Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:48–52
25:48Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّوْحِيدِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِألْ أوِ الِاسْتِغْراقِ، فَهو في مَعْنى الجَمْعِ مُوافَقَةً لِقِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِراءَةُ الجَمْعِ أوْجَهُ؛ لِأنَّ الرِّيحَ مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَهي لِلْعَذابِ، ومَتّى كانْتِ لِلْمَطَرِ والرَّحْمَةِ جاءَتْ مَجْمُوعَةً؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَذَأَّبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن هاهُنا وهاهُنا وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحَ العَذابِ تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا لا تَتَذَأَّبُ، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمُ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ.
وقالَ الرُّمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَّبا والدَّبُّورُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ؛ لِأنَّها واحِدَةٌ لا تُلَقَّحُ وهي الدَّبُّورُ، وفي «قَوْلِهِ ﷺ إذا هَبَّتِ الرِّيحُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا»» إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ غُفُولًا عَنِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَتَوافَقُ بِهِ القِراءَتانِ، وقَدْ ذَكَرَ في البَحْرِ أنَّهُ لا يَسُوغُ أنْ يُقالَ في تِلْكَ القِراءَةِ أنَّها أوْجَهُ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى مَعَ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُتَواتِرٌ، وألْ في الرِّيحِ لِلْجِنْسِ فَتَعُمُّ، وما ذُكِرَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُفْرَدِ والمَجْمُوعِ أكْثَرِيٌّ أوْ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ أوْ في المُنْكَرِ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ الرُّومِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ.
صفحة 30
﴿بُشْرًا﴾ تَخْفِيفُ (بُشُرًا) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشُورٍ بِمَعْنى مُبَشِّرٍ أيْ: أرْسَلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ، وقُرِئَ «نُشْرًا» بِالنُّونِ والتَّخْفِيفِ جَمْعَ نَشُورٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، و«نُشُرًا» بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ وهو جَمْعٌ لِذَلِكَ أيْضًا، أيْ أرْسَلَها ناشِراتٍ لِلسَّحابِ، مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى البَعْثِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُهُ كَأنَّها تُحْيِيهِ لا مِنَ النَّشْرِ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ، إلّا أنْ يُرادَ بِهِ السَّوْقُ مَجازًا، و«نَشْرًا» بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ(أرْسَلَ) لِأنَّهُ بِمَعْنى نَشَرَ، والكُلُّ مُتَواتِرٌ، ورَوِيَ عَنِ ابْنِ السَّمَيْقِعِ أنَّهُ قَرَأ «بُشْرى» بِألِفِ التَّأْنِيثِ.
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: قُدّامَ المَطَرِ، وقَدِ اسْتُعِيرَتِ الرَّحْمَةُ لَهُ، ورُشِّحَتِ الِاسْتِعارَةُ أحْسَنَ تَرْشِيحٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ وبُشْرًا مِن تَتِمَّةِ الِاسْتِعارَةِ داخِلٌ في جُمْلَتِها، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ﴾ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِالإنْزالِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما ذُكِرَ مِن إرْسالِ الرِّياحِ، أيْ: أنْزَلْناهُ بِعَظَمَتِنا بِما رَتَّبْنا مِن إرْسالِ الرِّياحِ مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي لَيْسَتْ مَظِنَّةَ الماءِ أوْ مِنَ السَّحابِ أوْ مِنَ الجُرْمِ المَعْلُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ.
﴿ماءً طَهُورًا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ نَعْتٌ لِـ(ماءً) وعَلَيْهِ قِيلَ مَعْناهُ: بَلِيغُ الطَّهارَةِ زائِدُها، ووَجَّهَ في البَحْرِ المُبالَغَةَ بِأنَّها راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمْ يُشْبِهْ شَيْءٌ آخَرَ مِمّا في مَقَرِّهِ أوْ مَمَرِّهِ أوْ ما يُطْرَحُ فِيهِ كَمِياهِ الأرْضِ، وفَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ بِما كانَ طاهِرًا في نَفْسِهِ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ، وتَعَقَّبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ إنْ كانَ ما قالَهُ شَرْحًا لِبَلاغَتِهِ في الطَّهارَةِ كانَ سَدِيدًا وإلّا فَلَيْسَ فَعَوْلٌ مِنَ التَّفْعِيلِ في شَيْءٍ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ أخْذَ التَّطْهِيرِ فِيهِ يَأْباهُ لُزُومُ الطَّهارَةِ، والمُبالَغَةُ في اللّازِمِ لا تُوجِبُ التَّعَدِّيَ.
وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ: لَمّا لَمْ تَكُنِ الطَّهارَةُ في نَفْسِها قابِلَةً لِلزِّيادَةِ رَجَعَتِ المُبالَغَةُ فِيها إلى انْضِمامِ مَعْنى التَّطْهِيرِ إلَيْها لا أنَّ اللّازِمَ صارَ مُتَعَدِّيًا، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى الدَّوانِيُّ بِأنَّ فِيهِ تَأمُّلًا مِن حَيْثُ إنَّ انْضِمامَ مَعْنى التَّطْهِيرِ لَمّا كانَ مُسْتَفادًا مِنَ المُبالَغَةِ بِمَعُونَةِ عَدَمِ قَبُولِ الزِّيادَةِ كانَتِ المُبالَغَةُ في الجُمْلَةِ سَبَبًا لِلتَّعَدِّي، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ التَّفَصِّي بِأنَّ المَعْنى اللّازِمَ باقٍ بِحالِهِ، والمُبالَغَةَ أوْجَبَتِ انْضِمامَ المُتَعَدِّي إلَيْهِ لا تَعْدِيَةَ ذَلِكَ اللّازِمِ وبَيْنَهُما فَرْقانِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ إفادَةَ المُبالَغَةِ تَعَلُّقَ الفِعْلِ بِالغَيْرِ مِمّا لا يُساعِدُهُ لُغَةٌ ولا عُرْفٌ، وأيْنَ هَذا التَّعَلُّقُ في قَوْلِ جَرِيرٍ:
إلى رُجَّحِ الأكْفالِ غِيدٍ مِنَ الظَّبا عِذابِ الثَّنايا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ ومِن هَذا وأمْثالِهِ اخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ المُبالَغَةِ راجِعَةً إلى الكَيْفِيَّةِ عَلى ما سَمِعْتَ عَنِ البَحْرِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ( طَهُورًا ) هُنا اسْمٌ لِما يُتَطَهَّرُ بِهِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««التُّرابُ طَهُورُ المُؤْمِنِ»» وفَعُولٌ - كَما قالَ الأزْهَرِيُّ في كِتابِ الزّاهِرِ - يَكُونُ اسْمَ آلَةٍ لِما يُفْعَلُ بِهِ الشَّيْءُ كَغَسُولٍ ووَضُوءٍ وفَطُورٍ وسَحُورٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، كَما يَكُونُ صِفَةً بِمَعْنى فاعِلٍ كَأكُولٍ، أوْ مَفْعُولٍ كَصَبُوبٍ بِمَعْنى مَصْبُوبٍ، واسْمَ جِنْسٍ كَذَنُوبٍ، ومَصْدَرًا - وهو نادِرٌ - كَقَبُولٍ، فَيُفِيدُ التَّطْهِيرَ لِلْغَيْرِ وضْعًا، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ عَلى هَذا، واعْتِبارُ كَوْنِهِ طاهِرًا في نَفْسِهِ لِأنَّ كَوْنَهُ مُطَهِّرًا لِلْغَيْرِ فَرْعُ ذَلِكَ، وجُعِلَ - عَلى هَذا - بَدَلًا مِن ماءٍ أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ لا نَعْتًا، فَيَكُونُ التَّرْكِيبُ نَحْوُ: أرْسَلْتُ إلَيْكَ ماءً وضُوءًا.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَبادِرَ - فِيما نَحْنُ فِيهِ - كَوْنُهُ نَعْتًا، فَإنْ أمْكَنَ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ كانَ أبْعَدَ عَنِ
صفحة 31
القِيلِ والقالِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ طَهُورًا جاءَ مَصْدَرَ التَّطَهُّرِ في قَوْلِهِمْ: تَطَهَّرْتُ طَهُورًا حَسَنًا، وذَكَرَ أنَّ مِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا صَلاةَ إلّا بِطَهُورٍ»» وحَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي، وأيًّا ما كانَ فَفي تَوْصِيفِ الماءِ بِهِ إعْظامُ المِنَّةِ كَما لا يَخْفى.
25:49Page 364
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا مِنَ الماءِ الطَّهُورِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ لَيْسَ فِيها نَباتٌ، وذَلِكَ بِإنْباتِ النَّباتِ بِهِ، والمُرادُ بِالبَلْدَةِ الأرْضُ كَما في قَوْلِهِ:
أُنِيخَتْ فَألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْدَةٍ قَلِيلٌ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها مَعْناها المَعْرُوفُ، وتَنْكِيرُها لِلتَّنْوِيعِ، وتَذْكِيرُ صِفَتِها لِأنَّها بِمَعْنى البَلَدِ، أوْ لِأنَّ ( مَيْتًا ) مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي لا تُشْبِهُ المُضارِعَ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ، وهو يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ فَأُجْرِيَ مَجْرى الجَوامِدِ، ولامُ ﴿لِنُحْيِيَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ(أنْزَلْنا) وتَعَلُّقُهُ بِـ(طَهُورًا) لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقَرَأ عِيسى وأبُو جَعْفَرٍ (مَيِّتًا) بِالتَّشْدِيدِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ورَجَّحَ الجُمْهُورُ التَّخْفِيفَ؛ لِأنَّهُ يُماثِلُ فَعْلًا مِنَ المَصادِرِ فَكَما وُصِفَ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ بِالمَصْدَرِ فَكَذَلِكَ بِما أشْبَهَهُ بِخِلافِ المُشَدَّدِ فَإنَّهُ يُماثِلُ فاعِلًا مِن حَيْثُ قَبُولِهِ لِلتّاءِ إلّا فِيما خَصَّ المُؤَنَّثَ نَحْوُ طامِثٍ.
﴿ونُسْقِيَهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الماءَ الطَّهُورَ، وعِنْدَ جَرَيانِهِ في الأوْدِيَةِ أوِ اجْتِماعِهِ في الحِياضِ والمَناقِعِ والآبارِ ﴿مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: أهْلَ البَوادِي الَّذِينَ يَعِيشُونَ بِالحَياءِ، ولِذَلِكَ نُكِّرَ الأنْعامُ والأناسِيُّ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّنْوِيعِ.
وتَخْصِيصُ هَذا النَّوْعِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ أهْلَ القُرى والأمْصارِ يُقِيمُونَ بِقُرْبِ الأنْهارِ والمَنابِعِ فَبِهِمْ وبِما لَهم مِنَ الأنْعامِ غُنْيَةٌ عَنْ سَقْيِ السَّماءِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ تَبْعُدُ في طَلَبِ الماءِ فَلا يَعُوزُها الشُّرْبُ غالِبًا، ومَساقُ الآياتِ الكَرِيمَةِ - كَما هو لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ - كَذَلِكَ هو لِتَعْدادِ أنْواعِ النِّعْمَةِ، فالأنْعامُ حَيْثُ كانَتْ قِنْيَةً لِلْإنْسانِ، وعامَّةُ مَنافِعِهِمْ ومَعايِشِهِمْ مَنُوطَةٌ بِها، قُدِّمَ سَقْيُها عَلى سَقْيِهِمْ، كَما قُدِّمَ عَلَيْها إحْياءُ الأرْضِ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحَياتِها وتَعَيُّشِها، فالتَّقْدِيمُ مِن قَبِيلِ تَقْدِيمِ الأسْبابِ عَلى المُسَبَّباتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ ما ذُكِرَ عَلى سَقْيِ الأناسِيِّ؛ لِأنَّهم إذا ظَفِرُوا بِما يَكُونُ سَقْيَ أرْضِهِمْ ومَواشِيهِمْ لَمْ يَعْدَمُوا سُقْياهُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهُ مِن بابِ تَقْدِيمِ ما هو الأهَمُّ والأصْلُ في بابِ الِامْتِنانِ، وذِكْرُ سَقْيِ الأناسِيِّ عَلى هَذا إرْدافٌ وتَتْمِيمٌ لِلِاسْتِيعابِ، ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ وكَثِيرًا صِفَةٌ لِلْمُتَعاطِفَيْنِ لا عَلى البَدَلِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَنْهُما «ونَسْقِيَهُ» بِفَتْحِ النُّونِ، ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وأسْقى وسَقى لُغَتانِ، وقِيلَ: أسْقاهُ بِمَعْنى جَعَلَ السُّقْيا لَهُ وهَيَّأها، ﴿وأناسِيَّ﴾ جَمْعُ إنْسانٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وأصْلُهُ أناسِينَ فَقُلِبَتْ نُونُهُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيما قَبْلَها.
وذَهَبَ الفَرّاءُ، والمُبَرِّدُ، والزَّجّاجُ إلى أنَّهُ جَمْعُ إنْسِيٍّ، قالَ في البَحْرِ: والقِياسُ أناسِيَةٌ كَما قالُوا في مَهْلَبِيٍّ مَهالِبَةٌ.
وفِي الدُّرِّ المَصُونِ أنَّ فَعالى إنَّما يَكُونُ جَمْعًا لِما فِيهِ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ إذا لَمْ يَكُنْ لِلنَّسَبِ كَكُرْسِيٍّ وكَراسِيٍّ، وما فِيهِ ياءُ النَّسَبِ يُجْمَعُ عَلى أفاعِلَةٍ كَأزْرَقِيٍّ وأزارِقَةٍ، وكَوْنُ ياءِ إنْسِيٍّ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ بَعِيدٌ، فَحَقُّهُ أنْ يُجْمَعَ عَلى أناسِيَةٍ، وقالَ في التَّسْهِيلِ: إنَّهُ أكْثَرِيٌّ، وعَلَيْهِ لا يُرَدُّ ما ذُكِرَ.
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلْماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ كالضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ، وتَصْرِيفُهُ تَحْوِيلُ أحْوالِهِ وأوْقاتِهِ، وإنْزالُهُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ، أيْ: وبِاللَّهِ تَعالى لَقَدْ صَرَّفْنا المَطَرَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ النّاسِ
صفحة 32
فِي البُلْدانِ المُخْتَلِفَةِ والأوْقاتِ المُتَغايِرَةِ والصِّفاتِ المُتَفاوِتَةِ مِن وابِلٍ وطَلٍّ وغَيْرِهِما ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أيْ لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ: لَمْ يَفْعَلْ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وإنْكارَها رَأْسًا بِإضافَتِها لِغَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يَقُولَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، مُعْتَقِدًا أنَّ النُّجُومَ فاعِلَةٌ لِذَلِكَ ومُؤَثِّرَةٌ بِذَواتِها فِيهِ، وهَذا الِاعْتِقادُ - والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى - كُفْرٌ، وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خالِقُ الأمْطارِ، وقَدْ نَصَبَ الأنْواءَ دَلائِلَ وأماراتٍ عَلَيْها، وأرادَ بِقَوْلِهِ: (مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا) مُطِرْنا في وقْتِ سُقُوطِ النَّجْمِ الفُلانِيِّ في المَغْرِبِ مَعَ الفَجْرِ لا يَكْفُرُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَأْثَمُ أيْضًا، وقالَ الإمامُ: مَن جَعَلَ الأفْلاكَ والكَواكِبَ مُسْتَقِلَّةً بِاقْتِضاءِ هَذِهِ الأشْياءِ فَلا شَكَّ في كُفْرِهِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَبَلَها عَلى خَواصَّ وصَفاتٍ تَقْتَضِي هَذِهِ الحَوادِثَ فَلَعَلَّهُ لا يَبْلُغُ خَطَؤُهُ إلى حَدِّ الكُفْرِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - مِنّا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامٌ أرْجُو مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ تَسْتَحْسِنَهُ ذَوُو الأفْهامِ، ويَتَقَوّى بِهِ كَلامُ الإمامِ، ورُجُوعُ ضَمِيرِ أنْزَلْناهُ إلى الماءِ المُنَزَّلِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ الأوَّلِ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ أنَّهُ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في مَكارِمِ الأخْلاقِ عَنِ الثّانِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ حَمْلُ التَّصْرِيفِ عَلى التَّقْسِيمِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو راجِعٌ إلى القَوْلِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وهو ما ذُكِرَ فِيهِ إنْشاءُ السَّحابِ وإنْزالُ القَطْرِ لِما ذُكِرَ مِنَ الغاياتِ الجَلِيلَةِ، وتَصْرِيفُهُ تَكْرِيرُهُ وذِكْرُهُ عَلى وُجُوهٍ ولُغاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، والمَعْنى: ولَقَدْ كَرَّرْنا هَذا القَوْلَ وذَكَرْناهُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ لِيَتَفَكَّرُوا ويَعْرِفُوا بِذَلِكَ كَمالَ قُدْرَتِهِ تَعالى وواسِعَ رَحْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ فَأبى أكْثَرُهم مِمَّنْ سَلَفَ وخَلَفَ إلّا كُفْرانَ النِّعْمَةِ وقِلَّةَ الِاكْتِراثِ بِها، أوْ إنْكارَها رَأْسًا بِإضافَتِها لِغَيْرِهِ تَعالى شَأْنُهُ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: هو الأظْهَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، والمَشْهُورُ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ، ولَعَلَّ المُرادَ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وواسِعِ رَحْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَتَأمَّلْ، وأمّا ما قِيلَ إنَّهُ عائِدٌ عَلى الرِّيحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
25:51–52Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ نَبِيًّا يُنْذِرُ أهْلَها؛ فَتَخِفَّ عَلَيْكَ أعْباءُ النُّبُوَّةِ لَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ، وقَصَرْنا الأمْرَ عَلَيْكَ؛ إجْلالًا لَكَ وتَعْظِيمًا﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ فِيما يُرِيدُونَكَ عَلَيْهِ، وهو تَهْيِيجُ لَهُ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ، كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وذَلِكَ بِتِلاوَةِ ما فِيهِ مِنَ البَراهِينِ والقَوارِعِ والزَّواجِرِ والمَواعِظِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ ﴿جِهادًا كَبِيرًا﴾ فَإنَّ دَعْوَةَ كُلِّ العالَمِينَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ جِهادٌ كَبِيرٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ كَمًّا وكَيْفًا، وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ عَلى ما قَبْلَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الفاءُ بِاعْتِبارِ أنَّ قَصْرَ الرِّسالَةِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ يَنْبَغِي شُكْرُها وما ذُكِرَ نَوْعٌ مِنَ الشُّكْرِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بَعَثْناكَ نَذِيرًا لِجَمِيعِ القُرى، وفَضَّلْناكَ وعَظَّمْناكَ، ولَمْ نَبْعَثْ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا، فَقابِلْ ذَلِكَ بِالثَّباتِ والِاجْتِهادِ في الدَّعْوَةِ وإظْهارِ الحَقِّ، وفي الكَشْفِ لِبَيانِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما يَدُلُّ عَلى حِرْصِهِ ﷺ عَلى طَلَبِ هُداهم وتَمارُضِهِمْ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾
صفحة 33
وذُنِّبَ بِدَلائِلِ القُدْرَةِ والنِّعْمَةِ والرَّحْمَةِ دَلالَةً عَلى أنَّهم لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الِاحْتِشادُ، وأنَّهم يَغْمِطُونَ مِثْلَ هَذِهِ النِّعَمِ، ويَغْفُلُونَ عَنْ عَظَمَةِ مُوجِدِها سُبْحانَهُ، وجُعِلُوا كالأنْعامِ وأضَلَّ، وخُتِمَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهم مُرادٌ إلّا كُفُورُ نِعْمَتِهِ تَعالى.
قِيلَ: ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ عَلى مَعْنى أنّا عَظَّمْناكَ بِهَذا الأمْرِ لِتَسْتَقِلَّ بِأعْبائِهِ وتَحُوزَ ما ادُّخِرَ لَكَ مِن جِنْسِ جَزائِهِ، فَعَلَيْكَ بِالمُجاهَدَةِ والمُصابَرَةِ، ولا عَلَيْكَ مِن تَلَقِّيهِمُ الدَّعْوَةَ بِالإباءِ والمُشاجَرَةِ، وبُولِغَ فِيهِ فَجُعِلَ حِرْصُهُ ﷺ عَلى إيمانِ هَؤُلاءِ المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ طاعَةً لَهُمْ، وقِيلَ: فَلا تُطِعْهُمْ، ومَدارُ السُّورَةِ - عَلى ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ - عَلى كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَبْعُوثًا عَلى النّاسِ كافَّةً، يُنْذِرُهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ، ولِهَذا جُعِلَ بَراعَةَ اسْتِهْلالِها ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
والآيَةُ عَلى ما سَمِعْتَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: أرَأيْتَ إلى آخِرِ الآياتِ، وفِيها مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما فِيها، ولَيْسَتْ مَسُوقَةً لِلتَّأْدِيبِ كَما وُهِمَ.
وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَ، عَلى مَعْنى: ولَوْ شِئْنا لِقَسَّمْنا النَّذِيرَ بَيْنَهُمْ، كَما قَسَّمْنا المَطَرَ بَيْنَهُمْ، ولَكِنّا نَفْعَلُ ما هو الأنَفْعُ لَهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم فَبَعَثْناكَ إلَيْهِمْ كافَّةً فَلا تُطِعْ إلَخْ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى قُصُورِ النَّظَرِ ما فِيهِ.
هَذا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ( بِهِ ) عائِدًا عَلى تَرْكِ طاعَتِهِمُ المَفْهُومِ مِنَ النَّهْيِ، ولَعَلَّ الباءَ حِينَئِذٍ لِلْمُلابَسَةِ، والمَعْنى: وجاهِدْهم بِما ذُكِرَ مِن أحْكامِ القُرْآنِ الكَرِيمِ مُلابِسًا تَرْكَ طاعَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاهِدْهم بِالشِّدَّةِ والعُنْفِ لا بِالمُلاءَمَةِ والمُداراةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وإلّا ورَدَ عَلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الطّاعَةِ يَتَحَقَّقُ بِلا دَعْوَةٍ أصْلًا، ولَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ الجِهادِ فَضْلًا عَنِ الجِهادِ الكَبِيرِ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ مِن كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَذِيرَ كافَّةِ القُرى؛ لِأنَّهُ لَوْ بَعَثَ في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا لَوَجَبَ عَلى كُلِّ نَذِيرٍ مُجاهَدَةُ قَرْيَتِهِ، فاجْتَمَعَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تِلْكَ المُجاهَداتُ كُلُّها، فَكَبُرَ - مِن أجْلِ ذَلِكَ - جِهادُهُ وعَظُمَ، فَقِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: وجاهِدْهم بِسَبَبِ كَوْنِكَ نَذِيرَ كافَّةِ القُرى جِهادًا كَبِيرًا جامِعًا لِكُلِّ مُجاهَدَةٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ بَيانَ سَبَبِ كِبَرِ المُجاهَدَةِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ، فَإنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وإنَّما اللّائِقُ بِالمَقامِ بَيانُ سَبَبِ كِبَرِها وعِظَمِها في الكَيْفِيَّةِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلسَّيْفِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَمْ يُشْرَعْ في مَكَّةَ الجِهادُ بِالسَّيْفِ، ومَعَ هَذا لا يَخْفى ما فِيهِ، ويُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى الوَجْهِ المَأْثُورِ عَلى عِظَمِ جِهادِ العُلَماءِ لِأعْداءِ الدِّينِ بِما يُورِدُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ، وأوْفَرُهم حَظًّا المُجاهِدُونَ بِالقُرْآنِ مِنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences