Al-AlusiAl‑Furqan · 25:60–65

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:60–65

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ القائِلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى لِسانِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يَخْفى مَوْقِعُ هَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ هُنا، وفِيهِ - كَما قالَ الخَفاجِيُّ -: مَعْنى: (أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ ﴿قالُوا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجاهُلِ والوَقاحَةِ وما الرَّحْمَنُ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: (وما رَبُّ العالَمِينَ) حِينَ قالَ لَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ وهو عالِمٌ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ والسُّؤالُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنِ المُسَمّى، ووَقَعَ بِما دُونِ مَن؛ لِأنَّهُ مَجْهُولٌ بِزَعْمِهِمْ، فَهو كَما يُقالُ لِلشَّبَحِ المَرْئِيِّ: ما هُوَ؟ فَإذا عُرِفَ أنَّهُ مِن ذَوِي العِلْمِ قِيلَ: مَن هُوَ؟ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَنْ مَعْنى الِاسْمِ، ووُقُوعُهُ بِـ(ما) حِينَئِذٍ ظاهِرٌ.

وقِيلَ: سَألُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم ما كانُوا يُطْلِقُونَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى كَما يُطْلِقُونَ الرَّحِيمَ والرَّحُومَ والرّاحِمَ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ شاعَ فِيما بَيْنَهم تَسْمِيَةُ مُسَيْلِمَةَ بِـ(رَحْمَنِ اليَمامَةِ) فَظَنُّوا أنَّهُ المُرادُ بِحَمْلِ التَّعْرِيفِ عَلى العَهْدِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ عَبْرانِيًّا وأصْلُهُ (رَخْمانُ) بِالخاءِ المُعْجَمَةِ فَعُرِّبَ ولَمْ يَسْمَعُوهُ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ ذَلِكَ عَنْ تَجاهُلٍ، وأنَّ السُّؤالَ عَنِ المُسَمّى ولِذا قالُوا: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ أيْ: لِلَّذِي تَأْمُرُنا بِالسُّجُودِ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ نَعْرِفَهُ، فَما مَوْصُولَةٌ

صفحة 40

والعائِدُ مَحْذُوفٌ.

وأصْلُ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ، ثُمَّ صارَ (تَأْمُرُنا بِسُجُودِهِ) ثُمَّ (تَأْمُرُنا سُجُودَهُ) كَـ(أمَرْتُكَ الخَيْرَ) ثُمَّ (تَأْمُرُناهُ) بِحَذْفِ المُضافِ، ثُمَّ (تَأْمُرُنا) واعْتِبارُ الحَذْفِ تَدْرِيجًا مَذْهَبُ أبِي الحَسَنِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ حُذْفُ كُلِّ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَدْرِيجٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً مَوْصُوفَةً وأمْرُ العائِدِ عَلى ما سَمِعْتَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةً، والمَسْجُودُ لَهُ مَحْذُوفٌ أوْ مَتْرُوكٌ، أيْ: أنَسْجَدُ لَهُ لِأجْلِ أمْرِكَ إيّانا أوْ أنَسْجَدُ لِأجْلِ أمْرِكَ إيّانا.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأسْوَدُ بْنُ زَيْدٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «يَأْمُرُنا» بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهَذا القَوْلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ﴿وزادَهُمْ﴾ أيِ: الأمْرُ بِالسُّجُودِ لِلرَّحْمَنِ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ( قالُوا ) أيْ: قالُوا ذَلِكَ وزادَهم ﴿نُفُورًا﴾ عَنِ الإيمانِ، وفي اللُّبابِ أنَّ فاعِلَ ( زادَهم ) ضَمِيرُ السُّجُودِ لِما رُوِيَ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - سَجَدُوا فَتَباعَدُوا عَنْهم مُسْتَهْزِئِينَ، وعَلَيْهِ فَلَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِ (إذا) بَلْ عَلى مَجْمُوعِ الشَّرْطِ والجَوابِ، كَما قِيلَ في (لا يَسْتَقْدِمُونَ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ والأوَّلُ أوْلى وأظْهَرُ.

25:61Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الظّاهِرُ أنَّها البُرُوجُ الاثْنا عَشَرَ المَعْرُوفَةُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ الخَطِيبُ في كِتابِ النُّجُومِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وهي في الأصْلِ القُصُورُ العالِيَةُ، وأُطْلِقَتْ عَلَيْها عَلى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لِكَوْنِها لِلْكَواكِبِ كالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ لِساكِنِيها، ثُمَّ شاعَ فَصارَ حَقِيقَةً فِيها، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ البُرْجَ كُلُّ مُرْتَفَعٍ فَلا حاجَةَ إلى التَّشْبِيهِ أوِ النَّقْلِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ بِمَعْنى الظُّهُورِ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ مَشْرَبُ أهْلِ الحَدِيثِ أنَّها في السَّماءِ الدُّنْيا ولا مانِعَ مِنهُ عَقْلًا، لا سِيَّما إذا قُلْنا بِعِظَمِ ثَخَنِها بِحَيْثُ يَسَعُ الكَواكِبَ وما تَقْتَضِيهِ - عَلى ما ذَكَرَهُ أهْلُ الهَيْئَةِ - وهي عِنْدَهم أقْسامُ الفَلَكِ الأعْظَمِ المُسَمّى - عَلى ما قِيلَ – بِالعَرْشِ، ولَمْ يَرِدْ - فِيما أعْلَمُ - إطْلاقُ السَّماءِ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ صَحِيحًا لُغَةً، سُمِّيَتْ بِأسْماءِ صُوَرٍ مِنَ الثَّوابِتِ في الفَلَكِ الثّامِنِ وقَعَتْ في مُحاذاتِها وقْتَ اعْتِبارِ القِسْمَةِ، وتِلْكَ الصُّوَرُ مُتَحَرِّكَةٌ بِالحَرَكَةِ البَطِيئَةِ كَسائِرِ الثَّوابِتِ، وقَدْ قارَبَ في هَذِهِ الأزْمانِ أنْ تَخْرُجَ كُلُّ صُورَةٍ عَمّا حاذَتْهُ أوَّلًا، وابْتِداؤُها عِنْدَهم مِن نُقْطَةِ الِاعْتِدالِ الرَّبِيعِيِّ، وهي نُقْطَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن مُعَدَّلِ النَّهارِ لا تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الثّامِنِ، مُلاقِيَةٌ لِنُقْطَةٍ أُخْرى مِن مِنطَقَةِ البُرُوجِ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وإذا لَمْ يَتَحَرَّكْ مَبْدَأُ البُرُوجِ بِتِلْكَ الحَرَكَةِ لَمْ يَتَحَرَّكْ ما عَداها، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ثَلاثَةً مِنها رَبِيعِيَّةً، وهِيَ: الحَمَلُ والثَّوْرُ والجَوْزاءُ - وتُسَمّى التَّوْأمَيْنِ أيْضًا - وثَلاثَةً صَيْفِيَّةً، وهِيَ: السَّرَطانُ والأسَدُ والسُّنْبُلَةُ - وتُسَمّى العَذْراءَ أيْضًا - وهَذِهِ السِّتَّةُ شَمالِيَّةٌ، وثَلاثَةً خَرِيفِيَّةً، وهِيَ: المِيزانُ والعَقْرَبُ والقَوْسُ - ويُسَمّى الرّامِيَ أيْضًا - وثَلاثَةً شَتْوِيَّةً، وهِيَ: الجَدْيُ والدَّلْوُ - ويُسَمّى الدّالِيَ وساكِبَ الماءِ أيْضًا - والحُوتُ - وتُسَمّى السَّمَكَتَيْنِ - وهَذِهِ السِّتَّةُ جَنُوبِيَّةٌ، ولِحُلُولِ الشَّمْسِ في كُلٍّ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ يَخْتَلِفُ الزَّمانُ حَرارَةً وبُرُودَةً، واللَّيْلُ والنَّهارُ طُولًا وقِصَرًا، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ بِحُكْمِ جَرْيِ العادَةِ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ آثارٌ جَلِيلَةٌ مِن نُضْجِ الثِّمارِ وإدْراكِ الزُّرُوعِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو وجْهُ البَرَكَةِ في جَعْلِها.

وأمّا ما يَزْعُمُهُ أهْلُ الأحْكامِ مِنَ الآثارِ إذا كانَ شَيْءٌ مِنها طالِعًا وقْتَ الوِلادَةِ أوْ شُرُوعِ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ، أوْ وقْتَ حُلُولِ الشَّمْسِ نُقْطَةَ الحَمْلِ - الَّذِي هو مَبْدَأُ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ في المَشْهُورِ - فَهو مَحْضُ ظَنٍّ ورَجْمٍ بِالغَيْبِ، وسَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الكَلامُ في ذَلِكَ مُفَصَّلًا، ولَهم في تَقْسِيمِها إلى مُذَكَّرٍ ومُؤَنَّثٍ ولَيْلِيٍّ ونَهارِيٍّ وحارٍّ

صفحة 41

وبارِدٍ وسَعْدٍ ونَحْسٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، ولَعَلَّنا نَذْكُرُ شَيْئًا مِنهُ بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَن أرادَهُ مُسْتَوْفًى فَلْيَرْجِعْ إلى كُتُبِهِمْ.

ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ البُرُوجَ المَجْعُولَةَ مِمّا لا دَخْلَ لِلِاعْتِبارِ فِيها، والمَذْكُورُ في كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ أنَّها حاصِلَةٌ مِنِ اعْتِبارِ فَرْضِ سِتِّ دَوائِرَ مَعْلُومَةٍ قاطِعَةٍ لِلْعالَمِ، فَيَكُونُ لِلِاعْتِبارِ دَخْلٌ فِيها - وإنْ لَمْ تَكُنْ في ذَلِكَ - كَأنْيابِ الأغْوالِ لِوُجُودِ مَبْدَأِ الِانْتِزاعِ فِيها، فَإنْ كانَ الأمْرُ عَلى هَذا الطَّرْزِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ بِأنْ يُعْتَبَرَ تَقْسِيمُ ما هي فِيهِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قِطْعَةً وتُسَمّى كُلُّ قِطْعَةٍ بُرْجًا فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِجَعْلِهِ تَعالى إيّاها جَعْلُ ما يَتِمُّ بِهِ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ، ويَتَحَقَّقُ بِهِ أمْرُ التَّفاوُتِ والِاخْتِلافِ بَيْنَ تِلْكَ البُرُوجِ، وفِيهِ مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ في الآيَةِ إيماءً إلى أنَّ اعْتِبارَ التَّقْسِيمِ كانَ عَنْ وحْيٍ، والمَشْهُورُ أنَّ مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ أوَّلًا هُرْمُسَ وهو عَلى ما قِيلَ إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ أنَّ البُرُوجَ قُصُورٌ عَلى أبْوابِ السَّماءِ فِيها الحَرَسُ، وقِيلَ: هي القُصُورُ في الجَنَّةِ، قالَ الأعْمَشُ: وكانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: (فِي السَّماءِ قُصُورًا)، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدْ سِيقَتْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا يَسْجُدُونَ لِلرَّحْمَنِ - جَلَّ شَأْنُهُ - وبَيانِ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلسُّجُودِ بِبَيانِ آثارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - والظّاهِرُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أُمُورٍ مُدْرَكَةٍ مَعْلُومَةٍ لَهُمْ، وتِلْكَ القُصُورُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها النُّجُومُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا، وعَنْ أبِي صالِحٍ تَقْيِيدُها بِالكِبارِ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِعِظَمِها وظُهُورِها لا سِيَّما الَّتِي مِن أوَّلِ المَراتِبِ الثَّلاثَةِ لِلْقَدْرِ الأوَّلِ مِنَ الأقْدارِ السِّتَّةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إطْلاقُ البُرُوجِ عَلى النُّجُومِ، فالأوْلى أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الأوَّلُ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي هو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ أيْ في السَّماءِ، وقِيلَ: في البُرُوجِ ﴿سِراجًا﴾ هي الشَّمْسُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ والأخَوانِ «سُرُجًا» بِالجَمْعِ مَضْمُومَ الرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم سَكَّنُوا الرّاءَ وهو - عَلى ما قِيلَ - مِن قَبِيلِ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ لِأنَّ الشَّمْسَ لِعِظَمِها وكَمالِ إضاءَتِها كَأنَّها سُرُجٌ كَثِيرَةٌ، أوِ الجُمَعُ بِاعْتِبارِ الأيّامِ والمَطالِعِ، وقَدْ جُمِعَتْ لِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

لَمَعانُ بَرْقٍ أوْ شُعاعُ شُمُوسٍ

وعَلى هَذا القَوْلِ تَتَّحِدُ القِراءَتانِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الجَمْعُ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ بِهِ الشَّمْسُ والكَواكِبُ الكِبارُ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالكَواكِبِ الكِبارِ، واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ القَمَرِ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ بَعْدَ دُخُولِهِ في السُّرُجِ، والمُناسِبُ تَخْصِيصُ الشَّمْسِ لِكَمالِ مَزِيَّتِها عَلى ما سِواها، ورُدَّ بِأنَّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ دُخُولِهِ في السُّرُجِ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّ سِنِيَّهم قَمَرِيَّةٌ، ولِذا يُقَدَّمُ اللَّيْلُ عَلى النَّهارِ، وتُعْتَبَرُ اللَّيْلَةُ لِلْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَها، فَهم أكْثَرُ عِنايَةً بِهِ مَعَ أنَّهُ - عَلى ما ذَكَرَهُ - يَلْزَمُهُ تَرْكُ ذِكْرِ الشَّمْسِ وهي أحَقُّ بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِها، والِاعْتِذارُ عَنْهُ بِأنَّها لِشُهْرَتِها كَأنَّها مَذْكُورَةٌ ولِذا لَمْ تُنْظَمْ مَعَ غَيْرِها في قَرْنٍ - لا يُجْدِي.

والقَمَرُ مَعْرُوفٌ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ إلى آخِرِ الشَّهْرِ، قِيلَ: وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقْمُرُ ضَوْءَ الكَواكِبِ، وفي الصِّحاحِ لِبَياضِهِ، وفي وصْفِهِ ما يُشْعِرُ بِالِاعْتِناءِ بِهِ، وعَلى الفَرْقِ المَشْهُورِ بَيْنَ الضَّوْءِ والنُّورِ يَكُونُ في وصْفِهِ بِـ(مُنِيرًا) دُونَ (مُضِيئًا) إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُشاهَدُ فِيهِ مُسْتَفادٌ

صفحة 42

مِن غَيْرِهِ وهو الشَّمْسُ، بَلْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ نُورَ جَمِيعِ الكَواكِبِ مُسْتَفادٌ مِنها، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ اخْتِلافُ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها كَما في نُورِ القَمَرِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، وعِصْمَةُ عَنْ عاصِمٍ «وقُمْرًا» بِضَمِّ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها لُغَةٌ في القَمَرِ كالرُّشْدِ والرَّشَدِ والعُرْبِ والعَرَبِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ قَمْراءَ، وهي اللَّيْلَةُ المُنِيرَةُ بِالقَمَرِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وذا قَمَرٍ، أيْ: صاحِبَ لَيالٍ قُمْرٍ، والمُرادُ بِهَذا الصّاحِبِ القَمَرُ نَفْسُهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( مُنِيرًا ) صِفَةً لِذَلِكَ المُضافِ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المَحْذُوفَ قَدْ يُعْتَبَرُ بَعْدَ حَذْفِهِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:

بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

فَإنَّهُ يُرِيدُ ماءَ بَرَدى، ولِذا قالَ يُصَفِّقُ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ولَوْ لَمْ يُراعِ المُضافَ لَقالَ تُصَفِّقُ بِالتّاءِ.

25:62Page 365

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ أيْ: ذَوِي خِلْفَةٍ، يَخْلُفُ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ، بِأنْ يَقُومَ مَقامَهُ فِيما يَنْبَغِي أنْ يُعْمَلَ فِيهِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: بِأنْ يَعْقُبَهُ ويَجِيءَ بَعْدَهُ، وهو اسْمٌ لِلْحالَةِ مِن خَلَفَ كالرِّكْبَةِ والجِلْسَةِ مِن رَكِبَ وجَلَسَ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ(جَعَلَ) أوْ حالٌ إنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى اخْتِلافًا، والمُرادُ الِاخْتِلافُ في الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ - كَما قِيلَ - أوْ في السَّوادِ والبَياضِ - كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ - أوْ فِيما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهَ، كَما هو مُحْتَمَلٌ، وفي البَحْرِ يُقالُ: بِفُلانٍ خِلْفَةٌ واخْتِلافٌ إذا اخْتَلَفَ كَثِيرًا إلى مُتَبَرَّزِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ:

بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمٍ

وقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِّتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَّيْفِ دَأبًا:

ولَها بِالماطِرُونَ إذا ∗∗∗ أكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعا

خِلْفَةٌ حَتّى إذا ارْتَفَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَتْ مِن جَلَقٍ بَيْعا

فِي بُيُوتٍ وسَطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَوْلَها الزَّيْتُونُ قَدْ نَبَعا

انْتَهى.

وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ المُرادُ: يَذْهَبُ كُلٌّ مِنهُما ويَجِيءُ كَثِيرًا، واعْتِبارُ المُضافِ المُقَدَّرِ عَلى حالِهِ وكَذا فِيما قَبْلَهُ.

وفِي القامُوسِ: الخِلْفُ والخِلْفَةُ بِالكَسْرِ المُخْتَلَفُ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ، والمَعْنى: جَعَلَهُما مُخْتَلِفَيْنِ، والإفْرادُ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ.

﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ لِيَكُونا وقْتَيْنِ لِلْمُتَذَكِّرِ، مَن فاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ العِبادَةِ في أحَدِهِما تَدارَكَهُ في الآخَرِ، ورُوِيَ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، ورَوى الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أطالَ صَلاةَ الضُّحى فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ؟ قالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن وِرْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ، أوْ قالَ: أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وكَأنَّ التَّذَكُّرَ مَجازٌ عَنْ أداءِ ما فاتَ، وهو مِمّا يَتَوَقَّفُ الأداءُ عَلَيْهِ، وفي الكَلامِ تَقْدِيرٌ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا إعْرابٍ.

﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى بِأداءِ نَوْعٍ مِنَ العِبادَةِ لَمْ يَكُنْ وِرْدًا لَهُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ: المَعْنى: لِمَن أرادَ النّافِلَةَ بَعْدَ أداءِ الفَرِيضَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن أرادَ أنْ يَتَذَكَّرَ ويَتَفَكَّرَ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، فَيَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ لِما ذُكِرَ مِن صانِعٍ حَكِيمٍ واجِبِ الذّاتِ ذِي رَحْمَةٍ عَلى العِبادِ، أوْ أرادَ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ما فِيهِما مِنَ النِّعَمِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ يَكادُ لا يُلْتَفَتُ لِغَيْرِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَأْثُورًا، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ عَلى هَذا صِلَةَ ( جَعَلَ ) ولَمّا كانَ ظُهُورُ فائِدَةِ ذَلِكَ لِمَن أرادَ التَّذَكُّرَ أوْ أرادَ الشُّكْرَ اقْتُصِرَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ و(أوْ) لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى الِاشْتِمالِ عَلى

صفحة 43

هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ، أوْ لِلتَّخْيِيرِ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْلالِ بِكُلٍّ ولا مَنعَ مِنَ الِاجْتِماعِ.

وفائِدَةُ هَذا الأُسْلُوبِ إفادَةُ الِاسْتِقْلالِ - ولَوْ ذُكِرَ الواوُ بَدَلَها لَتُوُهِّمَ المَعِيَّةُ - ولَعَلَّ في التَّعْبِيرِ أوَّلًا بِأنْ والفِعْلِ دُونَ المَصْدَرِ الصَّرِيحِ كَما في الشِّقِّ الثّانِي - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - إيماءً إلى الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّذَكُّرِ، فَتَذَكَّرْ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «أنْ يَتَذَكَّرَ» وهو أصْلٌ لِـ(يَذَّكَّرَ) فَأُبْدِلَ التّاءُ ذالًا وأُدْغِمَ، وقَرَأ النَّخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وطَلْحَةُ، وحَمْزَةُ «أنْ يَذْكُرَ» مُضارِعَ ذَكَرَ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى تَذَكَّرَ.

﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ أوْصافِ خُلَّصِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى وأحْوالِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بَعْدَ بَيانِ حالِ النّافِرِينَ عَنْ عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ والسُّجُودِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإضافَتُهم إلى الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِهِ مِن أسْمائِهِ تَعالى وضَمائِرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِتَخْصِيصِهِمْ بِرَحْمَتِهِ أوْ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى مَن عَداهُمْ؛ لِكَوْنِهِمْ مَرْحُومِينَ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ، كَما يَفْهَمُ مِن فَحْوى الإضافَةِ إلى مُشْتَقٍّ، وفي ذَلِكَ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِمَن قالُوا: (وما الرَّحْمَنُ).

والأكْثَرُونَ أنَّ عِبادًا هُنا جَمْعُ عَبْدٍ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: جَمْعُ عابِدٍ كَصاحِبٍ وصِحابٍ وراجِلٍ ورِجالٍ، ويُوافِقُهُ قِراءَةُ اليَمانِيِّ (وعُبّادُ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الباءِ فَإنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ بِالإجْماعِ، وهو - عَلى هَذا - مِنَ العِبادَةِ، وهي أنْ يَفْعَلَ ما يَرْضاهُ الرَّبُّ، وعَلى الأوَّلِ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وهي أنْ يَرْضى ما يَفْعَلُهُ الرَّبُّ، وقالَ الرّاغِبُ: العُبُودِيَّةُ إظْهارُ التَّذَلُّلِ، والعِبادَةُ أبْلَغُ مِنها لِأنَّها غايَةُ التَّذَلُّلِ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَهُما بِأنَّ العِبادَةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ رَجاءَ الثَّوابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ بِذَلِكَ، والعُبُودِيَّةَ فِعْلُ المَأْمُوراتِ وتَرْكُ المَنهِيّاتِ لا لِما ذُكِرَ بَلْ لِمُجَرَّدِ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

قِيلَ: وفَوْقَ ذَلِكَ العُبُودَةُ، وهو فِعْلُ وتَرْكُ ما ذُكِرَ لِمُجَرَّدِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ ونَهْيِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ الذّاتِيِّ لِأنْ يُعَظَّمَ ويُطاعَ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ «وعُبُدُ» بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ، وهو - كَما قالَ الأخْفَشُ - جَمْعُ عَبْدٍ، كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، وأنْشَدَ:

انْسُبِ العَبْدَ إلى آبائِهِ ∗∗∗ أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِن قَوْمٍ عُبُدْ

وهُوَ - عَلى كُلِّ حالٍ – مُبْتَدَأٌ، وفي خَبَرِهِ قَوْلانِ: الأوَّلُ أنَّهُ ما في آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِاسْمِ الإشارَةِ، والثّانِي - وهو الأقْرَبُ - أنَّهُ قَوْلُهُ تَعالى:

25:63Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ والهَوْنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَشْيًا هَوْنًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَمْشُونَ﴾ والمُرادُ: يَمْشُونَ هَيِّنِينَ في تَؤُدَةٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وحُسْنِ سَمْتٍ، لا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ورَوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وغَيْرِهِمْ.

وعَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الهَوْنَ مَشْيُ الرَّجُلِ بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها لا يَتَكَلَّفُ ولا يَتَبَخْتَرُ.

وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرَةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ.

وقِيلَ: المَشْيُ الهَوْنُ مُقابِلُ السَّرِيعِ وهو مَذْمُومٌ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةَ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّ ﴿هَوْنًا﴾ بِمَعْنى حُلَماءَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، فَيَكُونُ حالًا لا غَيْرُ، والظّاهِرُ

صفحة 44

أنَّهُ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِتَذَلُّلِ الإنْسانِ في نَفْسِهِ لِما لا يُلْحِقُ بِهِ غَضاضَةً وهو المَمْدُوحُ، ومِنهُ الحَدِيثُ ««المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»».

والظّاهِرُ بَقاءُ المَشْيِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّ المُرادَ مَدْحَهم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ فِيهِ مِن غَيْرِ تَعْمِيمٍ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِمْ يَمْشُونَ كَذَلِكَ أنَّهم هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ بِحُكْمِ العادَةِ عَلى ما قِيلَ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِعَدَمِ الخُشُونَةِ والفَظاظَةِ في سائِرِ أُمُورِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم يَعِيشُونَ بَيْنَ النّاسِ هَيِّنِينَ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، وذِكْرُ المَشْيِ لِما أنَّهُ انْتِقالٌ في الأرْضِ، وهو يَسْتَدْعِي مُعاشَرَةَ النّاسِ ومُخالَطَتَهُمْ، واللِّينُ مَطْلُوبٌ فِيها غايَةَ الطَّلَبِ.

ثُمَّ قالَ: وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مَدْحَهم بِالمَشْيِ وحْدَهُ هَوْنًا فَباطِلٌ، فَكَمْ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ ﷺ يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الصَّدْرُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ بَحْثٌ مِن وجْهَيْنِ فَلا تَغْفُلْ، وقَرَأ اليَمانِيُّ والسُّلَمِيُّ: (يُمَشُّونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا.

﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ أيِ السُّفَهاءُ، وقَلِيلُو الأدَبِ كَما في قَوْلِهِ:

ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

﴿قالُوا سَلامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُعامَلَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِحُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ، وتَحْقِيقٌ لِلِينِهِمْ عِنْدَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ إذا خُلِّيَ الإنْسانُ وطَبْعَهُ، أيْ: إذا خاطَبُوهم بِالسُّوءِ قالُوا تَسَلُّمًا مِنكم ومُتارَكَةً لا خَيْرَ بَيْنَنا وبَيْنَكم ولا شَرَّ.

فَـ(سَلامًا) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ التَّسْلِيمِ، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: نَتَسَلَّمُ تَسَلُّمًا مِنكُمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، ومَنَعَ أنْ يُرادَ السَّلامُ المَعْرُوفُ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والسَّلامَ في النِّساءِ وهي مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ.

وقالَ الأصَمُّ: هو سَلامُ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ راجِعٌ إلى المُتارَكَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ قالُوا قَوْلًا سَدِيدًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ هاهُنا يَقُولُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لا أنَّهم يَقُولُونَ قَوْلًا ذا سَدادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لا تُخالِفُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) مِن سَدادِ القَوْلِ أيْضًا، كَيْفَ والظّاهِرُ أنَّ خُصُوصَ اللَّفْظِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ هو أوْ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ أيْضًا مِن كُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلى المُتارَكَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنِ الإثْمِ واللَّغْوِ وهو حَسَنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ.

وفِي بَعْضِ التَّوارِيخِ - كَما في البَحْرِ - أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ كانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَآهُ في النَّوْمِ قَدْ تَقَدَّمَ إلى عُبُورِ قَنْطَرَةٍ فَقالَ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَلى المَأْمُونِ، ثُمَّ قالَ: ما رَأيْتُ لَهُ بَلاغَةً في الجَوابِ كَما يُذْكَرُ عَنْهُ، فَقالَ لَهُ المَأْمُونُ: فَما أجابَكَ بِهِ؟ قالَ: كانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، فَقالَ المَأْمُونُ: يا عَمِّ قَدْ أجابَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، ونَبَّهَهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ فَخَزِيَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيى، عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِالإغْضاءِ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكِ مُقابَلَتِهِمْ في الكَلامِ، ولا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِمُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكَفَرَةِ فَلا تُنافِي آيَةَ القِتالِ لِيُدَّعى نَسْخُها بِها لِأنَّها مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيَّةٌ، ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ - واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ - أنَّها نُسِخَتْ بِالنَّظَرِ إلى الكَفَرَةِ بِآيَةِ القِتالِ.

25:64Page 365

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في مُعامَلَتِهِمْ مَعَ رَبِّهِمْ، وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ ما تَقَدَّمَ يَقُولُ: هَذا وصْفُ نَهارِهِمْ، وإذا قَرَأ هَذِهِ قالَ: هَذا وصْفُ لَيْلِهِمْ، والبَيْتُوتَةُ أنْ يُدْرِكَكَ اللَّيْلُ

صفحة 45

نِمْتَ أوْ لَمْ تَنَمْ و(لِرَبِّهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وقُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ والتَّخْصِيصِ، والقِيامُ جَمْعُ قائِمٍ، أوْ مُصْدَرٌ أُجْرِيَ مَجْراهُ، أيْ: يَبِيتُونَ ساجِدِينَ وقائِمِينَ لِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ، أيْ: يُحْيُونَ اللَّيْلَ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِالصَّلاةِ، وقِيلَ: مَن قَرَأ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ بِاللَّيْلِ في صَلاةٍ فَقَدْ باتَ ساجِدًا وقائِمًا، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ فِعْلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ والرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشاءِ، وقِيلَ: مَن شَفَعَ وأوْتَرَ بَعْدَ أنْ صَلّى العِشاءَ فَقَدْ دَخَلَ في عُمُومِ الآيَةِ.

وبِالجُمْلَةِ في الآيَةِ حَضٌّ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ في الصَّلاةِ، وقُدِّمَ السُّجُودُ عَلى القِيامِ ولَمْ يُعْكَسْ - وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الفِعْلِ - لِأجْلِ الفَواصِلِ؛ ولِأنَّهُ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ، وإباءِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( وإذا قِيلَ ) الآيَةَ.

وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ «سُجُودًا» عَلى وزْنِ (قُعُودًا) وهو أوْفَقُ بِـ(قِيامًا)

25:65Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ في أعْقابِ صَلَواتِهِمْ أوْ في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ: ﴿رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ أيْ لازِمًا، كَما أخْرَجَهُ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنْشَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في ذَلِكَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حاتِمٍ:

ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا

ومِثْلُهُ قَوْلُ الأعْشى:

إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يَعِ ∗∗∗ طِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي

وهَذا اللُّزُومُ إمّا لِلْكُفّارِ أوِ المُرادُ بِهِ الِامْتِدادُ كَما في لُزُومِ الغَرِيمِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالفَظِيعِ الشَّدِيدِ.

وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمُهْلِكِ، وفي حِكايَةِ قَوْلِهِمْ هَذا مَزِيدُ مَدْحٍ لَهم بِبَيانِ أنَّهم مَعَ حُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ واجْتِهادِهِمْ في عِبادَةِ الحَقِّ يَخافُونَ العَذابَ، ويَبْتَهِلُونَ إلى رَبِّهِمْ - عَزَّ وجَلَّ - في صَرْفِهِ عَنْهم غَيْرَ مُحْتَفِلِينَ بِأعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ وفي ذَلِكَ تَحْقِيقُ إيمانِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ الدّاعِينَ، وهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعائِهِمُ المَذْكُورِ بِسُوءِ حالِ عَذابِها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском