Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:102–130

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:102–130

26:102Page 371

فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٢

Then if we only had a return [to the world] and could be of the believers..."1

و(لَوْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي بِدَلِيلِ نَصْبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في جَوابِها، وأصْلُها لَوِ الِامْتِناعِيَّةُ، وحَيْثُ إنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ لِما يُمْتَنَعُ أُرِيدَ بِها ذَلِكَ مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً، ثُمَّ شاعَ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ في ذَلِكَ، وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: أصْلُها المَصْدَرِيَّةُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

والمَعْنى: فَلَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا، فَإنْ نَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَلا يَنالُنا إذا مُتْنا فَبُعِثْنا مِثْلُ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ أحَدٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ (لَوْ) شَرْطِيَّةً، وجَوابُها مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لَفَعَلْنا مِنَ الخَيْراتِ كَيْتَ وكَيْتَ، أوْ لَخُلِّصْنا مِنَ العَذابِ، أوْ لَكانَ لَنا شُفَعاءُ وأصْدِقاءُ، أوْ: ما أضَلَّنا المُجْرِمُونَ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أجْزَلُ، ويُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَ ﴿فَنَكُونَ﴾ إلَخْ؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُتَحَصِّلَ مِنهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( كَرَّةً ) أيْ: فَلَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَفَعَلْنا إلَخْ.

وتَعَقَّبَ شَيْخُ الإسْلامِ ذَلِكَ بِأنَّهُ إنَّما يُفِيدُ تَحَقُّقَ مَضْمُونِ الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ كَرَّتِهِمْ وإيمانِهِمْ مَعًا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى اسْتِلْزامِ الكَرَّةِ لِلْإيمانِ أصْلًا، مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ حَتْمًا، وفي قَوْلِهِ: (مِن غَيْرِ دَلالَةٍ) إلَخْ، بَحْثٌ - عَلى ما قِيلَ - حَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: حاصِلُ الآيَةِ: إنْ تَيَسَّرَ لَنا الرَّجْعَةُ والإيمانُ المُتَعَقِّبُ إيّاها لَفَعَلْنا مِن عِباداتِ أهْلِ الإيمانِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ العِبارَةُ، والتِزامُ ثَمَراتِ الإيمانِ التِزامٌ لِلْإيمانِ أوَّلًا، ومَقْصُودُهم بَيانُ اسْتِلْزامِ الرَّجْعَةِ لِفِعْلِ الخَيْراتِ كُلِّها، وأمّا نَفْسُ الإيمانِ بَعْدَ هَذِهِ المُشاهَدَةِ فَلا يَحْتاجُ إلى البَيانِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ: إنَّ قَوْلَهم ﴿فَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِمَعْنى: فَنَكُونَ مِنَ المَقْبُولِ إيمانُهُمْ، وقَبُولُ اللَّهِ تَعالى إيمانَهم لا يَتَرَتَّبُ عَلى رَجْعَتِهِمُ البَتَّةَ، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَتَخَلَّفَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمْ: إنْ تَيَسَّرَ لَنا الرَّجْعَةُ وإنْ قُبِلَ إيمانُنا لَفَعَلْنا إلَخْ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ الدَّلالَةَ عَلى اسْتِلْزامِ الكُرَةِ لِلْإيمانِ - كَما زَعَمَ شَيْخُ الإسْلامِ - ونُوقِشَ فِيهِ بِأنَّ تَيَسُّرَ الرَّجْعَةِ إنَّما يَكُونُ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وعَفْوِهِ، وهي تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ إيمانِهِمْ، والحَقُّ أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى احْتِمالِ شَرْطِيَّةِ (لَوْ) والتَّكَلُّفِ لَهُ مَعَ جَزالَةِ المَعْنى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ.

26:103–105Page 371

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٠٣

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥

The people of Noah denied the messengers1

والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا فَلا حاجَةَ إلى إعادَتِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ مُخْتارَنا في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، فَما في العَهْدِ مِن قِدَمٍ، ولِشَيْخِ الإسْلامِ كَلامٌ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى المُتَأمِّلِ، فَتَأمَّلْ.

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾ القَوْمُ - كَما في المِصْباحِ - يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ كُلُّ اسْمِ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ، نَحْوُ رَهْطٍ ونَفَرٍ، ولِذا يُصَغَّرُ عَلى قُوَيْمَةٍ، وقِيلَ: هو مُذَكَّرٌ ولَحِقَتْ فِعْلَهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ الأُمَّةِ والجَماعَةِ مِنهُ، وتَكْذِيبُهُمُ المُرْسَلِينَ بِاعْتِبارِ إجْماعِ الكُلِّ عَلى التَّوْحِيدِ وأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُرْسَلِينَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِجَعْلِ اللّامِ لِلْجِنْسِ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِكَ: (فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ ويَلْبَسُ البُرُودَ) وما لَهُ إلّا دابَّةٌ واحِدَةٌ وبُرْدٌ واحِدٌ

26:106–108Page 371

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦

When their brother Noah said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨

So fear Allāh and obey me.

وإذْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلتَّكْذِيبِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ مَدِيدٍ وقَعَ فِيهِ ما وقَعَ مِنَ الجانِبَيْنِ إلى تَمامِ الأمْرِ، كَما أنَّ تَكْذِيبَهم عِبارَةٌ عَمّا صَدَرَ مِنهم مِن حِينِ ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى انْتِهائِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ( إذْ ) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ: كَذَّبَتْ لِأجْلِ أنْ قالَ لَهُمْ: ﴿أخُوهم نُوحٌ﴾ أيْ: نَسِيبُهم كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، ويا أخا تَمِيمٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

صفحة 107

لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبَهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانًا

والضَّمِيرُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقِيلَ: هو لِلْمُرْسَلِينَ، والأُخُوَّةُ المُجانَسَةُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَيْثُ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أرْسَلَنِي لِمَصْلَحَتِكم ﴿أمِينٌ﴾ مَشْهُورٌ بِالأمانَةِ فِيما بَيْنَكُمْ، وقِيلَ: أمِينٌ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ فِيما آمُرُكم بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى، وقُدِّمَ الأمْرُ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ؛ لِأنَّ تَقْوى اللَّهِ تَعالى سَبَبٌ لِطاعَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -

26:109–110Page 371

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠

So fear Allāh and obey me."

﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى ما أنا مُتَصَدٍّ لَهُ مِنَ الدُّعاءِ والنُّصْحِ ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ: ما أطْلُبُ مِنكم عَلى ذَلِكَ أجْرًا أصْلًا لا مالًا ولا غَيْرَهُ ﴿إنْ أجْرِيَ﴾ فِيما أتَوَلّاهُ ﴿إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي يُؤْجِرُنِي في ذَلِكَ تَفَضُّلًا مِنهُ لا غَيْرُهُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن تَنَزُّهِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الطَّمَعِ، كَما أنَّ نَظِيرَتَها السّابِقَةَ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى كَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما فِيهِ نَفْعُ الدّارَيْنِ مَعَ أمانَتِهِ، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ التَّقْوى والطّاعَةِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، وقُرِئَ «إنْ أجْرِي» بِسُكُونِ الياءِ، وهو والفَتْحُ لُغَتانِ مَشْهُورَتانِ في مِثْلِ ذَلِكَ، اخْتَلَفَ النُّحاةُ في أيَّتِهِما الأصْلُ.

26:111–112Page 371

۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١

They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"

قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢

He said, "And what is my knowledge of what they used to do?

﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ أيْ: وقَدِ اتَّبَعَكَ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحالِ / وقَدْ لازِمَةٌ فِيها إذا كانَ فِعْلُها ماضِيًا، وكَثِيرٌ مِنَ الأجِلَّةِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الأنْصارِيُّ، وطَلْحَةُ، ويَعْقُوبُ «وأتْباعُكَ» جَمْعُ تابِعٍ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبِيعٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وقِيلَ: جَمْعُ تَبَعٍ كَبَطَلٍ وأبْطالٍ، وهو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والأرْذَلُونَ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في نُؤْمِنُ وحَسُنَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بِـ(لَكَ) والأرْذَلُونَ صِفَتُهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ رَكِيكٌ مَعْنًى.

وعَنِ اليَمانِيِّ «وأتْباعِكَ» بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لَكَ وهو قَلِيلٌ وقاسَهُ الكُوفِيُّونَ والأرْذَلُونَ رُفِعَ بِإضْمارِهِمْ، وهو جَمْعُ الأرْذَلِ - عَلى الصِّحَّةِ - والرَّذالَةُ الخِسَّةُ والدَّناءَةُ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِسُوءِ أعْمالِهِمْ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الجَوابِ: ﴿قالَ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما وظِيفَتِي إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ، وبِناءُ الأحْكامِ عَلَيْها دُونَ التَّجَسُّسِ والتَّفْتِيشِ عَنِ البَواطِنِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ والطَّبَرْسِيُّ: نافِيَةٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ثابِتٌ

26:113Page 372

إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣

Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.

﴿إنْ حِسابُهُمْ﴾ أيْ: ما مُحاسَبَتُهم عَلى ما يَعْمَلُونَ ﴿إلا عَلى رَبِّي﴾ فاعْتِبارُ البَواطِنِ مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو المُطَّلِعُ عَلَيْها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، أوْ لَوْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ الشُّعُورِ لَعَلِمْتُمْ ذَلِكَ، لَكِنَّكم لَسْتُمْ كَذَلِكَ فَلِذا قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ، وألْ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلْجِنْسِ.

وقالَ جَمْعٌ: إنَّ اسْتِرْذالَهم إيّاهم لِقِلَّةِ نَصِيبِهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وقِيلَ: لِكَوْنِهِمْ مِن أهْلِ الصِّناعاتِ الدَّنِيئَةِ، وقَدْ كانُوا - كَما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ - حاكَّةً وأساكِفَةً، وقِيلَ: لِاتِّضاعِ نَسَبِهِمْ، ومَنشَأُ ذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ سَخافَةُ عُقُولِهِمْ وقُصُورُ أنْظارِهِمْ؛ لِأنَّ الفَقْرَ لَيْسَ مِنَ الرَّذالَةِ في شَيٍّ:

صفحة 108

قَدْ يُدْرِكُ المَجْدُ الفَتى ورِداؤُهُ خَلَقٌ وجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ

وكَذا خِسَّةُ الصِّناعَةِ لا تُزْرِي بِالشَّرَفِ الأُخْرَوِيِّ، ولا تُلْحِقُ التَّقِيَّ نَقِيصَةً عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ أنْشَدَ أبُو العَتاهِيَةِ:

ولَيْسَ عَلى عَبْدٍ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ ∗∗∗ إذا صَحَّحَ التَّقْوى وإنْ حاكَ أوْ حَجَمَ

ومِثْلُها صِفَةُ النَّسَبِ فَقَدْ قِيلَ:

أبِي الإسْلامُ لا أبَ لِي سِواهُ ∗∗∗ إذا افْتَخَرُوا بِقَيْسٍ أوْ تَمِيمٍ

وما ذَكَرَهُ الفُقَهاءُ في بابِ الكَفاءَةِ مَبْنِيٌّ عَلى عُرْفِ العامَّةِ لِانْتِظامِ أمْرِ المَعاشِ ونَحْوِهِ، عَلى أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ عَدَمُ اعْتِبارِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وأنَّ المُسْلِمِينَ كَيْفَما كانُوا أكْفاءٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وألْ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ لِلْعَهْدِ.

والجَوابُ بِما ذُكِرَ عَمّا أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ مِن أنَّ إيمانَهم لَمْ يَكُنْ عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، وإنَّما كانَ لِحَظٍّ نَفْسانِيٍّ كَحُصُولِ شَوْكَةٍ بِالِاجْتِماعِ يَنْتَظِمُونَ بِها في سِلْكِ ذَوِي الشَّرَفِ ويُعَدُّونَ بِها في عِدادِهِمْ.

وحاصِلُهُ: وما وظِيفَتِي إلّا اعْتِبارُ الظَّواهِرِ دُونَ الشَّقِّ عَنِ القُلُوبِ، والتَّفْتِيشِ عَمّا في السَّرائِرِ، فَما يَضُرُّنِي عَدَمُ إخْلاصِهِمْ في إيمانِهِمْ - كَما تَزْعُمُونَ - وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ وعَنَوُا الَّذِينَ لا نَصِيبَ لَهم مِنَ الدُّنْيا، أوِ الَّذِينَ اتَّضَعَتْ أنْسابُهُمْ، أوْ كانُوا مِن أهْلِ الصَّنائِعِ الدَّنِيئَةِ تَغابى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ مُرادِهِمْ، وخُيِّلَ لَهم أنَّهم عَنَوْا بِالأرْذَلِينَ مَن لا إخْلاصَ لَهُ في العَمَلِ، ولَمْ يُؤْمِن عَنْ نَظَرٍ وبَصِيرَةٍ، فَأجابَهم بِما ذُكِرَ، كَأنَّهُ ما عَرَفَ مِنَ الأرْذَلِينَ إلّا ذَلِكَ، ولَوْ جُعِلَ هَذا نَوْعًا مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدِي، وفِيهِ مَن لُطْفِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ ما لا يَخْفى.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالأرْذَلِينَ نِساءَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنِيهِ وبَناتِهِ وبَنِي بَنِيهِ، واسْتِرْذالُهم لِعَضَّةِ النَّسَبِ لا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِهِمْ حَقِيقَةً كَما لا يَخْفى، فَلا بُدَّ عَلَيْهِ مِنِ اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ ونَحْوِهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو زُرْعَةَ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ الهَمْدانِيُّ «يَشْعُرُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

26:114Page 372

وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤

And I am not one to drive away the believers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ جَوابٌ عَمّا أوْهَمَهُ كَلامُهم مِنِ اسْتِدْعاءِ طَرْدِهِمْ وتَعْلِيقِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ، حَيْثُ جَعَلُوا اتِّباعَهم مانِعًا عَنْهُ، وقَدْ نَزَلُوا لِذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَدَّعِي أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ يَطْرُدُ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ مِمَّنْ يُشْتَرَكُ مَعَهُ فِيهِ، فَقُدِّمَ المُسْنَدُ إلَيْهِ، وأوْلى حَرْفِ النَّفْيِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَأْنَهُ بَلْ شَأْنُ المُخاطَبِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِلتَّقْوى وهو أقَلُّ مُؤْنَةً كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْدَهم فَأجابَهم بِذَلِكَ كَما طَلَبَ رُؤَساءُ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَرْدَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الضُّعَفاءِ فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآيَةَ.

26:115Page 372

إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥

I am only a clear warner."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كالعِلَّةِ لَهُ أيْ: ما أنا إلّا رَسُولٌ مَبْعُوثٌ لِإنْذارِ المُكَلَّفِينَ وزَجْرِهِمْ عَمّا لا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، سَواءٌ كانُوا مِنَ الأشْرَفِينَ أوِ الأرْذَلِينَ، فَكَيْفَ يَتَسَنّى لِي طَرْدُ مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم أرْذَلُونَ؟!

وحاصِلُهُ: أنا مَقْصُورٌ عَلى إنْذارِ المُكَلَّفِينَ لا أتَعَدّاهُ إلى طَرْدِ الأرْذَلِينَ مِنهُمْ، أوْ: ما عَلَيَّ إلّا إنْذارُكم بِالبُرْهانِ الواضِحِ وقَدْ فَعَلَتْهُ، وما عَلَيَّ اسْتِرْضاءُ بَعْضِكم بِطَرْدِ الآخَرِينَ، وحاصِلُهُ: أنا مَقْصُورٌ عَلى إنْذارِكم لا أتَعَدّاهُ إلى اسْتِرْضائِكم.

وقِيلَ: إنَّ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ جَوابٌ، وإنَّ إيلاءَ الضَّمِيرِ حَرْفَ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْصُوفٌ بِصِفَتَيْنِ، إحْداهُما اتِّباعُ أهْوائِهِمْ بِطَرْدِ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ أنْ يُؤْمِنُوا، وثانِيَتُهُما أنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، فَقُصِرَ الحُكْمُ عَلى الثّانِي دُونَ الأوَّلِ، ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.

26:116Page 372

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦

They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ﴾ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ أيِ: المَرْمِيِّينَ بِالحِجارَةِ - كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ - وهو تَوَعُّدٌ بِالقَتْلِ - كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ - وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى: مِنَ المَشْتُومِينَ، عَلى أنَّ الرَّجْمَ مُسْتَعارٌ لِلشَّتْمِ كالطَّعْنِ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهم - قاتَلَهُمُ

صفحة 109

اللَّهُ تَعالى - قالُوا ذَلِكَ في أواخِرِ الأمْرِ.

26:117Page 372

قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧

He said, "My Lord, indeed my people have denied me.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِي وأصَرُّوا عَلَيْهِ بَعْدَما دَعَوْتُهم هَذِهِ الأزْمِنَةَ المُتَطاوِلَةَ، ولَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا، وهَذا لَيْسَ بِإخْبارٍ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ لِعِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ أعْلَمُ، ولَكِنَّهُ أرادَ إظْهارَ ما يَدْعُو عَلَيْهِمْ لِأجْلِهِ وهو تَكْذِيبُ الحَقِّ لا تَخْوِيفُهم لَهُ واسْتِخْفافُهم بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المَرْجُومِينَ﴾ تَلَطُّفًا في فَتْحِ بابِ الإجابَةِ، وقِيلَ: لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الخَلْقِ فِيهِ المُتَجاوِزِ، أوِ الحِدَّةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ الإعْلامُ أصْلًا، وإنَّما أُورِدَ لِغَرَضِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ:

قَوْمِي هم قَتَلُوا أُمَيْمَ أخِي فَلَئِنْ رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي

ويَبْعُدُ ذَلِكَ في الجُمْلَةِ تَفْرِيعُ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى:

26:118–120Page 372

فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨

Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩

So We saved him and those with him in the laden ship.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠

Then We drowned thereafter the remaining ones.

﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾ عَلى ذَلِكَ، أيِ: احْكم بَيْنَنا بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا، مِنَ الفَتاحَةِ بِمَعْنى الحُكُومَةِ وفَتْحًا مَصْدَرٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مَفْتُوحًا، وهَذِهِ حِكايَةٌ إجْمالِيَّةٌ لِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُفَصَّلِ في سُورَةِ نُوحٍ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَعِيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِن قَصْدِهِمْ أوْ شُؤْمِ أعْمالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِحُلُولِ العَذابِ بِهِمْ ﴿فَأنْجَيْناهُ ومَن مَعَهُ﴾ عَلى حَسَبِ دُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ أيِ: المَمْلُوءِ بِهِمْ وبِما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ حالًا كالطَّعامِ أوْ مالًا كالحَيَوانِ.

والفُلْكُ يُسْتَعْمَلُ واحِدًا وجَمْعًا، وحَيْثُ أتى في القُرْآنِ الكَرِيمِ فاصِلَةً اسْتُعْمِلَ مُفْرَدًا أوْ غَيْرَ فاصِلَةٍ اسْتُعْمِلَ جَمْعًا كَما في البَحْرِ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا بَعْدُ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْجائِهِمْ و(ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ الرُّتَبِيِّ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ بَعْدُ ﴿الباقِينَ﴾ أيْ: مِن قَوْمِهِ.

26:121–123Page 372

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٢٣

ʿAad denied the messengers

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ الكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ المُرْسَلِينَ﴾ بَيْدَ أنَّ تَأْنِيثَ الفِعْلِ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِعادٍ القَبِيلَةُ وهو اسْمُ أبِيهِمُ الأقْصى، وكَثِيرًا ما يُعَبَّرُ عَنِ القَبِيلَةِ إذا كانَتْ عَظِيمَةً بِالأبِ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْها بِـ(بَنِي) أوْ بِـ(آلِ) مُضافًا إلَيْهِ فَيُقالُ: بَنُو فُلانٍ أوْ آلُ فُلانٍ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

26:124–127Page 372

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٢٤

When their brother Hūd said to them, "Will you not fear Allāh?

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٢٥

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٢٦

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢٧

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم هُودٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

وحِكايَةُ الأمْرِ بِالتَّقْوى والإطاعَةِ ونَفْيُ سُؤالِ الأجْرِ في القَصَصِ الخَمْسِ وتَصْدِيرُها بِذَلِكَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَبْنى البِعْثَةِ هو الدُّعاءُ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ والطّاعَةِ فِيما يُقَرِّبُ المَدْعُوَّ إلى الثَّوابِ ويُبْعِدُهُ مِنَ العِقابِ، وأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُجْتَمِعُونَ عَلى ذَلِكَ - وإنِ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ فُرُوعِ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ بِاخْتِلافِ الأزْمِنَةِ والأعْصارِ - وأنَّهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُنَزَّهُونَ عَنِ المَطامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ.

ولَعَلَّهُ لَمْ يُسْلَكْ هَذا المَسْلَكُ في قِصَّتَيْ مُوسى وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ – تَفَنُّنًا، مَعَ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ أهَمُّ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بَيْنَ عُمانَ وحَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأعْمَرَها فَجَعَلَها اللَّهُ تَعالى مَفاوِزَ ورِمالًا، ويُشِيرُ إلى

26:128Page 372

أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨

Do you construct on every elevation a sign,1 amusing yourselves,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الرِّيعَ الفَجُّ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وعَنْ أبِي صَخْرٍ أنَّهُ الجَبَلُ والمَكانُ

صفحة 110

المُرْتَفِعُ عَنِ الأرْضِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ عَيْنُ الماءِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ المَكانُ المُرْتَفِعُ، وهو رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ومِنهُ رِيعُ النَّباتِ وهو ارْتِفاعُهُ بِالزِّيادَةِ والنَّماءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «رَيْعٍ» بِفَتْحِ الرّاءِ.

﴿آيَةً﴾ أيْ عَلَمًا - كَما رَوى عَنِ الحَبْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: قَصْرًا عالِيًا مُشَيَّدًا كَأنَّهُ عَلَمٌ، وإلَيْهِ ذَهَبُ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ، واسْتَظْهَرَهُ ابْنُ المُنِيرِ، ويُمْكِنُ حَمْلُ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ عَلى مَعْنى تَعْبَثُونَ بِبِنائِها لِما أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُحْتاجِينَ إلَيْها وإنَّما بَنَوْها لِلْفَخْرِ بِها.

والعَبَثُ ما لا فائِدَةَ فِيهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا، وقَدْ ذُمَّ رَفْعُ البِناءِ لِغَيْرِ غَرَضٍ شَرْعِيٍّ في شَرِيعَتِنا أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ عَبَثَهم في ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهم بَنَوْها لِيَهْتَدُوا بِها في أسْفارِهِمْ، والنُّجُومُ تُغْنِي عَنْها، واعْتُرِضَ بِأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو لِذَلِكَ لِغَيْمٍ مُطْبِقٍ أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْمَ نادِرٌ - لا سِيَّما في دِيارِ العَرَبِ - مَعَ أنَّهُ لَوِ احْتِيجَ إلَيْها لَمْ يُحْتَجْ إلى أنْ تُجْعَلَ في كُلِّ رِيعٍ فَيَكُونُ بِناؤُها كَذَلِكَ عَبَثًا.

وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ أماكِنَها المُرْتَفِعَةَ تُغْنِي عَنْها فَهي عَبَثٌ، وقِيلَ: كانُوا يَبْنُونَ ذَلِكَ لِيُشْرِفُوا عَلى المارَّةِ والسّابِلَةِ فَيَسْخَرُوا مِنهم ويَعْبَثُوا بِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ والضَّحّاكِ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ الآيَةَ بُرْجُ الحَمامِ كانُوا يَبْنُونَ البُرُوجَ في كُلِّ رِيعٍ لِيَلْعَبُوا بِالحَمامِ ويَلْهُوا بِهِ، وقِيلَ: بَيْتُ العِشارِ يَبْنُونَهُ بِكُلِّ رَأْسِ طَرِيقٍ فَيَجْلِسُونَ فِيهِ لِيَعْشِرُوا مالَ مَن يَمُرُّ بِهِمْ، ولَهُ نَظِيرٌ في بِلادِنا اليَوْمَ، ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ

26:129Page 372

وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ١٢٩

And take for yourselves constructions [i.e., palaces and fortresses] that you might abide eternally?

﴿وتَتَّخِذُونَ﴾ أيْ تَعْمَلُونَ ﴿مَصانِعَ﴾ أيْ: مَآخِذَ لِلْماءِ ومَجارِيَ تَحْتَ الأرْضِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّها بِرَكُ الماءِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها القُصُورُ المُشَيَّدَةُ، وقِيلَ: الحُصُونُ المُحْكَمَةُ، وأنْشَدُوا قَوْلَ لَبِيدٍ:

وتَبْقى جِبالٌ بَعْدَنا ومَصانِعُ

ولَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعى.

﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ أيْ: راجِينَ أنْ تَخْلُدُوا في الدُّنْيا، أوْ عامِلِينَ عَمَلَ مَن يَرْجُو الخُلُودَ فِيها، فَلَعَلَّ عَلى بابِها مِنَ الرَّجاءِ، وقِيلَ: هي لِلتَّعْلِيلِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (كَيْ تَخْلُدُونَ).

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي لِلِاسْتِفْهامِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والهَزْءِ بِهِمْ، أيْ: هَلْ أنْتُمْ تَخْلُدُونَ، وكَوْنُ لَعَلَّ لِلِاسْتِفْهامِ مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المَعْنى كَأنَّكم خالِدُونَ، وقُرِئَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ «كَأنَّكم تَخْلُدُونَ» وظاهِرُ ما ذُكِرَ أنَّ لَعَلَّ هُنا لِلتَّشْبِيهِ، وحَكى ذَلِكَ صَرِيحًا الواقِدِيُّ عَنِ البَغَوِيِّ.

وفِي البُرْهانِ: هو مَعْنًى غَرِيبٌ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ، ووَقَعَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ لَعَلَّ في الآيَةِ لِلتَّشْبِيهِ، انْتَهى.

وقَرَأ قَتادَةُ «تُخْلَدُونَ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفًا، ويُقالُ: خَلَدَ الشَّيْءُ وأخْلَدَهُ غَيْرُهُ، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلْقَمَةُ: (تُخَلَّدُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:

وهَلْ يَعِمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ هُمُومٍ ما يَبِيتُ بِأوْجالِ

26:130Page 372

وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ ١٣٠

And when you strike, you strike as tyrants.

﴿وإذا بَطَشْتُمْ﴾ أيْ: أرَدْتُمُ البَطْشَ بِسَوْطٍ أوْ سَيْفٍ ﴿بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾ مُسَلَّطِينَ غاشِمِينَ بِلا رَأْفَةٍ ولا قَصْدِ تَأْدِيبٍ ولا نَظَرٍ في العاقِبَةِ، وأُوِّلَ الشَّرْطُ بِما ذُكِرَ لِيَصِحَّ التَّسَبُّبُ، وتَقْيِيدُ الجَزاءِ بِالحالِ لا يُصَحِّحُهُ؛ لِأنَّ المُطْلَقَ لَيْسَ سَبَبًا لِلْمُقَيَّدِ، وقِيلَ: لا يَضُرُّ الِاتِّحادُ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: الجَزائِيَّةُ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ وهو كَما تَرى، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ:

مَتى تَبْعَثُوها تَبْعَثُوها ذَمِيمَةً

ودَلَّ تَوْبِيخُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهم بِما ذُكِرَ عَلى اسْتِيلاءِ حُبِّ

صفحة 111

الدُّنْيا والكِبْرِ عَلى قُلُوبِهِمْ حَتّى أخْرَجَهم ذَلِكَ عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском