Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:38–43
25:38Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
﴿وعادًا﴾ عَطْفٌ عَلى ( قَوْمَ نُوحٍ ) أيْ: ودَمَّرْنا عادًا، أوْ واذْكُرْ عادًا عَلى ما قِيلَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَطْفًا إذا نُصِبَ عَلى الِاشْتِغالِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَغْرَقُوا.
وقالَ أبُو إسْحاقَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (هُمْ) مِن ( جَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً ) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحَلِّ (الظّالِمِينَ) فَإنَّ الكَلامَ بِتَأْوِيلِ (وعَدْنا الظّالِمِينَ) اهـ، ولا يَخْفى بُعْدُ الوَجْهَيْنِ ( وثَمُودَ ) الكَلامُ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ كَما فِيما قَبْلَهُ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والحَسَنُ، وعِيسى (وثَمُودَ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حَمْزَةَ وعاصِمٍ، والجُمْهُورُ بِالصَّرْفِ، ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ عَلى اعْتِبارِ الحَيِّ، أوْ أنَّهم سُمُّوا بِالأبِ الأكْبَرِ ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هم قَوْمُ ثَمُودَ، ويُبْعِدُهُ العَطْفُ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّغايُرَ، وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها الرَّسُّ والفَلَجُ، قِيلَ: قَتَلُوا نَبِيَّهم فَهَلَكُوا، وهم بَقِيَّةُ ثَمُودَ وقَوْمِ صالِحٍ، وقالَ كَعْبٌ ومُقاتِلٌ والسَّدِّيُّ: أهْلُ بِئْرٍ يُقالُ لَهُ الرَّسُّ بِأنْطاكِيَةِ الشّامِ قَتَلُوا فِيها صاحِبَ يس وهو حَبِيبٌ النَّجّارُ.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ قَتَلُوا نَبِيَّهم ورَسُّوهُ في بِئْرٍ - أيْ دَسُّوهُ فِيهِ - وقالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَّسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِما شُعَيْبٌ، وكانَ أصْحابُ الرَّسِّ قَوْمًا مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ وأصْحابَ آبارٍ ومَواشٍ فَدَعاهم
صفحة 20
إلى الإسْلامِ فَتَمادَوْا في طُغْيانِهِمْ وفي إيذائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَبَيْنَما هم حَوْلَ الرَّسِّ - وهي البِئْرُ غَيْرُ المَطْوِيَّةِ كَما رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ - انْهارَتْ بِهِمْ وبِدارِهِمْ.
وقالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما نَقَلَهُ الثَّعْلَبِيُّ: هم قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةً يُقالُ لَها: شاهْ دَرَخْتَ رُسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ حَفَرُوهُ لَهُ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ.
وقِيلَ: هم أصْحابُ النَّبِيِّ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ، كانُوا مُبْتَلِينَ بِالعَنْقاءِ - وهي أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ - وكانَ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، وسُمِّيَتْ عَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها، وكانَتْ تَسْكُنُ جَبَلَهُمُ الَّذِي يُقالُ لَهُ فَتْحٌ، وتَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ، ولِإتْيانِها بِهَذا الأمْرِ الغَرِيبِ سُمِّيَتْ مَغْرِبًا، وقِيلَ: لِأنَّها اخْتَطَفَتْ عَرُوسًا، وقِيلَ: لِغُرُوبِها أيْ غَيْبَتِها، وقِيلَ: لِأنَّ وكْرَها كانَ عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ويُقالُ فِيها: عَنْقاءُ مَغْرِبٍ بِالتَّوْصِيفِ والإضافَةِ مَعَ ضَمِّ المِيمِ وفَتْحِها، فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأصابَتْها الصّاعِقَةُ فَهَلَكَتْ، ثُمَّ إنَّهم قَتَلُوا حَنْظَلَةَ فَأُهْلِكُوا.
وقِيلَ: هم قَوْمٌ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَأكَلُوهُ، وقِيلَ: قَوْمٌ نِساؤُهم سَواحِقُ، وقِيلَ: قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ أنْبِياءُ فَقَتَلُوهم ورَسُّوا عِظامَهم في بِئْرٍ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأُخْدُودِ، والرَّسُّ هو الأُخْدُودُ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ بِئْرُ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: الرَّسُّ ما بَيْنَ نَجْرانَ إلى اليَمَنِ إلى حَضْرَمَوْتَ. وقِيلَ: هو ماءٌ ونَخْلٌ لِبَنِي أسَدٍ. وقِيلَ: نَهَرٌ مِن بِلادِ المَشْرِقِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلى أصْحابِهِ نَبِيًّا مِن أوْلادِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ فَكَذَّبُوهُ فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمانًا فَشَكا إلى اللَّهِ تَعالى مِنهم فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وأرْسَلُوهُ فِيهِ وقالُوا: نَرْجُو أنْ تَرْضى عَنّا آلِهَتُنا، فَكانُوا عَلَيْهِ يَوْمَهم يَسْمَعُونَ أنِينَ نَبِيِّهِمْ، فَدَعا بِتَعْجِيلِ قَبْضِ رُوحِهِ فَماتَ، وأظَلَّتْهم سَحابَةٌ سَوْداءُ أذابَتْهم كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ.
ورَوى عِكْرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ أصْحابَ الرَّسِّ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَسُّوهُ في بِئْرٍ، وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى تِلْكَ الصَّخْرَةِ فَيَرْفَعُها فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ بِهِ، ثُمَّ يَرُدُّ الصَّخْرَةَ عَلى فَمِ البِئْرِ إلى أنْ ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ فَنامَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ،» في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ذُكِرَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ. وهَذا إذا صَحَّ كانَ القَوْلَ الَّذِي لا يُمْكِنُ خِلافُهُ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ إيرادُهم هُنا، وأجابَ عَنْهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَأُهْلِكُوا، فَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى مَعَ مَن ذَكَرَ مِنَ المُهْلَكِينَ، ومُلَخَّصُ الأقْوالِ أنَّهم قَوْمٌ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَكْذِيبِ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
﴿وقُرُونًا﴾ أيْ: أهْلَ قُرُونٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القَرْنِ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مِنَ الأُمَمِ، ولِلتَّعَدُّدِ حُسْنٌ بَيِّنٌ مِن غَيْرِ عَطْفٍ ﴿كَثِيرًا﴾ يَطُولُ الكَلامُ جِدًّا بِذِكْرِها، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِقْدارَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ العِلْمِ بِالمِقْدارِ كَما لا يَخْفى.
وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ: لَعَلَّ الِاكْتِفاءَ في شُؤُونِ تِلْكَ القُرُونِ بِهَذا البَيانِ الإجْمالِيِّ لِما أنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنها لَمْ يَكُنْ في الشُّهْرَةِ وغَرابَةِ القِصَّةِ بِمَثابَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ.
25:39Page 363
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
﴿وكُلا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، فَإنَّ ضَرْبَ المَثَلِ في مَعْنى التَّذْكِيرِ والتَّحْذِيرِ، والمَحْذُوفُ الَّذِي عَوَّضَ عَنْهُ التَّنْوِينُ عِبارَةٌ إمّا عَنِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ أسْبابُ إهْلاكِهِمْ وإمّا عَنِ الكُلِّ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ وعَنْ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكْذِيبُهم لِلْآياتِ والرُّسُلِ لا عَدَمُ التَّأثُّرِ مِنَ الأمْثالِ المَضْرُوبَةِ، أيْ: ذَكَّرْنا وأنْذَرْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ أيْ: بَيَّنّا لِكُلٍّ القَصَصَ العَجِيبَةَ الزّاجِرَةَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِواسِطَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وقِيلَ: ضَمِيرُ لَهُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمَعْنى
صفحة 21
وكُلَّ الأمْثالِ ضَرَبْناهُ لِلرَّسُولِ، فَيَكُونُ ( كُلًّا ) مَنصُوبًا بِـ(ضَرَبْنا) والأمْثالَ بَدَلًا مِنهُ عَلى ما في البَحْرِ، وفِيهِ أنَّهُ أبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ، وعِنْدِي أنَّهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا﴾ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ وتَقْدِيمُهُ لِلْفاصِلَةِ، وقِيلَ: لِإفادَةِ القَصْرِ عَلى أنَّ المَعْنى كُلًّا لا بَعْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ لَفْظَ (كُلٍّ) يُفِيدُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ تَوْجِيهُ ذَلِكَ بِالعِنايَةِ، وأصْلُ التَّتْبِيرِ التَّفْتِيتُ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِفُتاتِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمُرادُ بِهِ التَّمْزِيقُ والإهْلاكُ، أيْ: أهْلَكْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهم إهْلاكًا عَجِيبًا هائِلًا لِما أنَّهم لَمْ يَتَأثَّرُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَرْفَعُوا لَهُ رَأْسًا، وتَمادَوْا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعُدْوانِ
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
﴿ولَقَدْ أتَوْا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ مُشاهَدَةِ كُفّارِ قُرَيْشٍ لِآثارِ هَلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ المُتَبَّرَةِ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِها، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِها؛ اعْتِناءً بِهِ، و(أتى) مُضَمَّنٌ مَعْنى مَرَّ لِتَعَدِّيهِ بِـ(عَلى) والمَعْنى: بِاللَّهِ لَقَدْ مَرَّ قُرَيْشٌ في مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ.
﴿عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي سَذُومُ، وهي أعْظَمُ قُرى قَوْمِ لُوطٍ، سُمِّيَتْ بِاسْمِ قاضِيها سَذُومَ - بِالذّالِ المُعْجَمَةِ عَلى ما صَحَّحَهُ الأزْهَرِيُّ واعْتَمَدَهُ في الكَشْفِ - وفي المَثَلِ: (أجْوَرُ مِن سَذُومَ) أهْلَكَها اللَّهُ تَعالى بِالحِجارَةِ، وهو المُرادُ بِمَطَرِ السَّوْءِ، وكَذا أهْلَكَ سائِرَ قُراهم - وكانَتْ خَمْسًا - إلّا قَرْيَةً واحِدَةً وهي زَغَرُ لَمْ يُهْلِكْها؛ لِأنَّ أهْلَها لَمْ يَعْمَلُوا العَمَلَ الخَبِيثَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وإفْرادُ القَرْيَةِ بِالذِّكْرِ لِما أشَرْنا إلَيْهِ، وانْتَصَبَ ( مَطَرَ ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(أُمْطِرَتْ) عَلى مَعْنى أُعْطِيَتْ أوْ أُولِيَتْ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إمْطارَ السَّوْءِ كَما قِيلَ في ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، أيْ إمْطارًا مِثْلَ مَطَرِ السَّوْءِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (مُطِرَتْ) ثُلاثِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ومُطِرَ مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ «مَطَرَ السُّوءِ» بِضَمِّ السِّينِ ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾ تَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ التَّذَكُّرَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ ما يُوجِبُهُ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ نَفْيِ اسْتِمْرارِ رُؤْيَتِهِمْ لَها وتَقْرِيرِ اسْتِمْرارِها حَسَبَ اسْتِمْرارِ ما يُوجِبُها مِن إتْيانِهِمْ عَلَيْها لا لِإنْكارِ اسْتِمْرارِ نَفْيِ رُؤْيَتِهِمْ وتَقْرِيرِ رُؤْيَتِهِمْ لَها، والفاءُ لِعَطْفِ مَدْخُولِها عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: ألَمْ يَكُونُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها، أوْ كانُوا يَنْظُرُونَ إلَيْها فَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مِرارِ مُرُورِهِمْ لِيَتَّعِظُوا بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ العَذابِ.
والمُنْكَرُ في الأوَّلِ النَّظَرُ وعَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّظَرِ المُوجِبِ لَها عادَةً، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ.
ولَمْ يَقُلْ: أفَلَمْ يَرَوْنَها - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ وأظْهَرُ قَصْدًا - لِإفادَةِ التَّكْرارِ مَعَ الِاسْتِمْرارِ، ولَمْ يُصَرَّحْ في أوَّلِ الآيَةِ بِنَحْوِ ذَلِكَ بِأنْ يُقالَ: (ولَقَدْ كانُوا يَأْتُونَ) بَدَلَ (ولَقَدْ أتَوْا) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرُورَ - ولَوْ مَرَّةً - كافٍ في العِبْرَةِ، فَتَأمَّلْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ إمّا إضْرابٌ عَمّا قَبْلَهُ مِن عَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِ ما جَرى عَلى أهْلِ القُرى مِنَ العُقُوبَةِ وبَيانٌ لِكَوْنِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِسَبَبِ إنْكارِهِمْ لِكَوْنِ ذَلِكَ عُقُوبَةً لِمَعاصِيهِمْ لا لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِمْ لِآثارِهِمْ، خَلا أنَّهُ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن إنْكارِ الجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ، وقَدْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِعَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، والمُرادُ بِالرَّجاءِ التَّوَقُّعُ مَجازًا، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلْ كانُوا لا يَتَوَقَّعُونَ النُّشُورَ المُسْتَتْبَعَ لِلْجَزاءِ الأُخْرَوِيِّ ويُنْكِرُونَهُ، ولا يَرَوْنَ لِنَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ نُشُورًا أصْلًا مَعَ
صفحة 22
تَحَقُّقِهِ حَتْمًا، وشُمُولِهِ لِلنّاسِ عُمُومًا، واطِّرادِهِ وُقُوعًا، فَكَيْفَ يَعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ الدُّنْيَوِيِّ في حَقِّ طائِفَةٍ خاصَّةٍ مَعَ عَدَمِ الِاطِّرادِ والمُلازَمَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعاصِي حَتّى يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِما شاهَدُوهُ مِن آثارِ الهَلاكِ وإنَّما يَحْمِلُونَهُ عَلى الِاتِّفاقِ، وإمّا انْتِقالٌ مِنَ التَّوْبِيخِ بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ التَّذَكُّرِ إلى التَّوْبِيخِ بِما هو أعْظَمُ مِنهُ مِن عَدَمِ رَجاءِ النُّشُورِ، وحَمْلُ الرَّجاءِ عَلى التَّوَقُّعِ وعُمُومِ النُّشُورِ أوْفَقُ بِالمَقامِ. وقِيلَ: هو عَلى حَقِيقَتِهِ، أعْنِي انْتِظارَ الخَيْرِ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورٌ فِيهِ خَيْرٌ كَنُشُورِ المُسْلِمِينَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ عَلى لُغَةِ تِهامَةَ، والمُرادُ بِالنُّشُورِ نُشُورُهُمْ، والكُلُّ كَما تَرى
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ أيْ: ما يَتَّخِذُونَكَ ﴿إلا هُزُوًا﴾ عَلى مَعْنى: ما يَفْعَلُونَ بِهِ إلّا اتِّخاذَكَ هُزُوًا، أيْ: مَوْضِعَ هُزُوٍ أوْ مَهْزُوًّا بِهِ، فَـ(هُزُوًا) إمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، أوْ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ جَوابُ (إذا) وهي - كَما قالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ - تَنْفَرِدُ بِوُقُوعِ جَوابِها المَنفِيِّ بِأنْ ولا وما بِدُونِ فاءٍ بِخِلافِ غَيْرِها مِن أدَواتِ الشَّرْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: يَقُولُ أهَذا ... إلَخْ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (يَتَّخِذُونَكَ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ في جَوابِ ماذا يَقُولُونَ؟
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجَوابَ، وجُمْلَةُ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ، وقائِلُ ذَلِكَ أبُو جَهْلٍ ومَن مَعَهُ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، والإشارَةُ لِلِاسْتِحْقارِ كَما فِي: يا عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذا، وعائِدُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: بَعَثَهُ ورَسُولًا حالٌ مِنهُ، وهو بِمَعْنى مُرْسَلٍ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا حُذِفَ مِنهُ المُضافُ، أيْ: ذا رَسُولٍ أيْ: رِسالَةٍ، وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وإخْراجُ (بَعَثَ اللَّهُ) تَعالى إيّاهُ ﷺ رَسُولًا بِجَعْلِهِ صِلَةً وهم عَلى غايَةِ الإنْكارِ تَهَكُّمٌ واسْتِهْزاءٌ، وإلّا لَقالُوا: أبَعَثَ اللَّهُ هَذا رَسُولًا؟ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا في زَعْمِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْفَقُ بِحالِ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ مَعَ سَلامَتِهِ مِنَ التَّقْدِيرِ
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
﴿إنْ كادَ﴾ إنْ مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ، واسْمُها عِنْدَ بَعْضٍ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنَّهُ كادَ ﴿لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ أيْ: لَيَصْرِفُنا عَنْ عِبادَتِها صَرْفًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ يُبْعِدُنا عَنْها لا عَنْ عِبادَتِها فَقَطْ، والعُدُولُ إلى الإضْلالِ لِغايَةِ ضَلالِهِمْ بِادِّعاءِ أنَّ عِبادَتَها طَرِيقٌ سَوِيٌّ.
﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ ثَبَتْنا عَلَيْها واسْتَمْكَنّا بِعِبادَتِها، ولَوْلا في أمْثالِ هَذا الكَلامِ يَجْرِي مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ مِن حَيْثُ المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، وهَذا اعْتِرافٌ مِنهم بِأنَّهُ ﷺ قَدْ بَلَغَ مِنَ الِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ وإظْهارِ المُعْجِزاتِ وإقامَةِ الحُجَجِ والبَيِّناتِ ما شارَفُوا بِهِ أنْ يَتْرُكُوا دِينَهم لَوْلا فَرْطُ لُجاجِهِمْ وغايَةُ عِنادِهِمْ، ولا يُنافِي هَذا اسْتِحْقارَهم واسْتِهْزائَهُمُ السّابِقَ؛ لِأنَّ هَذا مِن وجْهٍ وذاكَ مِن وجْهٍ آخَرَ زَعَمُوهُ سَبَبًا لِذَلِكَ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: إنَّ كَلامَهم قَدْ تَناقَضَ لِاضْطِرابِهِمْ وتَحَيُّرِهِمْ، فَإنَّ الِاسْتِفْهامَ السّابِقَ دالٌّ عَلى الِاسْتِحْقارِ وهَذا دالٌّ عَلى قُوَّةِ حُجَّتِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ ﷺ فَفِيما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْهم تَحْمِيقٌ لَهم وتَجْهِيلٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِما اسْتَعْظَمُوهُ.
وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ في اعْتِرافِهِمْ بِما ذُكِرَ بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ أُخْرِجَ في مَعْرِضِ التَّسْلِيمِ تَهَكُّمًا، كَما في قَوْلِهِمْ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، والتَّناقُضُ مُنْدَفِعٌ كَما لا يَخْفى.
﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ كُفْرُهم وعِنادُهم ﴿مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ أيْ يَعْلَمُونَ جَوابَ هَذا، عَلى أنَّ ( مَن ) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُبْتَدَأٌ ( وأضَلُّ ) خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ ( يَعْلَمُونَ ) إنْ كانَتْ
صفحة 23
تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ في مَوْضِعِ مَفْعُولٍ واحِدٍ إنْ كانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، أوْ يَعْلَمُونَ الَّذِي هو أضَلُّ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ، مَفْعُولُ ( يَعْلَمُونَ ) و(أضَلُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، وحُذِفَ صَدْرُ الصِّلَةِ وهو العائِدُ لِطُولِها بِالتَّمْيِيزِ، وكَأنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا جَعَلُوا دَعْوَتَهُ ﷺ إلى التَّوْحِيدِ إضْلالًا حَيْثُ قالُوا: ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ إلَخْ - والمُضِلُّ لِغَيْرِهِ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ ضالًّا في نَفْسِهِ - جِيءَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ بِبَيانِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هادٍ لا مُضِلٌّ عَلى أبْلَغَ وجْهٍ، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى نَفْيِ الضَّلالِ عَنْهُ ﷺ لِأنَّ المُرادَ أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم في غايَةِ الضَّلالِ لا هُوَ، ونَفْيُ اللّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ مَلْزُومِهِ فَيَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هادِيًا لا مُضِلًّا، وفي تَقْيِيدِ العِلْمِ بِوَقْتِ رُؤْيَةِ العَذابِ وعِيدٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُهْمِلُهم وإنْ أمْهَلَهُمْ
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن شَناعَةِ حالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ قَبائِحِهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يُرى ويُتَعَجَّبَ مِنهُ، والظّاهِرُ أنَّ - رَأى- بَصَرِيَّةٌ ومَنِ مَفْعُولُها، وهي اسْمٌ مَوْصُولٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ ( واتَّخَذَ ) مُتَعَدِّيَةٌ لِمَفْعُولَيْنِ أوَّلَهُما ( هَواهُ ) وثانِيهُما ( إلَهَهُ ) وقُدِّمَ عَلى الأوَّلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ التَّعْجِيبِ لا مِن حَيْثُ إنَّ الإلَهَ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ والتَّقْدِيمَ - كَما قِيلَ - أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي جَعَلَ هَواهُ إلَهًا لِنَفْسِهِ بِأنْ أطاعَهُ وبَنى عَلَيْهِ أمْرَ دِينِهِ مُعْرِضًا عَنِ اسْتِماعِ الحُجَّةِ الباهِرَةِ ومُلاحَظَةِ البُرْهانِ النَّيِّرِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى مَعْنى: انْظُرْ إلَيْهِ وتَعَجَّبْ مِنهُ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: في تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي هُنا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ وهي إفادَةُ الحَصْرِ؛ فَإنَّ الكَلامَ قَبْلَ دُخُولِ ( أرَأيْتَ )، ( واتَّخَذَ ) الأصْلُ فِيهِ (هَواهُ إلَهُهُ) عَلى أنَّ (هَواهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (إلَهُهُ) فَإذا قِيلَ: (إلَهُهُ هَواهُ) كانَ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهو يُفِيدُ الحَصْرَ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ: أرَأيْتَ مَن لَمْ يَتَّخِذْ مَعْبُودَهُ إلّا هَواهُ، وذَلِكَ أبْلَغُ في ذَمِّهِ وتَوْبِيخِهِ.
وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي يُمْكِنُ حَيْثُ يُمْكِنُ تَقْدِيمُ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ، والمَعْرِفَتانِ إذا وقَعَتا مُبْتَدَأً وخَبَرًا فالمُقَدَّمُ هو المُبْتَدَأُ، فَمَن جَعَلَ ما هَنا نَظِيرَ قَوْلِكَ: (عَلِمْتُ مُنْطَلِقًا زَيْدًا) فَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذا، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُتَقَدِّمُ هاهُنا يُشْعِرُ بِالثَّباتِ بِخِلافِ المُتَأخِّرِ فَتَقَدَّمَ ( إلَهَهُ ) يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن إلَهٍ، فَهو كَقَوْلِكَ: اتَّخَذَ ابْنَهُ غُلامَهُ، فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ ابْنًا ولا يُشْعِرُ بِأنَّ لَهُ غُلامًا، فَهَذا فائِدَةُ تَقْدِيمِ إلَهِهِ عَلى هَواهُ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ فَقالَ: لا يُشَكُّ في أنَّ مَرْتَبَةَ المُبْتَدَأِ التَّقْدِيمُ، وأنَّ المَعْرِفَتَيْنِ أيَّهُما قُدِّمَ كانَ المُبْتَدَأ، لَكِنَّ صاحِبَ المَعانِي لا يَقْطَعُ نَظَرَهُ عَنْ أصْلِ المَعْنى، فَإذا قِيلَ: (زَيْدٌ الأسَدُ) فالأسَدُ هو المُشَبَّهُ بِهِ أصالَةً ومَرْتَبَتُهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المُشَبَّهِ بِلا نِزاعٍ، فَإذا جَعَلْتَهُ مُبْتَدَأً في قَوْلِكَ: (الأسَدُ زَيْدٌ) فَقَدْ أزَلْتَهُ عَنْ مَقَرِّهِ الأصْلِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، وما نَعْنِي بِالمُقَدَّمِ إلّا المُزالَ عَنْ مَكانِهِ لا القارَّ فِيهِ، فالمُشَبَّهُ بِهِ هاهُنا (الإلَهُ) والمُشَبَّهُ (الهَوى) لِأنَّهم نَزَّلُوا أهْواءَهم في المُتابَعَةِ مَنزِلَةَ الإلَهِ فَقُدِّمَ المُشَبَّهُ بِهِ الأصْلِيُّ، وأُوقِعَ مُشَبَّهًا لِيُؤْذِنَ بِأنَّ الهَوى في بابِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ عِنْدَهم أقْوى مِنَ الإلَهِ عَزَّ وجَلَّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ولَمَّحَ صاحِبُ المِفْتاحِ إلى هَذا المَعْنى في كِتابِهِ.
وأمّا المِثالُ الَّذِي أوْرَدَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ فَمَعْنى قَوْلِهِ: (اتَّخَذَ ابْنَهُ غُلامَهُ) جَعَلَ ابْنَهُ كالغُلامِ يَخْدِمُهُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ، وقَوْلِهِ: (اتَّخَذَ غُلامَهُ ابْنَهُ) جَعَلَ غُلامَهُ كابْنِهِ مُكَرَّمًا مُدَلَّلًا اهـ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في قَوْلِهِ: (إنَّ المَعْرِفَتَيْنِ أيَّهُما قُدِّمَ كانَ المُبْتَدَأ) فَإنَّ الحَقَّ أنَّ الأمْرَ دائِرٌ مَعَ القَرِينَةِ، والقَرِينَةُ هُنا قائِمَةٌ عَلى أنَّ ( إلَهَهُ ) الخَبَرُ وهي عَقْلِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ فَلا حاجَةَ إلى جَعْلِ ذَلِكَ مِنَ التَّقْدِيمِ المَعْنَوِيِّ.
وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: مَن تَوَهَّمَ أنَّهُما عَلى التَّرْتِيبِ بِناءً عَلى
صفحة 24
تَساوِيهِما في التَّعْرِيفِ فَقَدْ زَلَّ عَنْهُ أنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ في هَذا البابِ هو المُلْتَبِسُ بِالحالَةِ الحادِثَةِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى أبِي حَيّانَ حَيْثُ أوْجَبَ كَوْنَهُما عَلى التَّرْتِيبِ.
ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ المَدَنِيِّينَ أنَّهُ قَرَأ «آلِهَةً» مُنَوَّنَةً عَلى الجَمْعِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والمَعْنى: جَعَلَ كُلَّ جِنْسٍ مِن هَواهُ إلَهًا، وذُكِرَ أيْضًا أنَّ ابْنَ هُرْمُزَ قَرَأ «إلِّهَةً» عَلى وزْنِ فِعالَةٍ، وهو أيْضًا مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ جَعَلَ هَواهُ إلِّهَةً بِمَعْنى مَأْلُوهَةٍ، أيْ: مَعْبُودَةً، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ، وقِيلَ: بَلِ الإلاهَةُ الشَّمْسُ، ويُقالُ: أُلاهَةُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وهي غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مِمّا يَدْخُلُها لامُ التَّعْرِيفِ في بَعْضِ اللُّغاتِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ ما كانَ فِيهِ اللّامُ ثُمَّ نُزِعَتْ فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ وصارَتْ كالمُنَكَّرِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ وهو كَما تَرى.
والآيَةُ نَزَلَتْ - عَلى ما قِيلَ - في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ، كانَ كُلَّما هَوى حَجَرًا عَبَدَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ فَإذا وجَدَ أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿أرَأيْتَ﴾ ... إلَخْ، وزَعَمَ بَعْضُهم لِهَذا ونَحْوِهِ أنَّ هَواهُ بِمَعْنى مَهْوِيهِ ولَيْسَ بِلازِمٍ كَما لا يَخْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: كُلَّما هَوى شَيْئًا رَكِبَهُ، وكُلَّما اشْتَهى شَيْئًا أتاهُ، لا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورَعٌ ولا تَقْوى، فالآيَةُ شامِلَةٌ لِمَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى حَسَبَ هَواهُ ولِمَن أطاعَ الهَوى في سائِرِ المَعاصِي، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَسَنِ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أفِي أهْلِ القِبْلَةِ شِرْكٌ ؟ فَقالَ: نَعَمِ، المُنافِقُ مُشْرِكٌ، إنَّ المُشْرِكَ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّ المُنافِقَ عَبَدَ هَواهُ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، والمُنافِقُ عِنْدَ الحَسَنِ مُرْتَكِبُ المَعاصِي كَما ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأجِلَّةِ.
وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ أبِي أُمامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِن إلَهٍ يُعْبَدُ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مَن هَوًى يُتَّبَعُ»» ولا يَكادُ يُسَلَّمُ عَلى هَذا مِن عُمُومِ الآيَةِ إلّا مَنِ اتَّبَعَ ما اخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، وشَرَعَهُ سُبْحانَهُ لَهم في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ، وعَلَيْهِ يَدْخُلُ الكافِرُ فِيما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِاسْتِبْعادِ كَوْنِهِ ﷺ حَفِيظًا عَلى هَذا المُتَّخِذِ، يَزْجُرُهُ عَمّا هو عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، ويَرْشُدُهُ إلى الحَقِّ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، وإنْكارٌ لَهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الحالَةِ المُوجِبَةِ لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أبْعَدَما شاهَدْتَ غُلُوَّهُ في طاعَةِ الهَوى تُعَسِّرُهُ عَلى الِانْقِيادِ إلى الهُدى شاءَ أوْ أبى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ رَأى عِلْمِيَّةَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي ولَيْسَ بِذاكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences