Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:167–193

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:167–193

26:167–168Page 374

قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ ١٦٧

They said, "If you do not desist, O Lot, you will surely be of those evicted."

قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ ١٦٨

He said, "Indeed, I am, toward your deed, of those who detest [it].

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ﴾ عَنْ تَوْبِيخِنا وتَقْبِيحِ أمْرِنا، أوْ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ ودَعْوَتِنا إلى الإيمانِ وإنْكارِ ما أنْكَرْتَهُ مِن أمْرِنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ أيْ: مِنَ المَنفِيِّينَ مِن قَرْيَتِنا المَعْهُودِينَ، وكَأنَّهم كانُوا يُخْرِجُونَ مَن غَضِبُوا عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ إنْكارِ تِلْكَ الفاحِشَةِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى عُنْفٍ وسُوءِ حالٍ، ولِهَذا هَدَّدُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ، وعَدَلُوا عَنْ (لَنُخْرِجَنَّكَ) الأخْصَرِ إلى ما ذُكِرَ، ولا يَخْفى ما في الكَلامِ مِنَ التَّأْكِيدِ.

﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾ أيْ: مِنَ المُبْغِضِينَ غايَةَ البُغْضِ، قالَ الرّاغِبُ: يُقالُ: قَلاهُ ويَقْلِيهِ، فَمَن جَعَلَهُ مِنَ الواوِ فَهو مِنَ القَلْوِ، أيِ: الرَّمْيِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَلَتِ النّاقَةُ بِراكِبِها قَلْوًا، وقَلَوْتُ بِالقُلَةِ إذا رَمَيْتَها، فَكَأنَّ المَقْلُوَّ يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِن بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ الياءِ فَهو مَن قَلَيْتُ السَّوِيقَ عَلى المِقْلاةِ، فَكَأنَّ شِدَّةَ البُغْضِ تَقْلِي الفُؤادَ والكَبِدَ وتَشْوِيهُما، فَقَوْلُ أبِي حَيّانَ: إنَّ قَلى بِمَعْنى أبْغَضَ يائِيٌّ، والَّذِي بِمَعْنى طَبَخَ وشَوى واوِيٌّ ناشٍ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ، والعُدُولُ عَنْ (قالِي) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: قالِي لَمْ يَفِدْ أكْثَرَ مِن تَلَبُّسِهِ بِالفِعْلِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ القالِينَ﴾ إذْ يُفِيدُ أنَّهُ مَعَ تَلَبُّسِهِ مِن قَوْمٍ عُرِفُوا واشْتُهِرُوا بِهِ، فَيَكُونُ راسِخَ القَدَمِ عَرِيقَ العُرْفِ فِيهِ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرِهِ، واللّامُ في «لِعَمَلِكُمْ» قِيلَ لِلتَّبْيِينِ كَما في (سَقْيًا لَكَ) فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أعْنِي (أعْنِي) وقِيلَ: هي لِلتَّقْوِيَةِ، ومُتَعَلِّقُها عِنْدَ مَن يَرى تَعَلُّقَ حَرْفِ التَّقْوِيَةِ مَحْذُوفٌ، أيْ: إنِّي مِنَ القالِينَ لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ.

وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالقالِينَ المَذْكُورِ، ويُتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِها، فَتُقَدَّمُ حَيْثُ لا يُقَدَّمُ غَيْرُها، والمُرادُ بِعَمَلِهِمْ إمّا ما أنْكَرَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ مِن إتْيانِ الذُّكْرانِ وتَرْكِ ما خَلَقَ رَبُّهم سُبْحانَهُ لَهُمْ، وإمّا ما يَشْمَلُ ذَلِكَ وسائِرَ ما نَهاهم عَنْهُ وأمَرَهم بِضِدِّهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ،

26:169–171Page 374

رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ ١٦٩

My Lord, save me and my family from [the consequence of] what they do."

فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ١٧٠

So We saved him and his family, all,

إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ ١٧١

Except an old woman1 among those who remained behind.

وقابَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَهْدِيدَهم ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِ، وأنَّهُ راغِبٌ في الخَلاصِ مِن سُوءِ جِوارِهِمْ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِ لِعَمَلِهِمْ ولِذَلِكَ أعْرَضَ عَنْ مُحاوَرَتِهِمْ، وتَوَجَّهَ إلى اللَّهِ تَعالى قائِلًا: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وأهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِ عَمَلِهِمْ أوِ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وعَذابِهِ الدُّنْيَوِيِّ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً بِالنَّجاةِ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمِثْلِ عَمَلِهِمْ، وهو بِالنِّسْبَةِ إلى الأهْلِ دُونَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ لا يُخْشى تَلَبُّسُهُ بِذَلِكَ لِمَكانِ العِصْمَةِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ العَذابَ كَذَلِكَ إذْ لا يُعَذَّبُ مَن لَمْ يَجْنِ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ .

وقِيلَ: قَدْ يَدْعُو المَعْصُومُ بِالحِفْظِ عَنِ الوُقُوعِ فِيما عُصِمَ عَنْهُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةُ عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ وهو مُسَلَّمٌ، إلّا أنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ النَّجاةُ مِمّا يَنالُهم بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ .

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأهْلِهِ أهْلُ بَيْتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمْ مَن تَبِعَ دِينَهُ مَجازًا، فَيَشْمَلُ أهْلَ بَيْتِهِ المُؤْمِنِينَ وسائِرَ مَن آمَنَ بِهِ. وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّعْمِيمِ إذْ لَمْ يُؤْمِن بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، والمُرادُ بِهَذِهِ العَجُوزِ امْرَأتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتْ كافِرَةً مائِلَةً إلى القَوْمِ راضِيَةً بِفِعْلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالعَجُوزِ؛ لِلْإيماءِ

صفحة 117

إلى أنَّهُ مِمّا لا يَشُقُّ أمْرُ هَلاكِها عَلى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وسائِرِ أهْلِهِ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ.

وقِيلَ: لِلْإيماءِ إلى أنَّها قَدْ عَسَيَتْ في الكُفْرِ ودامَتْ فِيهِ إلى أنْ صارَتْ عَجُوزًا، والغابِرُ الباقِي بَعْدَ مُضِيِّ مَن مَعَهُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في ذَلِكَ قَوْلَ عُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ:

ذَهَبُوا وخَلَّفَنِي المُخَلَّفُ فِيهِمْ فَكَأنَّنِي في الغابِرِينَ غَرِيبُ

والمُرادُ: فَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ العَذابِ بِإخْراجِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ لَيْلًا عِنْدَ مُشارَفَةِ حُلُولِهِ بِهِمْ إلّا عَجُوزًا مُقَدَّرَةً في الباقِينَ في العَذابِ بَعْدَ سَلامَةِ مَن خَرَجَ.

وإنَّما اعْتُبِرَ البَقاءُ في العَذابِ دُونَ البَقاءِ في الدّارِ؛ لِما رُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأصابَها حَجَرٌ في الطَّرِيقِ فَهَلَكَتْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الباقِينَ في الدّارِ بِناءً عَلى أنَّها لِهَلاكِها كَأنَّها مِمَّنْ بَقِيَ فِيها، أوْ أنَّها خَرَجَتْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، أوْ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أصْلًا كَما في البَعْضِ الآخَرِ مِنها.

وقِيلَ: الغابِرُ طَوِيلُ العُمُرِ، وكَأنَّهُ إنَّما أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِبَقائِهِ مَعَ مُضِيِّ مَن كانَ مَعَهُ، والمُرادُ وصْفُ العَجُوزِ بِأنَّها طاعِنَةٌ في السِّنِّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ - كَما رَوى عَنْهُ مُجاهِدٌ -: «وواعَدْنا أنْ نُؤْتِيَهُ أهْلَهُ أجْمَعِينَ إلّا عَجُوزًا في الغابِرِينَ».

26:172–173Page 374

ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ١٧٢

Then We destroyed the others.

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٣

And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.

﴿ثُمَّ دَمَّرْنا الآخَرِينَ﴾ أهْلَكْناهم أشَدَّ إهْلاكٍ وأفْظَعَهُ، وكانَ ذَلِكَ الِائْتِفاكَ، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى (نَجَّيْنا) والتَّدْمِيرُ مُتَراخٍ عَنِ التَّنْجِيَةِ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ: (أرَدْنا تَنْجِيَتَهُ) أوْ: (حَكَمْنا بِها) أوْ مَعْنى (فَنَجَّيْناهُ) فاسْتَجَبْنا دُعاءَهُ في تَنْجِيَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ.

﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ: نَوْعًا مِنَ المَطَرِ غَيْرَ مَعْهُودٍ، فَقَدْ كانَ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ، كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ .

وجَمْعُ الأمْرانِ لَهم زِيادَةٌ في إهانَتِهِمْ. وقِيلَ: كانَ الِائْتِفاكُ لِطائِفَةٍ والإمْطارُ لِأُخْرى مِنهُمْ، وكانَتْ هَذِهِ - عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ - لِلَّذِينَ كانُوا خارِجِينَ مِنَ القَرْيَةِ لِبَعْضِ حَوائِجِهِمْ، ولَعَلَّهُ مُرادُ قَتادَةَ بِالشُّذّاذِ فِيما رُوِيَ عَنْهُ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ اللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، وبِهِ يَتَسَنّى وُقُوعُ المُضافِ إلَيْهِ فاعِلَ (ساءَ) بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى بِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو مَطَرُهُمْ، وإذا لَمْ تَكُنْ (ساءَ) كَذَلِكَ جازَ كَوْنُها لِلْعَهْدِ.

26:174–177Page 374

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٤

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦

The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers

إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧

When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ الأيْكَةُ الغَيْضَةُ الَّتِي تُنْبِتُ ناعِمَ الشَّجَرِ، وهي غَيْضَةٌ مِن ساحِلِ البَحْرِ إلى مَدْيَنَ، يَسْكُنُها طائِفَةٌ، وكانُوا مِمَّنْ بُعِثَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ أجْنَبِيًّا مِنهم ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ولَمْ يُقَلْ: (أخُوهُمْ) وقِيلَ: ( الأيْكَةِ ) الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، وكانَ شَجَرُهُمُ الدَّوْمَ وهو المُقْلُ، وعَلى القَوْلَيْنِ ( أصْحابُ الأيْكَةِ ) غَيْرُ أهْلِ مَدْيَنَ، ومِن غَرِيبِ النَّقْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم هم أصْحابُ مَدْيَنَ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ «لَيْكَةَ» بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ بِغَيْرِ ألِفٍ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ هُنا، وفي (ص) قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَدْنا في بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لِلْقَرْيَةِ والأيْكَةِ البِلادُ كُلُّها كَمَكَّةَ وبَكَّةَ، ورَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في الحِجْرِ و(ق): ( الأيْكَةِ ) وفي الشُّعَراءِ و(ص): (لَيْكَةَ) واجْتَمَعَتْ مَصاحِفُ الأمْصارِ كُلِّها بَعْدَ ذَلِكَ ولَمْ تَخْتَلِفْ، وفي الكَشّافِ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ، وزَعَمَ أنَّ (لَيْكَةَ) بِوَزْنِ لَيْلَةٍ

صفحة 118

اسْمُ بَلَدٍ فَتَوَهُّمٌ قادَ إلَيْهِ خَطُّ المُصْحَفِ، حَيْثُ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً هُنا وفي «ص» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي المُصْحَفِ أشْياءُ كُتِبَتْ عَلى خِلافِ الخَطِّ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُتِبَتْ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ، كَما يَكْتُبُ أصْحابُ النَّحْوِ الآنَ (لانَ) والأوْلى (لَوْلى) لِبَيانِ لَفْظِ المُخَفَّفِ، وقَدْ كُتِبَتْ في سائِرِ القُرْآنِ عَلى الأصْلِ، والقِصَّةُ واحِدَةٌ عَلى أنَّ «لَيْكَةَ» اسْمٌ لا يُعْرَفُ، انْتَهى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَعْوى مِن غَيْرِ ثَبَتٍ، وكَفى ثَبَتًا لِلْمُخالِفِ ثُبُوتُ القِراءَةِ في السَّبْعَةِ وهي مُتَواتِرَةٌ، كَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ ما سَمِعْتَ عَنْ بَعْضِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ - وإنْ لَمْ تُعَوِّلْ عَلَيْهِ - فَما رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: (الأيْكَةُ) و(لَيْكَةُ) الغَيْضَةُ، هَذا وإنَّ الأسْماءَ المُرْتَجَلَةَ لا مَنعَ مِنها، وفي البَحْرِ: إنَّ كَوْنَ مادَّةِ (ل ي ك) مَفْقُودَةً في لِسانِ العَرَبِ كَما تَشَبَّثَ بِهِ مَن أنْكَرَ هَذِهِ القِراءَةَ المُتَواتِرَةَ - إنْ صَحَّ - لا يَضُرُّ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ عَجَمِيَّةً، ومَوادُّ كَلامِ العَجَمِ مُخالَفَةٌ في كَثِيرٍ مَوادَّ كَلامِ العَرَبِ فَيَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلى مَنعِ صَرْفِها العَلَمِيَّةُ والعُجْمَةُ والتَّأْنِيثُ، وبِالجُمْلَةِ إنْكارُ الزَّمَخْشَرِيِّ صِحَّةَ هَذِهِ القِراءَةِ يَقْرُبُ مِنَ الرِّدَّةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى.

وقَدْ سَبَقَهُ في ذَلِكَ المُبَرِّدُ وابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ والفارِسِيُّ والنَّحّاسُ، وقُرِئَ «لَيْكَةِ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ والجَرِّ بِالكَسْرَةِ، وتُكْتَبُ عَلى حُكْمِ لَفْظِ اللّافِظِ بِدُونِ هَمْزَةٍ وعَلى الأصْلِ بِالهَمْزَةِ، وكَذا نَظائِرُها.

26:178–182Page 374

إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨

Indeed, I am to you a trustworthy messenger.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩

So fear Allāh and obey me.

وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠

And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.

۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١

Give full measure and do not be of those who cause loss.

وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢

And weigh with an even [i.e., honest] balance.

﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتِمُّوهُ ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ أيْ: حُقُوقَ النّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، ولَعَلَّ المُبالَغَةَ المُسْتَفادَةَ مِنَ التَّرْكِيبِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى النَّهْيِ، أوْ أنَّهُ لا يُعْتَبَرُ المَفْهُومُ لِنَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ وأيّا ما كانَ فَفي النَّهْيِ المَذْكُورِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ السّابِقِ عَلَيْهِ ﴿وزِنُوا﴾ المَوْزُوناتِ ﴿بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ أيْ: بِالمِيزانِ السَّوِيِّ، وقِيلَ: القِسْطاسُ القَبّانُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وهو عِنْدَ بَعْضٍ مُعَرَّبٌ رُومِيُّ الأصْلِ ومَعْناهُ العَدْلُ، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَرَبِيٌّ، فَقِيلَ: هو مِنَ القِسْطِ ووَزْنُهُ فِعْلاعٌ بِتَكْرِيرِ العَيْنِ شُذُوذًا؛ إذْ هي لا تُكَرَّرُ وحْدَها مَعَ الفَصْلِ بِاللّامِ، وقِيلَ: مِن قَسْطَسَ وهو رُباعِيٌّ ووَزْنُهُ فِعْلالٌ، والمُرادُ الأمْرُ بِوَفاءِ الوَزْنِ وإتْمامِهِ، والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ دُونَ النَّهْيِ عَنِ الزِّيادَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْها ولَمْ يُؤْمَرْ بِها في الكَيْلِ والوَزْنِ، وكَأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن فَعَلَها فَقَدْ أحْسَنَ ومَن لَمْ يَفْعَلْها فَلا عَلَيْهِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ مَعْنى ﴿وزِنُوا﴾ إلَخْ: وعَدِّلُوا أُمُورَكم كُلَّها بِمِيزانِ العَدْلِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ، والظّاهِرُ إذْ عادَلَ سُبْحانَهُ بِهِ ﴿أوْفُوا الكَيْلَ﴾ ما تَقَدَّمَ.

وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «بِالقُسْطاسِ» بِضَمِّ القافِ

26:183Page 374

وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣

And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.

﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تَنْقُصُوهم شَيْئًا مِن حُقُوقِهِمْ، أيَّ حَقٍّ كانَ، فَإضافَةُ (أشْياءَ) جِنْسِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ، والمُرادُ مُقابَلَةُ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا تَبْخَسُوا أحَدًا شَيْئًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلْإشارَةِ إلى الأنْواعِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ كُلَّ شَيْءٍ جَلِيلًا كانَ أوْ حَقِيرًا، وهَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ المُرادِ بِالذِّكْرِ لِغايَةِ انْهِماكِهِمْ فِيهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِأشْيائِهِمُ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ وبَخْسُها بِالقَطْعِ مِن أطْرافِها ولَوْلاهُ لَمْ يُجْمَعْ، وبَخَسَ مِمّا يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فالمَنصُوبانِ مَفْعُولاهُ، وقِيلَ هو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فالثّانِي بَدَلُ اشْتِمالٍ.

﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بِالقَتْلِ والغارَةِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والعَثْوُ الفَسادُ أوْ أشَدُّهُ و«مُفْسِدِينَ» حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُفْسِدِينَ

صفحة 119

آخِرَتَكم فَتَكُونُ حالًا مُؤَسِّسَةً.

26:184Page 375

وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤

And fear He who created you and the former creation."1

﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: وذَوِي الجِبِلَّةِ، أيِ: الخِلْقَةِ والطَّبِيعَةِ أوْ: والمَجْبُولِينَ عَلى أحْوالِهِمُ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها، وسُبُلِهِمُ الَّتِي قُيِّضُوا لِسُلُوكِها، المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْكم مِنَ الأُمَمِ، وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجِبِلَّةَ الجَماعَةُ إذا كانَتْ عَشَرَةَ آلافٍ، كَأنَّها شُبِّهَتْ - عَلى ما قِيلَ - بِالقِطْعَةِ العَظِيمَةِ مِنَ الجَبَلِ، وقِيلَ: هي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ مُطْلَقًا، كَأنَّها شُبِّهَتْ بِما ذُكِرَ أيْضًا.

وقَرَأ أبُو حُصَيْنٍ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ: «الجُبُلَّةَ» بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ وشَدِّ اللّامِ، وقَرَأ السُّلَمِيُّ: «الجِبْلَةَ» بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ كالخِلْقَةِ، وفي نُسْخَةٍ عَنْهُ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الباءِ، قِيلَ: وتَشْدِيدُ اللّامِ في القِراءَتَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ.

26:185–186Page 375

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥

They said, "You are only of those affected by magic.

وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦

You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.

﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ ثَمُودَ، بَيْدَ أنَّهُ أدْخَلَ الواوَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ التَّسْحِيرِ والبَشَرِيَّةِ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ، فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا؟ وأرادُوا بِذَلِكَ المُبالَغَةَ في التَّكْذِيبِ، ولَمْ تَدْخُلْ هُناكَ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ إلّا مَعْنًى واحِدٌ، وهو كَوْنُهُ مُسَحَّرًا، ثُمَّ قُرِّرَ بِكَوْنِهِ بَشَرًا مِثْلَهم كَذا في الكَشّافِ، وفي الكَشْفِ أنَّ فِيهِ ما يُلَوِّحُ إلى اخْتِصاصِ كُلٍّ بِمَوْضِعِهِ، وأنَّ الكَلامَ هُنالِكَ في كَوْنِهِ مِثْلَهم غَيْرُ مُمْتازٍ بِما يُوجِبُ الفَضِيلَةَ، ولِهَذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا البَشَرِيَّةَ مُنافِيَةً لِلنُّبُوَّةِ، وإنَّما جَعَلُوا الوَصْفَ تَمْهِيدًا لِلِاشْتِراكِ وأنَّهُ أبْدَعَ في دَعْواهُ، وهاهُنا ساقُوا ذَلِكَ مَساقَ ما يُنافِي النُّبُوَّةَ فَجَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ صِفَةً مُسْتَقِلَّةً في المُنافاةِ لِيَكُونَ أبْلَغَ، وجَعَلُوا إنْكارَ النُّبُوَّةِ أمْرًا مَفْرُوغًا ولِذا عَقَّبُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ﴾ إلَخْ، وقالَ النَّيْسابُورِيُّ في وجْهِ الِاخْتِصاصِ: إنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَلَّلَ في الخِطابِ فَقَلَّلُوا في الجَوابِ، وأكْثَرَ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخِطابِ - ولِهَذا قِيلَ لَهُ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ - فَأكْثَرُوا في الجَوابِ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّ شُعَيْبًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بالَغَ في زَجْرِهِمْ فَبالَغُوا في تَكْذِيبِهِ، ولا كَذَلِكَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ فَتَأمَّلْ.

(وإنْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ في (لَمِنَ) هي الفارِقَةُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: (إنْ) نافِيَةٌ و(اللّامُ) بِمَعْنى إلّا وهو خِلافٌ مَشْهُورٌ، أيْ: وإنَّ الشَّأْنَ نَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ في الدَّعْوى، أوْ ما نَظُنُّكَ إلّا مِنَ الكاذِبِينَ فِيها، ومُرادُهم أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ وحاشاهُ - راسِخُ القَدَمِ في الكَذِبِ في دَعْواهُ الرِّسالَةَ، أوْ فِيها وفي دَعْوى نُزُولِ العَذابِ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِنَ التَّهْدِيدِ، وظاهِرُ حالِهِمْ أنَّهم عَنَوْا بِالظَّنِّ الإدْراكَ الجازِمَ.

26:187Page 375

فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧

So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ مِنَ الِاقْتِراحِ الَّذِي تَحْتَهُ كُلُّ الإنْكارِ عَلى نَحْوِ ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ﴾ ولَعَلَّهم قابَلُوا بِهِ ما أشْعَرَ بِهِ الأمْرُ بِالتَّقْوى مِمّا ذَكَرْنا وكِسَفًا أيْ قِطَعًا - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ - جَمْعُ كِسْفَةٍ كَقِطْعَةٍ.

وقَرَأ الأكْثَرُونَ «كِسْفًا» بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ السِّينِ وهو أيْضًا جَمْعُ كِسْفَةٍ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدْرٍ، وقِيلَ: الكِسْفُ والكِسْفَةُ كالرِّيعِ والرِّيعَةِ وهي القِطْعَةُ، والمُرادُ بِالسَّماءِ إمّا المُظِلَّةُ - وهو الظّاهِرُ - وإمّا السَّحابُ، والظّاهِرُ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما قَبْلَهُ، وتَعَلُّقُهُ بِـ(أسْقِطْ) في غايَةِ السُّقُوطِ، وجُوِّزَ عَلَيْهِ أنْ يُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، وجَوابُ (إنْ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ (فَأسْقِطْ) ومَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ الجَوابِ جَعَلَهُ الجَوابَ.

26:188–189Page 375

قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨

He said, "My Lord is most knowing of what you do."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩

And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.

﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ هو تَعالى أعْلَمُ بِأعْمالِكم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وبِما تَسْتَوْجِبُونَ عَلَيْها مِنَ العَذابِ

صفحة 120

فَسَيُنْزِلُهُ عَلَيْكم حَسْبَما تَسْتَوْجِبُونَ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا مَحالَةَ.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فاسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ، وكَذَّبُوهُ تَكْذِيبًا بَعْدَ تَكْذِيبٍ ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وذَلِكَ عَلى ما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْهِمْ حَرًّا شَدِيدًا، فَأخَذَ بِأنْفاسِهِمْ، فَدَخَلُوا أجْوافَ البُيُوتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا مِنها هِرابًا إلى البَرِّيَّةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ سَحابَةً فَأظَلَّتْهم مِنَ الشَّمْسِ - وهي الظُّلَّةُ - فَوَجَدُوا لَها بَرْدًا ولَذَّةً، فَنادى بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى إذا اجْتَمَعُوا تَحْتَها أسْقَطَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ نارًا فَأكَلَتْهم جَمِيعًا.

وجاءَ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الحَرَّ سَبْعَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ثُمَّ كانَ ما كانَ مِنَ الخُرُوجِ إلى البَرِّيَّةِ وما بَعْدَهُ، وكانَ ذَلِكَ عَلى نَحْوِ ما اقْتَرَحُوهُ، لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهم عَنَوْا بِالسَّماءِ السَّحابَ، وفي إضافَةِ العَذابِ إلى يَوْمِ الظُّلَّةِ دُونَ نَفْسِها إيذانٌ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ غَيْرَ عَذابِ الظُّلَّةِ، وفي تَرْكِ بَيانِهِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ مِنَ العُلَماءِ ما عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَكَذِّبْهُ، وكَأنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ مَجْمُوعَ عَذابِ الظُّلَّةِ الَّذِي ذُكِرَ في الخَبَرِ السّابِقِ والعَذابِ الآخَرِ الَّذِي آذَنَتْ بِهِ الإضافَةُ إلى اليَوْمِ ﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أيْ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ وفَظاعَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ.

26:190–192Page 375

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢

And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.

﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هَذا آخِرُ القَصَصِ السَّبْعِ الَّتِي سِيقَتْ لِما عَلِمْتَهُ سابِقًا، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى هَذا العَدَدِ - عَلى ما قِيلَ - لِأنَّهُ عَدَدٌ تامٌّ، وأنا أُفَوِّضُ العِلْمَ بِسِرِّ ذَلِكَ وكَذا العِلْمَ بِسِرِّ تَرْتِيبِ القَصَصِ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحَضْرَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، عَوْدٌ لِما في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ العَظِيمِ، ورَدُّ ما قالَ المُشْرِكُونَ فِيهِ، فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ تِلْكَ القَصَصِ، وتَنْبِيهٌ عَلى إعْجازِ القُرْآنِ ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ الإخْبارَ عَنْها مِمَّنْ لَمْ يَتَعَلَّمْها لا يَكُونُ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فالضَّمِيرُ لِما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ النّاطِقَةِ بِتِلْكَ القَصَصِ المَحْكِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ الَّذِي هي مِن جُمْلَتِهِ، والإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ بِـ(تَنْزِيلُ) لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ أنَّهُ لَمُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفُهُ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَنْزِيلَهُ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ورَأْفَتِهِ بِالكُلِّ.

26:193Page 375

نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣

The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down

﴿نَزَلَ بِهِ﴾ أيْ: أنْزَلَهُ عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ وابْنُ عَطِيَّةَ: هي لِلْمُصاحِبَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ﴾ أيْ: نَزَلَ مُصاحِبًا لَهُ ﴿الرُّوحُ الأمِينُ﴾ يَعْنِي جِبْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعُبِّرَ عَنْهُ بِالرُّوحِ؛ لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الخَلْقَ في بابِ الدِّينِ، أوْ لِأنَّهُ رُوحٌ كُلُّهُ لا كالنّاسِ الَّذِينَ في أبْدانِهِمْ رُوحٌ، ووُصِفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِالأمِينِ؛ لِأنَّهُ أمِينُ وحْيِهِ تَعالى ومُوصِلُهُ إلى مَن شاءَ مِن عِبادِهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ وتَحْرِيفٍ أصْلًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، وابْنُ عامِرٍ: (نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الأمِينَ) بِتَشْدِيدِ الزّايِ ونَصْبِ الرُّوحِ والأمِينِ، أيْ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى الرُّوحَ الأمِينَ نازِلًا بِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском