Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:218–221

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:218–221

26:218–219Page 376

ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨

Who sees you when you arise1

وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩

And your movement among those who prostrate.1

﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ: إلى الصَّلاةِ ﴿وتَقَلُّبَكَ﴾ أيْ: ويَرى سُبْحانَهُ تَغَيُّرَكَ مِن حالٍ كالجُلُوسِ والسُّجُودِ إلى آخَرَ كالقِيامِ ﴿فِي السّاجِدِينَ﴾ أيْ: فِيما بَيْنَ المُصَلِّينَ إذا أمِمْتَهُمْ، وعُبِّرَ عَنْهم بِالسّاجِدِينَ؛ لِأنَّ السُّجُودَ حالَةُ مَزِيدِ قُرْبِ العَبْدِ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو أفْضَلُ الأرْكانِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الأئِمَّةِ، وتَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: المُرادُ: حِينَ تَقُومُ إلى الصَّلاةِ بِالنّاسِ جَماعَةً، وقِيلَ: المَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِلتَّهَجُّدِ ويَرى تَقَلُّبَكَ، أيْ: ذَهابَكَ ومَجِيئَكَ فِيما بَيْنَ المُتَهَجِّدِينَ لِتَتَصَفَّحَ أحْوالَهُمْ، وتَطَّلِعَ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وتَسْتَبْطِنَ سَرائِرَهم وكَيْفَ يَعْمَلُونَ لِآخِرَتِهِمْ، كَما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُسِخَ فَرْضُ قِيامِ اللَّيْلِ طافَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِبُيُوتِ أصْحابِهِ لِيَنْظُرَ ما يَصْنَعُونَ؛ حِرْصًا عَلى كَثْرَةِ طاعاتِهِمْ فَوَجَدَها كَبُيُوتِ النَّحْلِ لِما سَمِعَ لَها مِن دَنْدَنَتِهِمْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى والتِّلاوَةِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ تَقَلُّبُ بَصَرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيمَن يُصَلِّي خَلْفَهُ، فَإنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَرى مِن خَلْفِهِ، فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِوَجْهِهِ فَقالَ: أقِيمُوا صُفُوفَكم وتَراصُّوا؛ فَإنِّي أراكم مِن وراءِ ظَهْرِي»».

وفِي رِوايَةِ أبِي داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يَقُولُ: «اسْتَوُوا اسْتَوُوا اسْتَوُوا، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأراكم مِن خَلْفِي كَما أراكم مِن بَيْنِ يَدَيَّ»» ولا يَخْفى بُعْدُ حَمْلِ ما في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالسّاجِدِينَ المُؤْمِنُونَ، والمَعْنى: يَراكَ حِينَ تَقُومُ لِأداءِ الرِّسالَةِ ويَرى تَقَلُّبَكَ وتَرَدُّدَكَ فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ أوْ مَعَهم فِيما فِيهِ إعْلانُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى وإعْلاءُ كَلِمَتِهِ سُبْحانَهُ.

وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالمُؤْمِنِينَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، إلّا أنَّ كَوْنَ المَعْنى ما ذُكِرَ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ.

وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ – والمَعْنى: ويَرى تَقَلُّبَكَ كَما يَتَقَلَّبُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في تَبْلِيغِ ما أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ وهو كَما تَرى، وتَفْسِيرُ السّاجِدِينَ بِالأنْبِياءِ رَواهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، إلّا أنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَسَّرَ التَّقَلُّبَ فِيهِمْ بِالتَّنَقُّلِ في أصْلابِهِمْ حَتّى ولَدَتْهُ أُمُّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجُوِّزَ - عَلى حَمْلِ التَّقَلُّبِ عَلى التَّنَقُّلِ في الأصْلابِ - أنْ يُرادَ بِالسّاجِدِينَ

صفحة 138

المُؤْمِنُونَ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى إيمانِ أبَوَيْهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أجِلَّةِ أهْلِ السُّنَّةِ، وأنا أخْشى الكُفْرَ عَلى مَن يَقُولُ فِيهِما - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَلى رَغْمِ أنْفٍ عَلى القارِئِ وأضْرابِهِ - بِضِدِّ ذَلِكَ، إلّا أنِّي لا أقُولُ بِحُجِّيَّةِ الآيَةِ عَلى هَذا المَطْلَبِ.

ورُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى انْكِشافٌ لائِقٌ بِشَأْنِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - غَيْرُ الِانْكِشافِ العِلْمِيِّ، ويَتَعَلَّقُ بِالمَوْجُودِ والمَعْدُومِ الخارِجِيِّ عِنْدَ العارِفِينَ، وقالُوا: إنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَعْدُومِ نَظِيرُ رُؤْيَةِ الشَّخْصِ القِيامَةَ ونَحْوَها في المَنامِ، وكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أنْكَرُوا تَعَلُّقَها بِالمَعْدُومِ، ومِنهم مَن أرْجَعَها إلى صِفَةِ العِلْمِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُؤْيَتِهِ حالَهُ ﷺ الَّتِي بِها يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ - بَعْدَ وصْفِهِ بِما تَقَدَّمَ - تَحْقِيقٌ لِلتَّوَكُّلِ، وتَوْطِينٌ لِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْهِ.

وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ: (ويُقَلِّبُكَ) مُضارِعُ (قَلَّبَ) مُشَدَّدًا، وخَرَّجَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ عَلى العَطْفِ عَلى (يَراكَ) وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (تَقُومُ ) وفي الكَلامِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إشارَةٌ إلى وُقُوعِ تَقَلُّبِهِ ﷺ في السّاجِدِينَ عَلى وجْهِ الكَمالِ، وكَمالُ التَّقَلُّبِ في الصَّلاةِ كَوْنُهُ بِخُشُوعٍ يَغْفُلُ مَعَهُ عَمّا سِوى اللَّهِ تَعالى

26:220Page 376

إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠

Indeed, He is the Hearing, the Knowing.

﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ بِكُلِّ ما يَصِحُّ تَعَلُّقُ السَّمْعِ بِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَقُولُهُ ﷺ ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ ما يَصِحُّ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَعْمَلُهُ أوْ يَنْوِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِما ذُكِرَ أزَلًا وأبَدًا ولا تَوَقُّفَ لِذَلِكَ عَلى وُجُودِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ في الخارِجِ، والحَصْرُ فِيها حَقِيقِيٌّ، أيْ: هو تَعالى كَذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وكَأنَّ الجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجُمْلَتَيْنِ الواقِعَتَيْنِ في حَيِّزِ الجَزاءِ، جِيءَ بِها لِلَتْحْرِيضِ عَلى القَوْلِ السّابِقِ والتَّوَكُّلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والمُرادُ مِنها التَّحْرِيضُ عَلى إيقاعِ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي في الصَّلاةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ، فَتَأمَّلْ.

26:221Page 376

هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١

Shall I inform you upon whom the devils descend?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَنَزُّلِ الشَّياطِينِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ بَيانِ امْتِناعِ تَنَزُّلِهِمْ بِالقُرْآنِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَخْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ إلَخْ أخَواتٌ، وفُرِّقَ بَيْنَهُنَّ بِآياتٍ لَيْسَتْ في مَعْناهُنَّ؛ لِيُرْجَعَ إلى المَجِيءِ بِهِنَّ وتَطْرِيَةَ ذِكْرِ ما فِيهِنَّ كَرَّةً بَعْدَ كَرَّةٍ، فَيَدُلُّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى الَّذِي نَزَلْنَ فِيهِ مِنَ المَعانِي الَّتِي اشْتَدَّتْ عِنايَةُ اللَّهِ تَعالى بِها، ومِثالُهُ أنْ يُحَدِّثَ الرَّجُلُ بِحَدِيثٍ وفي صَدْرِهِ اهْتِمامٌ بِشَيْءٍ مِنهُ وفَضْلُ عِنايَةٍ فَتَراهُ يُعِيدُ ذِكْرَهُ ولا يَنْفَكُّ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ وعَلى مَن مُتَعَلِّقٌ بِـ(تَنَزَّلُ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِصَدارَةِ المَجْرُورِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ لا يَضُرُّ كَما بُيِّنَ في النَّحْوِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ: إنَّ (مَن) مُتَضَمِّنَةٌ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ولَيْسَ مَعْنى التَّضَمُّنِ أنَّ الِاسْمَ دَلَّ عَلى مَعْنَيَيْنِ مَعًا مَعْنى الِاسْمِ ومَعْنى الحَرْفِ، وإنَّما مَعْناهُ أنَّ الأصْلَ (أمَنَ) فَحُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ واسْتَمَرَّ الِاسْتِعْمالُ عَلى حَذْفِهِ كَما حُذِفَ مِن هَلْ والأصْلُ (أهَلْ) كَما قالَ:

سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنا أهَلْ رَأوْنا بِسَفْحِ القاعِ ذِي الأكَمِ

فَإذا أدْخَلْتَ حَرْفَ الجَرِّ عَلى (مَن) فَقَدِّرِ الهَمْزَةَ قَبْلَ حَرْفِ الجَرِّ في ضَمِيرِكَ كَأنَّكَ تَقُولُ: أعَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ، كَقَوْلِكَ: أعْلى زَيْدٍ مَرَرْتَ، اهـ.

وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِقَوْلِهِ: يَشْكُلُ ما ذُكِرَ بِقَوْلِهِمْ: مِن أيْنَ أنْتَ ومِن أيْنَ جِئْتَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وقَوْلِهِ: فِيمَ وبِمَ ومِمَّ وحَتّامَ ونَحْوِها، وأجابَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لا إشْكالَ في نَحْوِ (مِن أيْنَ أنْتَ)؟ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: أمِنَ البَصْرَةِ أمْ مِنَ الكُوفَةِ مَثَلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ

صفحة 139

لا يُحْتاجُ - عَلى ما حَقَّقَهُ النُّحاةُ - إلى جَمِيعِ ذَلِكَ.

وجُمْلَةُ ﴿عَلى مَن تَنَزَّلُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ(أُنَبِّئُكُمْ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ بِالِاسْتِفْهامِ، وهي إمّا سادَةٌ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي إنْ قَدَّرْتَ الفِعْلَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ، ومَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ إنَّ قَدَّرْتَهُ مُتَعَدِّيًا لِثَلاثَةٍ، والمُرادُ: هَلْ أُعْلِمُكم جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ- أعْنِي عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ- وأصْلُ تَنَزَّلُ تَتَنَزَّلُ فَحُذِفَ إحْدى التّاءَيْنِ.

والكَلامُ عَلى مَعْنى القَوْلِ عِنْدَ أبِي حَيّانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском