Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:32–37
25:32Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهُمُ القائِلُونَ أوَّلًا، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعُنْوانِ الكُفْرِ لِذَمِّهِمْ بِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَخُبِّرَ بِمَعْنى أُخْبِرَ فَلا قَصْدَ فِيهِ إلى التَّدْرِيجِ
صفحة 15
لِمَكانِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ فَإنَّهُ لَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَتَدافَعا، إذْ يَكُونُ المَعْنى لَوْلا فُرِّقَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً والتَّفْرِيقُ يُنافِي الجُمَلِيَّةَ، وقِيلَ: عُبِّرَ بِذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ المُنَزَّلِ في نَفْسِهِ، ونَصْبُ ﴿جُمْلَةً﴾ عَلى الحالِ وواحِدَةً عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، أيْ هَلّا أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُفْعَةً غَيْرَ مُفَرَّقٍ، كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ والآثارُ، حَتّى كادَ يَكُونُ إجْماعًا كَما قالَ السُّيُوطِيُّ، ورَدَّ عَلى مَن أنْكَرَ ذَلِكَ مِن فُضَلاءِ عَصْرِهِ، فَقَوْلُ ابْنِ الكَمالِ: إنَّ التَّوْراةَ أُنْزِلَتْ مُنَجَّمَةً في ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً - ويَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ التَّوْراةِ ولا قاطِعَ بِخِلافِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ - ناشِئٌ مِن نُقْصانِ الِاطِّلاعِ.
وهَذا الِاعْتِراضُ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأنَّ الإعْجازَ مِمّا لا يَخْتَلِفُ بِنُزُولِهِ جُمْلَةً أوْ مُفَرَّقًا مَعَ أنَّ لِلتَّفْرِيقِ فَوائِدَ، مِنها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدُ، وقِيلَ: إنَّ شاهِدَ صِحَّةِ القُرْآنِ إعْجازُهُ وذَلِكَ بِبَلاغَتِهِ وهي بِمُطابَقَتِهِ لِمُقْتَضى الحالِ في كُلِّ جُمْلَةٍ مِنهُ، ولا يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ في نُزُولِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، فَلا يُقاسُ بِسائِرِ الكُتُبِ فَإنَّ شاهِدَ صِحَّتِها لَيْسَ الإعْجازَ، وفِيهِ أنَّ قَوْلَهُ: ولا يَتَيَسَّرُ إلَخْ، مَمْنُوعٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْزِلَ دُفْعَةً واحِدَةً مَعَ رِعايَةِ المُطابَقَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ جُمْلَةٍ لِما يَتَجَدَّدُ مِنَ الحَوادِثِ المُوافِقَةِ لَها الدّالَّةِ عَلى أحْكامِها.
وقَدْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ كَذَلِكَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا لَزِمَ كَوْنُهُ غَيْرَ مُعْجِزٍ فِيها ولا قائِلَ بِهِ، بَلْ قَدْ يُقالُ: إنَّ هَذا أقْوى في إعْجازِهِ، والبَلِيغُ يَفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، فافْهَمْ.
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وبَيانِ بَعْضِ الحِكَمِ في تَنْزِيلِهِ تَدْرِيجًا، ومَحَلُّ الكافِ نَصْبٌ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِمُضْمَرٍ مُعَلَّلٍ بِما بَعْدَهُ، وجُوِّزَ نَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ، «وذَلِكَ» إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ أيْ تَنْزِيلًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ الَّذِي قَدَحُوا فِيهِ واقْتَرَحُوا خِلافَهُ نَزَّلْناهُ لا تَنْزِيلًا مُغايِرًا لَهُ، أوْ نَزَّلْناهُ مُماثِلًا لِذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِنُقَوِّيَ بِهِ فُؤادَكَ؛ فَإنَّ في تَنْزِيلِهِ مُفَرَّقًا تَيْسِيرًا لِحِفْظِ النَّظْمِ، وفَهْمِ المَعانِي، وضَبْطِ الكَلامِ، والوُقُوفِ عَلى تَفاصِيلِ ما رُوعِيَ فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ، وتَعَدُّدِ نُزُولِ جِبْرِيلَ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - وتَجَدُّدِ إعْجازِ الطّاعِنِينَ فِيهِ في كُلِّ جُمْلَةٍ مِقْدارَ أقْصَرِ سُورَةٍ تَنْزِلُ مِنهُ، ولِذَلِكَ فَوائِدُ غَيْرُ ما ذُكِرَ أيْضًا، مِنها مَعْرِفَةُ النّاسِخِ المُتَأخِّرِ نُزُولُهُ مِنَ المَنسُوخِ المُتَقَدِّمِ نُزُولُهُ المُخالِفِ لِحُكْمِهِ، ومِنها انْضِمامُ القَرائِنِ الحالِيَّةِ إلى الدَّلالاتِ اللَّفْظِيَّةِ، فَإنَّهُ يُعِينُ عَلى مَعْرِفَةِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى الحالِ يَتَنَبَّهُ السّامِعُ لِما يُطابِقُها ويُوافِقُها إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ الكَفَرَةِ، والكافُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ القُرْآنِ أوِ الصِّفَةِ لِمَصْدَرِ (نُزِّلَ) المَذْكُورِ أوْ لِـ(جُمْلَةً)، والإشارَةُ إلى تَنْزِيلِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ولامُ ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، والمُعَلَّلُ مَحْذُوفٌ، نَحْوُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا، أيْ نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا لِنُثَبِّتَ إلَخْ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: هي لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَنُثَبِتَنَّ، فَحَذَفَ النُّونَ، وكُسِرَتِ اللّامُ، وقَدْ حَكى ذَلِكَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ، والظّاهِرُ أنَّها عِنْدَهُ كَذَلِكَ عَلى القَوْلَيْنِ في ( كَذَلِكَ ) وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ قَوْلٌ في غايَةِ الضَّعْفِ، وكَأنَّهُ يَنْحُو إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ إنَّ جَوابَ القَسَمِ يُتَلَقّى بِلامِ كَيْ، وجَعَلَ مِنهُ «ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ» إلَخْ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «لِيُثَبِّتَ» بِالياءِ أيْ لِيُثَبِّتَ اللَّهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ المُعَلَّلِ بِما ذُكِرَ، وتَنْكِيرُ «تَرْتِيلًا» لِلتَّفْخِيمِ أيْ: كَذَلِكَ نَزَّلْناهُ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا بَدِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وتَرْتِيلُهُ تَفْرِيقُهُ آيَةً بَعْدَ آيَةٍ، قالَهُ النَّخَعِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنّاهُ بَيانًا فِيهِ تَرَسُّلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: جَعَلْنا بَعْضَهُ إثْرَ بَعْضٍ، وقِيلَ: هو الأمْرُ بِتَرْتِيلِ قِراءَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ وقِيلَ: قَرَأْناهُ عَلَيْكَ بِلِسانِ جِبْرِيلَ
صفحة 16
- عَلَيْهِ السَّلامُ - شَيْئًا فَشَيْئًا في عِشْرِينَ أوْ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى تُؤَدَةٍ وتَمَهُّلٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ أيْ مُفَلَّجُ الأسْنانِ غَيْرُ مُتَلاصِقِها.
25:33Page 363
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اقْتِراحاتُهُمُ القَبِيحَةُ الخارِجَةُ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ الجارِيَةِ لِذَلِكَ مَجْرى الأمْثالِ، أيْ لا يَأْتُونَكَ بِكَلامٍ عَجِيبٍ هو مَثَلٌ في البُطْلانِ يُرِيدُونَ بِهِ القَدْحَ في نُبُوَّتِكَ ويُظْهِرُونَهُ لَكَ ﴿إلا جِئْناكَ﴾ في مُقابَلَتِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالجَوابِ الحَقِّ الثّابِتِ الَّذِي يَنْحى عَلَيْهِ بِالإبْطالِ، ويَحْسِمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كَما مَرَّ مِنَ الأجْوِبَةِ الحَقَّةِ القالِعَةِ لِعُرُوقِ أسْئِلَتِهِمُ الشَّنِيعَةِ الدّامِغَةِ لَها بِالكُلِّيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى «الحَقِّ» أيْ جِئْناكَ بِأحْسَنَ تَفْسِيرًا أيْ بِما هو أحْسَنُ أوْ عَلى مَحَلِّ ( بِالحَقِّ ) أيِ: اسْتَحْضَرْنا لَكَ وأنْزَلْنا عَلَيْكَ الحَقَّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا، أيْ كَشْفًا وبَيانًا عَلى مَعْنى أنَّهُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الحُسْنِ في حَدِّ ذاتِهِ لا أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ لَهُ حَسَنٌ في الجُمْلَةِ وهَذا أحْسَنُ مِنهُ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمُ: اللَّهُ تَعالى أكْبَرُ، أيْ لَهُ غايَةُ الكِبْرِياءِ في حَدِّ ذاتِهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ فَقالَ: أيْ: وأحْسَنَ تَفْسِيرًا مِن مَثَلِهِمْ وحُسْنِهِ - عَلى زَعْمِهِمْ - أوْ هو تَهَكُّمٌ، وتُعُقِّبَ الأوَّلُ بِأنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَعْنى التَّسْلِيَةِ لِأنَّ المُرادَ: لا يُهِلْكَ ما اقْتَرَحُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً﴾ فَإنَّ تَنْزِيلَهُ مُفَرَّقًا أحْسَنُ مِمّا اقْتَرَحُوهُ لِفَوائِدَ شَتّى وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّفْسِيرِ المَعْنى، والمُرادُ: وأحْسَنَ مَعْنًى لِأنَّهُ يُقالُ: تَفْسِيرُ كَذا كَذا، أيْ: مَعْناهُ فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَعْنى مُفَسَّرٌ، كَدِرْهَمٍ ضَرْبِ الأمِيرِ، ورُدَّ بِأنَّ المُفَسَّرَ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الكَلامُ لا المَعْنى، لِأنَّهُ يُقالُ: فَسَّرْتُ الكَلامَ لا مَعْناهُ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: وُضِعَ التَّفْسِيرُ مَوْضِعَ المَعْنى مِن وضْعِ السَّبَبِ مَوْضِعَ المُسَبَّبِ؛ لِأنَّ التَّفْسِيرَ سَبَبٌ لِظُهُورِ المَعْنى وكَشْفِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ المَعْنى وظُهُورِهِ فَلا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ، وقَدْ يُكْتَفى بِسَبَبِيَّتِهِ لَهُ في الجُمْلَةِ.
وأيًّا ما كانَ فَهو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أيْ إلّا حالُ إنْزالِنا عَلَيْكَ واسْتِحْضارِنا لَكَ الحَقُّ وأحْسَنُ تَفْسِيرًا، وجُعِلَ ذَلِكَ مُقارِنًا لِإتْيانِهِمْ - وإنْ كانَ بَعْدَهُ - لِلدَّلالَةِ عَلى المُسارَعَةِ إلى إبْطالِ ما أتَوْا بِهِ؛ تَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ ﷺ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَثَلُ عِبارَةً عَنِ الصِّفَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي كانُوا يَقْتَرِحُونَ كَوْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْها مِنَ الِاسْتِغْناءِ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ، وحِيازَةِ الكَنْزِ، والجَنَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ عَلَيْهِ جُمْلَةً واحِدَةً، عَلى مَعْنى: لا يَأْتُوكَ بِحالَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْتَرِحُونَ اتِّصافَكَ بِها قائِلِينَ: هَلّا كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ إلّا أعْطَيْناكَ نَحْنُ مِنَ الأحْوالِ المُمْكِنَةِ ما يَحِقُّ لَكَ في حِكْمَتِنا ومَشِيئَتِنا أنْ تُعْطاهُ وما هو أحْسَنُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ الِاسْتِثْناءُ المَذْكُورُ؛ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ أنْ يَكُونَ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحَقِّ مُتَرَتِّبًا عَلى ما أتَوْا بِهِ مِنَ الأباطِيلِ دامِغًا لَها، ولا رَيْبَ في أنَّ ما أتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَلِكاتِ السَّنِيَّةِ الطّائِفَةِ بِالرِّسالَةِ قَدْ أتاهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لا بِمُقابَلَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الِاقْتِراحاتِ لِأجَلِ دَمْغِها وإبْطالِها.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْنى ﴿إلا جِئْناكَ﴾ إلَخْ، عَلى ذَلِكَ إلّا أظْهَرْنا فِيكَ ما يَكْشِفُ عَنْ بُطْلانِ ما أتَوْا بِهِ، وهو كَما تَرى، فالحَقُّ التَّعْوِيلُ عَلى الأوَّلِ.
والمَشْهُورُ أنَّ الإتْيانَ والمَجِيءَ بِمَعْنًى، لَكِنْ عُبِّرَ أوَّلًا بِالإتْيانِ وثانِيًا بِالمَجِيءِ لِلتَّفَنُّنِ، وكَراهَةِ أنْ يَتَّحِدَ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وما يُنْسَبُ إلَيْهِمْ لَفْظًا مَعَ كَوْنِ ما أتَوْا بِهِ في غايَةِ القُبْحِ والبُطْلانِ وما جاءَ بِهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الحَقِيَّةِ والحُسْنِ.
وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما، فَقالَ: المَجِيءُ كالإتْيانِ لَكِنَّ المَجِيءَ أعَمُّ؛ لِأنَّ الإتْيانَ مَجِيءٌ بِسُهُولَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلسَّيْلِ المارِّ عَلى وجْهِهِ: أُتًى وأتاوى، والإتْيانُ قَدْ يُقالُ بِاعْتِبارِ القَصْدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ
صفحة 17
مِنهُ الحُصُولُ والمَجِيءُ يُقالُ اعْتِبارًا بِالحُصُولِ، ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ بِالإتْيانِ أوَّلًا والمَجِيءِ ثانِيًا عَلى هَذا إشارَةً إلى أنَّ ما يَأْتُونَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُتَخَيَّلُ بِسُهُولَةٍ ولا تَحْتاجُ إلى إعْمالِ فِكْرٍ بِخِلافِ ما يَكُونُ في مُقابَلَتِهِ فَإنَّهُ في نَفْسِهِ مِنَ الأُمُورِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي صَقَلَها الفِكْرُ، فَلا يَجِدُ أحَدٌ سَبِيلًا إلى رَدِّها والطَّعْنِ فِيها، أوْ إلى أنَّ فِعْلَهم - لِخُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ القَبُولِ - مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ العَدَمِ حَتّى كَأنَّهم لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُمُ القَصْدُ دُونَ الحُصُولِ بِخِلافِ ما كانَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
25:34Page 363
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾ أيْ: يُحْشَرُونَ ماشِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ.
فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ، صِنْفًا مُشاةً وصِنْفًا رُكْبانًا وصِنْفًا عَلى وُجُوهِهِمْ، قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ: وكَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ قالَ إنَّ الَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ أما أنَّهم يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وشَوْكٍ»».
وهَذا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَسِّ وُجُوهِهِمْ وسائِرِ ما في جِهَتِها مِن صُدُورِهِمْ وبُطُونِهِمْ ونَحْوِها الأرْضَ، وأنْ يَكُونَ بِنَكْسِهِمْ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وجَعْلِ وُجُوهِهِمْ إلى ما يَلِي الأرْضَ وارْتِفاعِ أقْدامِهِمْ وسائِرِ أبْدانِهِمْ، ولَعَلَّ الحَدِيثَ أظْهَرُ في الأوَّلِ.
وقِيلَ: إنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَسْحَبُهم وتَجُرُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ، والأمْرُ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لا غَرابَةَ فِيهِ، وقِيلَ: الحَشْرُ عَلى الوَجْهِ مَجازٌ عَنِ الذِّلَّةِ المُفْرِطَةِ والخِزْيِ والهَوانِ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَرَّ فُلانٌ عَلى وجْهِهِ إذا لَمْ يُدْرَ أيْنَ ذَهَبَ، وقِيلَ: الكَلامُ كِنايَةٌ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والمُرادُ أنَّهم يُحْشَرُونَ مُتَعَلِّقَةً قُلُوبُهم بِالسُّفْلِيّاتِ مِنَ الدُّنْيا وزَخارِفِها مُتَوَجِّهَةً وُجُوهُهم إلَيْها، ولَعَلَّ كَوْنَ هَذِهِ الحالِ في الحَشْرِ بِاعْتِبارِ بَقاءِ آثارِها وإلّا فَهم هُناكَ في شُغُلٍ شاغِلٍ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى الدُّنْيا وزَخارِفِها وتَعَلُّقِ قُلُوبِهِمْ بِها، ومَحَلُّ المَوْصُولِ قِيلَ إمّا النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أذُمُّ أوْ أعْنِي أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾ خَبَرٌ لَهُ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وشَرٌّ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المَوْصُولِ، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَأْتُونَكَ، و﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، ولَعَلَّ الأقْرَبَ كَوْنُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: وذَلِكَ مِن بابِ كَلامِ المُنْصِفِ وإرْخاءِ العِنانِ، وفُصِلَ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ عَمّا قَبْلَهُ اسْتِئْنافًا؛ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ السّابِقَةَ حَرَّكَتْ مِنهُ ﷺ بِأنْ يَسْألَ: فَإذًا بِماذا أُجِيبُهم وما يَكُونُ قَوْلِي لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قُلْ لَهُمُ: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ إلَخْ، يَعْنِي مَقْصُودُكم مِن هَذا التَّعَنُّتِ تَحْقِيرٌ مَكانِيٌّ وتَضْلِيلٌ سَبِيلِيٌّ، وما أقُولُ لَكم أنْتُمْ كَذَلِكَ، بَلْ أقُولُ: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلًا، فانْظُرُوا بِعَيْنِ الإنْصافِ وتَفَكَّرُوا مِنَ الَّذِي هو أوْلى بِهَذا الوَصْفِ مِنّا ومِنكم لِتَعْلَمُوا أنَّ مَكانَكم شَرٌّ مِن مَكانِنا وسَبِيلَكم أضَلُّ مِن سَبِيلِنا، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ فالمَكانُ الشَّرَفُ والمَنزِلَةُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الدّارُ والمَسْكَنُ و( شَرٌّ )، و( أضَلُّ ) مَحْمُولانِ عَلى التَّفْضِيلِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ .
وجَعَلَ صاحِبُ الفَرائِدِ ذَلِكَ لِإثْباتِ كُلِّ الشَّرِّ لِمَكانِهِمْ وكُلِّ الضَّلالِ لِسَبِيلِهِمْ، ووَصْفُ السَّبِيلِ بِالضَّلالِ مِن بابِ الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، والآيَةُ - عَلى ما سَمِعْتَ - مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَأْتُونَكَ﴾ إلَخْ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى (أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ) الآيَةَ، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ
صفحة 18
مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ انْتَهى، وما ذُكِرَ أوَّلًا أبْعَدُ مَغْزًى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
25:35Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِتَأْكِيدِ ما مَرَّ مِنَ التَّسْلِيَةِ والوَعْدِ بِالهِدايَةِ والنَّصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾ عَلى ما قَدَّمْناهُ بِحِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ مَن ذُكِرَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وبَيْنَ قَوْمِهِمْ حِكايَةً إجْمالِيَّةً كافِيَةً فِيما هو المَقْصُودُ.
واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ تَعالى لَقَدْ آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، أيْ أنْزَلْناها عَلَيْهِ بِالآخِرَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ الحُكْمُ والنُّبُوَّةُ ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(جَعَلْنا)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخاهُ﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لَهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هارُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ( أخاهُ ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وزِيرًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ مَعْنى الوَزِيرِ ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ لِأنَّهُ - وإنْ كانَ نَبِيًّا - فالشَّرِيعَةُ لِمُوسى - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - وهو تابِعٌ لَهُ فِيها كَما أنَّ الوَزِيرَ مُتَّبِعٌ لِسُلْطانِهِ.
25:36Page 363
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (بِآياتِنا) بِـ ( كَذَّبُوا )، والمُرادُ بِها دَلائِلُ التَّوْحِيدِ المُودَعَةُ في الأنْفُسِ والآفاقِ، أوِ الآياتُ الَّتِي جاءَتْ بِها الرُّسُلُ الماضِيَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوِ التِّسْعُ المَعْلُومَةُ.
والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّكْذِيبِ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ ظاهِرٌ، وعَلى الأخِيرِ قِيلَ: لِتَنْزِيلِ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِهِ مَنزِلَةَ الماضِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ.
وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: لَمْ يُوصَفِ القَوْمُ لَهُما عِنْدَ إرْسالِهِما إلَيْهِمْ بِهَذا الوَصْفِ؛ ضَرُورَةَ تَأخُّرِ تَكْذِيبِ الآياتِ التِّسْعِ عَنْ إظْهارِها، المُتَأخِّرِ عَنْ ذَهابِهِما، المُتَأخِّرِ عَنِ الأمْرِ بِهِ، بَلْ إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الحِكايَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيانًا لِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما يُحْكى بَعْدَهُ مِنَ التَّدْمِيرِ، وبَحَثَ فِيهِ بِما فِيهِ تَأْمُّلٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِـ(اذْهَبا) فَمَعْنى ( كَذَّبُوا ) فَعَلُوا التَّكْذِيبَ ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ عَجِيبًا هائِلًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ولا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، والمُرادُ بِهِ أشَدُّ الهَلاكِ، وأصْلُهُ كَسْرُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ إصْلاحُهُ، والفاءُ فَصِيحَةٌ، والأصْلُ: فَقُلْنا: اذْهَبا إلى القَوْمِ فَذَهَبا إلَيْهِمْ ودَعْواهم إلى الإيمانِ، فَكَذَّبُوهُما، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَدَمَّرْناهُمْ، فاقْتُصِرَ عَلى حاشِيَتَيِ القِصَّةِ اكْتِفاءً بِما هو المَقْصُودُ، وقِيلَ: مَعْنى فَدَمَّرْناهم فَحَكَمْنا بِتَدْمِيرِهِمْ، فالتَّعْقِيبُ بِاعْتِبارِ الحُكْمِ ولَيْسَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ، وقِيلَ: الفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ وهو كَما تَرى.
وعُطِفَ (قُلْنا) عَلى جَعَلْنا المَعْطُوفِ عَلى آتَيْنا بِالواوِ الَّتِي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا عَلى الصَّحِيحِ، فَيَجُوزُ تَقَدُّمُهُ مَعَ ما يَعْقُبُهُ عَلى إيتاءِ الكِتابِ، فَلا يَرِدُ أنَّ إيتاءَ الكِتابِ - وهو التَّوْراةُ - بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلا يَصِحُّ التَّرْتِيبُ والتَّعَرُّضُ لِذَلِكَ في مَطْلَعِ القِصَّةِ مَعَ أنَّهُ لا مَدْخَلَ لَهُ في إهْلاكِ القَوْمِ لِما أنَّهُ بَعْدُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبُلُوغِهِ - - عَلَيْهِ السَّلامُ - - غايَةَ الكَمالِ الَّتِي هي إنْجاءُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، وإرْشادُهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ بِما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الوَعْدِ بِالهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ سابِقًا.
وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ – والحَسَنُ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: (فَدَمِّراهُمْ) عَلى الأمْرِ لِمُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وعَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ، وعَنْهُ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - «فَدَمِّرا» أمْرًا لَهُما بِهِمْ بِباءِ الجَرِّ، وكَأنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ:
تَجْرَحْ في عَراقِيبِها نَصْلِي
وحُكِيَ في الكَشّافِ عَنْهُ أيْضًا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - «فَدَمَّرْتُهُمْ» بِتاءِ الضَّمِيرِ.
25:37Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَمَّرْناهُمْ﴾ أيْ ودَمَّرْنا قَوْمَ نُوحٍ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ (فَدَمَّرْناهُمْ) ورُدَّ بِأنَّ تَدْمِيرَ
صفحة 19
قَوْمِ نُوحٍ لَيْسَ مُتَرَتِّبًا عَلى تَكْذِيبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَلا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ تَرَتُّبِ تَدْمِيرِهِمْ عَلى ما قَبْلَهُ تَرَتُّبُ تَدْمِيرِ هَؤُلاءِ عَلَيْهِ لا سِيَّما وقَدْ بُيِّنَ سَبَبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أيْ نُوحًا ومَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أوْ نُوحًا وحْدَهُ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكْذِيبٌ لِلْكُلِّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ، أوْ أنْكَرُوا جَوازَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ مُطْلَقًا، وتَعْرِيفُ الرُّسُلِ - عَلى الأوَّلِ - عَهْدِيٌّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لَمْ يُوجَدْ وقْتَ تَكْذِيبِهِمْ غَيْرُهُمْ، وعَلى الثّانِي اسْتِغْراقِيٌّ لَكِنْ عَلى طَرِيقِ المُشابَهَةِ والِادِّعاءِ، وعَلى الثّالِثِ لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ الحَقِيقِيِّ، وكَأنَّ المُجِيبَ أرادَ أنَّ اعْتِبارَ العَطْفِ قَبْلَ التَّرْتِيبِ فَيَكُونُ المُرَتَّبُ مَجْمُوعَ المُتَعاطِفَيْنِ، ويَكْفِي فِيهِ تَرَتُّبُ البَعْضِ.
وقِيلَ: المَقْصُودُ مِنَ العَطْفِ التَّسْوِيَةُ والتَّنْظِيرُ، كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرْناهم كَقَوْمِ نُوحٍ، فَتَكُونُ الضَّمائِرُ لَهُمْ، والرُّسُلُ نُوحٌ ومُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ولا يَخْفى ما فِيهِ.
واخْتارَ جَمْعٌ كَوْنَهُ مَنصُوبًا بِـ(اذْكُرْ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ ويُرَجِّحُهُ عَلى الرَّفْعِ تَقَدُّمُ الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنَّما يَتَسَنّى ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ مِن كَوْنِ (لَمّا) ظَرْفَ زَمانٍ، وأمّا إذا كانَتْ حَرْفَ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فَلا؛ لِأنَّ ﴿أغْرَقْناهُمْ﴾ حِينَئِذٍ يَكُونُ جَوابًا لَها فَلا يُفَسِّرُ ناصِبًا، ولَعَلَّ أوْلى الأوْجُهِ الأوَّلُ وأغْرَقْناهم اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَدْمِيرِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ تَدْمِيرُهُمْ؟ فَقِيلَ: أغْرَقْناهم بِالطُّوفانِ ﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ جَعَلْنا إغْراقَهم أوْ قِصَّتَهم ﴿لِلنّاسِ آيَةً﴾ أيْ آيَةً عَظِيمَةً يَعْتَبِرُ بِها مَن شاهَدَها أوْ سَمِعَها، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(جَعَلْنا) ولِلنّاسِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( آيَةً ) إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْها لَكانَ صِفَةً لَها ﴿وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ جَعَلْناهُ مُعَدًّا لَهم في الآخِرَةِ أوْ في البَرْزَخِ أوْ فِيهِما، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ القَوْمُ المَذْكُورُونَ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِتَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، أوْ جَمِيعُ الظّالِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَعْتَبِرُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ، فَيَدْخُلُ في زُمْرَتِهِمْ قُرَيْشٌ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ويُحْتَمَلُ العَذابُ الدُّنْيَوِيُّ وغَيْرُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences