Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:209–217

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:209–217

26:209Page 376

ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩

As a reminder; and never have We been unjust.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُنْذِرُونَ﴾ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وعَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الزَّجّاجِ، فَعَلى الحالِ إمّا أنْ يُقَدَّرَ (ذَوِي ذِكْرى) أوْ يُقَدَّرَ (مُذَكِّرِينَ) أوْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ اعْتِبارًا لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى المَصْدَرِ فالعامِلُ ﴿مُنْذِرُونَ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى مُذَكِّرُونَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُذَكِّرُونَ ذِكْرى، أيْ تَذْكِرَةً.

وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلى مَعْنى أنَّهم يُنْذِرُونَ لِأجْلِ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِرَةِ، وأنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِمَعْنى (هَذِهِ ذِكْرى) والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ أوْ صِفَةٌ بِمَعْنى (مُنْذِرُونَ ذَوُو ذِكْرى أوْ مُذَكِّرِينَ) أوْ جُعِلُوا نَفْسَ الذِّكْرى مُبالَغَةً لِإمْعانِهِمْ في التَّذْكِرَةِ وإطْنابِهِمْ فِيها.

وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ(أهْلَكْنا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ ظالِمِينَ إلّا بَعْدَما ألْزَمْناهُمُ الحُجَّةَ بِإرْسال المُنْذِرِينَ إلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ إهْلاكُهم تَذْكِرَةً وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ، فَلا يَعْصُوا مِثْلَ عِصْيانِهِمْ، ثُمَّ قالَ:

وهَذا هو الوَجْهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وبُيِّنَ ذَلِكَ في الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: لِأنَّهُ وعِيدٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، وبِأنَّهم يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُجْعَلُوا نَكالًا وعِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ كالأُمَمِ السَّوالِفِ، حَيْثُ فَعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِمْ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، فَجُوزُوا بِما جُوزُوا، وحِينَئِذٍ يَتَلاءَمُ الكَلامُ، انْتَهى.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَذْهَبَ الجُمْهُورِ أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها، إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ تابِعًا لَهُ غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلى الأداةِ، والمَفْعُولُ لَهُ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ(أهْلَكْنا).

ويَتَخَرَّجُ جَوازُ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ - وإنْ كانا لَمْ يَنْصِبا عَلى المَفْعُولِ لَهُ هُنا، وكانَ ذَلِكَ لِما في نَصْبِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ - وأمْرُ الِالتِئامِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى.

﴿وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ لَيْسَ شَأْنُنا أنْ يَصْدُرَ عَنّا بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ ما هو في صُورَةِ الظُّلْمِ لَوْ صَدَرَ مَن غَيْرِنا، بِأنْ نُهْلِكَ أحَدًا قَبْلَ إنْذارِهِ، أوْ بِأنْ نُعاقِبَ مَن لَمْ يَظْلِمْ، ولِإرادَةِ نَفْيِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - قالَ: وما كُنّا دُونَ: (وما نَظْلِمُ).

26:210Page 376

وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠

And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1

﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ، وهو رَدٌّ لِقَوْلِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: إنَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ تابِعًا مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ كَما تُخْبَرُ الكَهَنَةُ، وأنَّ القُرْآنَ مِمّا ألْقاهُ إلَيْهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

والتَّعْبِيرُ بِالتَّفْعِيلِ؛ لِأنَّ النُّزُولَ لَوْ وقَعَ لَكانَ بِالِاسْتِراقِ التَّدْرِيجِيِّ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ «الشَّياطُونَ» فَقالَ أبُو حاتِمٍ: هو غَلَطٌ مِنَ الحَسَنِ أوْ عَلَيْهِ، وقالَ النَّحّاسُ: هو غَلَطٌ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو غَيْرُ جائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، وقالَ الفَرّاءُ: غَلِطَ الشَّيْخُ، ظَنَّ أنَّها النُّونُ الَّتِي عَلى هِجائِينَ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنْ جازَ أنْ يُحْتَجَّ بِقَوْلِ العَجّاجِ ورُؤْبَةَ فَهَلّا جازَ أنْ يُحْتَجَّ

صفحة 133

بِقَوْلِ الحَسَنِ وصاحِبِهِ، مَعَ أنّا نَعْلَمُ أنَّهُما لَمْ يَقْرَآ بِهِ إلّا وقَدْ سَمِعا فِيهِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، فَقُلْتُ: ما أشْبَهَ هَذا بِقِراءَةِ الحَسَنِ، انْتَهى.

ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ آخِرُهُ كَآخِرِ يَبْرِينَ وفِلَسْطِينَ - وقَدْ قِيلَ فِيهِما يَبْرُونَ وفِلَسْطُونَ - أُجْرِيَ فِيهِ نَحْوُ ما أُجْرِيَ فِيهِما، فَقِيلَ: الشَّياطُونَ.

وحُقُّهُ عَلى هَذا - عَلى ما في الكَشّافِ - أنْ يُشْتَقَّ مِنَ الشَّيْطُوطَةِ وهي الهَلاكُ، وفي البَحْرِ - نَقْلًا عَنْ بَعْضِهِمْ - إنْ كانَ اشْتِقاقُهُ مِن شاطَ - أيِ: احْتَرَقَ - يَشِيطُ شَوْطَةً كانَ لِقِراءَتِهِما وجْهٌ، قِيلَ: ووَجْهُها أنَّ بِناءَ المُبالَغَةِ مِنهُ شَيّاطٌ وجَمْعُهُ الشَّياطُونَ فَخَفَّفا الياءَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُما التَّشْدِيدُ، وقَرَأ بِهِ غَيْرُهُما.

وقالَ بَعْضٌ: إنَّهُ جَمْعُ شِياطٍ مَصْدَرِ شاطَ (كَخاطَ خِياطًا) كَأنَّهُما رَدّا الوَصْفَ إلى المَصْدَرِ بِمَعْناهُ مُبالَغَةً، ثُمَّ جَمَعا والكُلُّ كَما تَرى، وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: لا وجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ القِراءَةِ البَتَّةَ.

وقَدْ أطْنَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في تَصْحِيحِها، ثُمَّ قالَ: وعَلى كُلِّ حالٍ فالشَّياطُونَ غَلَطٌ، وأبُو حَيّانَ لا يَرْضى بِكَوْنِهِ غَلَطًا ويَقُولُ: قَرَأ بِهِ الحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْقَعِ والأعْمَشُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: غَلِطُوا؛ لِأنَّهم مِنَ العِلْمِ ونَقْلِ القُرْآنِ بِمَكانٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والَّذِي أراهُ أنَّهُ مَتى صَحَّ رَفْعُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ لَزِمَ تَوْجِيهُها؛ فَإنَّهم لا يَقْرَؤُونَ إلّا عَنْ رِوايَةٍ كَغَيْرِهِمْ مِنَ القُرّاءِ في جَمِيعِ ما يَقْرَؤُنَهُ عِنْدَنا، وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ بَعْضَ القِراءاتِ بِالرَّأْيِ.

26:211–212Page 376

وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١

It is not allowable for them, nor would they be able.

إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢

Indeed they, from [its] hearing, are removed.1

﴿وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَهم ذَلِكَ ﴿وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ أصْلًا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّياطِينَ ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في السَّماءِ ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أيْ مَمْنُوعُونَ بِالشُّهُبِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُمَكَّنِينَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ والمُرادُ تَعْلِيلُ ما تَقَدَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّهم إذا كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنْ سَماعِ ما تَتَكَلَّمُ بِهِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ كانُوا مَمْنُوعِينَ مَن أخْذِ القُرْآنِ المَجِيدِ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ مِن بَيْتِ العِزَّةِ، أوْ مِن سَماعِهِ إذْ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَن شاءَ في سَمائِهِ - مِن بابٍ أوْلى.

وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهم لَمَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالمُشارَكَةِ في صِفاتِ الذّاتِ، وقَبُولِ فَيَضانِ الحَقِّ، والِانْتِقاشِ بِالصُّوَرِ المَلَكُوتِيَّةِ، ونُفُوسُهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ لا تَقْبَلُ ذَلِكَ، والقُرْآنُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى حَقائِقَ ومُغَيَّباتٍ لا يُمْكِنُ تَلَقِّيها إلّا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُطْلَقًا مَشْرُوطٌ بِصِفاتٍ هم مُتَّصِفُونَ بِنَقائِضِها فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؟! وظاهِرُ الآياتِ أنَّهم إلى اليَوْمِ يَسْتَرِقُونَهُ ويَخْطِفُونَ الخَطْفَةَ فَيَتْبَعُهم شِهابٌ ثاقِبٌ، وأيْضًا لَوْ كانَ ما ذُكِرَ شَرْطًا لِلسَّمْعِ - وهو مُنْتَفٍ فِيهِمْ - فَأيُّ فائِدَةٍ لِلْحَرَسِ ومَنعِهِمْ عَنِ السَّمْعِ بِالرُّجُومِ.

وأيْضًا لَوْ صَحَّ ما ذُكِرَ لَمْ يَتَأتَّ لَهم سَماعُ القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سَواءٌ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الحَقائِقِ والمُغَيَّباتِ أمْ لا، فَما فائِدَةٌ في قَوْلِهِ: والقُرْآنُ مُشْتَمِلٌ إلَخْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وإنْ أرادَ أنَّ السَّمْعَ لِكَلامِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إذا كانَ وحْيًا مُنَزَّلًا عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَشْرُوطٌ بِما ذُكِرَ فَهو - مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ ظاهِرِ الكَلامِ - غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا، كَيْفَ وقَدْ ثَبَتَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ يَنْزِلُ بِالقُرْآنِ يَنْزِلُ مَعَهُ رَصَدٌ؛ حِفْظًا لِلْوَحْيِ مِنَ الشَّيْطانِ؟! وقَدْ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مَنِ رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مَنِ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ وأيْضًا ظاهِرُ العَزْلِ عَنِ السَّمْعِ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ قَبْلُ ثُمَّ مُنِعُوا عَنْهُ، فَيَلْزَمُ - عَلى ما ذُكِرَ - أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ نُفُوسَهم خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ شِرِّيرَةٌ بِالذّاتِ

صفحة 134

فَيَبْطُلُ كَوْنُ المُشارَكَةِ المَذْكُورَةِ شَرْطًا لِلسَّمْعِ، فَإنِ ادُّعِيَ أنَّ الشَّرْطَ كانَ مَوْجُودًا إذْ ذاكَ ثُمَّ فُقِدَ والتُزِمَ القَوْلُ بِجَوازِ تَغَيُّرِ ما بِالذّاتِ فَهو مِمّا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وقِياسُ جَمِيعِ الشَّياطِينِ عَلى إبْلِيسَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - مِمّا لا يَخْفى حالُهُ، فَتَدَبَّرْ.

وبِالجُمْلَةِ الَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا، وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ أنَّهم لا يُصْغُونَ لِلْحَقِّ لِعِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ شَمَّةٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ وهو بَعِيدٌ جِدًّا.

26:213Page 376

فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣

So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ اسْتِحالَةِ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَهْيِيجًا وحَثًّا لِازْدِيادِ الإخْلاصِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ (أخْلِصْ في التَّوْحِيدِ حَتّى لا تَرى مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ سِواهُ) وفِيهِ لُطْفٌ لِسائِرِ المُكَلَّفِينَ بِبَيانِ أنَّ الإشْراكَ مِنَ القُبْحِ والسُّوءِ بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لَمْ يُمْكِنْ صُدُورُهُ عَنْهُ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُ؟!

وكَأنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا عَلِمْتَ ما ذُكِرَ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ

26:214Page 376

وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤

And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.

﴿وأنْذِرْ﴾ العَذابَ الَّذِي يَسْتَتْبِعُهُ الشِّرْكُ والمَعاصِي ﴿عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ذَوِي القَرابَةِ القَرِيبَةِ، أوِ الَّذِينَ هم أكْثَرُ قُرْبًا إلَيْكَ مَن غَيْرِهِمْ.

والعَشِيرَةُ - عَلى ما قالَ الجَوْهَرِيُّ -: رَهْطُ الرَّجُلِ الأدْنَوْنَ، وقالَ الرّاغِبُ: هم أهْلُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَتَكَثَّرُ بِهِمْ، أيْ: يَصِيرُونَ لَهُ بِمَنزِلَةِ العَدَدِ الكامِلِ، وهو العَشَرَةُ.

واشْتُهِرَ أنَّ طَبَقاتِ الأنْسابِ سِتٌّ:

الأوْلى الشَّعْبُ - بِفَتْحِ الشِّينِ - وهو النَّسَبُ الأبْعَدُ كَعَدْنانَ.

الثّانِيَةُ: القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ الشَّعْبُ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ.

الثّالِثَةِ: العِمارَةُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ.

الرّابِعَةُ: البَطْنُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي مَخْزُومٍ.

الخامِسَةُ: الفَخِذُ، وهو ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ، وبَنِي أُمَيَّةَ.

السّادِسَةُ: الفَصِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَ فِيهِ أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ، وبَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ولَيْسَ دُونَ الفَصِيلَةِ إلّا الرَّجُلُ ووَلَدُهُ.

وحَكى أبُو عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِيهِ تَقْدِيمَ الشَّعْبِ، ثُمَّ القَبِيلَةَ، ثُمَّ الفَصِيلَةَ، ثُمَّ العِمارَةَ، ثُمَّ الفَخِذَ، فَأقامَ الفَصِيلَةَ مَقامَ العِمارَةِ في ذِكْرِها بَعْدَ القَبِيلَةِ، والعِمارَةَ مَقامَ الفَصِيلَةِ في ذِكْرِها قَبْلَ الفَخِذِ، ولَمْ يُحْكَ ما يُخالِفُهُ، ولَمْ يُذْكَرْ في التَّرْتِيبَيْنِ العَشِيرَةُ، وفي البَحْرِ أنَّها تَحْتَ الفَخِذِ فَوْقَ الفَصِيلَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ.

وحَكى بَعْضُهم بَعْدَ أنْ نَقَلَ التَّرْتِيبَ المَذْكُورَ عَنِ النَّوَوِيِّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّهُ قالَ في تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ: وزادَ بَعْضُهُمُ العَشِيرَةَ قَبْلَ الفَصِيلَةِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّ العَشِيرَةَ إذا وُصِفَتْ بِالأقْرَبِ اتَّحَدَتْ مَعَ الفَصِيلَةِ الَّتِي هي سادِسَةُ الطَّبَقاتِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأقْرَبِيَّةَ إذا كانَتْ مَأْخُوذَةً في مَفْهُومِها - كَما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الجَوْهَرِيِّ - تَسْتَغْنِي دَعْوى الِاتِّحادِ عَنِ الوَصْفِ المَذْكُورِ.

وفِي كُلِّيّاتِ أبِي البَقاءِ: كُلُّ جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النّاسِ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ مَشْهُورٍ بِأمْرٍ زائِدٍ فَهو شَعْبٌ كَعَدْنانَ، ودُونَهُ القَبِيلَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الشَّعْبِ كَرَبِيعَةَ ومُضَرَ، ثُمَّ العِمارَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ القَبِيلَةِ كَقُرَيْشٍ وكِنانَةَ، ثُمَّ البَطْنُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ العِمارَةِ كَبَنِي عَبْدِ مَنافٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، ثُمَّ الفَخِذُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ البَطْنِ كَبَنِي هاشِمٍ وبَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ العَشِيرَةُ، وهي ما انْقَسَمَتْ فِيها أنْسابُ الفَخِذِ كَبَنِي العَبّاسِ وبَنِي أبِي طالِبٍ، والحَيُّ يَصْدُقُ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُ لِلْجَماعَةِ المُتَنازِلِينَ بِمُرَبَّعٍ مِنهُمُ، انْتَهى.

ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الفَصِيلَةَ، وكَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى اتِّحادِها بِالعَشِيرَةِ، ووَجْهُ تَخْصِيصِ عَشِيرَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأقْرَبِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ

صفحة 135

- عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَفْعُ تَوَهُّمِ المُحاباةِ، وأنَّ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ أهَمُّ، وأنَّ البُداءَةَ تَكُونُ بِمَن يَلِي، ثُمَّ مَن بَعْدَهُ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ وفي كَيْفِيَّةِ الإنْذارِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ:

مِنها ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الصَّفا فَجَعَلَ يُنادِي: يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٍّ، لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا؛ لِيَنْظُرَ ما هُوَ، فَجاءَ أبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ فَقالَ: أرَأيْتُكم لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلّا صِدْقًا، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ ألِهَذا جَمَعْتَنا؟! فَنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾»»

ومِنها ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وجَماعَةٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا وعَمَّ وخَصَّ فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي قُصَيٍّ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا مَعْشَرَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكم مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، يا فاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النّارِ؛ فَإنِّي لا أمْلِكُ لَكِ ضَرًّا ولا نَفْعًا، إلّا أنَّ لَكم رَحِمًا وسَأبُلُّها بِبَلالِها»» .

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَمَعَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَنِي هاشِمٍ فَأجْلَسَهم عَلى البابِ، وجَمَعَ نِساءَهُ وأهْلَهُ فَأجْلَسَهم في البَيْتِ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَأنْذَرَهم» .

وجاءَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -أنْ يَصْنَعَ طَعامًا ويَجْمَعَ لَهُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَفَعَلَ وجَمَعَهُمْ، وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، فَبَعْدَ أنْ أكَلُوا أرادَ ﷺ أنْ يُكَلِّمَهم بَدَرَهُ أبُو لَهَبٍ إلى الكَلامِ فَقالَ: لَقَدْ سَحَرَكم صاحِبُكُمْ، فَتَفَرَّقُوا، ثُمَّ دَعاهم مِنَ الغَدِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ بَدَرَهم بِالكَلامِ فَقالَ: يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ إنِّي أنا النَّذِيرُ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ تَعالى والبَشِيرُ، قَدْ جِئْتُكم بِما لَمْ يَجِئْ بِهِ أحَدٌ، جِئْتُكم بِالدُّنْيا والآخِرَةِ، فَأسْلِمُوا تَسْلَمُوا وأطِيعُوا تَهْتَدُوا».

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ والرِّواياتِ، وإذا صَحَّ الكُلُّ فَطَرِيقُ الجَمْعِ أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ الإنْذارِ.

ومِنَ الرِّواياتِ ما يَتَمَسَّكُ بِهِ الشِّيعَةُ فِيما يَدَّعُونَهُ في أمْرِ الخِلافَةِ، وهو مُؤَوَّلٌ أوْ ضَعِيفٌ أوْ مَوْضُوعٌ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ورَهْطَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ

26:215Page 376

وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥

And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.

﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أمْرٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالتَّواضُعِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ أوِ التَّمْثِيلِيَّةِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ وعَلاقَتُهُ اللُّزُومُ، ويُسْتَعْمَلُ في التَّكَبُّرِ رَفْعُ الجَناحِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ:

وأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَناحِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا

و(مِنَ) قِيلَ: بَيانِيَّةٌ؛ لِأنَّ مَنِ اتَّبَعَ في أصْلِ مَعْناهُ أعَمُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ لِدِينٍ أوْ غَيْرِهِ، فَفِيهِ إبْهامٌ، وبِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ - المُرادِ بِهِمُ المُتَّبِعُونَ لِلدِّينِ - زالَ ذَلِكَ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ بِناءً عَلى شُيُوعِ مَنِ اتَّبَعَ فِيمَنِ اتَّبَعَ لِلدِّينِ، وحَمْلِ المُؤْمِنِينَ عَلى مَن صَدَّقَ بِاللِّسانِ - ولَوْ نِفاقًا - ولا شَكَّ أنَّ المُتَّبِعِينَ لِلدِّينِ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا المَعْنى، وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَن شارَفَ - وإنْ لَمْ يُؤْمِن - ولا شَكَّ أيْضًا أنَّ المُتَّبَعِينَ المَذْكُورِينَ بَعْضُهُمْ، وفي الآيَةِ - عَلى القَوْلَيْنِ - أمْرٌ بِالتَّواضُعِ لِمَنِ اتَّبَعَ لِلدِّينِ.

صفحة 136

وقالَ بَعْضُهم - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها بَيانِيَّةً -: إنَّ المُؤْمِنِينَ يُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ، وشارَفُوا لِأنْ يُؤْمِنُوا كالمُؤَلَّفَةِ، مَجازٌ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ، وكانَ (مَنِ اتَّبَعَكَ) شائِعًا في مَن آمَنَ حَقِيقَةً ومَن آمَنَ مَجازًا فَبُيِّنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ المُرادَ بِهِمُ المُشارِفُونَ، أيْ: تَواضَعْ لِلْمُشارِفِينَ؛ اسْتِمالَةً وتَأْلِيفًا، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها تَبْعِيضِيَّةً يُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا وهم صِنْفانِ: صِنْفٌ صَدَّقَ واتَّبَعَ، وصِنْفٌ ما وُجِدَ مِنهم إلّا التَّصْدِيقُ، فَقِيلَ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، وأُرِيدَ بَعْضُ الَّذِينَ صَدَّقُوا واتَّبَعُوا، أيْ: تَواضَعْ لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ مَحَبَّةً ومَوَدَّةً.

وعَلى هَذا يَكُونُ الَّذِينَ أُمِرَ ﷺ بِالتَّواضُعِ لَهم عَلى تَقْدِيرِ البَيانِ غَيْرَ الَّذِينَ أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّواضُعِ لَهم عَلى تَقْدِيرِ التَّبْعِيضِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الِاتِّباعُ والإيمانُ تَوْأمانِ؛ إذِ المُتَبادَرُ مِنِ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - اتِّباعُهُ الدِّينِيُّ، وكَذا المُتَبادَرُ مِنَ الإيمانِ الإيمانُ الحَقِيقِيُّ، وذِكْرُ ( مِنَ المُؤْمِنِينَ ) لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ كَذِكْرِ ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ بَعْدَ (طائِرٍ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ وتُفِيدُ الآيَةُ الأمْرَ بِالتَّواضُعِ لِكُلِّ مَن آمَنَ مِن عَشِيرَتِهِ ﷺ وغَيْرِهِمْ.

وقالَ الطِّيبِيُّ: الإجْراءُ عَلى أفانِينِ البَلاغَةِ أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وأنَّ الأصْلَ: (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنهُمْ) فَعُدِلَ إلى المُؤْمِنِينَ لِيَعُمَّ ويُؤْذِنَ أنَّ صِفَةَ الإيمانِ هي الَّتِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُكْرَمَ صاحِبُها، ويَتَواضَعَ لِأجَلِّها مَنِ اتَّصَفَ بِها، سَواءٌ كانَ مِن عَشِيرَتِكَ أوْ غَيْرِهِمْ، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ، لَكِنِّي أخْتارُ كَوْنَ (مِن) بَيانِيَّةً، وأنَّ عُمُومَ (مَنِ اتَّبَعَكَ) بِاعْتِبارِ أصْلِ مَعْناهُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ بَدَأ ﷺ بِأهْلِ بَيْتِهِ وفَصِيلَتِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.﴾»

26:216Page 376

فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦

And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."

﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَرْفُوعَ في ﴿عَصَوْكَ﴾ عائِدٌ عَلى مَن أنْذَرَ ﷺ بِإنْذارِهِمْ وهُمُ العَشِيرَةُ، أيْ: فَإنْ عَصَوْكَ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ بَعْدَ إنْذارِهِمْ فَقُلْ: إنِّي بَرِيءٌ مِن عَمَلِكم أوِ الَّذِي تَعْمَلُونَهُ مِن دُعائِكم مَعَ اللَّهِ تَعالى إلَهًا آخَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الكُفّارِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أيْ: فَإنْ عَصَوْكَ يا مُحَمَّدُ في الأحْكامِ وفُرُوعِ الإسْلامِ بَعْدَ تَصْدِيقِكَ والإيمانِ بِكَ وتَواضُعِكَ لَهم فَقُلْ: إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ مِنَ المَعاصِي، أيْ: أظْهِرْ عَدَمَ رِضاكَ بِذَلِكَ وإنْكارَهُ عَلَيْهِمْ، وذُكِرَ - عَلى هَذا - أنَّهُ ﷺ لَوْ أُمِرَ بِالبَراءَةِ مِنهم ما بَقِيَ شَفِيعًا لِلْعُصاةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والآيَةُ - عَلى غَيْرِ هَذا القَوْلِ - مَنسُوخَةٌ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِهَذا ثُمَّ نَسَخَهُ، فَأمَرَهُ بِجِهادِهِمْ، وفي البَحْرِ: هَذِهِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ.

26:217Page 376

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧

And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,

﴿وتَوَكَّلْ عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَقْهَرُ مَن يَعْصِيكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ بِعِزَّتِهِ ويَنْصُرُكَ بِرَحْمَتِهِ، وتَقْدِيمُ وصْفِ العِزَّةِ قِيلَ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمَقامِ التَّسَلِّي عَنِ المَشاقِّ اللّاحِقَةِ مِنَ القَوْمِ إلَيْهِ ﷺ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ العِزَّةَ كالعِلَّةِ المُصَحِّحَةِ لِلتَّوَكُّلِ، والرَّحْمَةَ كالعِلَّةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِتَفْوِيضِ الرَّجُلِ أمْرَهُ إلى مَن يَمْلِكُ أمْرَهُ ويَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَهُ ويَضُرَّهُ.

وقالُوا: المُتَوَكِّلُ مَن إنْ دَهَمَهُ أمْرٌ لَمْ يُحاوِلْ دَفْعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِما هو مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعالى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا مِن أحَطِّ مَراتِبِ التَّوَكُّلِ وأدْناها، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ فِيما بَيْنَ النّاسِ عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ:

الأُولى: التَّوَكُّلُ مَعَ الطَّلَبِ ومُعاطاةِ السَّبَبِ عَلى نِيَّةِ شَغْلِ النَّفْسِ، ونَفْعِ الخَلْقِ، وتَرْكِ الدَّعْوى.

والثّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ وغَضِّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ؛ اجْتِهادًا في تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وقَمْعِ تَشَرُّفِ النَّفْسِ؛ تَفْرُّغًا إلى حِفْظِ الواجِباتِ.

والثّالِثَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ النّازِعَةِ

صفحة 137

إلى الخَلاصِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، وذَلِكَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ أمْرًا مُهْمَلًا، بَلْ فَرَغَ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وقَدَّرَها، وشَأْنُهُ سُبْحانَهُ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، فالمُتَوَكِّلُ مَن أراحَ نَفْسَهُ مِن كَدِّ النَّظَرِ ومُطالَعَةِ السَّبَبِ؛ سُكُونًا إلى ما سَبَقَ مِنَ القِسْمَةِ مَعَ اسْتِواءِ الحالَيْنِ، وهو أنْ يَعْلَمَ أنَّ الطَّلَبَ لا يَنْفَعُ والتَّوَكُّلَ لا يَمْنَعُ، ومَتى طَلَعَ بِتَوَكُّلِهِ عِوَضًا كانَ تَوَكُّلُهُ مَدْخُولًا وقَصْدُهُ مَعْلُولًا، وإذا خَلُصَ مِن رِقِّ الأسْبابِ ولَمْ يُلاحَظْ في تَوَكُّلِهِ سِوى خالِصِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى كَفاهُ اللَّهُ تَعالى كُلَّ مُهِمٍّ.

وبَيَّنَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: «وتَوَكَّلْ» إلَخْ إشارَةٌ إلى المَراتِبِ الثَّلاثِ بِما فِيهِ خَفاءٌ.

وفِي مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ «فَتَوَكَّلْ» بِالفاءِ وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وخَرَجَ عَلى الإبْدالِ مِن جَوابِ الشَّرْطِ.

وجَعَلَ في الكَشّافِ الفاءَ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفًا عَلى ﴿فَقُلْ﴾ أوْ ﴿فَلا تَدْعُ﴾ وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском