ونُزُولُ الرَّبِّ جَلَّ وعَلا مِنَ المُتَشابَهِ، وكَذا قَوْلُهُ: «وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ» وأهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ: المُرادُ بِذَلِكَ نُزُولُ الحُكْمِ والقَضاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَنْزِلُ حُكْمُ الرَّبِّ وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ أيْ مَعَهُ، وأمّا نُزُولُ المَلائِكَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وعِظَمِ أجْسامِهِمْ فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ ما يُشاهَدُ مِن صِغَرِ الأرْضِ لِأنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ تَمْتَدُّ بِحَيْثُ تَسَعُ أهْلَها وأهْلَ السَّماواتِ أجْمَعِينَ، وسُبْحانَ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يَنْزِلُونَ في الغَمامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الآيَةِ أنَّ السَّماءَ تَنْفَتِحُ بِغَمامٍ يَخْرُجُ مِنها، وفي الغَمامِ المَلائِكَةُ يَنْزِلُونَ وفي أيْدِيهِمْ صَحائِفُ الأعْمالِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو رَجاءٍ «ونَزَّلَ» ماضِيًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُشَدَّدًا، وعَنْهُ أيْضًا «وأنْزَلَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وجاءَ مَصْدَرُهُ تَنْزِيلًا وقِياسُهُ إنْزالًا إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ مَعْنى أنْزَلَ ونَزَّلَ واحِدًا جاءَ مَصْدَرُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
حَتّى تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الخِصْبِ
كَأنَّهُ قالَ: حَتّى انْطَوَيْتُ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعَبْدُ اللَّهِ في نَقْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ «وأُنْزِلَ» ماضِيًا رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ والخَفّافُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ونَزَلَ» ثُلاثِيًّا مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو مُعاذٍ وخارِجَةُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «ونُزِّلَ» بِضَمِّ النُّونِ وشَدِّ الزّايِ وكَسْرِها ونَصْبِ «المَلائِكَةُ» وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ بَعْدَ أنْ نَسَبَها إلى ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ عَلى أنَّ الأصْلَ «نُنَزِّلُ» كَما وُجِدَ في بَعْضِ المَصاحِفِ فَحُذِفَتِ النُّونُ الَّتِي هي فاءُ الفِعْلِ تَخْفِيفًا لِالتِقاءِ النُّونَيْنِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (ونُزِّلَتْ) ماضِيًا مُشَدَّدًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ عَنِ الخَفّافِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: (ونُزِلَ) مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ و«المَلائِكَةُ» بِالرَّفْعِ فَإنْ صَحَّتِ القِراءَةُ فَإنَّهُ حُذِفَ مِنها المُضافُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: ونُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ، فَحُذِفَ النُّزُولُ ونُقِلَ إعْرابُهُ إلى المَلائِكَةِ، بِمَعْنى نُزِلَ نازِلُ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ يَكُونُ بِمَعْنى الِاسْمِ اهـ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: نُزِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ نُزِلَ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِهِ، ولا يُقاسُ بِجُنَّ حَيْثُ إنَّهُ مِمّا لا يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ، فَلا يُقالُ: جَنَّهُ اللَّهُ تَعالى بَلْ أجَنَّهُ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّهُ شاذٌّ، والقِياسُ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لُغَةً نادِرَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المُضافِ، أيْ نُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ، قالَ العَجّاجُ:
حَتّى إذا اصْطَفُّوا لَهُ حِذارا
فَحِذارًا مَنصُوبٌ مَصْدَرًا لا مَفْعُولًا بِهِ، يُرِيدُ اصْطَفُّوا لَهُ اصْطِفافًا حِذارًا، ونُزِلَ نُزُولُ المَلائِكَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: هَذا نُزُولٌ مَنزُولٌ وصُعُودٌ مَصْعُودٌ وضَرْبٌ مَضْرُوبٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ، وقَدْ قِيلَ قَوْلٌ، وقَدْ خِيفَ مِنهُ خَوْفٌ، فاعْرِفْ ذَلِكَ فَإنَّهُ أمْثَلُ ما يَحْتَجُّ بِهِ لِهَذِهِ القِراءَةِ اهـ.
وهُوَ أحْسَنُ مِن كَلامِ صاحِبِ اللَّوامِحِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو أيْضًا أنَّهُ قَرَأ «وتَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ» فَهَذِهِ مَعَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ وما في بَعْضِ المَصاحِفِ عَشَرَةُ قِراءاتٍ، وما كانَ مِنها بِصِيغَةِ المُضارِعِ وجْهُهُ ظاهِرٌ، وأمّا ما كانَ بِصِيغَةِ الماضِي فَوَجْهُهُ عَلى ما قِيلَ الإشارَةُ إلى سُرْعَةِ الفِعْلِ.
25:26Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ السَّلْطَنَةُ القاهِرَةُ والِاسْتِيلاءُ الكُلِّيُّ العامُّ الثّابِتُ صُورَةً ومَعْنًى ظاهِرًا وباطِنًا بِحَيْثُ لا زَوالَ لَهُ ثابِتٌ لِلرَّحْمَنِ يَوْمَ إذْ تَشَقَّقُ السَّماءُ وتَنْزِلُ المَلائِكَةُ، فالمُلْكُ مُبْتَدَأٌ والحَقُّ صِفَتُهُ ولِلرَّحْمَنِ خَبَرُهُ ويَوْمَئِذٍ ظَرْفٌ لِثُبُوتِ الخَبَرِ لِلْمُبْتَدَأِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ أنَّ ثُبُوتَ المُلْكِ لَهُ تَعالى خاصَّةً يَوْمَئِذٍ، وأمّا فِيما عَداهُ مِن أيّامِ الدُّنْيا فَيَكُونُ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ أيْضًا تَصَرُّفٌ صُورِيٌّ في الجُمْلَةِ، واخْتارَ هَذا بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولَعَلَّ أمْرَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالظَّرْفِ المَذْكُورِ سَهْلٌ، وقِيلَ: المَلِك مُبْتَدَأٌ ويَوْمَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وهو بِمَعْنى
صفحة 11
المالِكِيَّةِ والحَقُّ خَبَرُهُ ولِلرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ نُكْتَةُ إيرادِ المُسْنَدِ مُعَرَّفًا فَإنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنْ يُقالَ: المُلْكُ يَوْمَئِذٍ حَقٌّ لِلرَّحْمَنِ، وأُجِيبَ بِأنَّ في تَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِما يُفِيدُ تَعْرِيفَ الطَّرَفَيْنِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى التَّبْيِينِ كَما في (سَقْيًا لَكَ) والمُبَيَّنُ مِن لَهُ المُلْكُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلْحَقِّ وهو كَما تَرى، وقِيلَ يَوْمَئِذٍ هو الخَبَرُ والحَقُّ نَعْتٌ لِلْمُلْكِ ولِلرَّحْمَنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وفِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ فَلا تَغْفُلْ.
ومَنَعُوا تَعَلُّقَ يَوْمَئِذٍ فِيما - إذا لَمْ يَكُنْ خَبَرًا - بِالحَقِّ وعَلَّلُوا ذَلِكَ بِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ صِلَتُهُ ولَوْ ظَرْفًا وفِيهِ بَحْثٌ، والجُمْلَةُ عَلى أكْثَرِ الِاحْتِمالاتِ السّابِقَةِ في عامِلِ يَوْمٍ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ وأهْوالِهِ، وإيرادُهُ تَعالى بِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ اتِّصافَهُ عَزَّ وجَلَّ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ لا يُهَوِّنُ الخَطْبَ عَلى الكَفَرَةِ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أيْ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ مَعَ كَوْنِ المُلْكِ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى المُبالِغِ في الرَّحْمَةِ بِعِبادِهِ شَدِيدًا عَلى الكافِرِينَ، والمُرادُ شِدَّةُ ما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، وفَسَّرَ الرّاغِبُ العَسِيرَ بِما لا يَتَيَسَّرُ فِيهِ أمْرٌ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وفِيها إشارَةٌ إلى كَوْنِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَسِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي الحَدِيثِ: ««إنَّهُ يُهَوَّنُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ عَلَيْهِ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلّاها في الدُّنْيا»».
25:27Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ الطَّبَرْسِيُّ: العامِلُ في ( يَوْمَ ) اذْكُرْ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ، والظّاهِرُ أنَّ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ظالِمٍ، وحَكى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي رَجاءٍ، وذُكِرَ أنَّ المُرادَ بِفُلانٍ - فِيما بَعْدُ - الشَّيْطانُ، وقِيلَ: لِتَعْرِيفِ العَهْدِ، والمُرادُ بِالظّالِمِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى - وبِفُلانٍ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا فَدَعا عَلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهم وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمٍ مِن سَفَرٍ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي فَقالَ ﷺ: ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن طَعامِهِ» فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ ؟! وكانَ خَلِيلَهُ، فَقالَ: واللَّهِ ما صَبَوْتُ ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ، فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَفْعَلُ كَذا - وذَكَرَ فِعْلًا لا يَلِيقُ إلّا بِوَجْهِ القائِلِ اللَّعِينِ - فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا عَنْ مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ»» .
وفِي رِوايَةٍ: ««إنْ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبُ عُنُقَكَ صَبْرًا» فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ وخَرَجَ أصْحابُهُ أبى أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا، فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَعَهم فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ تَعالى المُشْرِكِينَ رَحَلَ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ فَأُخِذَ أسِيرًا في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
صفحة 12
وفِي رِوايَةِ ثابِتِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ بِأنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِمَ؟ قالَ: بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ ﷺ صَرَّحَ لَهُ بِما فَعَلَ مَعَهُ ثُمَّ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ».
وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَمَعَ فِعْلِهِ ذَلِكَ «قالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: «بَلْ أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى» فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ وقالَ لِمَن أخْبَرَهُ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ تَعالى أسْمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ نَعَمْ، فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ لِما عَلِمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما قالَ قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: خَلُّوا عَنْهُ، فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ دَمٌ كَثِيرٌ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَخَرَّ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ، فَقالُوا: ما هَذا؟! فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ، فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: أنا أقْتُلُهُ، واللَّهِ لَوْ أنَّ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهُمْ، فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ذَهَبَ إلى النّارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ.
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظّالِمَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وفُلانٌ عُقْبَةُ، وعَضُّ اليَدَيْنِ إمّا عَلى ظاهِرِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ وجَماعَةٍ قالُوا: يَأْكُلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقِ، ثُمَّ تَنْبُتُ ولا يَزالُ كَذَلِكَ كُلَّما أكَلَها نَبَتَتْ، وإمّا كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ الحَسْرَةِ والنَّدامَةِ، وكَذا عَضُّ الأنامِلِ، والسُّقُوطُ في اليَدِ، وحَرْقُ الأسْنانِ والأُدْمِ ونَحْوِها؛ لِأنَّها لازِمَةٌ لِذَلِكَ في العادَةِ والعُرْفِ، وفي المَثَلِ: يَأْكُلُ يَدَيْهِ نَدَمًا ويَسِيلُ دَمْعُهُ دَمًا، وقالَ الشّاعِرُ:
أبى الضَّيْمَ والنُّعْمانُ يَحْرِقُ نابَهُ عَلَيْهِ فَأفْضى والسُّيُوفُ مَعاقِلُهْ
والفِعْلُ عَضَّ عَلى وزْنِ فَعِلَ مَكْسُورَ العَيْنِ، وحَكى الكِسائِيُّ عَضَضْتُ بِفَتْحِ العَيْنِ.
﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ الجُمْلَةُ مَعَ مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظّالِمِ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، و( يا لَيْتَنِي ) إلَخْ، مَقُولُ القَوْلِ، ويا إمّا لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى تَعْيِينِ المُنَبَّهِ أوِ المُنادى مَحْذُوفٌ يا قَوْمِي لَيْتَنِي، وألْ في ( الرَّسُولِ ) إمّا لِلْجِنْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ رَسُولٍ، وإمّا لِلْعَهْدِ فالمُرادُ بِهِ رَسُولُ هَذِهِ الأُمَّةِ مُحَمَّدٌ ﷺ والأوَّلُ إذا كانَتْ ألْ في الظّالِمِ لِلْجِنْسِ والثّانِي إذا كانَتْ لِلْعَهْدِ، وتَنْكِيرُ ( سَبِيلًا ) إمّا لِلشُّيُوعِ أوْ لِلْوَحْدَةِ، وعَدَمُ تَعْرِيفِهِ لِادِّعاءِ تَعَيُّنِهِ، أيْ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ طَرِيقًا إلى النَّجاةِ، أيَّ طَرِيقٍ كانَ أوْ طَرِيقًا واحِدًا وهو طَرِيقُ الحَقِّ ولَمْ تَتَشَعَّبْ بِي طُرُقُ الضَّلالَةِ.
25:28Page 362
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
﴿يا ويْلَتى﴾ بِقَلْبِ ياءِ المُتَكَلِّمِ ألِفًا كَما في صَحارى، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ قُطَيْبٍ: (يا ويْلَتِي) بِكَسْرِ التّاءِ والياءِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالإمالَةِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ الأصْلَ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ الياءُ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي عَنْهُ فَرَّ أوَّلًا، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى يا هَلَكَتِي تَعالَيْ واحْضُرِي فَهَذا أوانُكِ.
﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ أرادَ بِفُلانٍ الشَّيْطانَ أوْ مَن أضَلَّهُ في الدُّنْيا كائِنًا مَن كانَ، أوْ أُبَيًّا إنْ كانَ الظّالِمُ عُقْبَةَ أوْ عُقْبَةَ إنْ كانَ الظّالِمُ أُبَيًّا، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَلَمٍ مُذَكَّرٍ، وفُلانَةُ عَنْ عَلَمٍ مُؤَنَّثٍ، واشْتَرَطَ ابْنُ الحاجِبِ في فُلانٍ أنْ يَكُونَ مَحْكِيًّا بِالقَوْلِ كَما هُنا، ورَدَّهُ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِأنَّهُ سَمِعَ خِلافَهُ كَثِيرًا كَقَوْلِهِ:
وإذا فُلانٌ ماتَ عَنْ أُكْرُومَةٍ دَفَعُوا مَعاوِزَ فَقْرِهِ بِفُلانِ
وتَقْدِيرُ القَوْلِ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرٍ، والفُلانُ والفُلانَةُ كِنايَةٌ عَنْ غَيْرِ العاقِلِ مِنَ الحَيَواناتِ كَما قالَ الرّاغِبُ، وفُلٌّ
صفحة 13
وفُلَّةٌ كِنايَةٌ عَنْ نَكِرَةِ مَن يَعْقِلُ، فالأوَّلُ بِمَعْنى رَجُلٍ، والثّانِي بِمَعْنى امْرَأةٍ، ووَهِمَ ابْنُ عُصْفُورٍ، وابْنُ مالِكٍ، وصاحِبُ البَسِيطِ كَما في البَحْرِ في قَوْلِهِمْ: فُلٌّ كِنايَةٌ عَنِ العَلَمِ كَفُلانٍ، ويَخْتَصُّ بِالنِّداءِ إلّا ضَرُورَةً كَما في قَوْلِهِ:
فِي لُجَّةٍ أمْسَكَ فُلانٌ عَنْ فُلٍّ
ولَيْسَ مُرَخَّمَ فُلانٍ خِلافًا لِلْفَرّاءِ، واخْتَلَفُوا في لامِ فُلٍّ وفُلانٍ فَقِيلَ واوٌ، وقِيلَ: ياءٌ، وكَنُوا بِهَنٍ - بِفَتْحِ الهاءِ وتَخْفِيفِ النُّونِ - عَنْ أسْماءِ الأجْناسِ كَثِيرًا، وقَدْ كُنِيَ بِهِ عَنِ الأعْلامِ كَما في قَوْلِهِ:
واللَّهُ أعْطاكَ فَضْلًا عَنْ عَطِيَّتِهِ ∗∗∗ عَلى هَنٍ وهَنٍ فِيما مَضى وهَنٍ
فَإنَّهُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ أرادَ عَبْدَ اللَّهِ وإبْراهِيمَ وحَسَنًا، والخَلِيلُ مِنَ الخُلَّةِ - بِضَمِّ الخاءِ - بِمَعْنى المَوَدَّةِ، أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ إمّا لِأنَّها تَتَخَلَّلُ النَّفْسَ أيْ تَتَوَسَّطُها، وأنْشَدَ:
قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي ∗∗∗ وبِهِ سُمِّيَ الخَلِيلُ خَلِيلًا
وإمّا لِأنَّها تَخَلُّها فَتُؤَثِّرُ فِيها تَأْثِيرَ السَّهْمِ في الرَّمِيَّةِ، وإمّا لِفَرْطِ الحاجَةِ إلَيْها، وهَذا التَّمَنِّي - وإنْ كانَ مَسُوقًا لِإبْرازِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ - لَكِنَّهُ مُتَضَمِّنٌ لِنَوْعِ تَعَلُّلٍ واعْتِذارٍ بِتَوْرِيكِ جِنايَتِهِ إلى الغَيْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى
25:29Page 362
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَمَنِّيهِ المَذْكُورِ وتَوْضِيحٌ لِتَعَلُّلِهِ، وتَصْدِيرُهُ بِاللّامِ القَسَمِيَّةِ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ خَطَئِهِ وإظْهارِ نَدَمِهِ وحَسْرَتِهِ، أيْ واللَّهِ لَقَدْ أضَلَّنِي فُلانٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، أوْ عَنْ مَوْعِظَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ عَنْ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ، أوْ عَنِ القُرْآنِ ﴿بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ أيْ وصَلَ إلَيَّ وعَلِمْتُهُ، أوْ تَمَكَّنْتُ مِنهُ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى إيمانِ مَن أُنْزِلَتْ فِيهِ ثُمَّ ارْتِدادِهِ ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ مُبالِغًا في الخِذْلانِ، وهو تَرْكُ المُعاوَنَةِ والنُّصْرَةِ وقْتَ الحاجَةِ مِمَّنْ يُظَنُّ فِيهِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، أوْ مِن تَمامِ كَلامِ الظّالِمِ، عَلى أنَّهُ سَمّى خَلِيلَهُ شَيْطانًا بَعْدَ وصْفِهِ بِالإضْلالِ الَّذِي هو أخَصُّ الأوْصافِ الشَّيْطانِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالشَّيْطانِ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مُجالَسَةِ المُضِلِّينَ ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ الهادِي - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ، فَإنَّ وصْفَهُ بِالخِذْلانِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ كانَ يَعِدُهُ في الدُّنْيا ويُمَنِّيهِ بِأنْ يَنْفَعَهُ في الآخِرَةِ وهو أوْفَقُ لِحالِ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ.
25:30Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
﴿وقالَ الرَّسُولُ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ إلَخْ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِاسْتِعْظامِ ما قالُوهُ، وبَيانِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ والخُطُوبِ، والمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَرَّفَ وعَظَّمَ وكَرَّمَ - وإيرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ، والرَّدِّ عَلى نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانَ ما حُكِيَ عَنْهم قَدْحًا في رِسالَتِهِ ﷺ أيْ قالُوا كَيْتَ وكَيْتَ، وقالَ الرَّسُولُ إثْرَ ما شاهَدَ مِنهم غايَةَ العُتُوِّ ونِهايَةَ الطُّغْيانِ بِطَرِيقِ البَثِّ إلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ والشَّكْوى عَلَيْهِمْ: ﴿يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي﴾ الَّذِينَ حَكى عَنْهم ما حَكى مِنَ الشَّنائِعِ ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ﴾ الجَلِيلَ الشَّأْنِ المُشْتَمِلَ عَلى ما فِيهِ صَلاحُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ ﴿مَهْجُورًا﴾ أيْ مَتْرُوكًا بِالكُلِّيَّةِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، ولَمْ يَرْفَعُوا إلَيْهِ رَأْسًا، ولَمْ يَتَأثَّرُوا بِوَعِيدِهِ ووَعْدِهِ، فَمَهْجُورًا مِنَ الهَجْرِ بِفَتْحِ الهاءِ بِمَعْنى التَّرْكِ وهو الظّاهِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وغَيْرِهِما، واسْتَدَلَّ ابْنُ الفَرَسِ بِالآيَةِ عَلى كَراهَةِ هَجْرِ المُصْحَفِ وعَدَمِ تَعاهُدِهِ بِالقِراءَةِ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ لِئَلّا يَنْدَرِجَ مَن لَمْ يَتَعاهَدِ القِراءَةَ فِيهِ تَحْتَ ظاهِرِ
صفحة 14
النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ ظاهِرَهُ ذَمُّ الهَجْرِ مُطْلَقًا، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَدَمَ القَبُولِ لا عَدَمَ الِاشْتِغالِ مَعَ القَبُولِ ولا ما يَعُمُّهُما، فَإنْ كانَ مِثْلَ هَذا يَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ فَذاكَ وإلّا فَلْيُطْلَبْ دَلِيلٌ آخَرُ لِلْكَراهَةِ.
وأوْرَدَ بَعْضُهم في ذَلِكَ خَبَرًا وهُوَ: ««مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّقَ مُصْحَفَهُ لَمْ يَتَعاهَدْهُ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَقُولُ: يا رَبِّ عَبْدُكَ هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ»» وقَدْ تَعَقَّبَ هَذا الخَبَرَ العِراقِيُّ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي هُدْبَةَ، وهو كَذّابٌ، والحَقُّ أنَّهُ مَتى كانَ ذَلِكَ مُخِلًّا بِاحْتِرامِ القُرْآنِ والِاعْتِناءِ بِهِ كُرِهَ بَلْ حَرُمَ وإلّا فَلا.
وقِيلَ: مَهْجُورًا مِنَ الهُجْرِ - بِالضَّمِّ عَلى المَشْهُورِ - أيِ الهَذَيانُ وفُحْشُ القَوْلِ، والكَلامُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ جَعَلُوهُ مَهْجُورًا فِيهِ إمّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ نَحْوُ ما قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها، وإمّا بِأنْ هَجَرُوا فِيهِ ورَفَعُوا أصْواتَهم بِالهَذَيانِ لِما قُرِئَ لِئَلّا يُسْمَعَ كَما قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنَ الهُجْرِ بِالضَّمِّ كالمَعْقُولِ بِمَعْنى العَقْلِ والمَجْلُودِ بِمَعْنى الجَلادَةِ أيِ: اتَّخَذُوهُ نَفْسَ الهُجْرِ والهَذَيانِ، ومَجِيءُ مَفْعُولٍ مَصْدَرًا مِمّا أثْبَتَهُ الكُوفِيُّونَ لَكِنْ عَلى قِلَّةٍ، وفي هَذِهِ الشَّكْوى مِنَ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إذا شَكَوْا إلى اللَّهِ تَعالى قَوْمَهم عُجِّلَ لَهُمُ العَذابُ ولَمْ يَنْظُرُوا.
وقِيلَ: إنَّ ( قالَ ) إلَخْ، عَطْفٌ عَلى ﴿يَعَضُّ الظّالِمُ﴾، والمُرادُ: ويَقُولُ الرَّسُولُ، إلّا أنَّهُ عُدِلَ إلى الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِي المُرادِ بِمَعُونَةِ المُقامِ في بَعْضٍ وإنْ كانَ إخْبارًا عَمّا في الآخِرَةِ.
وحالُ عَطْفِهِ عَلى ﴿وكانَ الشَّيْطانُ﴾ إلَخْ، عَلى أنَّهُ مِن كَلامِهِ تَعالى لا يَخْفى حالُهُ، وقَوْلُ الرَّسُولِ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ وهو كالشَّهادَةِ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ ولَيْسَ بِتَخْوِيفٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو مُسْلِمٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
25:31Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ فَإنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَمْلٌ لَهُ عَلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ هانَتْ، والعَدُوُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ واحِدًا وجَمْعًا، أيْ كَما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِنَ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ الأباطِيلِ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الشَّرِيعَةِ والدَّعْوَةِ إلَيْها عَدُوًّا مِن مُرْتَكِبِي الجَرائِمِ والآثامِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ آدَمُ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - لِدُخُولِ الشَّياطِينِ وقابِيلَ في المُجْرِمِينَ، ويُكْتَفى بِدُخُولِ قابِيلَ إنْ أُرِيدَ بِالمُجْرِمِينَ مُجْرِمُو الإنْسِ أوْ مُجْرِمُو أُمَّةِ النَّبِيِّ، وقِيلَ: الكُلِّيَّةُ بِمَعْنى الكَثْرَةِ، والمُرادُ بِجَعْلِ الأعْداءِ جَعْلُ عَداوَتِهِمْ وخَلْقُها وما يَنْشَأُ مِنها فِيهِمْ لا جَعْلُ ذَواتِهِمْ، فَفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمْ أنَّ خالِقَ الشَّرِّ غَيْرُهُ تَعالى شَأْنُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِدايَةِ إلى كافَّةِ مَطالِبِهِ والنَّصْرِ عَلى أعْدائِهِ، أيْ كَفاكَ مالِكُ أمْرِكَ ومُبَلِّغُكَ إلى الكَمالِ هادِيًا لَكَ إلى ما يُوصِلُكَ إلى غايَةِ الغاياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَبْلِيغُ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وإجْراءُ أحْكامِهِ في أكْنافِ الدُّنْيا إلى أنْ يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ، وناصِرًا لَكَ عَلَيْهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
وقَدَّرَ بَعْضُهم مُتَعَلِّقَ ﴿هادِيًا﴾ إلى طَرِيقِ قَهْرِهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى هادِيًا لِمَن آمَنَ مِنهم ونَصِيرًا لَكَ عَلى غَيْرِهِ، وقِيلَ: هادِيًا لِلْأنْبِياءِ إلى التَّحَرُّزِ عَنْ عَداوَةِ المُجْرِمِينَ بِالِاعْتِصامِ بِحَبْلِهِ، ونَصِيرًا لَهم عَلَيْهِمْ وهو كَما تَرى، ونَصْبُ الوَصْفَيْنِ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences