Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:50–62

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:50–62

26:50Page 369

قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠

They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.

﴿قالُوا﴾ أيِ: السَّحَرَةُ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ أيْ: لا ضَرَرَ عَلَيْنا فِيما ذَكَرْتَ مِن قَطْعِ الأيْدِي وما مَعَهُ، والضَّيْرُ مَصْدَرُ ضارَّ، وجاءَ مَصْدَرُهُ - أيْضًا - ضَوْرًا، وهو اسْمُ لا وخَبَرُها مَحْذُوفٌ، وحَذْفُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا إلى رَبِّنا﴾ أيِ: الَّذِي آمَنّا بِهِ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، أيْ: لا ضَيْرَ في ذَلِكَ بَلْ لَنا فِيهِ نَفْعٌ عَظِيمٌ لِما يَحْصُلُ لَنا مِنَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ، أوْ لا ضَيْرَ عَلَيْنا فِيما تَفْعَلُ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ والِانْقِلابِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

ومَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ تَعَدَّدَتِ الأسْبابُ والمَوْتُ واحِدُ

وحاصِلُهُ نَفْيُ المُبالاةِ بِالقَتْلِ مُعَلَّلًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: (لا أُبالِي أوَقَعْتُ عَلى المَوْتِ أمْ وقَعَ المَوْتُ عَلَيَّ) أوْ: لا ضَيْرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَصِيرَنا ومَصِيرَكَ إلى رَبٍّ يَحْكُمُ بَيْنَنا فَيَنْتَقِمُ لَنا مِنكَ، وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

إلى دَيّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي ∗∗∗ وعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الخُصُومُ

ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأنَّ فِيهِ تَفْكِيكَ الضَّمائِرِ لِكَوْنِها لِلسَّحَرَةِ فِيما قَبْلُ وبَعْدُ، ومُنِعَ بِدُخُولِهِمْ في ضَمِيرِ الجَمْعِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

26:51Page 369

إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١

Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."

﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا﴾ أيْ: لِأنْ كُنّا ﴿أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ ثانٍ لِنَفْيِ الضَّيْرِ، ولَمْ يُعْطَفْ؛ إيذانًا بِأنَّهُ مِمّا يَسْتَقِلُّ بِالعِلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ العَطْفِ لِتَعَلُّقِ التَّعْلِيلِ بِالمُعَلَّلِ الأوَّلِ مَعَ تَعْلِيلِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْعِلَّةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، أيْ: لا ضَيْرَ عَلَيْنا في ذَلِكَ إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا لِكَوْنِنا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ، والطَّمَعُ إمّا عَلى بابِهِ كَما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ لِعَدَمِ الوُجُوبِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإمّا بِمَعْنى التَّيَقُّنِ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ .

وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أتْباعِ فِرْعَوْنَ، أوْ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ المَشْهَدِ، أوْ أوَّلَ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ، ولَعَلَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُؤْمِنٍ سَبَقَهم بِالإيمانِ، فَهو إخْبارٌ مَبْنِيٌّ عَلى غالِبِ الظَّنِّ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، كَذا قِيلَ.

وقِيلَ: أرادُوا أوَّلَ مَن أظْهَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى وبِرَسُولِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كِفاحًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ الآيَةِ، فَلا يَرِدُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وآسِيَةُ، وكَذا لا يَرِدُ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُمْ- كَما في البَحْرِ- كانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَهُمْ؛ إمّا لِعَدَمِ عِلْمِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المَذْكُورِينَ لَمْ يُظْهِرِ الإيمانَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ كِفاحًا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وظُهُورِ الآيَةِ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وأبُو مُعاذٍ «إنْ كُنّا» بِكَسْرِ هَمْزَةِ «إنْ» وخُرِّجَ عَلى أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ أيْ: إنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ فَإنّا نَطْمَعُ، وجَعَلَ صاحِبُ اللَّوامِحِ الجَوابَ ﴿إنّا نَطْمَعُ﴾ المُتَقَدِّمَ، وقالَ:

صفحة 81

جازَ حَذْفُ الفاءِ مِنهُ لِتَقَدُّمِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ، حَيْثُ يُجَوِّزُونَ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ، وعَلى هَذا فالظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُتَحَقِّقِينَ بِأنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: كانُوا مُتَحَقِّقِينَ ذَلِكَ لَكِنَّهم أبْرَزُوهُ في صُورَةِ الشَّكِّ لِتَنْزِيلِ الأمْرِ المُعْتَمِدِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ؛ تَمْلِيحًا وتَضَرُّعًا لِلَّهِ تَعالى، وفي ذَلِكَ هَضْمُ النَّفْسِ والمُبالَغَةُ في تَحَرِّي الصِّدْقِ، والمُشاكَلَةُ مَعَ (نَطْمَعُ) عَلى ما هو الظّاهِرُ فِيهِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ أنْ تَكُونَ (إنْ) هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولا يُحْتاجُ إلى اللّامِ الفارِقَةِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلى أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَلا احْتِمالَ لِلنَّفْيِ، وقَدْ ورَدَ مِثْلُ ذَلِكَ في الفَصِيحِ فَفي الحَدِيثِ: ««إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ العَسَلَ»» وقالَ الشّاعِرُ:

ونَحْنُ أُباةُ الضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ وإنْ مالِكٌ كانْتَ كِرامَ المَعادِنِ

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُونَ جازِمِينَ بِأنَّهم أوَّلُ المُؤْمِنِينَ أتَمَّ جَزْمٍ، واخْتُلِفَ في أنَّ فِرْعَوْنَ هَلْ فَعَلَ بِهِمْ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ أوْ لا؟ والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ وبَعْضُ هَؤُلاءِ زَعَمَ أنَّهم لَمّا سَجَدُوا رَأوُا الجَنّاتِ والنِّيرانَ ومَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، وقُبِضَتْ أرْواحُهم وهم ساجِدُونَ، وظَواهِرُ الآياتِ تُكَذِّبُ أمْرَ المَوْتِ في السُّجُودِ، وأمّا رُؤْيَةُ أمْرِ ما ذُكِرَ فَلا جَزْمَ عِنْدِي بِصِدْقِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

26:52Page 369

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢

And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ وذَلِكَ بَعْدَ سِنِينَ أقامَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى الحَقِّ ويُظْهِرُ لَهُمُ الآياتِ، فَلَمْ يَزِيدُوا إلّا عُتُوًّا وعِنادًا حَسْبَما فُصِّلَ في سُورَةِ الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ الآياتِ.

وقُرِئَ «أنِ اسْرِ» بِكَسْرِ النُّونِ ووَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وقَرَأ اليَمانِيُّ «أنْ سِرْ» أمْرًا مِن سارَ يَسِيرُ ﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإسْراءِ، أيْ: يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ مُصْبِحِينَ، فَأسْرِ لَيْلًا بِمَن مَعَكَ حَتّى لا يُدْرِكُوكم قَبْلَ الوُصُولِ إلى البَحْرِ، بَلْ يَكُونُونَ عَلى أثَرِكم حِينَ تَلِجُونَ البَحْرَ، فَيَدْخُلُونَ مَداخِلَكُمْ، فَأُطْبِقُهُ عَلَيْهِمْ فَأُغْرِقُهُمْ

26:53–54Page 369

فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣

Then Pharaoh sent among the cities gatherers1

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤

[And said], "Indeed, those are but a small band,

﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: فَأسْرى بِهِمْ، وأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ بِذَلِكَ فَأرْسَلَ ﴿فِي المَدائِنِ﴾ أيْ: مَدائِنِ مِصْرَ ﴿حاشِرِينَ﴾ جامِعِينَ لِلْعَساكِرِ لِيَتْبَعُوهم ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ، والكَلامُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ، أيْ: قائِلًا: إنَّ هَؤُلاءِ ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ أيْ: طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هي السَّفَلَةُ مِنهُمْ، وقِيلَ: بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، ومِنهُ ثَوْبٌ شِرْذامٌ وشِرْذامَةٌ، أيْ: خَلَقٌ مُقَطَّعٌ، قالَ الرّاجِزُ:

جاءَ الشِّتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقُ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنهُ التَّوّاقُ

وقُرِئَ «لَشَرِّ ذِمَّةٍ» بِإضافَةِ شَرٍّ مُقابِلِ خَيْرٍ إلى ذِمَّةٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي قِراءَةُ مَن لا يُؤْخَذُ مِنهُ، ولَمْ يَرْوِها أحَدٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿قَلِيلُونَ﴾ صِفَةُ (شِرْذِمَةٌ) وكانَ الظّاهِرُ (قَلِيلَةٌ) إلّا أنَّهُ جُمِعَ بِاعْتِبارِ أنَّ الشِّرْذِمَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أسْباطٍ كُلِّ سِبْطٍ مِنهم قَلِيلٌ، وقَدْ بالَغَ اللَّعِينُ في قِلَّتِهِمْ حَيْثُ ذَكَرَهم أوَّلًا بِاسْمٍ دالٍّ عَلى القِلَّةِ وهو (شِرْذِمَةٌ) ثُمَّ وصَفَهم بِالقِلَّةِ، ثُمَّ جَمَعَ القَلِيلَ لِلْإشارَةِ إلى قِلَّةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنهُمْ، وأتى بِجَمْعِ السَّلامَةِ - وقَدْ ذُكِرَ أنَّهُ دالٌّ عَلى القِلَّةِ - واسْتَقَلَّهم بِالنِّسْبَةِ إلى جُنُودِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا لا يُعَدُّ فِيهِمُ ابْنُ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ

صفحة 82

حِصانٍ، وقِيلَ: أرْسَلَ فِرْعَوْنُ في أثَرِهِمْ ألْفَ ألْفٍ وخَمْسَمِائَةِ ألْفِ مَلِكٍ مُسَوَّرٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ ألْفٌ، وخَرَجَ هو في جَمْعٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ مُقَدَّمَتُهُ سَبْعَمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ، كُلُّ رَجُلٍ عَلى حِصانٍ، وعَلى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ، وهم كانُوا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، وأنا أقُولُ: إنَّهم كانُوا أقَلَّ مِن عَساكِرِ فِرْعَوْنَ، ولا أجْزِمُ بِعَدَدٍ في كِلا الجَمْعَيْنِ، والأخْبارُ في ذَلِكَ لا تَكادُ تَصِحُّ، وفِيها مُبالَغاتٌ خارِجَةٌ عَنِ العادَةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اليَهُودِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا حِينَ خَرَجُوا مِن مِصْرَ سِتَّمِائَةِ ألْفِ رَجُلٍ خَلا الأطْفالَ، وهو صَرِيحُ ما في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ الذِّلَّةُ لا قِلَّةُ العَدَدِ، بَلْ هي مُسْتَفادَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) يَعْنِي أنَّهم لِقِلَّتِهِمْ أذِلّاءُ لا يُبالى بِهِمْ، ولا يُتَوَقَّعُ غَلَبَتُهُمْ، وقِيلَ: الذِّلَّةُ مَفْهُومَةٌ مِن (شِرْذِمَةٌ) بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنها بَقِيَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خَسِيسٍ، أوِ السَّفَلَةُ مِنَ النّاسِ وقَلِيلُونَ إمّا صِفَةٌ لَها، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ(إنَّ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ.

26:55–56Page 369

وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥

And indeed, they are enraging us,

وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦

And indeed, we are a cautious society..."

﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ لَفاعِلُونَ ما يَغِيظُنا مِن مُخالَفَةِ أمْرِنا، والخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِنا، مَعَ ما عِنْدَهم مِن أمْوالِنا المُسْتَعارَةِ.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ مِنَ القِبْطِ فاسْتَعارُوهُ وخَرَجُوا بِهِ، وتَقْدِيمُ (لَنا) لِلْحَصْرِ والفاصِلَةِ، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ أوْ تَنْزِيلِ المُتَعَدِّي مَنزِلَةَ اللّازِمِ ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ أيْ: إنّا لَجَمْعٌ مِن عاداتِنا الحَذَرُ والِاحْتِرازُ، واسْتِعْمالُ الحَزْمِ في الأُمُورِ، أشارَ أوَّلًا إلى عَدَمِ ما يَمْنَعُ اتِّباعَهم مِن شَوْكَتِهِمْ، ثُمَّ إلى تَحْقِيقِ ما يَدْعُو إلَيْهِ مِن فَرْطِ عَداوَتِهِمْ، ووُجُوبِ التَّيَقُّظِ في شَأْنِهِمْ؛ حَثًّا عَلَيْهِ أوِ اعْتِذارًا بِذَلِكَ إلى أهْلِ المَدائِنِ؛ كَيْلا يُظَنَّ بِهِ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - ما يَكْسِرُ سُلْطانَهُ.

وقَرَأ جَمْعٌ مِنَ السَّبْعَةِ وغَيْرُهم «حَذِرُونَ» بِغَيْرِ ألِفٍ، وفُرِّقَ بَيْنَ (حاذِرٍ) بِالألِفِ و(حَذِرٍ) بِدُونِها بِأنَّ الأوَّلَ اسْمُ فاعِلٍ يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ، والثّانِيَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ تُفِيدُ الثَّباتَ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ والكِسائِيِّ أنَّ الحَذِرَ مَن كانَ الحَذَرُ في خِلْقَتِهِ فَهو مُتَيَقِّظٌ مُنْتَبِهٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ حَذِرًا يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ وأنَّهُ يَعْمَلُ كَما يَعْمَلُ حاذِرٌ فَيَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ، وأنْشَدَ:

حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ

وقَدْ نُوزِعَ في ذَلِكَ بِما هو مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ وغَيْرِهِمْ أنَّ الحاذِرَ التّامُّ السِّلاحِ، وفَسَّرُوا ما في الآيَةِ بِذَلِكَ، وكَأنَّهُ بِمَعْنى صاحِبِ حَذَرٍ، وهي آلَةُ الحَرْبِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَجازًا، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ .

وقَرَأ سَمِيطُ بْنُ عَجْلانَ، وابْنُ أبِي عَمّارٍ، وابْنُ السَّمَيْقَعِ: «حادِرُونَ» بِالألِفِ والدّالِ المُهْمَلَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَيْنٌ حَدْرَةٌ أيْ: عَظِيمَةٌ، وفُلانٌ حادِرٌ أيْ: مُتَوَرِّمٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً، وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: الحادِرُ السَّمِينُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، والمَعْنى: أقْوِياءُ أشِدّاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

أحَبَّ الصَّبِيُّ السُّوءَ مِن أجْلِ أُمِّهِ ∗∗∗ وأبْغَضَهُ مَن بَغَضَها وهو حادِرُ

وقِيلَ: المَعْنى: تامُّو السِّلاحِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - أيْضًا - أخْذًا مِنَ الحَدارَةِ بِمَعْنى الجَسامَةِ والقُوَّةِ، فَإنَّ تامَّ السِّلاحِ يَتَقَوّى بِهِ كَما يَتَقَوّى بِأعْضائِهِ، و(جَمِيعٌ) عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ والمَعانِي بِمَعْنى الجَمْعِ، ولَيْسَتِ الَّتِي يُؤَكَّدُ بِها كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ المُؤَكِّدَةَ لَنُصِبَتْ.

26:57–58Page 369

فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧

So We removed them from gardens and springs

وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨

And treasures and honorable station1 -

﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ أيْ: فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ، أيْ: خَلَقْنا فِيهِمْ داعِيَةَ الخُرُوجِ بِهَذا

صفحة 83

السَّبَبِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الثَّلاثُ فَحَمْلَتْهم عَلَيْهِ، أوْ خَلَقْنا خُرُوجَهم ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ كانَتْ لَهم بِحافَتَيِ النِّيلِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِ - ﴿وكُنُوزٍ﴾ أيْ: أمْوالٍ كَنَزُوها وخَزَنُوها تَحْتَ الأرْضِ، وخُصِّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الأمْوالَ الظّاهِرَةَ أُمُورٌ لازِمَةٌ لَهُمْ؛ لِأنَّها مِن ضَرُورِيّاتِ مَعاشِهِمْ، فَإخْراجُهم عَنْها مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، وقِيلَ: لِأنَّ أمْوالَهُمُ الظّاهِرَةَ قَدِ انْطَمَسَتْ بِالتَّدْمِيرِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الإخْراجَ قَبْلَ الِانْطِماسِ إذْ مِن جُمْلَةِ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ الجَنّاتُ، والإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم أُخْرِجُوا مِنها بِعُنْوانِ كَوْنِها جَنّاتٍ، والأصْلُ فِيهِ الحَقِيقَةُ.

وعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أنَّهُ بَعْدُ يَرِدُ أنَّ المُدَمَّرَ ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ، وهو مُفَسَّرٌ بِالقُصُورِ والعِماراتِ والجِنانِ، فَيَبْقى ما سِوى ذَلِكَ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالتَّدْمِيرِ مِنَ الأمْوالِ الظّاهِرَةِ مَعَ أنَّهم أُخْرِجُوا مِنهُ أيْضًا، فَيَحْتاجُ تَوْجِيهُ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالكُنُوزِ أمْوالُهُمُ الباطِنَةُ والظّاهِرَةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ؛ لِأنَّها لَمْ يُنْفَقْ مِنها في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والأوَّلُ أوْفَقُ بِاللُّغَةِ.

وأكْثَرُ جَهَلَةِ أهْلِ مِصْرَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَذِهِ الكُنُوزَ في المُقَطَّمِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وأنَّها مَوْجُودَةٌ إلى الآنِ، وقَدْ بَذَلُوا عَلى إخْراجِها أمْوالًا كَثِيرَةً لِشَياطِينِ المَغارِبَةِ وغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا إلّا بِالتُّرابِ أوْ حَجَرِ الكَذّانِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالعُيُونِ عُيُونُ الذَّهَبِ وهو خِلافُ المُتَبادَرِ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ الضَّحّاكُ مِن أنَّ المُرادَ بِالكُنُوزِ الأنْهارُ ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ هي المَساكِنُ الحِسانُ كَما قالَ النَّقّاشُ، وعَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ أنَّها كانَتْ بِالفَيُّومِ مِن أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والأشْرافِ والحُكّامِ الَّتِي تُحِفُّها الأتْباعُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ في الكِلَلِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّها مَرابِطُ الخَيْلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ أنَّها المَنابِرُ لِلْخُطَباءِ، وقَرَأ قَتادَةُ والأعْرَجُ «ومُقامٍ» بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ.

26:59–60Page 369

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.

فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠

So they pursued them at sunrise.

﴿كَذَلِكَ﴾ إمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إخْراجًا مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ أخْرَجْنا، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ، أوْ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(مَقامٍ) أيْ: مَقامٍ كَرِيمٍ مِثْلِ ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي كانَ لَهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ - كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ - لِما مَرَّ تَحْقِيقُهُ، أوْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ تَقْرِيرُ الأمْرِ وتَحْقِيقُهُ، واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: هو أقْوى الوُجُوهِ لِيَكُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ - أيْ مَلَّكْناها لَهم تَمْلِيكَ الإرْثِ - عَطْفًا عَلَيْهِ، والجُمْلَتانِ مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ والمَعْطُوفِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهُمْ﴾ لِأنَّ الإتْباعَ عَقِبَ الإخْراجِ لا الإيراثِ.

قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَأعْطاهم جَمِيعَ ما كانَ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأمْوالِ والعَقارِ والمَساكِنِ، وعَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ يَكُونُ (أوْرَثْنا) عَطْفًا عَلى (أخْرَجْنا) ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ، نَحْوِ: فَأرَدْنا إخْراجَهم وإيراثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَهم فَخَرَجُوا وأتْبَعُوهُمُ، انْتَهى.

ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ جُمْلَةَ ( أوْرَثْناها ) إلَخْ، مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ الأوْجُهِ، وما ذُكِرَ عَنِ الواحِدِيِّ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى رَدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى مِصْرَ بَعْدَما أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ظاهِرُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ بَعْدَ الغَرَقِ مِن غَيْرِ تَطاوُلِ مُدَّةٍ.

وأظْهَرُ مِنهُ في هَذا ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كَما عَبَرُوا البَحْرَ ورَجَعُوا ووَرِثُوا دِيارَهم وأمْوالَهُمْ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهم رَجَعُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَقُوا مَعَهُ في مِصْرَ عَشْرَ سِنِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ بَعْضُهم بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وهُمُ الَّذِينَ أُورِثُوا أمْوالَ القِبْطِ، وذَهَبَ الباقُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أرْضِ الشّامِ.

صفحة 84

وقِيلَ: إنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ ذَهَبُوا إلى الشّامِ ولَمْ يَدْخُلُوا مِصْرَ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَلَكُوها زَمَنَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَذْكُورُ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ صَرِيحٌ في أنَّهم بَعْدَ أنْ جاوَزُوا البَحْرَ تَوَجَّهُوا إلى أرْضِ الشّامِ، وقَدْ فُصِّلَتْ قِصَّةُ ذَهابِهِمْ إلَيْها، وأكْثَرُ التَّوارِيخِ عَلى هَذا، وظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَقْتَضِي ما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

ومَعْنى (أتْبَعُوهُمْ) لَحِقُوهم يُقالُ: تَبِعْتُ القَوْمَ فَأتْبَعْتُهم أيْ: تَلَوْتُهم فَلَحِقْتُهُمْ، كَأنَّ المَعْنى: فَجَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَما كُنْتُ تابِعًا لَهم مُبالَغَةً في اللُّحُوقِ، وضَمِيرُ الفاعِلِ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ والمَفْعُولِ لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقَرَأ الحَسَنُ (فاتَّبَعُوهُمْ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ وشَدِّ التّاءِ ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: داخِلِينَ في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، أيْ: طُلُوعِها، مِن (أشْرَقَ زَيْدٌ) دَخَلَ في وقْتِ الشُّرُوقِ، كَأصْبَحَ دَخَلَ في وقْتِ الصَّباحِ، وأمْسى دَخَلَ في وقْتِ المَساءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن أشْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ الشَّرْقِ) كَأنْجَدَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ نَجْدٍ) وأعْرَقَ (تَوَجَّهَ نَحْوَ العِراقِ) أيْ: فاتَّبَعُوهم مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ الشَّرْقِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ.

وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتَ لَيْلَةَ خَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ – بِقَوْمِهِ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهم فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ بِدَفْنِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ومِثْلُ ذَلِكَ في التَّوْراةِ بِزِيادَةِ مَوْتِ أبْكارِ بَهائِمِهِمْ أيْضًا، والوَصْفُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ.

ومَعْنى ﴿مُشْرِقِينَ﴾ في ضِياءٍ، بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في ضِياءٍ، وكانَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في ضَبابٍ وظُلْمَةٍ، تَحَيَّرُوا فِيها حَتّى جاوَزَ بَنُو إسْرائِيلَ البَحْرَ، ولا يَكادُ يَصِحُّ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى:

26:61Page 370

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١

And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"

﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾ أيْ: تَقارَبا بِحَيْثُ رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما الآخَرَ.

نَعَمْ، ذُكِرَ في التَّوْراةِ ما حاصِلُهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا كانَ أمامَهم نَهارًا عَمُودٌ مِن غَمامٍ ولَيْلًا عَمُودٌ مِن نارٍ؛ لِيَدُلَّهم ذَلِكَ عَلى الطَّرِيقِ، فَلَمّا طَلَبَهم فِرْعَوْنُ ورَأوْا جُنُودَهُ خافُوا جِدًّا، ولامُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الخُرُوجِ، وقالُوا لَهُ: أمِن عَدَمِ القُبُورِ بِمِصْرَ أخْرَجْتَنا لِنَمُوتَ في البَرِّ؟! أما قُلْنا لَكَ: دَعْنا نَخْدِمِ المِصْرِيِّينَ فَهو خَيْرٌ مِن مَوْتِنا في البَرِّ؟! فَقالَ لَهم مُوسى: لا تَخافُوا وانْظُرُوا إغاثَةَ اللَّهِ تَعالى لَكُمْ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ فَتَحَوَّلَ عَمُودُ الغَمامِ إلى ورائِهِمْ، وصارَ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ودَخَلَ اللَّيْلُ ولَمْ يَتَقَدَّمْ أحَدٌ مِن جُنُودِ فِرْعَوْنَ طُولَ اللَّيْلِ، وشُقَّ البَحْرُ، ثُمَّ دَخَلَ بَنُو إسْرائِيلَ، ولَيْسَ في هَذا ما يُصَحِّحُ أمْرَ الحالِيَّةِ المَذْكُورَةِ، فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ «تَرا» بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلى مَذْهَبِ التَّخْفِيفِ بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَصِحُّ تَحْقِيقُها بِالقَلْبِ لِلُزُومِ ثَلاثِ ألِفاتٍ مُتَّسِقَةٍ، وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ أبَدًا، قالَهُ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ حَمْزَةُ «تَرِيئِي» بِكَسْرِ الرّاءِ وبِمَدٍّ ثُمَّ بِهَمْزٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عاصِمٍ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا «تَراءى» بِالفَتْحِ والمَدِّ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الأنْصارِيُّ في كِتابِهِ الإقْناعِ: ﴿تَراءى الجَمْعانِ﴾ في الشُّعَراءِ إذا وقَفَ عَلَيْها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ أمالا الألِفَ المُنْقَلِبَةَ عَنْ لامِ الفِعْلِ، وحَمْزَةُ يَمِيلُ ألِفَ تَفاعَلَ وصْلًا ووَقْفًا كَإمالَةِ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ، وقُرِئَ «فَلَمّا تَراءَتِ» الفِئَتانِ.

﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أيْ: لَمُلْحَقُونَ، جاؤُوا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإدْراكِ واللَّحاقِ وتَنْجِيزِهِما، وأرادُوا بِذَلِكَ التَّحَزُّنَ وإظْهارَ الشَّكْوى؛ طَلَبًا لِلتَّدْبِيرِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: (لَمُدَّرِكُونَ) بِفَتْحِ الدّالِّ مُشَدَّدَةً وكَسْرِ الرّاءِ مِنَ الِادِّراكِ بِمَعْنى الفَناءِ والِاضْمِحْلالِ، يُقالُ: ادَّرَكَ الشَّيْءُ إذا فَنِيَ تَتابُعًا، وأصْلُهُ التَّتابُعُ، وهو ذَهابُ أحَدٍ عَلى أثَرِ آخَرَ، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِمَعْنى الهَلاكِ، وأنْ يَفْنى شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى يَذْهَبَ جَمِيعُهُ، وقَدْ جاءَ التَّتابُعُ بِهَذا المَعْنى في قَوْلِ الحَماسِيِّ:

صفحة 85

أبَعْدَ بَنِي أُمَّيِ الَّذِينَ تَتابَعُوا أرْجى حَياةً أمْ مِنَ المَوْتِ أجْزَعُ

والمَعْنى: إنّا لَهالِكُونَ عَلى أيْدِيهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا.

26:62Page 370

قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢

[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."

﴿قالَ﴾ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَدْعًا لَهم عَنْ ذَلِكَ وإرْشادًا إلى أنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يُغْنِي عَنْ تَدْبِيرِهِ: ﴿كَلا﴾ لَنْ يُدْرِكُوكم ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بِالحِفْظِ والنُّصْرَةِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ قَرِيبًا إلى ما فِيهِ نَجاتُكم مِنهم ونَصْرُكم عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُشْرِكْهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَعِيَّةِ والهِدايَةِ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى حَسَبِ ما أشارُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ مِن طَلَبِ التَّدْبِيرِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الأصْلَ، وغَيْرُهُ تَبَعٌ لَهُ مَحْفُوظُونَ مَنصُورُونَ بِواسِطَتِهِ وشَرَفِهِ وكَرامَتِهِ قالَ: ( مَعِي ) دُونَ (مَعَنا) وكَذا قالَ: ( سَيَهْدِينِ ) دُونَ سَيَهْدِينا، وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ جَزاءً لَهم عَلى غَفْلَتِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ حَتّى خافُوا فَقالُوا ما قالُوا، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُدَّةِ بَقائِهِمْ مَعَهُ في مِصْرَ، أوْ غَفْلَتِهِمْ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ حِينَ كانُوا مَعَ القِبْطِ في مِصْرَ، حَيْثُ لَمْ يُصِبْهم ما أصابَهم مِنَ الدَّمِ ونَحْوِهِ مِنَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ بِواسِطَةِ حُسْنِ الظَّنِّ إنْجاءَهم مِنهم حِينَ أُمِرُوا بِالخُرُوجِ فَلَحِقُوهُمْ، وكانَ تَأْدِيبُهُ لَهم عَلى ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ إشْراكِهِمْ فِيما ذُكِرَ لا أنَّهُ نَفاهُ عَنْهم كَما يُتَوَهَّمُ مِن تَقْدِيمِ الخَبَرِ، فَإنَّ تَقْدِيمَهُ لِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ المَعِيَّةِ الَّتِي هي مَدارُ النَّجاةِ المَطْلُوبَةِ، وقِيلَ: لِلْحَصْرِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْعَوْنَ وجَمْعِهِ، وقِيلَ عَلى القَوْلِ الثّانِي في تَوْجِيهِ عَدَمِ إشْراكِهِمْ: إنَّهُ لِلْحَصْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ أيْضًا، عَلى مَعْنى: إنَّ مَعِيَ أوَّلًا وبِالذّاتِ رَبِّي لا مَعَكم كَذَلِكَ، وقِيلَ: قُدِّمَتِ المَعِيَّةُ هُنا وأُخِّرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ لِأنَّ المُخاطَبَ هُنا بَنُو إسْرائِيلَ، وهم أغْبِياءُ يَعْرِفُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ النَّظَرِ والسَّماعِ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُخاطَبُ هُناكَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو مِمَّنْ يَرى اللَّهَ تَعالى قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، ولِاخْتِلافِ المَقامِ نَظَمَ نَبِيُّنا ﷺ صاحِبَهُ مَعَهُ في المَعِيَّةِ، ولَمْ يُقَدِّمْ لَهُ رَدْعًا وزَجْرًا، وخاطَبَهُ عَلى نَحْوِ مُخاطَبَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عِنْدَ تَسْلِيَتِهِ بِما صُورَتُهُ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ، وأتى بِالِاسْمِ الجامِعِ، وهو لَفْظُ اللَّهِ دُونَ اسْمٍ مُشْعِرٍ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ مَثَلًا، ولَمْ يَكُنْ كَلامُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُخاطَبَتُهُ لِقَوْمِهِ عَلى هَذا الطِّرْزِ، وسُبْحانَ مِن فَضَّلَ بَعْضَ العالَمِينَ عَلى بَعْضٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ مَعِي وعْدَ رَبِّي، ولِذَلِكَ قالَ: ( مَعِي ) دُونَ (مَعَنا) وفِيهِ ما فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском