Al-AlusiAl‑Furqan · 25:44–47

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:44–47

25:44Page 364

أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى إنْكارِ حُسْبانِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إيّاهم مِمَّنْ يَسْمَعُ أوْ يَعْقِلُ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ جَدُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في الدَّعْوَةِ، واهْتِمامُهُ بِالإرْشادِ والتَّذْكِيرِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، أيْ: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّماعِ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ، أوْ يَعْقِلُونَ ما أُظْهِرَ لَهم مِنَ الآياتِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ فَتَعْتَنِي في شَأْنِهِمْ وتَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ أهَمَّ نَظَرًا لِلْمَقامِ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ قِيلَ: يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ، وقِيلَ: المَعْنى: بَلْ أتَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّماعِ ما تَتْلُو عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ أوْ يَعْقِلُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَواعِظِ الزّاجِرَةِ عَنِ القَبائِحِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ فَتَجْتَهِدُ في دَعْوَتِهِمْ وتَهْتَمُّ

صفحة 25

بِإرْشادِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ، ولَعَلَّ ما قُلْناهُ أوْلى، فَتَدَبَّرْ.

وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ ( أكْثَرَهم ) لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لَهُ أيْضًا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، واخْتِيرَ الجَمْعُ هُنا لِمُناسَبَةِ إضافَةِ الأكْثَرِ لَهُمْ، وأُفْرِدَ فِيما قَبْلَهُ لِجَعْلِهِمْ في اتِّفاقِهِمْ عَلى الهَوى كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( أكْثَرَهم ) لِلْكُفّارِ لا لِمَن؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى (عَلَيْهِ) يَأْباهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وضَمِيرُ الفِعْلَيْنِ لِلْأكْثَرِ لا لِما أُضِيفَ إلَيْهِ، وتَخْصِيصُ الأكْثَرِ لِأنَّ مِنهم مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنايَةُ الأزَلِيَّةُ بِالإيمانِ بَعْدَ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، ومِنهم مَن سَمِعَ أوْ عَقَلَ لَكِنَّهُ كابَرَ اسْتِكْبارًا وخَوْفًا عَلى الرِّياسَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ﴾ ... إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَكْرِيرِ النَّكِيرِ وتَأْكِيدِهِ وحَسْمِ مادَّةِ الحُسْبانِ بِالمَرَّةِ، والضَّمِيرُ لِلْأكْثَرِ أوْ لِمَن، واكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِ الأكْثَرِ بِما قَبْلَهُ، أيْ: ما هم في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِما يَقْرَعُ آذانَهم مِن قَوارِعِ الآياتِ وانْتِفاءِ التَّدَبُّرِ بِما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الدَّلائِلِ البَيِّناتِ إلّا كالبَهائِمِ الَّتِي هي مَثَلٌ في الغَفْلَةِ وعَلَمٌ في الضَّلالَةِ ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها ﴿سَبِيلا﴾ لِما أنَّها تَنْقادُ لِصاحِبِها الَّذِي يَتَعَهَّدُها، وتَعْرِفُ مَن يُحْسِنُ إلَيْها ومَن يُسِيءُ إلَيْها، وتَطْلُبُ ما يَنْفَعُها وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّها وتَهْتَدِي لِمَراعِيها ومَشارِبِها، وتَأْوِي إلى مَعاطِنِها ومَرابِضِها، وهَؤُلاءِ لا يَنْقادُونَ لِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وخالِقِهِمْ ورازِقِهِمْ، ولا يَعْرِفُونَ إحْسانَهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِن إساءَةِ الشَّيْطانِ المُزَيِّنِ لَهُمُ اتِّباعَ الشَّهَواتِ، الَّذِي هو عَدُوٌّ مُبِينٌ، ولا يَطْلُبُونَ الثَّوابَ الَّذِي هو أعْظَمُ المَنافِعِ، ولا يَتَّقُونَ العِقابَ الَّذِي هو أشَدُّ المَضارِّ والمَهالِكِ، ولا يَهْتَدُونَ لِلْحَقِّ الَّذِي هو المَشْرَعُ الهَنِيُّ والمَوْرِدُ العَذْبُ الرَّوِيُّ، ولِأنَّها إنْ لَمْ تَعْتَقِدْ حَقًّا مُسْتَتْبِعًا لِاكْتِسابِ الخَيْرِ لَمْ تَعْتَقِدْ باطِلًا مُسْتَوْجِبًا لِاقْتِرافِ الشَّرِّ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، حَيْثُ مَهَّدُوا قَواعِدَ الباطِلِ وفَرَّعُوا عَلَيْها أحْكامَ الشُّرُورِ؛ ولِأنَّ أحْكامَ جَهالَتِها وضَلالَتِها مَقْصُورَةٌ عَلى أنْفُسِها لا تَتَعَدّى إلى أحَدٍ، وجَهالَةَ هَؤُلاءِ مُؤَدِّيَةٌ إلى ثَوَرانِ الفِتْنَةِ والفَسادِ وصَدِّ النّاسِ عَنْ سُنَنِ السَّدادِ، وهَيَجانِ الهَرْجِ والمَرَجِ فِيما بَيْنَ العِبادِ، ولِأنَّها غَيْرُ مُعَطِّلَةٍ لِقُوَّةٍ مِنَ القُوى المُودَعَةِ فِيها بَلْ صارِفَةٌ لَها إلى ما خُلِقَتْ لَهُ فَلا تَقْصِيرَ مِن قِبَلِها في طَلَبِ الكَمالِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَهم مُعَطِّلُونَ لِقُواهُمُ العَقْلِيَّةِ مُضَيِّعُونَ لِلْفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الَّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ البَهائِمَ لا تَعْلَمُ رَبَّها عَزَّ وجَلَّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها تَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتُسَبِّحُهُ كَما هو مَذْهَبُ الصُّوفِيَّةِ وجَماعَةٍ مِنَ النّاسِ قالَ: إنَّ هَذا خارِجٌ مَخْرَجَ الظّاهِرِ، وقِيلَ: المُرادُ: إنْ هم إلّا كالأنْعامِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ والدَّلائِلِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ؛ فَإنَّ الأنْعامَ كَذَلِكَ، والعِلْمُ بِاللَّهِ تَعالى الحاصِلُ لَها لَيْسَ اسْتِدْلالِيًّا بَلْ هو فِطْرِيٌّ، وكَوْنُهم أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ مِن حَيْثُ إنَّها رُزِقَتْ عِلْمًا بِرَبِّها تَعالى فَهي تُسَبِّحُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ وهَؤُلاءِ لَمْ يُرْزَقُوا ذَلِكَ فَهم في غايَةِ الضَّلالِ.

25:45Page 364

أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥

Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1

َقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ... إلَخْ، بَيانٌ لِبَعْضِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ إثْرَ بَيانِ جَهالَةِ المُعْرِضِينَ عَنْها وضَلالِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ؛ لِأنَّها الَّتِي تَتَعَدّى بِإلى، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ حُذِفَ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أيْ: ألَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ رُؤْيَةَ ذاتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – وكَوْنُ (إلى) اسْمًا واحِدَ الآلاءِ - وهي النِّعَمُ - بَعِيدٌ جِدًّا.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً، ولَيْسَ هُناكَ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، وتَعْدِيَتُها بِإلى لِتَضْمِينِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، أيْ: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى أنَّ رَبَّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ، والأوَّلُ أوْلى.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقُّ التَّعْبِيرِ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛

صفحة 26

إشْعارًا بِأنَّ المَعْقُولَ المَفْهُومَ مِن هَذا الكَلامِ لِوُضُوحِ بُرْهانِهِ، وهو دَلالَةُ حُدُوثِهِ وتَصَرُّفِهِ عَلى الوَجْهِ النّافِعِ بِأسْبابٍ مُمْكِنَةٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِعْلَ الصّانِعِ الحَكِيمِ كالمُشاهَدِ المَرْئِيِّ فَكَيْفَ بِالمَحْسُوسِ مِنهُ.

وقالَ الفاضِلُ الطِّيبِيُّ: لَوْ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ كانَ الِانْتِقالُ مِنَ الأثَرِ إلى المُؤَثِّرِ، والَّذِي عَلَيْهِ التِّلاوَةُ كانَ عَكْسَهُ والمَقامُ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ الكَلامَ في تَقْرِيعِ القَوْمِ وتَجْهِيلِهِمْ في اتِّخاذِهِمُ الهَوى إلَهًا مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، ولِذَلِكَ جُعِلَ ما يَدُلُّ عَلى ذاتِهِ تَعالى مُقَدَّمًا عَلى أفْعالِهِ في سائِرِ آياتِهِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا﴾ .

ورَوى السُّلَمِيُّ في الحَقائِقِ عَنْ بَعْضِهِمْ مُخاطَبَةَ العامِّ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ومُخاطَبَةَ الخاصِّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ﴾ انْتَهى.

وفِي الإرْشادِ: لَعَلَّ تَوْجِيهَ الرُّؤْيَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ - مَعَ أنَّ المُرادُ تَقْرِيرُ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَيْفِيَّةِ مَدِّ الظِّلِّ - لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ نَظَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما يُطالِعُهُ مِنَ الآثارِ والصَّنائِعِ، بَلْ مَطْمَحُ أنْظارِهِ ﷺ مَعْرِفَةُ شُؤُونِ الصّانِعِ المَجِيدِ - جَلَّ جَلالُهُ - ولَعَلَّ هَذا هو سِرُّ ما رُوِيَ عَنِ السُّلَمِيِّ.

وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ المَذْكُورَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ المَقْصُودَ العِلْمُ بِالرَّبِّ عِلْمًا يُشْبِهُ الرُّؤْيَةَ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ فَسَّرَ الرُّؤْيَةَ بِالعِلْمِ، وذَكَرَ أنَّ الكَلامَ مِن بابِ القَلْبِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ تَرَ إلى الظِّلِّ كَيْفَ مَدَّهُ رَبُّكَ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ.

والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِتَشْرِيفِهِ ﷺ ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَعْقُبُهُ مِن آثارِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى ورَحِمَتِهِ جَلَّ وعَلا.

و( كَيْفَ ) مَنصُوبٌ بِـ(مَدَّ) عَلى الحالِيَّةِ، وهي مُعَلَّقَةٌ لِـ(تَرَ) إنْ لَمْ تَكُنِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، وفي البَحْرِ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ عَنْها فِعْلُ القَلْبِ لَيْسَ باقِيَةً عَلى حَقِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ وفِيهِ بَحْثٌ. وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ كَيْفَ لِلِاسْتِفْهامِ، وقَدْ تُجَرَّدُ عَنِ الِاسْتِفْهامِ وتَكُونُ بِمَعْنى الحالِ، نَحْوُ: انْظُرْ إلى كَيْفَ تَصْنَعُ، وقَدْ جَوَّزَهُ الدَّمامِينِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ المَجْرُورِ، وهو بَعِيدٌ، انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ يُسْتَغْنى عَلى ذَلِكَ عَنِ اعْتِبارِ المُضافِ، لَكِنَّهُ لا يُعادِلُ البُعْدَ.

والمُرادُ بِالظِّلِّ - عَلى ما رَواهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، وأيُّوبَ بْنِ مُوسى، وإبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ، وذَلِكَ أطْيَبُ الأوْقاتِ؛ فَإنَّ الظُّلْمَةَ الخالِصَةَ تَنْفِرُ عَنْها الطِّباعُ وتَسُدُّ النَّظَرَ، وشُعاعَ الشَّمْسِ يُسَخِّنُ الجَوَّ ويَبْهَرُ البَصَرَ، ومِن هُنا كانَ ظِلُّ الجَنَّةِ مَمْدُودًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ .

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَكُونُ مِن مُقابَلَةِ كَثِيفٍ كَجَبَلٍ أوْ بِناءٍ أوْ شَجَرٍ لِلشَّمْسِ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِها، ومَدُّ الظِّلِّ مِن بابِ ضِيقِ فَمِ القِرْبَةِ، فالمَعْنى: ألَمْ تَنْظُرْ إلى صُنْعِ رَبِّكَ كَيْفَ أنْشَأ ظِلًّا، أيْ: مِظَلًّا كانَ عِنْدَ ابْتِداءِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُمْتَدًّا إلى ما شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، واخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، وتَعَقَّبَ ما تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: غَيْرُ سَدِيدٍ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ تَنْبِيهُ النّاسِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبالِغِ حِكْمَتِهِ سُبْحانَهُ فِيما يُشاهِدُونَهُ، فَلا بُدَّ أنْ يُرادَ بِالظِّلِّ ما يَتَعارَفُونَهُ مِن حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ يُشاهِدُونَها في مَوْضِعٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّمْسِ جِسْمٌ مُخالِفَةً لِما في جَوانِبِهِ مِن مَواقِعِ ضَحِ الشَّمْسِ، وما ذُكِرَ - وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ ظِلًّا لِلْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ - لَكِنَّهم لا يَعُدُّونَهُ ظِلًّا ولا يَصِفُونَهُ بِأوْصافِهِ المَعْهُودَةِ اهـ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وهو أظْهَرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ في الِاعْتِراضِ عَلى ذَلِكَ مِن أنَّهُ لا يُسَمّى ظِلًّا، فَقَدْ قالَ الرّاغِبُ - وكَفى بِهِ حُجَّةً في اللُّغَةِ -: الظِّلُّ ضِدُّ الضَّحِ وهو أعَمُّ مِنَ الفَيْءِ، فَإنَّهُ يُقالُ: ظِلُّ اللَّيْلِ وظِلُّ الجَنَّةِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَوْضِعٍ لَمْ تَصِلْ إلَيْهِ الشَّمْسُ ظِلٌّ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا لَما زالَ عَنْهُ الشَّمْسُ، انْتَهى، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ في وصْفِ الجَنَّةِ يَقْتَضِي أنَّهم يَعُدُّونَ مِثْلَ ما ذُكِرَ ظِلًّا.

وقِيلَ: هو ما كانَ مِن غُرُوبِ

صفحة 27

الشَّمْسِ إلى طُلُوعِها، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والبَلْخِيِّ، وقِيلَ: هو ما كانَ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ وجَعَلَها كالقُبَّةِ، ودَحا الأرْضَ مِن تَحْتِها، فَألْقَتْ ظِلَّها عَلَيْها، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ فُسِّرَ ( ألَمْ تَرَ ) بِـ (ألَمْ تَعْلَمْ) لِما في تَطْبِيقِ ما يَأْتِي مِن تَتِمَّةِ الآيَةِ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ وارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ، ورُبَّما يَفُوتُ عَلَيْهِ المَقْصُودُ الَّذِي سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ورُبَّما يُخْتَلَجُ في بَعْضِ الأذْهانِ جَوازُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ ظِلٌّ فَيَشْمَلُ ظِلَّ اللَّيْلِ وما بَيْنَ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ وظِلَّ الأشْياءِ الكَثِيفَةِ المُقابِلَةِ لِلشَّمْسِ كالجِبالِ وغَيْرِها، فَإذا شُرِعَ في تَطْبِيقِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ عُدِلَ عَنْهُ كَما لا يَخْفى، ولِلصُّوفِيَّةِ في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ سَنَذْكُرُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - شَيْئًا مِنهُ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى الأوَّلِ، والقَوْلُ الثّانِي أسْلَمُ مِنَ القالِ والقِيلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْأسْبابِ العادِيَّةِ مَن قُرْبِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ عَلى الأوَّلِ، أوْ قِيامِ الشّاخِصِ الكَثِيفِ عَلى الثّانِي، وإنَّما المُؤَثِّرُ فِيهِ حَقِيقَةُ المَشِيئَةِ والقُدْرَةِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ - وهو مَضْمُونُ الجَزاءِ - كَما هو القاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ في أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، أيْ: ولَوْ شاءَ جَعْلَهُ ساكِنًا لَجَعَلَهُ ساكِنًا أيْ ثابِتًا عَلى حالِهِ ظِلًّا أبَدًا، كَما فَعَلَ - عَزَّ وجَلَّ - في ظِلِّ الجَنَّةِ، أوْ لَجَعَلَهُ ثابِتًا عَلى حالِهِ مِنَ الطُّولِ والِامْتِدادِ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَجْعَلَ سُبْحانَهُ لِلشَّمْسِ عَلى نَسْخِهِ سَبِيلًا، بِأنْ يُطْلِعَها ولا يَدَعَها تَنْسَخُهُ، أوْ بِأنْ لا يَدَعَها تُغَيِّرُهُ بِاخْتِلافِ أوْضاعِها بَعْدَ طُلُوعِها.

وقِيلَ: بِأنْ يَجْعَلَها بَعْدَ الطُّلُوعِ مُقِيمَةً عَلى وضْعٍ واحِدٍ ولَيْسَ بِذاكَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالسُّكُونِ قِيلَ: لِما أنَّ مُقابِلَهُ - الَّذِي هو زَوالُهُ - لَمّا كانَ تَدْرِيجِيًّا كانَ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالحَرَكَةِ، وقِيلَ: لِما أنَّ مُقابِلَهُ - الَّذِي هو تَغَيُّرُ حالِهِ حَسَبَ تَغَيُّرِ الأوْضاعِ بَيْنَ الظِّلِّ وبَيْنَ الشَّمْسِ - يُرى رَأْيَ العَيْنِ حَرَكَةً وانْتِقالًا.

وأفادَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ قُوبِلَ مَدُّ الظِّلِّ - الَّذِي هو انْبِساطُهُ وامْتِدادُهُ - بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ساكِنًا﴾ والسُّكُونُ إنَّما يُقابِلُ الحَرَكَةَ، فَيَكُونُ قَدْ أُطْلِقَ ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ عَلى الحَرَكَةِ مَجازًا مِن بابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُلابِسِهِ أوْ سَبَبِهِ كَما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ، وذَكَرَ أنَّهُ عُدِلَ عَنْ (حَرَّكَ) إلى (مَدَّ) مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ مِن (مَدَّ) في تَناوُلِهِ الِانْبِساطَ والِامْتِدادَ لِيُدْمَجَ فِيهِ مَعْنى الِانْتِفاعِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وهو مَعْرِفَةُ أوْقاتِ الصَّلَواتِ، فَإنَّ اعْتِبارَ الظِّلِّ فِيها بِالِامْتِدادِ دُونَ الِانْبِساطِ، وتُمِّمَ مَعْنى الإدْماجِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

25:46Page 364

ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦

Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1

﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أيْ: بِالتَّدَرُّجِ والمَهَلِ لِمَعْرِفَةِ السّاعاتِ والأوْقاتِ، وفِيهِ لَمْحَةٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ اهـ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِـ(مَدَّ) لِما أنَّ الظِّلَّ المَذْكُورَ ظِلُّ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وقَدِ اعْتُبِرَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ طَرَفَيْ جِهَتَيِ الأرْضِ طُولًا، والشِّمالُ والجَنُوبُ طَرَفَيْ جِهَتَيْها عَرْضًا، أوْ لِأنَّ ظُهُورَهُ في الأرْضِ وطُولَ المَعْمُورِ مِنها - الَّذِي يَسْكُنُهُ مَن يُشاهِدُ الظِّلَّ - أكْثَرُ مِن عَرْضِ المَعْمُورِ مِنها، إذِ الأوَّلُ - كَما هو المَشْهُورُ - نِصْفُ دَوْرٍ أعْنِي مِائَةً وثَمانِينَ دَرَجَةً، والثّانِي دُونَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ فِيهِ، فَيَكُونُ الظِّلُّ بِالنَّظَرِ إلى الرّائِينَ في المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ مُمْتَدًّا ما بَيْنَ جِهَتَيْ شَرْقَيْهِ وغَرْبَيْهِ أكْثَرَ مِمّا بَيْنَ جِهَتَيْ شِمالَيْهِ وجَنُوبَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ لِما أنَّ مَبْدَأ الظِّلِّ الفَجْرُ الأوَّلُ وضَوْؤُهُ يُرى مُسْتَطِيلًا مُمْتَدًّا كَذَنَبِ السَّرْحانِ، ويُلْتَزَمُ القَوْلُ بِأنَّهُ لا يَذْهَبُ بِالكُلِّيَّةِ - وإنْ ضُعِّفَ - بَلْ يَبْقى حَتّى يَمُدَّهُ ضَوْءُ الفَجْرِ الثّانِي، فَيُرى مُنْبَسِطًا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ( مَدَّ ) داخِلٌ في حُكْمِهِ، أيْ: ثُمَّ جَعَلْنا طُلُوعَ الشَّمْسِ دَلِيلًا عَلى ظُهُورِهِ لِلْحِسِّ؛ فَإنَّ النّاظِرَ إلى الجِسْمِ المُلَوَّنِ حالَ قِيامِ

صفحة 28

الظِّلِّ عَلَيْهِ لا يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ سِوى الجِسْمِ ولَوْنِهِ، ثُمَّ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ ووَقَعَ ضَوْؤُها عَلى الجِسْمِ ظَهَرَ لَهُ أنَّ الظِّلَّ كَيْفِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى الجِسْمِ ولَوْنِهِ.

والضِّدُّ يُظْهِرُ حالَهُ الضِّدُّ

قالَهُ الرّازِيُّ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُما.

وقِيلَ: أيْ: ثُمَّ جَعَلْناها دَلِيلًا عَلى وُجُودِهِ، أيْ: عِلَّةً لَهُ لِأنَّ وُجُودَهُ بِحَرَكَةِ الشَّمْسِ إلى الأُفُقِ وقُرْبِها مِنهُ عادَةً، ولا يَخْفى ما فِيهِ، أوْ ثُمَّ جَعَلْناها عَلامَةً يُسْتَدَلُّ بِأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ عَلى أحْوالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما سَبَبِيَّةٌ وتَأْثِيرٌ قَطْعًا، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ المُعْتَرِضَةُ، ومِنَ الغَرِيبِ - الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المَجِيدُ - أنَّ عَلى بِمَعْنى مَعَ، أيْ: ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ مَعَ الظِّلِّ دَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِنا، عَلى مَعْنى: جَعَلْنا الظِّلَّ دَلِيلًا وجَعَلْنا الشَّمْسَ دَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِنا.

والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِلْإيذانِ بِعِظَمِ قَدْرِ هَذا الجَعْلِ لِما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي لا تُحْصى، أوْ لِما في الجَعْلِ المَذْكُورِ العارِي عَنِ التَّأْثِيرِ - مَعَ ما يُشاهَدُ بَيْنَ الظِّلِّ والشَّمْسِ مِنَ الدَّوَرانِ المُطَّرِدِ المُنْبِئِ عَنِ السَّبَبِيَّةِ - مِن مَزِيدِ الدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ ودِقَّةِ الحِكْمَةِ، و(ثُمَّ) إمّا لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ ويُعْلَمُ وجْهُهُ مِمّا ذُكِرَ، وإمّا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ كَما هو حَقِيقَةُ مَعْناها بِناءً عَلى طُولِ الزَّمانِ بَيْنَ ابْتِداءِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ عَطْفٌ عَلى مَدَّ داخِلٌ في حُكْمِهِ أيْضًا، أيْ: ثُمَّ أزَلْناهُ بَعْدَما أنْشَأْناهُ مُمْتَدًّا عِنْدَ إيقاعِ شُعاعِ الشَّمْسِ مَوْقِعَهُ، أوْ بِإيقاعِهِ كَذَلِكَ، ومَحَوْناهُ عَلى مَهَلٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَسَبَ سَيْرِ الشَّمْسِ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالظِّلِّ ظِلُّ الشّاخِصِ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِهِ ما بَيْنَ الطُّلُوعَيْنِ فَلِأنَّهُ إذا عَمَّ لا يَزُولُ دُفْعَةً واحِدَةً بِطُلُوعِ الشَّمْسِ في أُفُقٍ؛ لِكُرَوِيَّةِ الأرْضِ واخْتِلافِ الآفاقِ، فَقَدْ تَطْلُعُ في أُفُقٍ ويَزُولُ ما عِنْدَ أهْلِهِ مِنَ الظِّلِّ وهي غَيْرُ طالِعَةٍ في أُفُقٍ آخَرَ وأهْلُهُ في طَرَفٍ مِن ذَلِكَ الظِّلِّ، ومَتى ارْتَفَعَتْ عَنِ الأُفُقِ الأوَّلِ حَتّى بانَتْ مِن أُفُقِهِمْ زالَ ما عِنْدَهم مِنَ الظِّلِّ، فَزَوالُ الظِّلِّ بَعْدَ عُمُومِهِ تَدْرِيجِيٌّ، كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ زَوالَهُ تَدْرِيجِيٌّ نَظَرًا إلى أُفُقٍ واحِدٍ أيْضًا، بِناءً عَلى أنَّهُ يَبْقى مِنهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ما لَمْ يَقَعْ عَلى مَوْقِعِهِ شُعاعُها لِمانِعٍ جَبَلٍ ونَحْوِهِ، ويَزُولُ ذَلِكَ تَدْرِيجًا حَسَبَ حَرَكَةِ الشَّمْسِ ووُقُوعِ شُعاعِها عَلى ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ ابْتِداءَ طُلُوعِها، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ تِلْكَ الإزالَةِ بِالقَبْضِ - وهو كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: جَمْعُ الأجْزاءِ المُنْبَسِطَةِ - لِما أنَّهُ قَدْ عُبِّرَ عَنِ الأحْداثِ بِالمَدِّ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلَيْنا﴾ لِلتَّنْصِيصِ عَلى كَوْنِ مَرْجِعِ الظِّلِّ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُشارِكُهُ حَقِيقَةً أحَدٌ في إزالَتِهِ، كَما أنَّ حُدُوثَهُ مِنهُ سُبْحانَهُ لا يُشارِكُهُ حَقِيقَةً فِيهِ أحَدٌ، وثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ وأنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ نَحْوُ ما مَرَّ.

ومَن فَسَّرَ الظِّلَّ بِما كانَ يَوْمَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى السَّماءَ كالقُبَّةِ ودَحا الأرْضَ مِن تَحْتِها فَألْقَتْ ظِلَّها عَلَيْها جَعَلَ مَعْنى ﴿ثُمَّ جَعَلْنا﴾ إلَخْ: ثُمَّ خَلَقْنا الشَّمْسَ وجَعَلْناها مُسَلَّطَةً عَلى ذَلِكَ الظِّلِّ، وجَعَلْناها دَلِيلًا مَتْبُوعًا لَهُ كَما يُتْبَعُ الدَّلِيلُ في الطَّرِيقِ، فَهو يَزِيدُ ويَنْقُصُ ويَمْتَدُّ ويَقَلِصُ، ثُمَّ قَبَضْناهُ قَبْضًا سَهْلًا لا عُسْرَ فِيهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَبْضُهُ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ بِقَرِينَةِ (إلَيْنا) وكَذا ( يَسِيرًا ) وذَلِكَ بِقَبْضِ أسْبابِهِ، وهي الأجْرامُ الَّتِي تُلْقِي الظِّلَّ، فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ إعْدامَهُ بِإعْدامِ أسْبابِهِ كَما ذَكَرَ إنْشاءَهُ بِإنْشاءِ أسْبابِهِ، والتَّعْبِيرُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ ولِمُناسَبَةِ ما ذُكِرَ مَعَهُ، وثُمَّ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، وفِيهِ ما فِيهِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.

25:47Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧

And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ بَدائِعِ آثارِ قُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَوائِعِ أحْكامِ رَحْمَتِهِ ونِعْمَتِهِ الفائِضَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَلْوِينُ الخِطابِ

صفحة 29

لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(جَعَلَ) وتَقْدِيمُها عَلى مَفْعُولَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ كَوْنِ ما بَعْدُ مِن مَنافِعِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ بَيانِ أحْوالِ الظِّلِّ بِبَيانِ أحْكامِ اللَّيْلِ الَّذِي هو ظِلُّ الأرْضِ مِن لُطْفِ المَسْلَكِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أيْ: وهو الَّذِي جَعَلَ لِنَفْعِكُمُ اللَّيْلَ كاللِّباسِ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ ( وجَعَلَ النَّوْمَ ) الَّذِي يَقَعُ فِيهِ غالِبًا بِسَبَبِ اسْتِيلاءِ الأبْخِرَةِ عَلى القُوى عادَةً، وقِيلَ: بِشَمِّ نَسِيمٍ يَهَبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ، ولا يَكادُ يَصِحُّ.

﴿سُباتًا﴾ راحَةً لِلْأبْدانِ بِقِطَعِ الأفاعِيلِ الَّتِي تَكُونُ حالَ اليَقَظَةِ، وأصْلُ السَّبْتِ القَطْعُ، وقِيلَ: يَوْمُ السَّبْتِ لِما جَرَتِ العادَةُ مِنَ الِاسْتِراحَةِ فِيهِ عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، ويُقالُ لِلْعَلِيلِ إذا اسْتَراحَ مِن تَعَبِ العِلَّةِ: مَسْبُوتٌ، وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: السُّباتُ ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا، فَشُبِّهَ النَّوْمُ بِهِ، والسَّبْتُ الإقامَةُ في المَكانِ فَكانَ النَّوْمُ سُكُونًا ما.

﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ أيْ: ذا نُشُورٍ، يَنْتَشِرُ فِيهِ النّاسُ لِطَلَبِ المَعاشِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ وفي جَعْلِهِ نَفْسَ النُّشُورِ مُبالَغَةٌ، وقِيلَ: نُشُورًا بِمَعْنى (ناشِرًا) عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسُّباتِ المَوْتُ لِما فِيهِ مِن قَطْعِ الإحْساسِ أوِ الحَياةِ، وعُبِّرَ عَنِ النَّوْمِ بِهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ وبِالنُّشُورِ البَعْثُ، أيْ: وجَعَلَ النَّهارَ زَمانَ بَعْثٍ مِن ذَلِكَ السُّباتِ، أوْ نَفْسَ البَعْثِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.

وأبى الزَّمَخْشَرِيُّ الرّاحَةَ في تَفْسِيرِ السُّباتِ، وقالَ: إنَّهُ يَأْباهُ النُّشُورُ في مُقابَلَتِهِ إباءَ العَيُوفِ الوَرْدَ وهو مُرَنَّقٌ، وكَأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ النُّشُورَ في القُرْآنِ لا يَكادُ يُوجَدُ بِمَعْنى الِانْتِشارِ والحَرَكَةِ لِطَلَبِ المَعاشِ، وعَلَّلَ في الكَشْفِ إباءَ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، وبِأنَّ الآياتِ السّابِقَةَ واللّاحِقَةَ - مَعَ ما فِيها مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ والقُدْرَةِ - أُدْمِجَ فِيها الدَّلالَةُ عَلى الإعادَةِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ أتْرابِها.

وكَأنَّهُ جَعَلَ جَعْلَ اللَّيْلِ لِباسًا والنَّوْمَ فِيهِ سُباتًا بِمَجْمُوعِهِ مُقابِلَ جَعْلِ النَّهارِ نُشُورًا، ولِهَذا كُرِّرَ (جَعَلَ) فِيهِ لِما فى النُّشُورِ مِن مَعْنى الظُّهُورِ والحَرَكَةِ النّاصِبَةِ، أوْ مَعْنى الظُّهُورِ والبَعْثِ، ولَمْ يَسْلُكْ في آيَةِ سُورَةِ النَّبَأِ هَذا المَسْلَكَ لِما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском