Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:30–49

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:30–49

26:30Page 368

قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠

[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"

﴿قالَ﴾ عَلى جِهَةِ التَّلَطُّفِ بِهِ والطَّمَعِ في إيمانِهِ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: تَفْعَلُ ذَلِكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ، أيْ: مُوَضِّحٍ لِصِدْقِ دَعْوايَ، يُرِيدُ بِهِ المُعْجِزَةَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وحِكْمَتِهِ وبَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ دَعْوى مَن ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِشَيْءٍ لِلتَّهْوِيلِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقابِلَةٍ لِلْجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ ولَوْ لِلْبَيانِ، تَحْقِيقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ تَحَقُّقُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، أيْ: أتَفْعَلُ فِيَّ ذَلِكَ حالَ عَدَمِ مَجِيئِي بِشَيْءٍ مُبِينٍ وحالَ مَجِيئِي بِهِ، وتَصْدِيرُ المَجِيءِ بِـ(لَوْ) دُونَ (إنْ) لَيْسَ لِبَيانِ

صفحة 75

اسْتِبْعادِهِ في نَفْسِهِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الواوَ لِلْحالِ عَلى مَعْنى أنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها حالٌ، أيْ: أتَفْعَلُ فِيَّ ذَلِكَ جائِيًا بِشَيْءٍ مُبِينٍ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ هُنا، وظاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ عَلى مَعْنى: لا تَقْدِرُ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ مَعَ أنِّي نَبِيٌّ بِالمُعْجِزَةِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ هَذا الكَلامِ بِالوَعِيدِ الصّادِرِ مِنَ اللَّعِينِ، فَذَلِكَ في تَفْسِيرِهِ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المَسْجُونِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أتَجْعَلُنِي مِنَ المَسْجُونِينَ إنِ اتَّخَذْتُ إلَهًا غَيْرَكَ ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ؟!

وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الطِّيبِيُّ كَلامَ الكَشّافِ، ثُمَّ قالَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الواوَ عاطِفَةٌ وهي تَسْتَدْعِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وهو ما سَبَقَ في أوَّلِ المُكالَمَةِ بَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى وعَدُّوِهِ، والهَمْزَةُ مُقْحَمَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلتَّقْرِيرِ، والمَعْنى: أتُقِرُّ بِالوَحْدانِيَّةِ وبِرِسالَتِي إنْ جِئْتُكَ بَعْدَ الِاحْتِجاجِ بِالبَراهِينِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الظّاهِرَةِ.

( ولَوْ ) بِمَعْنى إنْ عَزَّ بَزَّ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ ما في الأعْرافِ: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ انْتَهى، وهو كَما تَرى، وفِيهِ جَعْلُ ( مُبِينٍ ) مِن أبانَ اللّازِمِ بِمَعْنى بانَ، وجَعْلُهُ مِن أبانَ المُتَعَدِّي وحَذْفُ المَفْعُولِ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - أنْسَبُ لِلْمَقامِ، ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ هَذا الكَلامَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -

26:31Page 368

قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١

[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."

﴿قالَ﴾ حَيْثُ طَمِعَ أنْ يَجِدَ مَوْضِعَ مُعارَضَةٍ ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ أيْ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيْ: فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُكَ مِن أنَّكَ تَأْتِي بِشَيْءٍ مُوَضِّحٍ لِصِدْقِ دَعْواكَ، أوْ مِنَ الصّادِقِينَ في دَعْوى الرِّسالَةِ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ فَأْتِ بِهِ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أتَيْتَ بِهِ، والمَشْهُورُ تَقْدِيرُهُ مِن جِنْسِ الدَّلِيلِ.

وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَقَدَّمَ هو الجَوابَ، وجازَ تَقْدِيمُ الجَوابِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الشَّرْطِ لَمْ يَعْمَلْ في اللَّفْظِ شَيْئًا، وقَدْ بَهَتَ الزَّمَخْشَرِيُّ - عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ - أهْلَ السُّنَّةِ بِما هم مِنهُ بَراءٌ - كَما بَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وغَيْرِهِ - فارْجِعْ إلَيْهِ إنْ أرَدْتَهُ.

26:32Page 368

فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢

So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1

﴿فَألْقى﴾ مُوسى بَعْدَ أنْ قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ ﴿عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ ثُعْبانِيَّتُهُ، أيْ لَيْسَ بِتَمْوِيهٍ وتَخْيِيلٍ كَما يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ، والثُّعْبانُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ، واشْتِقاقُهُ مِن ثَعَبَ الماءُ بِمَعْنى جَرى جَرْيًا مُتَّسَعًا، وسُمِّيَ بِهِ لِجَرْيِهِ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ رِجْلٍ، كَأنَّهُ ماءٌ سائِلٌ، والظّاهِرُ أنَّ نَفْسَ العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُحالٍ إذا كانَ بِسَلْبِ الوَصْفِ الَّذِي صارَتْ بِهِ عَصًا وخَلْقِهِ وصْفَ الَّذِي يَصِيرُ ثُعْبانًا، بِناءً عَلى رَأْيِ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، إنَّما المُحالُ انْقِلابُها ثُعْبانًا مَعَ كَوْنِها عَصًا؛ لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ الواحِدِ في الزَّمَنِ الواحِدِ عَصًا وثُعْبانًا، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِخَلْقِ الثُّعْبانِ بَدَلَها، وظَواهِرُ الآياتِ تُبْعِدُ ذَلِكَ، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ عِظَمِ هَذا الثُّعْبانِ، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ كَيْفِيَّةِ الحالِ.

26:33Page 368

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣

And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.

﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ مِن جَيْبِهِ ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أيْ: بَياضُها يَجْتَمِعُ النَّظّارَةُ عَلى النَّظَرِ إلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وكانَ بَياضًا نُورانِيًّا.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أبْصَرَ أمْرَ العَصا قالَ: هَلْ لَكَ غَيْرُها؟ فَأخْرَجَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – يَدَهُ، فَقالَ: ما هَذِهِ؟ قالَ: يَدِي، فَأدْخَلَها في إبْطِهِ ثُمَّ نَزَعَها ولَها شُعاعٌ يَكادُ يُغْشِي الأبْصارَ ويَسُدُّ الأُفُقَ

26:34–35Page 368

قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤

[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.

يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥

He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"

﴿قالَ لِلْمَلإ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ ﴿حَوْلَهُ﴾ مَنصُوبٌ لَفْظًا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ حالًا، أيِ: مُسْتَقِرِّينَ حَوْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلْمَلَأِ عَلى حَدِّ:

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

والأوَّلُ أسْهَلُ وأنْسَبُ.

صفحة 76

ومِنَ العَجِيبِ ما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّهم يَجْعَلُونَ المَلَأ اسْمَ مَوْصُولٍ وحَوْلَهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قالَ لِلَّذِينَ اسْتَقَرُّوا حَوْلَهُ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائِقٌ في عِلْمِ السِّحْرِ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ قَسْرًا ﴿مِن أرْضِكُمْ﴾ الَّتِي نَشَأْتُمْ فِيها وتَوَطَّنْتُمُوها ﴿بِسِحْرِهِ﴾ وفي هَذا غايَةُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْتِغاءُ الغَوائِلِ لَهُ؛ إذْ مِن أصْعَبِ الأشْياءِ عَلى النُّفُوسِ مُفارَقَةُ الوَطَنِ لا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ قَسْرًا، وهو السِّرُّ في نِسْبَةِ الإخْراجِ والأرْضِ إلَيْهِمْ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ أيْ: أيَّ أمْرٍ تَأْمُرُونَ، فَمَحَلُّ ماذا النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ( وتَأْمُرُونَ ) مِنَ الأمْرِ ضِدِّ النَّهْيِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَأْمُرُونِي، وفي جَعْلِهِ عَبِيدَهُ - بِزَعْمِهِ - آمِرِينَ لَهُ مَعَ ما كانَ يُظْهِرُهُ لَهم مِن دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلْطانَ المُعْجِزَةِ بَهَرَهُ وحَيَّرَهُ حَتّى لا يَدْرِيَ أيَّ طَرَفَيْهِ أطْوَلَ، فَزَلَّ عِنْدَ ذِكْرِ دَعْوى الأُلُوهِيَّةِ، وحَطَّ عَنْ مَنكِبَيْهِ كِبْرِياءَ الرُّبُوبِيَّةِ، وانْحَطَّ عَنْ ذُرْوَةِ الفَرْعَنَةِ إلى حَضِيضِ المَسْكَنَةِ، ولِهَذا أظْهَرَ اسْتِشْعارَ الخَوْفِ مِنِ اسْتِيلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى مُلْكِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (ماذا) في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وأنْ يَكُونَ «تَأْمُرُونَ» مِنَ المُؤامَرَةِ بِمَعْنى المُشاوَرَةِ لِأمْرِ كُلٍّ بِما يَقْتَضِيهِ رَأْيُهُ، ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى.

26:36Page 368

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦

They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ: أخِّرْ أمْرَهُما إلى أنْ تَأْتِيَكَ السَّحَرَةُ، مِن أرْجَأْتُهُ إذا أخَّرْتَهُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ وهُمُ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ العَمَلَ لا يَأْتُونَهُ، ويَقُولُونَ: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ «أرْجِهِ» بِكَسْرِ الهاءِ، وعاصِمٌ وحَمْزَةُ «أرْجِهْ» بِغَيْرِ هَمْزٍ وسُكُونِ الهاءِ، والباقُونَ «أرْجِئْهُ» بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لا بُدَّ مِن ضَمِّ الهاءِ مَعَ الهَمْزَةِ ولا يَجُوزُ غَيْرُهُ، والأحْسَنُ أنْ لا يُبْلَغَ بِالضَّمِّ إلى الواوِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الهاءِ فَـ(أرْجِهِ) عِنْدَهُ مِن أرْجَيْتُهُ بِالياءِ دُونَ الهَمْزَةِ، والهَمْزُ - عَلى ما نَقَلَ الطِّيبِيُّ - أفْصَحُ، وقَدْ تُوصَلُ الهاءُ المَذْكُورَةُ بِياءٍ فَيُقالُ: أرْجِهِي، كَما يُقالُ مَرَرْتُ بِهِي، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّ بَعْضَ الحُذّاقِ بِالنَّحْوِ لا يُجَوِّزُ إسْكانَ نَحْوِ هاءِ ( أرْجِهْ ) أعْنِي هاءَ الإضْمارِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ جَوازَ ذَلِكَ، واسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقالَ: هو شِعْرٌ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، والشّاعِرُ يَجُوزُ أنْ يُخْطِئُ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الإسْكانُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ الهاءَ إنَّما تَسْكُنُ في الوَقْفِ، لَكِنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وقِيلَ: المَعْنى احْبِسْهُ، ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ لِفَرْطِ الدَّهْشَةِ، أوْ تَجَلُّدًا ومُداهَنَةً لِفِرْعَوْنَ، وإلّا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَحْبِسَهُ مَعَ ما شاهِدٍ مِنهُ مِنَ الآياتِ ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ شُرَطاءَ يَحْشُرُونَ السَّحَرَةَ ويَجْمَعُونَهم عِنْدَكَ

26:37–38Page 368

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧

Who will bring you every learned, skilled magician."

فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨

So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1

﴿يَأْتُوكَ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، أيْ: إنْ تَبْعَثْهم يَأْتُوكَ ﴿بِكُلِّ سَحّارٍ﴾ كَثِيرِ العَمَلِ بِالسِّحْرِ ﴿عَلِيمٍ﴾ فائِقٍ في عِلْمِهِ، ولِكَوْنِ المُهِمِّ هُنا هو العَمَلَ أتَوْا بِما يَدُلُّ عَلى التَّفْضِيلِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ «بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾ أيِ: المَعْهُودُونَ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ - كَما في المِفْتاحِ - عَهْدِيٌّ، وقالَ الفاضِلُ المُحَقِّقُ: إنَّ المَعْهُودَ قَدْ يَكُونُ عامًّا مُسْتَغْرِقًا كَما هُنا، ولا مُنافاةَ بَيْنَهُما كَما يُتَوَهَّمُ، وفِيهِ بَحْثٌ، فَتَأمَّلْ.

﴿لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ لِما وُقِّتَ بِهِ مِن ساعاتِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، وهو وقْتُ الضُّحى مِن يَوْمِ الزِّينَةِ، عَلى أنَّ المِيقاتَ مِن صِفاتِ الزَّمانِ، وفي الكَشّافِ: هو ما وُقِّتَ بِهِ، أيْ: حُدِّدَ مِن زَمانٍ أوْ مَكانٍ، ومِنهُ مَواقِيتُ الإحْرامِ

26:39Page 368

وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩

And it was said to the people, "Will you congregate

﴿وقِيلَ لِلنّاسِ﴾

صفحة 77

اسْتِبْطاءً لَهم في الِاجْتِماعِ وحَثًّا عَلى التَّبادُرِ إلَيْهِ ﴿هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ في ذَلِكَ المِيقاتِ، فالِاسْتِفْهامُ مَجازٌ عَنِ الحَثِّ والِاسْتِعْجالِ كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:

هَلْ أنْتَ باعِثُ دِينارٍ لِحاجَتِنا أوْ عَبْدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بْنِ مِخْراقِ

فَإنَّهُ يُرِيدُ: ابْعَثْ أحَدَهُما إلَيْنا سَرِيعًا ولا تُبْطِئْ بِهِ.

26:40Page 369

لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠

That we might follow the magicians if they are the predominant?"

﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ أيْ: في دِينِهِمْ ﴿إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَيْسَ مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا أنْ لا يَتَّبِعُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دِينِهِ، لَكِنْ ساقُوا كَلامَهم مَساقَ الكِنايَةِ؛ حَمْلًا لِلسَّحَرَةِ عَلى الِاهْتِمامِ والجِدِّ في المُغالَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ اتِّباعَ السَّحَرَةِ، أيِ: الثَّباتَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ، ويُدَّعى أنَّهم كانُوا عَلى ما يُرِيدُ فِرْعَوْنُ مِنَ الدِّينِ.

والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ غَيْرُ داخِلٍ في القائِلِينَ، وعَلى تَقْدِيرِ دُخُولِهِ لَمْ يُجَوِّزْ بَعْضُهم إرادَةَ المَعْنى الحَقِيقِيِّ لِهَذا الكَلامِ لِامْتِناعِ اتِّباعِ مُدَّعِي الإلَهِيَّةِ السَّحَرَةَ، وجَوَّزَهُ آخَرُونَ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ لِما اسْتَوْلى عَلَيْهِ مِنَ الدَّهْشَةِ مِن أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما طَلَبَ الأمْرَ مِمَّنْ حَوْلَهُ لِذَلِكَ، ولَعَلَّ إتْيانَهم بِـ(إنْ) لِلْإلْهابِ، وإلّا فالأوْفَقُ بِمَقامِهِمْ أنْ يَقُولُوا: إذا كانُوا هُمُ الغالِبِينَ

26:41Page 369

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١

And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"

﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا﴾ أيْ: لَأجْرًا عَظِيمًا ﴿إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ لا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَعَلَّهم أخْرَجُوا الشَّرْطَ عَلى أُسْلُوبِ ما وقَعَ في كَلامِ القائِلِينَ؛ مُوافَقَةً لَهُمْ، وإلّا فَلا يُناسِبُ حالُهم إظْهارَ الشَّكِّ في غَلَبَتِهِمْ.

26:42Page 369

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢

He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."

﴿قالَ﴾ فِرْعَوْنُ لَهم ﴿نَعَمْ﴾ لَكم ذَلِكَ ﴿وإنَّكُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ ﴿إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عِنْدِي، قِيلَ: قالَ لَهُمْ: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ عَلَيَّ وآخِرَ مَن يَخْرُجُ عَنِّي، (وإذًا) عِنْدَ جَمْعٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ في المَشْهُورِ مِنَ الجَوابِ والجَزاءِ، ونَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ أنَّها هُنا مُرَكَّبَةٌ مِن (إذا) الَّتِي هي ظَرْفُ زَمانٍ ماضٍ والتَّنْوِينِ الَّذِي هو عِوَضٌ عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ بَعْدَها، ولَيْسَتْ هي النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ في نَظايِرِ الآيَةِ الكافَيْجِيُّ والقاضِي تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ رَزِينٍ، وأنا مِمَّنْ يَقُولُ بِإثْباتِ هَذا المَعْنى لَها، والمَعْنى عَلَيْهِ: وإنَّكم إذا غَلَبْتُمْ أوْ إذا كُنْتُمُ الغالِبِينَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ. وقُرِئَ «نَعِمْ» بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وذَلِكَ لُغَةٌ في (نَعَمْ) .

26:43Page 369

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣

Moses said to them, "Throw whatever you will throw."

﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ أيْ بَعْدَما قالَ لَهُ السَّحَرَةُ: ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾: ﴿ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ لَمْ يَرُدَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرَ بِالسِّحْرِ والتَّمْوِيهِ حَقِيقَةً؛ فَإنَّ السِّحْرَ حَرامٌ، وقَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَلا يَلِيقُ بِالمَعْصُومِ الأمْرُ بِهِ، بَلِ الإذْنُ بِتَقْدِيمِ ما عُلِمَ بِإلْهامٍ أوْ فِراسَةٍ صادِقَةٍ أوْ قَرائِنِ الحالِ أنَّهم فاعِلُوهُ البَتَّةَ ولِذا قالَ: ( ما أنْتُمْ مُلْقُونَ ) لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى إبْطالِهِ.

وهَذا كَما يُؤْمَرُ الزِّنْدِيقُ بِتَقْرِيرِ حُجَّتِهِ لِتُرَدَّ، ولَيْسَ في ذَلِكَ الرِّضا المُمْتَنَعُ، فَإنَّهُ الرِّضا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِحْسانِ، ولَيْسَ في الإذْنِ المَذْكُورِ، ومُطْلَقُ الرِّضا غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، ومِمّا اشْتُهِرَ مِن قَوْلِهِمُ: (الرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ) لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ كَما عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنَ الفُقَهاءِ والأُصُولِيِّينَ.

26:44Page 369

فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤

So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."

﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا﴾ أيْ وقَدْ قالُوا عِنْدَ الإلْقاءِ ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: بِقُوَّتِهِ الَّتِي يُمْتَنَعُ بِها مِنَ الضَّيْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ عِزازٌ أيْ: صُلْبَةٌ ﴿إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ لا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا قَسَمٌ مِنهم بِعِزَّتِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - عَلى الغَلَبَةِ، وخَصُّوها بِالقَسَمِ هُنا لِمُناسَبَتِها لِلْغَلَبَةِ

صفحة 78

وقَسَمُهم عَلى ذَلِكَ لِفَرْطِ اعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ وإتْيانِهِمْ بِأقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْتى بِهِ مِنَ السِّحْرِ، وفي ذَلِكَ إرْهابٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِزَعْمِهِمْ، وعَدَلُوا عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ تَعْظِيمًا لَهُ، وهَذا القَسَمُ مِن نَوْعِ أقْسامِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ سَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في الإيمانِ ما هو أشْنَعُ مِن إيمانِهِمْ، لا يَرْضَوْنَ بِالقَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يَعْتَدُّونَ بِذَلِكَ حَتّى يَحْلِفَ أحَدُهم بِنِعْمَةِ السُّلْطانِ، أوْ بِرَأْسِهِ، أوْ بِرَأْسِ المُحَلِّفِ، أوْ بِلِحْيَتِهِ، أوْ بِتُرابِ قَبْرِ أبِيهِ، فَحِينَئِذٍ يُسْتَوْثَقُ مِنهُ، ولَهم أشْياءُ يُعَظِّمُونَها ويَحْلِفُونَ بِها غَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الحَلِفُ بِاللَّهِ تَعالى كَذِبًا أقَلَّ إثْمًا مِنَ الحَلِفِ بِها صِدْقًا، وهَذا مِمّا عَمَّتْ بِهِ البَلْوى ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى العَلِيِّ العَظِيمِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ قَسَمٌ: والأحْرى أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ والتَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ إذا كانُوا يَعْبُدُونَهُ، كَما تَقُولُ إذا ابْتَدَأْتَ بِشَيْءٍ: بِسْمِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى بَرَكَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ونَحْوُ ذَلِكَ.

26:45–46Page 369

فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥

Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦

So the magicians fell down in prostration [to Allāh].

﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ أيْ تَبْتَلِعُ بِسُرْعَةٍ، وأصْلُ التَّلَقُّفِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ: (تَلَقَّفُ) بِفَتْحِ اللّامِ والتَّشْدِيدِ، والأصْلُ تَتَلَقَّفُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ السُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أيِ: الَّذِي يُقَلِّبُونَهُ مِن حالِهِ الأوَّلِ وصُورَتِهِ بِتَمْوِيهِهِمْ وتَزْوِيرِهِمْ، فَيُخَيِّلُونَ حِبالَهم وعِصِيَّهم أنَّها حَيّاتٌ تَسْعى، فَما مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها لِلْفاصِلَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ تَلْقَفُ إفْكَهم تَسْمِيَةً لِلْمَأْفُوكِ بِهِ مُبالَغَةً ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ أيْ: خَرُّوا ساجِدِينَ إثْرَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَرَدُّدٍ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ حُدُودِ السِّحْرِ، وأنَّهُ أمْرٌ إلَهِيٌّ قَدْ ظَهَرَ عَلى يَدِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَصْدِيقِهِ، وعُبِّرَ عَنِ الخُرُورِ بِالإلْقاءِ؛ لِأنَّهُ ذُكِرَ مَعَ الإلْقاءاتِ فَسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ أيْضًا - مَعَ مُراعاةِ المُشاكَلَةِ - أنَّهم حِينَ رَأوْا ما رَأوْا لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ رَمَوْا بِأنْفُسِهِمْ إلى الأرْضِ ساجِدِينَ، كَأنَّهم أُخِذُوا فَطُرِحُوا طَرْحًا، فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ زادَتْ حُسْنَها المُشاكَلَةُ، وبَحَثَ في ذَلِكَ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ خَرُورِهِمْ عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ، وخَلْقُهُ هو الإلْقاءُ، فَلا حاجَةَ إلى التَّجَوُّزِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إيجادَ خَرُورِهِمْ وخَلْقَهُ فِيهِمْ لا يُسَمّى إلْقاءً حَقِيقَةً ولُغَةً، ثُمَّ ظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ فاعِلَ الإلْقاءِ - لَوْ صُرِّحَ بِهِ - هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما خَوَّلَهم مِنَ التَّوْفِيقِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ إيمانَهم أوْ ما عايَنُوا مِنَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ قالَ: ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ فاعِلًا؛ لِأنَّ (أُلْقِيَ) بِمَعْنى (خَرُّوا وسَقَطُوا).

وتَعَقَّبَ هَذا أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا وقَدْ حُذِفَ الفاعِلُ فَنابَ ذَلِكَ عَنْهُ، أمّا أنَّهُ لا يُقَدَّرُ فاعِلٌ فَقَوْلٌ ذاهِبٌ عَنِ الصَّوابِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ فاعِلٍ آخَرَ غَيْرِ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ المَجْهُولُ؛ لِأنَّهُ فاعِلُ الإلْقاءِ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ فَسَّرْتَ (سَقَطَ) بِـ(ألْقى نَفْسَهُ) لَصَحَّ.

والطِّيبِيُّ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ لا يُحْتاجُ إلى تَعْيِينِ فاعِلٍ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ المُلْقى لا تَعْيِينُ مَن ألْقاهُ، كَما تَقُولُ: قُتِلَ الخارِجِيُّ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ما اخْتارَهُ صاحِبُ الكَشْفِ أقْرَبُ، وبِالجُمْلَةِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ؛ فَإنَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يُرِيدَ ظاهِرَهُ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ ما أوْرَدَهُ أبُو حَيّانَ.

وفِي سُجُودِ السَّحَرَةِ وتَسْلِيمِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُنْتَهى السِّحْرِ تَمْوِيهٌ وتَزْوِيقٌ، يُخَيِّلُ شَيْئًا لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ لِأنَّ السِّحْرَ أقْوى ما كانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن أتى بِهِ فِرْعَوْنُ أعْلَمُ أهْلِ عَصْرِهِ بِهِ، وقَدْ بَذَلُوا جُهْدَهم وأظْهَرُوا أعْظَمَ ما عِنْدَهم

صفحة 79

مِنهُ، ولَمْ يَأْتُوا إلّا بِتَمْوِيهٍ وتَزْوِيقٍ، كَذا قِيلَ، والتَّحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ هو الغالِبُ في السِّحْرِ لا أنَّ كَلَّ سِحْرٍ كَذَلِكَ.

وقَوْلُ القَزْوِينِيِّ: إنَّ دَعْوى أنَّ في السِّحْرِ تَبْدِيلَ صُورَةٍ حَقِيقَةً مِن خُرافاتِ العَوامِّ وأسْمارِ النِّسْوَةِ - فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ في سِحْرٍ أبَدًا - لا يَخْلُو عَنْ مُجازَفَةٍ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ التَّبَحُّرَ في كُلِّ عِلْمٍ نافِعٌ، فَإنَّ أُولَئِكَ السَّحَرَةَ لِتَبَحُّرِهِمْ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا حَقِيَةَ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ مُعْجِزَةٌ فانْتَفَعُوا بِزِيادَةِ عِلْمِهِمْ؛ لِأنَّهُ أدّاهُمُ إلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ والإيمانِ لِفَرْقِهِمْ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَثْبُتُ حُكْمًا جُزْئِيًّا كَما لا يَخْفى، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهم إنَّما عَرَفُوا حَقِّيَّةَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أخَذَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا فَعادَتْ كَما كانَتْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَرَوْا لِحِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ بَعْدُ أثَرًا، وقالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا، ولَعَلَّها عَلى هَذا صارَتْ أجْزاءً هَبائِيَّةً وتَفَرَّقَتْ أوْ عَدِمَتْ لِانْقِطاعِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِوُجُودِها.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في البابِ السّادِسَ عَشَرَ والبابِ الأرْبَعِينَ مِنَ الفُتُوحاتِ: إنَّ العَصا لَمْ تَلْقَفْ إلّا صُوَرَ الحَيّاتِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، وأمّا هي فَقَدْ بَقِيَتْ ولَمْ تُعْدَمْ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ وهم لَمْ يَصْنَعُوا إلّا الصُّوَرَ، ولَوْلا ذَلِكَ لَوَقَعَتِ الشُّبْهَةُ لِلسَّحَرَةِ في عَصا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يُؤْمِنُوا، انْتَهى مُلَخَّصًا، فَتَأمَّلْ.

26:47–48Page 369

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨

The Lord of Moses and Aaron."

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (أُلْقِيَ) لِما بَيْنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ وهَذا القَوْلِ مِنَ المُلابَسَةِ، أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِرَبِّ العالَمِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، جِيءَ بِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرادَةِ فِرْعَوْنَ حَيْثُ كانَ قَوْمُهُ الجَهَلَةُ يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ المُوجِبَ لِإيمانِهِمْ بِهِ تَعالى ما أجْراهُ سُبْحانَهُ عَلى أيْدِيهِما مِنَ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ، ومَعْنى كَوْنِهِ تَعالى رَبَّهُما أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - خالِقُهُما ومالِكُ أمْرِهِما.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِما بِاعْتِبارِ وصْفِهِما لَهُ سُبْحانَهُ بِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي وصَفَهُ مُوسى وهارُونُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنْ سُلِّمَ سَماعُهم لِلْوَصْفِ المَذْكُورِ بَعْدَ أنْ حُشِرُوا مِنَ المَدائِنِ

26:49Page 369

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."

﴿قالَ﴾ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ بِغَيْرِ أنْ آذَنَ لَكم بِالإيمانِ لَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ إلّا أنَّ الإذْنَ مِنهُ مُمْكِنٌ أوْ مُتَوَقَّعٌ ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فَتَواطَأْتُمْ عَلى ما فَعَلْتُمْ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ إلَخْ، أوْ عَلَّمَكم شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ فَلِذَلِكَ غَلَبَكم كَما قِيلَ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَوافَقُ الكَلامانِ حِينَئِذٍ؛ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قالَ كُلًّا مِنهُما- وإنْ لَمْ يُذْكَرا مَعًا هُنا - وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ التَّلْبِيسَ عَلى قَوْمِهِ كَيْلا يَعْتَقِدُوا أنَّهم آمَنُوا عَنْ بَصِيرَةٍ وظُهُورِ حَقٍّ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ ورَوْحٌ «أآمَنتُمْ» بِهَمْزَتَيْنِ ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وبالَ ما فَعَلْتُمْ.

واللّامُ قِيلَ لِلِابْتِداءِ دَخَلَتِ الخَبَرَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، أيْ فَلَأنْتُمْ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ؛ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ إلّا مَعَ النُّونِ المُؤَكِّدَةِ، وجَمْعُها مَعَ سَوْفَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العِلْمَ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وإنْ تَأخَّرَ

صفحة 80

لِداعٍ، وقِيلَ: هي لِلْقَسَمِ، وقاعِدَةُ التَّلازُمِ بَيْنَها وبَيْنَ النُّونِ فِيما عَدا صُورَةِ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ بِحَرْفِ التَّنْفِيسِ، وصُورَةِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ .

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هي اللّامُ الَّتِي في (لَأقُومَنَّ) ونابَتْ سَوْفَ عَنْ إحْدى نُونَيِ التَّأْكِيدِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (فَلَتَعْلَمُنَّ) وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ بَيانٌ لِمَفْعُولِ ( تَعْلَمُونَ ) المَحْذُوفِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وتَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ، ولِذا فُصِّلَ وعُطِفَ بِالفاءِ في مَحَلٍّ آخَرَ، وقَدْ مَرَّ مَعْنى (مِن خِلافٍ)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском