Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:10–19
26:10Page 367
وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
And [mention] when your Lord called Moses, [saying], "Go to the wrongdoing people -
﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِسُوءِ حالِهِمْ، ومُسَلٍّ لَهُ ﷺ أيْضًا لَكِنْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ التَّسْلِيَةِ عَلى ما قِيلَ: وإذْ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُقَدَّرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ بَعْضٍ: واذْكُرْ في نَفْسِكَ وقْتَ نِدائِهِ تَعالى أخاكَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما جَرى لَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِنَ التَّكْذِيبِ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ وسُطُوعِ المُعْجِزاتِ؛ لِتَعْلَمَ أنَّ تَكْذِيبَ الأُمَمِ لِأنْبِيائِهِمْ لَيْسَ بِأوَّلِ قارُورَةٍ كُسِرَتْ، ولا بِأوَّلِ صَحِيفَةٍ نُشِرَتْ، فَيَهُونُ عَلَيْكَ الحالُ، وتَسْتَرِيحُ نَفْسُكَ مِمّا أنْتِ فِيهِ مِنَ البِلْبالِ.
وعِنْدَ شَيْخِ الإسْلامِ: واذْكُرْ لِقَوْمِكَ وقْتَ نِدائِهِ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذَكِّرْهم بِما جَرى عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زاجِرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، وتَحْذِيرًا مِن أنْ يَحِيقَ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِهِمْ حَتّى يَتَّضِحَ لَدَيْكَ أنَّهم في غايَةِ العِنادِ والإصْرارِ لا يَرْدَعُهم أخْذُ أضْرابِهِمْ مِنَ المُكَذِّبِينَ الأشْرارِ، ولا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ الوَعْظُ والإنْذارُ، وهَذا التَّقْدِيرُ يُناسِبُ صَدْرَ القِصَّةِ الآتِيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ والأوَّلُ يُناسِبُ القَصَصَ المُصَدَّرَةَ بِـ(كَذَّبَتْ) عَلى ما قِيلَ.
والأظْهَرُ عِنْدِي تَقْدِيرُ (واذْكُرْ) لِقَوْمِكَ لِوُضُوحِ اقْتِضاءِ ( واتْلُ عَلَيْهِمْ ) لَهُ، ولا نُسَلِّمُ اقْتِضاءَ تِلْكَ القَصَصِ المُصَدَّرَةِ بِـ(كَذَّبَتْ) تَقْدِيرَ (اذْكُرْ) في نَفْسِكَ، وأمْرُ المُناسَبَةِ مُشْتَرَكٌ وإنْ سُلِّمَ اخْتِصاصُها بِهِ فَهي لا تُقاوِمُ الِاقْتِضاءَ المَذْكُورَ.
نَعَمِ، الأظْهَرُ أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّسَلِّي بِما ذُكِرَ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، ولا قَوْمُهُ بِدْعًا مِنَ الأقْوامِ في التَّكْذِيبِ مَعَ ظُهُورِ الآياتِ وسُطُوعِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ تَضَمَّنَ الأمْرُ بِذِكْرِ ذَلِكَ لَهُمُ الأمْرَ بِالتَّسَلِّي بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَتَدَبَّرْ.
وأيًّا ما كانَ فَوَجْهُ تَوْجِيهِ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ - مَعَ أنَّ المَقْصُودَ ذِكْرُ ما فِيهِ - قَدْ مَرَّ مِرارًا، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُقَدَّرَ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ آخَرَ، أيْ: خُذِ الآياتِ، أوْ تَرَقَّبْ إتْيانَ الأنْباءِ واذْكُرْ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ.
وقِيلَ: (إذْ) ظَرْفٌ لِـ(قالَ) بَعْدُ ولَيْسَ بِذاكَ، ومَعْنى نادى دَعا، وقِيلَ:
صفحة 64
أمَرَ ﴿أنِ ائْتِ﴾ أيْ: بِأنِ ائْتِ، عَلى أنَّ (أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها حَرْفُ الجَرِّ، أوْ أيِ: ائْتِ عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ.
﴿القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، واسْتِعْبادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ، ولَيْسَ هَذا مَطْلَعُ ما ورَدَ في حَيِّزِ النِّداءِ، وإنَّما هو ما فُصِّلَ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ وسُنَّةُ القُرْآنِ الكَرِيمِ إيرادُ ما جَرى في قِصَّةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَقالاتِ بِعِباراتٍ شَتّى وأسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ؛ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ما يَكُونُ فِيهِ مِنَ العِباراتِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.
26:11Page 367
قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ ١١
The people of Pharaoh. Will they not fear Allāh?"
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ، جِيءَ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلَمٌ في الظُّلْمِ، كَأنَّ مَعْنى القَوْمِ الظّالِمِينَ وتَرْجَمَتَهُ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، وقالَ أبُو البَقاءِ: بَدَلٌ مِنهُ، ورَجَّحَ أبُو حَيّانَ الأوَّلَ بِأنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ؛ لِإيذانِهِ بِما سَمِعْتَ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى القَوْمِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ فِرْعَوْنَ أوْلى بِما ذُكِرَ، وقَدْ خُصَّ في بَعْضِ المَواضِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: قَوْمُ فِرْعَوْنَ، شامِلٌ لَهُ شُمُولَ بَنِي آدَمَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالٌ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيِ: ائْتِهِمْ قائِلًا لَهم ألا يَتَّقُونَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، وشَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو قِلابَةَ بِتاءِ الخِطابِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ ذَلِكَ الخِطابُ والغَيْبَةُ، فَيُقالُ: قُلْ لِزَيْدٍ: (تُعْطِي عَمْرًا كَذا) و(يُعْطِي عَمْرًا كَذا) وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ مَعَ الخِطابِ والغَيْبَةِ، والأصْلُ (يَتَّقُونَنِي) فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ.
وقَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عَنْهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ائْتِهِمْ قائِلًا قَوْلِي لَهم ألّا تَتَّقُونَنِي، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، أتْبَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لِلْإنْذارِ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ؛ تَعْجِيبًا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حالِهِمُ الَّتِي شَنُعَتْ في الظُّلْمِ والعَسْفِ، ومِن أمْنِهِمُ العَواقِبَ، وقِلَّةِ خَوْفِهِمْ وحَذَرِهِمْ مِن أيّامِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِراءَةُ الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ وجَبْهِهِمْ وضَرْبِ وُجُوهِهِمْ بِالإنْكارِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإجْراءُ ذَلِكَ في تَكْلِيمِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ في مَعْنى إجْرائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وإلْقائِهِ في مَسامِعِهِمْ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغُهُ ومُنْهِيهِ وناشِرُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم غُيَّبًا حَقِيقَةً في وقْتِ المُناجاةِ، وفِيهِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلى التَّقْوى لِمَن تَدَبَّرَ وتَأمَّلَ، انْتَهى.
والِاسْتِئْنافُ عَلَيْهِ قِيلَ: بَيانِيٌّ بِتَقْدِيرِ: لِمَ هَذا الأمْرُ؟ وقِيلَ: هو نَحْوِيٌّ إذْ لا حاجَةَ إلى هَذا السُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانِ الظُّلْمِ، ودُفِعَ بِالعِنايَةِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أسْرَعُ تَبادُرًا إلى الفَهْمِ.
وقالَ أيْضًا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ألا يَتَّقُونَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( الظّالِمِينَ ) أيْ: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينَ اللَّهَ تَعالى وعِقابَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَأُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الحالِ دَلالَةً عَلى إنْكارِ عَدَمِ التَّقْوى والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ؛ لِيُفِيدَ إنْكارَ الظُّلْمِ مِن طَرِيقِ الأوْلى، فَإنَّ فائِدَةَ الإتْيانِ بِهَذِهِ الحالِ الإشْعارُ بِأنَّ عَدَمَ التَّقْوى هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى الظُّلْمِ.
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّ فِيهِ - مَعَ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالأجْنَبِيِّ - لُزُومَ إعْمالِ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها، وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِ الفاصِلِ أجْنَبِيًّا، وأنَّهُ يُتَوَسَّعُ في الهَمْزَةِ وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ أيْضًا في (ألا يَتَّقُونِ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ النُّونِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى (ألا يا ناسُ اتَّقُونِ) نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ فَتَكُونُ ( ألا ) كَلِمَةً واحِدَةً لِلْعَرْضِ، ويا نِدائِيَّةً سَقَطَتْ ألِفُها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وحُذِفَ المُنادى وما بَعْدَهُ فِعْلُ أمْرٍ، ويَكُونُ إسْقاطُ الألِفَيْنِ مُخالِفًا لِلْقِياسِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَخْرِيجٌ بَعِيدٌ، وأنَّ الظّاهِرَ أنَّ (ألّا) لِلْعَرْضِ المُضَمَّنِ الحَضِّ عَلى التَّقْوى في جَمِيعِ القِراءاتِ.
26:12Page 367
قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ١٢
He said, "My Lord, indeed I fear that they will deny me
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؟ فَقِيلَ: قالَ مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
صفحة 65
﴿رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ مِن أوَّلِ الأمْرِ
26:13Page 367
وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ ١٣
And that my breast will tighten and my tongue will not be fluent, so send for Aaron.
﴿ويَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾ مَعْطُوفانِ عَلى خَبَرِ (إنَّ) فَيُفِيدُ أنَّ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثَلاثَ عِلَلٍ؛ خَوْفُ التَّكْذِيبِ، وضِيقُ الصَّدْرِ، وامْتِناعُ انْطِلاقِ اللِّسانِ، والظّاهِرُ ثُبُوتُ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ في أنْفُسِهِما غَيْرَ مُتَفَرِّعَيْنِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ لِيَدْخُلا تَحْتَ الخَوْفِ، لَكِنْ قَرَأ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وأبُو حَيْوَةَ، وزائِدَةُ عَنِ الأعْمَشِ، ويَعْقُوبُ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) فَيُفِيدُ دُخُولَهُما تَحْتَ الخَوْفِ؛ ولِأنَّ الأصْلَ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ قِيلَ: إنَّهُما مُتَفَرِّعانِ عَلى ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: رَبِّ إنِّي أخافُ تَكْذِيبَهم إيّايَ، ويَضِيقُ صَدْرِي انْفِعالًا مِنهُ، ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي مِن سِجْنِ اللُّكْنَةِ وقَيْدِ العَيِّ بِانْقِباضِ الرُّوحِ الحَيَوانِيِّ الَّذِي تَتَحَرَّكُ بِهِ العَضَلاتُ، الحاصِلِ عِنْدَ ضِيقِ الصَّدْرِ واغْتِمامِ القَلْبِ، والمُرادُ حُدُوثُ تَلَجْلُجِ اللِّسانِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ كَما يُشاهَدُ في كَثِيرٍ مِنَ الفُصَحاءِ إذا اشْتَدَّ غَمُّهم وضاقَتْ صُدُورُهُمْ، فَإنَّ ألْسِنَتَهم تَتَلَجْلَجُ حَتّى لا تَكادَ تُبِينُ عَنْ مَقْصُودٍ، هَذا، إنْ قُلْنا: إنَّ هَذا الكَلامَ كانَ بَعْدَ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَلِّ العُقْدَةِ واسْتِجابَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِإزالَتِها بِالكُلِّيَّةِ، أوِ المُرادُ ازْدِيادُ ما كانَ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ قَبْلَ الدُّعاءِ أوْ بَعْدَهُ لَكِنْ لَمْ تُزَلِ العُقْدَةُ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما انْحَلَّ مِنها ما كانَ يَمْنَعُ مِن أنْ يُفْقَهَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَ يُفْقَهُ قَوْلُهُ مَعَ بَقاءِ يَسِيرِ لُكْنَةٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا حاجَةَ إلى حَدِيثِ التَّفَرُّعِ، بَلْ هُما داخِلانِ تَحْتَ الخَوْفِ بِالعَطْفِ عَلى ( يُكَذِّبُونِ ) كَما في قِراءَةِ النَّصْبِ، وذَلِكَ بِناءً عَلى ما جَوَّزَهُ البِقاعِيِّ مِن كَوْنِ (أخافُ) بِمَعْنى (أعْلَمُ أوْ أظُنُّ) فَتَكُونُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ لِوُقُوعِها بَعْدَ ما يُفِيدُ عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ويَلْتَزِمُ عَلى هَذا كَوْنُ (أخافُ) في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ظاهِرِهِ؛ لِئَلّا تَأْبى ذَلِكَ ويُدَّعى اتِّحادُ المَآلِ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ بِنَصْبِ (يَضِيقُ) ورَفْعِ (يَنْطَلِقُ) والكَلامُ في ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ ضِيقُ القَلْبِ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِما ذُكِرَ مُبالَغَةً، ويُرادُ مِنهُ الغَمُّ.
ثُمَّ هَذا الكَلامُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ تَشَبُّثًا بِأذْيالِ العِلَلِ، والِاسْتِعْفاءَ عَنِ امْتِثالِ أمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَلَقِّيهِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ، بَلْ هو تَمْهِيدُ عُذْرٍ في اسْتِدْعاءِ عَوْنٍ لَهُ عَلى الِامْتِثالِ وإقامَةِ الدَّعْوَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، فَإنَّ ما ذَكَرَهُ رُبَّما يُوجِبُ اخْتِلالَ الدَّعْوَةِ وانْتِباذَ الحُجَّةِ، وقَدْ تَضَمَّنَ هَذا الِاسْتِدْعاءُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾ كَأنَّهُ قالَ: أرْسِلْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هارُونَ، واجْعَلْهُ نَبِيًّا، وآزِرْنِي بِهِ، واشْدُدْ بِهِ عَضُدِي؛ لِأنَّ في الإرْسالِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حُصُولَ هَذِهِ الأغْراضِ كُلِّها، لَكِنْ بُسِطَ في سُورَةِ القَصَصِ، واكْتُفِيَ هاهُنا بِالأصْلِ عَمّا في ضِمْنِهِ.
ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ لا أنَّهُ تَعَلَّلٌ وُقُوعُ (فَأرْسِلْ) مُعْتَرِضًا بَيْنَ الأوائِلِ والرّابِعَةِ، أعْنِي (ولَهُمْ) إلَخْ، فَأذِنَ بِتَعَلُّقِهِ بِها، ولَوْ كانَ تَعَلُّلًا لَأُخِّرَ، ولَيْسَ أمْرُهُ بِالإتْيانِ مُسْتَلْزِمًا لَما اسْتَدْعاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَقْدِيرُ مَفْعُولِ (أرْسِلْ) ما أشَرْنا إلَيْهِ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وبَعْضُهم قَدَّرَ مَلَكًا إذْ لا جَزْمَ في أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعْلَمُ إذْ ذاكَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَسُولُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى مَن يَسْتَنْبِئُهُ سُبْحانَهُ مِنَ البَشَرِ.
وفِي الخَبَرِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ مُوسى إلى هارُونَ، وكانَ هارُونُ بِمِصْرَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُوسى نَبِيًّا بِالشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أهْلِهِ فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ - وهو لا يَعْرِفُهم - في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَتْ في جانِبِ الدّارِ، فَجاءَ هارُونُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ فَأخْبَرَتْهُ
صفحة 66
أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى، فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنْ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ انْطَلِقْ مَعِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ، قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً، فَقامَتْ أُمُّهم فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ تَعالى أنْ لا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما، فَأبَيا، فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، الخَبَرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
26:14Page 367
وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ١٤
And they have upon me a [claim due to] sin, so I fear that they will kill me."
﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أيْ: تَبِعَةُ ذَنْبٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أوْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ مَجازًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، والمُرادُ بِهِ قَتْلُ القِبْطِيِّ خَبّازِ فِرْعَوْنَ بِالوَكْزَةِ الَّتِي وكَزَها، وقِصَّتُهُ مَبْسُوطَةٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، وتَسْمِيَتُهُ ذَنْبًا بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ بِما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿فَأخافُ﴾ إنْ آتَيْتُهم وحْدِي ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ومُرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا اسْتِدْفاعُ البَلِيَّةِ خَوْفَ فَواتِ مَصْلَحَةِ الرِّسالَةِ وانْتِشارِ أمْرِها، كَما هو اللّائِقُ بِمَقامِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَإنَّهم يَتُوقُونَ لِذَلِكَ، كَما كانَ يَفْعَلُ ﷺ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ولَعَلَّ الحَقَّ أنَّ قَصْدَ حِفْظِ النَّفْسِ مَعَهُ لا يُنافِي مَقامَهم.
وفِي الكَشّافِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرِقَ أنْ يُقْتَلَ قَبْلَ أداءِ الرِّسالَةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ - وإنْ كانَ نَبِيًّا - غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُؤَدِّيَ الرِّسالَةَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهم لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِذَلِكَ بِشَرْطِ التَّمْكِينِ مَعَ أنَّ لَهُ تَعالى نَسْخُ ذَلِكَ قَبْلَهُ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: الأقْرَبُ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَعْلَمُونَ إذا حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أداءِ الرِّسالَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُمَكِّنُهُمْ، وأنَّهم سَيَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ عَلى القَوْلَيْنِ يَصِحُّ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَرِقَ ... إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الِاسْتِنْباءِ، فَإنَّ النِّداءَ كانَ مُقَدِّمَتَهُ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ.
26:15Page 367
قَالَ كـَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ ١٥
[Allāh] said, "No. Go both of you with Our signs; indeed, We are with you, listening.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾ إجابَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الطِّلْبَتَيْنِ، حَيْثُ وعَدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - دَفْعَ بَلِيَّةِ الأعْداءِ بِرَدْعِهِ عَنِ الخَوْفِ، وضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ بِقَوْلِهِ: (اذْهَبا) فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ-: ارْتَدِعْ عَنْ خَوْفِ القَتْلِ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا، فاذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَهارُونُ الَّذِي طَلَبْتَهُ، وجاءَ النَّشْرُ عَلى عَكْسِ اللَّفِّ لِاخْتِصاصِ ما قُدِّمَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وظاهِرُ السِّياقِ يَقْتَضِي عَدَمَ حُضُورِ هارُونَ، فَفي الخِطابِ المَذْكُورِ تَغْلِيبٌ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ( كَلّا ) كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: الفاءُ فَصِيحَةٌ، والمُرادُ بِالآياتِ ما بَعَثَهُما اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وفِيها رَمْزٌ إلى أنَّها تَدْفَعُ ما يَخافُهُ.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَنِ الخَوْفِ، ومَزِيدُ تَسْلِيَةٍ لَهُما بِضَمانِ كَمالِ الحِفْظِ والنُّصْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ والخِطابُ لِمُوسى وهارُونَ ومَن يَتْبَعُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَتَضَمَّنُ الكَلامُ البِشارَةَ بِالإشارَةِ إلى عُلُوِّ أمْرِهِما واتِّباعِ القَوْمِ لَهُما، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّهُ لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - ولِشَرَفِهِما وعَظَمَتِهِما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عُومِلا في الخِطابِ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ ما بَعْدَهُ وما قَبْلَهُ مِن ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ.
وقِيلَ: هو لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ – ولِفِرْعَوْنَ، واعْتُبِرَ لِكَوْنِ المَوْعُودِ بِمَحْضَرٍ مِنهُ، وإنْ شِئْتَ ضُمَّ إلى ذَلِكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أيْضًا، واعْتُرِضَ بِأنَّ المَعِيَّةَ العامَّةَ- أعْنِي المَعِيَّةَ العِلْمِيَّةَ- لا تَخْتَصُّ بِأحَدٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهُمْ﴾ والمَعِيَّةُ الخاصَّةُ - وهي مَعِيَّةُ الرَّأْفَةِ والنُّصْرَةِ - لا تَلِيقُ بِالكافِرِ ولَوْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، وأُجِيبَ بِأنَّ خُصُوصَ المَعِيَّةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ بِما ذُكِرَ، بَلْ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو تَخْلِيصُ أحَدِ المُتَخاصِمَيْنِ مِنَ الآخَرِ بِنُصْرَةِ المُحِقِّ والِانْتِقامِ مِنَ المُبْطِلِ، وأيًّا ما كانَ فالظَّرْفُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ لِأنَّ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، أوِ الخَبَرُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِهِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاهْتِمامِ أوِ
صفحة 67
الفاصِلَةِ أوِ الِاخْتِصاصِ بِناءً عَلى أنْ يُرادَ بِالمَعِيَّةِ الِاسْتِماعُ في حَقِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو مَجازٌ عَنِ السَّمْعِ، اخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ تَسَلُّمًا لِلْإدْراكِ، وهو مِمّا يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَواءٌ كانَ بِحاسَّةٍ أمْ لا، فَسَقَطَ ما قِيلَ مِن أنَّ السَّمْعَ في الحَقِيقَةِ إدْراكٌ بِحاسَّةٍ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الإدْراكِ فالِاسْتِماعُ مِثْلُهُ فَلا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ فِيهِ، وإلى التَّجَوُّزِ هُنا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿إنّا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، مَثَّلَ سُبْحانَهُ حالَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِحالِ ذِي شَوْكَةٍ قَدْ حَضَرَ مُجادَلَةَ قَوْمٍ يَسْتَمِعُ ما يَجْرِي بَيْنَهُما؛ لِيَمُدَّ أوْلِياءَهُ ويُظْهِرَهم عَلى أعْدائِهِمْ؛ مُبالَغَةً في الوَعْدِ بِالإعانَةِ، وحِينَئِذٍ لا تَجُوزُ في شَيْءٍ مِن مُفْرَداتِهِ، ولا يَكُونُ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ مُطْلَقًا عَلَيْهِ تَعالى، فَلا يُحْتاجُ إلى جَعْلِهِ بِمَعْنى سامِعِينَ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ في المُسْتَعارِ مِنهُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ السَّمْعُ دُونَ الِاسْتِماعِ الَّذِي قَدْ لا يُوصِلُ إلَيْهِ لَكِنَّهُ كَما تَرى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿إنّا مَعَكُمْ﴾ فَقَطْ تَمْثِيلًا لِحالِهِ - عَزَّ وجَلَّ - في نَصْرِهِ وإمْدادِهِ بِحالِ مَن ذُكِرَ، ويَكُونُ الِاسْتِماعُ مَجازًا عَنِ السَّمْعِ، وهو بِحَسَبِ ظاهِرِهِ - لِكَوْنِهِ لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كالسَّمْعِ - كالقَرِينَةِ وإنْ كانَ مَجازًا، والقَرِينَةُ في الحَقِيقَةِ عَقْلِيَّةٌ، وهي اسْتِحالَةُ حُضُورِهِ - تَعالى شَأْنُهُ - في مَكانٍ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِن أنْ يُقالَ: إنَّ الِاسْتِماعَ المَذْكُورَ في تَقْرِيرِ التَّمْثِيلِ لَيْسَ هو الواقِعَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ، بَلْ هو مِن لَوازِمِ حُضُورِ الحُكْمِ لِلْخُصُومَةِ، وفِيهِ بُعْدٌ.
ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى جَعْلِ الخِطابِ لِمُوسى وهارُونَ وفِرْعَوْنَ - يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى جَعْلِهِ لَهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - ولِمَن يَتْبَعُهُما، أوْ لَهُما فَقَطْ أيْضًا بِأدْنى عِنايَةٍ، فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَعِيَّةَ والِاسْتِماعَ عَلى حَقِيقَتِهِما ولا تَمْثِيلَ، والمُرادُ أنَّ مَلائِكَتَنا مَعَكم مُسْتَمِعُونَ، وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْتَمَعَ، ولا بُدَّ في الكَلامِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن إرادَةِ الإعانَةِ والنُّصْرَةِ، وإلّا فَبِمُجَرَّدِ مَعِيَّةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واسْتِماعِهِمْ لا يَطِيبُ قَلْبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
26:16Page 367
فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
Go to Pharaoh and say, 'We are the messengers1 of the Lord of the worlds,
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الوَعْدِ الكَرِيمِ، ولَيْسَ هَذا مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الوُصُولُ إلى المَأْتِيِّ لا مُجَرَّدُ التَّوَجُّهِ إلى المَأْتِيِّ كالذَّهابِ.
وأُفْرِدَ الرَّسُولُ هُنا؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَسَبِ الأصْلِ وُصِفَ بِهِ، كَما يُوصَفُ بِغَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ لِلْمُبالَغَةِ، كَرَجُلٍ عَدْلٍ، فَيَجْرِي فِيهِ كَما يَجْرِي فِيهِ مِنَ الأوْجُهِ، ولا يَخْفى الأوْجَهُ مِنها، وعَلى المَصْدَرِيَّةِ ظاهِرُ قَوْلِ كُثَيِّرِ عِزَّةَ:
لَقَدْ كَذَبَ الواشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهم بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولٍ
وأظْهَرُ مِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
ألا مِن مُبَلِّغٍ عَنِّي خِفافًا ∗∗∗ رَسُولا بَيْتٍ أُهْلِكَ مُنْتَهاها
أوْ لِاتِّحادِهِما لِلْأُخُوَّةِ، أوْ لِوَحْدَةِ المُرْسَلِ أوِ المُرْسَلِ بِهِ، أوْ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( إنّا ) بِمَعْنى: إنَّ كُلًّا مِنّا، فَصَحَّ إفْرادُ الخَبَرِ كَما يَصِحُّ في ذَلِكَ، وفائِدَتُهُ الإشارَةُ إلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ ولَوْ مُنْفَرِدًا، وفي التَّعْبِيرِ بِرَبِّ العالَمِينَ رَدٌّ عَلى اللَّعِينِ، ونَقْضٌ لِما كانَ أبْرَمَهُ مِنِ ادِّعاءِ الأُلُوهِيَّةِ، وحَمْلٌ لَطِيفٌ لَهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ.
26:17Page 367
أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٧
[Commanded to say], "Send with us the Children of Israel."'"
وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِتَضَمُّنِ الإرْسالِ المَفْهُومِ مِنَ الرَّسُولِ مَعْنى القَوْلِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً عَلى مَعْنى: إنّا رَسُولُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالأمْرِ بِالإرْسالِ وهو بِمَعْنى الإطْلاقِ والتَّسْرِيحِ، كَما في قَوْلِكَ: أرْسَلْتُ الحَجَرَ مِن يَدِي وأُرْسِلَ الصَّقْرُ، والمُرادُ: خَلِّهِمْ يَذْهَبُوا مَعَنا إلى فِلَسْطِينَ، وكانَتْ مَسْكَنَهُما - عَلَيْهِما
صفحة 68
السَّلامُ - وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدِ اسْتُعْبِدُوا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتْ عِدَّتُهم حِينَ أُرْسِلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتَّمِائَةٍ وثَلاثِينَ ألْفًا عَلى ما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ.
26:18Page 367
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
﴿قالَ﴾ أيْ: فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَما أتَياهُ وقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، ويُرْوى أنَّهُما انْطَلَقا إلى بابِ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما سَنَةً، حَتّى قالَ البَوّابُ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ! فَقالَ: ائْذَنْ لَهُ لَعَلَّنا نَضْحَكُ مِنهُ، فَأذِنَ لَهُ، فَدَخَلا فَأدَّيا إلَيْهِ الرِّسالَةَ، فَعَرَفَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ .
وفِي خَبَرٍ آخَرَ أنَّهُما أتَيا لَيْلًا، فَقَرَعَ البابَ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ، وقالَ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: أنا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ، فَأتى فِرْعَوْنَ وقالَ: إنَّ هاهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ! فَقالَ: أدْخِلْهُ، فَدَخَلَ فَقالَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى.
وأرادَ اللَّعِينُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ﴾ ... إلَخْ الِامْتِنانَ وفِينا عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ، أيْ: مَنازِلِنا، والوَلِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يُقالُ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ بِالوِلادَةِ، وإنْ كانَ - عَلى ما قالَ الرّاغِبُ -: يَصِحُّ في الأصْلِ لِمَن قَرُبَ عَهْدُهُ أوْ بَعُدَ، كَما يُقالُ لِما قَرُبَ عَهْدُهُ بِالِاجْتِناءِ جَنِيٌّ، فَإذا كَبُرَ سَقَطَ عَنْهُ هَذا الِاسْمُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كَأنَّ دَلالَتَهُ عَلى قُرْبِ العَهْدِ مِن صِيغَةِ المُبالَغَةِ، وكَوْنِ الوِلادَةِ لا تَفاوُتَ فِيها نَفْسِها.
﴿ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قِيلَ: لَبِثَ فِيهِمْ ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ إلى مَدْيَنَ، وأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى ثَلاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ خَمْسِينَ، وقِيلَ: لَبِثَ فِيهِمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَفَرَّ بَعْدَ أنْ وكَزَ القِبْطِيَّ إلى مَدْيَنَ فَأقامَ بِهِ عَشْرَ سِنِينَ يَرْعى غَنَمَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ بِنائِهِ عَلى امْرَأتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ فَكَمُلَ لَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، وعادَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ «مِن عُمْرِكَ» بِإسْكانِ المِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ( سِنِينَ ) كَما هو المَعْرُوفُ في نَعْتِ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ
26:19Page 367
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يَعْنِي قَتْلَ القِبْطِيِّ، وبَخَّهُ بِهِ بَعْدَما امْتَنَّ وعَظَّمَهُ عَلَيْهِ بِالإبْهامِ الَّذِي في المَوْصُولِ، وأرادَ في ذَلِكَ القَدْحَ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ «فِعْلَتَكَ» بِكَسْرِ الفاءِ يُرِيدُ الهَيْئَةَ، وكانَتْ قِتْلَةً بِالوَكْزِ، والفَتْحُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِإرادَةِ المَرَّةِ ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: بِنِعْمَتِي حَيْثُ عَمِدْتَ إلى قَتْلِ رَجُلٍ مِن خَواصِّي - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ - أوْ: وأنْتَ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ القَوْمِ الَّذِينَ تَدَّعِي كُفْرَهُمُ الآنَ - كَما حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ - وهَذا الحُكْمُ مِنهُ بِناءً عَلى ما عَرَفَهُ مِن ظاهِرِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ ذاكَ لِاخْتِلاطِهِ بِهِمْ والتَّقِيَّةِ مَعَهم بِعَدَمِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وإلّا فالأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعْصُومُونَ عَنِ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ افْتِراءً مِنهُ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتُبْعِدَ بِأنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِإيمانِهِ أوَّلًا لَسَجَنَهُ أوْ قَتَلَهُ، والجُمْلَةُ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن إحْدى التّاءَيْنِ في الفِعْلَيْنِ السّابِقَيْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمًا مُبْتَدَأً عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ بِإلَهِيَّتِهِ - كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - أوْ مِمَّنْ يَكْفُرُونَ في دِينِهِمْ حَيْثُ كانَتْ لَهم آلِهَةٌ يَعْبُدُونَهُمْ، أوْ مِنَ الكافِرِينَ بِالنِّعَمِ المُعْتادِينَ لِغَمْطِها، ومَنِ اعْتادَ ذَلِكَ لا يَكُونُ مِثْلُ هَذِهِ الجِنايَةِ بِدْعًا مِنهُ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والأوْلى عِنْدِي ما تَقَدَّمَ مِن جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا لِتَكُونَ مَعَ نَظِيرَتِها في الجَوابِ عَلى طِرْزٍ واحِدٍ لِتَعَيُّنِ الحالِيَّةِ هُناكَ، ولِما يَتَضَمَّنُ كَلامُ اللَّعِينِ أمْرَيْنِ تَصَدّى
صفحة 69
- عَلَيْهِ السَّلامُ - لِرَدِّهِما عَلى سَبِيلِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ، فَرَدَّ أوَّلًا ما وبَّخَهُ بِهِ قَدْحًا في نُبُوَّتِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ إلَخْ، اعْتِناءً بِذَلِكَ واهْتِمامًا بِهِ، وذَلِكَ بِما حَكاهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences