Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:67–77
26:67Page 370
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ القِصَّةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: لِبُعْدِ المَسافَةِ بِالنَّظَرِ إلى مَبْدَأِ القِصَّةِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ لَآيَةً عَظِيمَةً تُوجِبُ الإيمانَ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَصْدِيقَهُ بِما جاءَ بِهِ، وأُرِيدَ بِها - عَلى ما قِيلَ - انْقِلابُ العَصا ثُعْبانًا، وخُرُوجُ يَدِهِ - عَلَيْهِ
صفحة 90
السَّلامُ - بَيْضاءَ لِلنّاظِرِينَ، وانْفِلاقُ البَحْرِ، وأُفْرِدَتْ لِاتِّحادِ المَدْلُولِ.
﴿وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أكْثَرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَأْتِيَهُمْ، وهُمُ القِبْطُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم سِوى مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وبَعْضِ السَّحَرَةِ - عَلى القَوْلِ بِأنَّ بَعْضَهم مِنَ القِبْطِ لا كُلَّهم كَما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضٍ مِنّا - والعَجُوزِ الَّتِي دَلَّتْ مُوسى عَلى قَبْرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لَيْلَةَ الخُرُوجِ مِن مِصْرَ لِيَحْمِلَ عِظامَهُ مَعَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ ما كانَ في البَحْرِ مِن إنْجاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ وإغْراقِ الآخَرِينَ، وضَمِيرُ ( أكْثَرُهم ) لِلنّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ الإغْراقِ والإنْجاءِ مِن قَوْمِفِرْعَوْنَ - الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ لِعُذْرٍ - ومِن بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِالإيمانِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ التَّصْدِيقُ اليَقِينِيُّ الجازِمُ الَّذِي لا يَقْبَلُ الزَّوالَ أصْلًا، أيْ: وما كانَ أكْثَرُ النّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ تَحَقُّقِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ وظُهُورِها مُصَدِّقِينَ تَصْدِيقًا يَقِينِيًّا جازِمًا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ، فَإنَّ الباقِينَ في مِصْرَ مِنَ القِبْطِ لَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهم مُطْلَقًا، وأكْثَرَ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا غَيْرَ مُتَيَقِّنِينَ، ولِذا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها، وعَبَدُوا العِجْلَ، فَلا يُقالُ لَهم مُؤْمِنُونَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، ويَكْفِي في إيمانِ البَعْضِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَفْهُومُ كَوْنُ البَعْضِ المُؤْمِنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَيْثُ كانَ المُرادُ: وما كانَ أكْثَرُهم بَعْدَ تَحَقُّقِ آيَتَيِ الإغْراقِ والإنْجاءِ وظُهُورِهِما مُؤْمِنِينَ - لا يَصِحُّ جَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْقِبْطِ إلّا بِبَيانِ الأقَلِّ المُؤْمِنِ والأكْثَرِ الكافِرِ مِنهم بَعْدَ تَحَقُّقِ الآيَتَيْنِ، وما ذُكِرَ في بَيانِ الأقَلِّ المُؤْمِنِ مِنهم لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ إيمانُ مَن ذُكِرَ كانَ في ابْتِداءِ الرِّسالَةِ.
عَلى أنَّ العَجُوزَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ - كَما جاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا، بَلْ أخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها شارِحُ ابْنَةُ أشِيرَ بْنِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَهي بِنْتُ أخِي يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَكُونُ أقْرَبَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى إسْرائِيلَ.
وأُجِيبَ بِأنَّ مَن يُرْجِعُ الضَّمِيرَ عَلى القِبْطِ لا يَلْزَمُهُ أنْ يُفَسِّرَ الآيَةَ بِالإغْراقِ والإنْجاءِ، بَلْ يَقُولُ: المُرادُ بِها المُعْجِزاتُ مِنَ العَصا واليَدِ وانْفِلاقِ البَحْرِ، ويَقُولُ: إنَّ إيمانَ الأقَلِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ بَعْضِها كافٍ لِاتِّحادِ مَدْلُولِها في تَحَقُّقِ المَفْهُومِ، وأمّا إرْجاعُ الضَّمِيرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ بَعْدَ الإغْراقِ والإنْجاءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَخِلافُ الظّاهِرِ، وكَذا حَمْلُ الإيمانِ عَلى ما ذُكِرَ وجَعْلُ أكْثَرِ بَنِي إسْرائِيلَ المَخْصُوصِينَ بِالإنْجاءِ غَيْرَ مُؤْمِنِينَ وإنْ حَصَلَ مِنهم عِنْدَ وُقُوعِ بَعْضِ الآياتِ ما لا يَنْبَغِي صُدُورُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ ويُعَجِّبُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ لَمّا حَضَرُوا البَحْرَ وحَضَرَ عَدُوُّهُمْ، جاؤُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا: قَدْ حَضَرَنا العَدُوُّ فَماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أنْ أنْزِلَ هاهُنا، فَإمّا أنْ يَفْتَحَ لِي رَبِّي ويَهْزِمَهم وإمّا أنْ يَفْرُقَ لِي هَذا البَحْرَ، فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم حَتّى وقَعُوا في البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ فَضَرَبَهُ فَتَأطَّطَ كَما يَتَأطَّطُ العَرْشُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّانِيَةَ فَمِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّالِثَةَ فانْصَدَعَ، فَقالُوا: هَذا عَنْ غَيْرِ سُلْطانِ مُوسى، فَجازَوُا البَحْرَ فَلَمْ يُسْمَعْ بِقَوْمٍ أعْظَمَ ذَنْبًا ولا أسْرَعَ تَوْبَةً مِنهم».
ومَتى حُمِلَ الإيمانُ عَلى ما ذُكِرَ وصَحَّ نَفْيُ الإيمانِ عَمَّنْ صَدَرَ مِنهُ ما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُسُوخِهِ جازَ إرْجاعُ الضَّمِيرِ
صفحة 91
عَلى بَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً، فَإنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَكُونُوا راسِخِينَ فِيهِ، وظاهِرُ عِبارَةِ بَعْضِهِمْ يُوهِمُ إرْجاعَهُ إلَيْهِمْ ولَيْسَ ذاكَ بِشَيْءٍ.
وقَدْ سَلَكَ شَيْخُ الإسْلامِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ مَسْلَكًا تَفَرَّدَ في سُلُوكِهِ فِيما أظُنُّ فَقالَ: إنَّ في ذَلِكَ، أيْ في جَمِيعِ ما فُصِّلَ مِمّا صَدَرَ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وظَهَرَ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، ومِمّا فَعَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، وما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ لِآيَةً أيَّ آيَةٍ، آيَةً وآيَةً عَظِيمَةً لا تَكادُ تُوصَفُ، مُوجِبَةً لِأنْ يَعْتَبِرَ بِها المُعْتَبِرُونَ، ويَقِيسُوا شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، ويَجْتَنِبُوا تَعاطِيَ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ومُخالَفَةِ الرَّسُولِ، ويُؤْمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى ويُطِيعُوا رَسُولَهُ ﷺ كَيْلا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ.
أوْ: إنَّ فِيما فُصِّلَ في القِصَّةِ مِن حَيْثُ حِكايَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَها مِن أحَدٍ لِآيَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الوَحْيِ الصّادِقِ، مُوجِبَةً لِلْإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ وما كانَ أكْثَرُهُمْ، أيْ: أكْثَرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمِعُوا قِصَّتَهم مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُؤْمِنِينَ لا بِأنْ يَقِيسُوا شَأْنَهُ ﷺ بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ المُهْلَكِينَ، ولا بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في حِكايَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِقِصَّتِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَها مِن أحَدٍ مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ مِمّا يُؤَدِّي إلى الإيمانِ قَطْعًا، ومَعْنى ( ما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ ) ما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ، عَلى أنَّ كانَ زائِدَةً - كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهو إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِما سَيَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالقِصَّةِ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ إلَخْ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ عَلى عَدَمِ الإيمانِ واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ ( كانَ ) بِمَعْنى صارَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ فالمَعْنى: وما صارَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ مَعَ ما سَمِعُوا مِنَ الآيَةِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ، فَيَكُونُ الإخْبارُ بِعَدَمِ الصَّيْرُورَةِ قَبْلَ الحُدُوثِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ تَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ .
وادَّعى أنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى آخِرِ القَصَصِ السَّبْعِ، بَلْ إلى آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ اقْتِضاءً بَيِّنًا، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ضَمِيرَ ( أكْثَرُهم ) لِأهْلِ عَصْرِ فِرْعَوْنَ مِنَ القِبْطِ وغَيْرِهِمْ، وأنَّ المَعْنى: وما كانَ أكْثَرُ أهْلِ مِصْرَ مُؤْمِنِينَ؛ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن مِنهم إلّا آسِيَةُ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، والعَجُوزُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى قَبْرِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَما نَجَوْا سَألُوا بَقَرَةً يَعْبُدُونَها واتَّخَذُوا العِجْلَ، وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ - فَبِمَعْزِلٍ عَنِ التَّحْقِيقِ، كَيْفَ لا ومَساقُ كُلِّ قِصَّةٍ مِنَ القَصَصِ الوارِدَةِ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ سِوى قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما هو لِبَيانِ حالِ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ قَدْ عَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ، وعَصَوْا رُسُلَهُ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ القَصَصِ بِتَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ بَعْدَما شاهَدُوا ما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الآياتِ العِظامِ ما يُوجِبُ عَلَيْهِمُ الإيمانَ، ويَزْجُرُهم عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، وأصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَطَعَ دابِرَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُخْبَرَ عَنْهم بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ، لا سِيَّما بَعْدَ الإخْبارِ بِهَلاكِهِمْ؟!
وعَدُّ المُؤْمِنِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أوَّلًا، وإخْراجُهم مِنها آخِرًا - مَعَ عَدَمِ مُشارَكَتِهِمْ لَهم في شَيْءٍ مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِنَ الجِناياتِ أصْلًا - مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
ورُجُوعُ ضَمِيرِ ( أكْثَرُهم ) في قِصَّةِ إبْراهِيمَ
صفحة 92
- عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى قَوْمِهِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أيْضًا أصْلًا؛ لِظُهُورِ أنَّهم ما ازْدادُوا بِما سَمِعُوهُ مِنهُ إلّا طُغْيانًا وكُفْرًا حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ الَّتِي فَعَلُوها بِهِ، فَكَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهم بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ، وإنَّما آمَنُ لَهُ لُوطٌ فَنَجّاهُما اللَّهُ تَعالى إلى الشّامِ ؟! فَتَدَبَّرْ، اهـ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيها مَحْذُورًا مِن عِدَّةِ أوْجُهٍ:
أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ حَمْلَ كانَ عَلى الصِّلَةِ - مَعَ ظُهُورِ الوَجْهِ الصَّحِيحِ - غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ لَزِمَ هُنا بَعْدَ هَذا حَمْلُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِمْرارِ عَلى أنَّهم لا يَكُونُونَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مُؤْمِنِينَ، وإنْ جُعِلَ بِمَعْنى صارَ يَلْزَمُ جَعْلُهُ مُضارِعًا، لَكِنْ عُدِلَ عَنْهُ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّحَقُّقِ، وهَذا أيْضًا - مَعَ إمْكانِ المَعْنى العارِي عَنِ الِاحْتِياجِ لِذَلِكَ - غَيْرُ مُناسِبٍ.
وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ إرْجاعَ ضَمِيرِ ( أكْثَرُهم ) إلى قَوْمِ نَبِيِّنا ﷺ صَرْفٌ عَنْ مَرْجِعِهِ المُتَقَدِّمِ المَذْكُورِ لَفْظًا، سِيَّما في القَصَصِ الآتِيَةِ المُصَدَّرَةِ بِـ(كَذَّبَتْ).
وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: لا بِأنْ يَقِيسُوا شَأْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِشَأْنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَخْ، لا يَخْلُو عَنْ صُعُوبَةٍ؛ إذِ الأمْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُما - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَيْسَ إلّا أنَّ كُلًّا مِنهُما نَبِيٌّ مُؤَيَّدٌ بِالمُعْجِزاتِ مُطْلَقًا، وأمّا إنْ نُظِرَ إلى خُصُوصِيّاتِ المُعْجِزاتِ فَلا يَخْفى أنَّهُ لا مُشارَكَةَ بَيْنِهِما، وكَذا قِياسُ حالِهِمْ عَلى حالِ فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ لا يَخْلُو عَنْها عَلى هَذا القِياسِ.
وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً ) إلَخْ، قَدْ ذُكِرَ عَلى هَذا النَّسَقِ في سَبْعَةِ مَواضِعَ، ولا بُدَّ مِن تَنْسِيقِ تَفْسِيرِهِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ فِيها مَهْما أمْكَنَ. ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما في قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ ذُكِرَ فِيها مِن حالِ قَوْمِهِ فِعْلُهُمُ الشَّنِيعُ المَعْهُودُ، ثُمَّ إهْلاكُ جَمِيعِهِمْ، وما في قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ ذُكِرَ فِيها مِن حالِ أصْحابِ الأيْكَةِ عَمَلُهُمُ المُتَعَلِّقُ بِالكَيْلِ والوَزْنِ، ثُمَّ إهْلاكُ جَمِيعِهِمْ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِحَيْثِيَّةِ كُفْرِ كُلِّ قَوْمٍ فَلا يُناسِبُ فِيهِما أنْ يُقالَ: إنَّ في ذَلِكَ لِآيَةً مُوجِبَةً لِإيمانِ قُرَيْشٍ، بِأنْ يَقِيسُوا حالَ أنْفُسِهِمْ بِحالِ أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ، ويَجْتَنِبُوا تَعاطِيَ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِنَ المَعاصِي، هَذا عَلى الطَّرِيقِ الأوَّلِ، وأمّا الطَّرِيقُ الثّانِي فَفِيهِ أيْضًا عِدَّةُ مَحْذُوراتٍ.
أمّا أوَّلًا وثانِيًا فَلِما ذُكِرَ أوَّلًا وثانِيًا، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ كُلًّا مِن كِلْتا القِصَّتَيْنِ ذُكِرَ هُنا عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذُكِرَ مُفَصَّلًا في سُورَةٍ أُخْرى، وكُلٌّ مِنهُما ذِكْرٌ مُحْدَثٌ بِحَسَبِ نُزُولِهِ، فَلا وجاهَةَ في أنْ يُقالَ: وما أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ بِكَ بِأنْ يَتَدَبَّرُوا في حِكايَتِكَ لِقِصَّتِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ تَسْمَعَها مِن أحَدٍ بِناءً عَلى أنَّهم قَدْ سَمِعُوها مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُفَصَّلَةً قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ كَوْنَ حِكايَتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَسْمَعَهُ مَن أحَدٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى إيمانِهِمْ قَطْعًا - مَحَلُّ تَرَدُّدٍ.
وأمّا رابِعًا فَلِأنَّ آخِرَ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ( وأنْجَيْنا )، ( ثُمَّ أغْرَقْنا ) وكَذا آخِرُ قِصَّةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْلُهُ تَعالى: ( فَنَجَّيْناهُ )، ( ثُمَّ دَمَّرْنا )، ( وأمْطَرْنا ) فالمُتَبادَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى نَفْسِ المَحْكِيِّ المُشْتَمِلِ عَلى الأفْعالِ العَجِيبَةِ الإلَهِيَّةِ لا إلى حِكايَتِها.
وأمّا ما قالَهُ في تَزْيِيفِ ما قِيلَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا؛ لِأنَّ نِسْبَةَ التَّكْذِيبِ إلى كُلِّ قَوْمٍ مِنَ الأقْوامِ الَّذِينَ نُسِبَ إلَيْهِمْ إنَّما هي بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِكايَةً عَنْهم بَعْدَ أنْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ ذَلِكَ حِكايَةً عَنْ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿وما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ﴾ فَيَكُونُ ضَمِيرُ ( أكْثَرُهم ) راجِعًا إلى القَوْمِ غَيْرَ مُلاحَظٍ فِيهِمْ ذَلِكَ.
ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، ويُرادُ بِالأكْثَرِ في المَواضِعِ السَّبْعَةِ جَمْعٌ مَوْصُوفُونَ بِزِيادَةِ الكَثْرَةِ، سَواءٌ كانَ البَعْضُ المُؤْمِنُ واحِدًا أوْ أكْثَرَ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ كَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْ قَوْمِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعَدَمِ إيمانِ أكْثَرِهِمْ وإنَّما آمَنَ
صفحة 93
لَهُ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ – فَتَأمَّلِ، انْتَهى، ولا يُخْفى ما فِيهِ مِنَ الغَثِّ والسَّمِينِ.
وأنا أخْتارُ - كَما اخْتارَ شَيْخُ الإسْلامِ - رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى قَوْمِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأوَّلَ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ وآخِرَها في الحَدِيثِ عَنْهُمْ، وتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا قالُوهُ في شَأْنِ كِتابِهِ الأكْرَمِ، ونَهْيَهُ صَرِيحًا وإشارَةً عَنْ أنْ يَذْهَبَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اقْتِضاءً - لا رَيْبَ فِيهِ - رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى قَوْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ويُهَوِّنُ أمْرَ عَدَمِ رُجُوعِهِ إلى الأقْرَبِ لَفْظًا، ويَكُونُ الِارْتِباطُ عَلى هَذا بَيْنَ الآياتِ أقْوى.
وأخْتارُ أنَّ الإشارَةَ إلى ما تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ وأنَّ المَعْنى أنَّ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ لَآيَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى ما يَجِبُ عَلى قَوْمِكَ الإيمانُ بِهِ مِن شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وكَذا يُقالُ في جَمِيعِ ما يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وكُلُّ ذَلِكَ عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ، وكَذا الكَلامُ في كانَ وما يَتَعَلَّقُ بِالجُمْلَةِ.
26:68Page 370
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ كالكَلامِ فِيما تَقَدَّمَ أيْضًا، ولَعَلَّ تَخْرِيجَ ما ذُكِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ أحْسَنُ مِن تَخْرِيجِ شَيْخِ الإسْلامِ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ ما أنْزَلَ مِنَ الكَلامِ.
/
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في ( إذْ نادى ) إلَخْ، أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ لِقَوْمِكَ، واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴿نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ أيْ: خَبَرَهُ العَظِيمَ الشَّأْنِ، حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْكَ؛ لِيَتَأكَّدَ عِنْدَكَ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما فِيهِ العِلْمُ بِشِدَّةِ عِنادِهِمْ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ لِأنَّ عَدَمَ الإيمانِ بَعْدَ وُقُوفِهِمْ عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ أقْوى دَلِيلٍ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ؛ لِما أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جَدُّهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ والتَّأسِّي بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -
26:70Page 370
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ ٧٠
When he said to his father and his people, "What do you worship?"
﴿إذْ قالَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ(نَبَأ) عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو البَقاءِ، أيْ: نَبَأهُ وقْتَ قَوْلِهِ ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ(اتْلُ) عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (نَبَأ) عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ الحَوْفِيِّ، أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمْ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ عَلى أنَّ المَتْلُوَّ ما قالَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ. وضَمِيرُ ( قَوْمِهِ ) عائِدٌ عَلى إبْراهِيمَ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى أبِيهِ؛ لِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّفْكِيكُ.
وسَألَهُمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَمّا يَعْبُدُونَ لِيَبْنِيَ عَلى جَوابِهِمْ أنَّ ما يَعْبُدُونَهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِالكُلِّيَّةِ لا لِلِاسْتِعْلامِ؛ إذْ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -
26:71Page 370
قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ ٧١
They said, "We worship idols and remain to them devoted."
﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الجَوابِ الكافِي بِأنْ يَقُولُوا: (أصْنامًا) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾، ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ - بَلْ أطْنَبُوا فِيهِ بِإظْهارِ الفِعْلِ وعَطْفِ دَوامِ عُكُوفِهِمْ عَلى أصْنامِهِمْ - مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَنْهُ - قَصْدًا إلى إبْرازِ ما في نُفُوسِهِمُ الخَبِيثَةِ مِنَ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ بِذَلِكَ، وهو - عَلى ما في الكَشْفِ - مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ، والمُرادُ بِالظُّلُولِ الدَّوامُ، كَما في قَوْلِهِمْ: (لَوْ ظَلَّ الظُّلْمُ هَلَكَ النّاسُ) وتَكُونُ ظَلَّ عَلى هَذا تامَّةً، وقَدْ قالَ بِمَجِيئِها كَذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ، وأنْكَرَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وقِيلَ: فَعَلَ الشَّيْءَ نَهارًا، فَقَدْ كانُوا يَعْبُدُونَها بِالنَّهارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَتَكُونُ ظَلَّ عَلى هَذا ناقِصَةً دالَّةً عَلى ثُبُوتِ خَبَرِها لِاسْمِها في النَّهارِ.
واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ؛ لِتَبادُرِ الدَّوامِ وكَوْنِهِ أبْلَغَ مُناسِبًا لِمَقامِ الِابْتِهاجِ والِافْتِخارِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ الثّانِيَ؛ لِأنَّهُ أصْلُ المَعْنى، وهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى إعْلانِهِمُ الفِعْلَ لِافْتِخارِهِمْ بِهِ و(عاكِفِينَ) عَلى الأوَّلِ حالٌ وعَلى الثّانِي خَبَرٌ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
وإيرادُ اللّامِ دُونَ عَلى لِإفادَةِ مَعْنًى زائِدٍ، كَأنَّهم قالُوا: نَظَلُّ لِأجْلِها
صفحة 94
مُقْبِلِينَ عَلى عِبادَتِها أوْ مُسْتَدِيرِينَ حَوْلَها، وهَذا أيْضًا - عَلى ما قِيلَ - مِن جُمْلَةِ إطْنابِهِمْ
26:72–73Page 370
قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ ٧٢
He said, "Do they hear you when you supplicate?
أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ ٧٣
Or do they benefit you, or do they harm?"
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ جَوابِهِمْ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ دَخَلَ فِعْلُ السَّماعِ عَلى غَيْرِ مَسْمُوعٍ، ومَذْهَبُ الفارِسِيِّ أنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ الثّانِي مِمّا يَدُلُّ عَلى صَوْتٍ، فالكافُ هُنا عِنْدَهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: هَلْ يَسْمَعُونَكم تَدَعُونَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تَدْعُونَ﴾ عَلَيْهِ، ومَذْهَبُ غَيْرِهِ أنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإذا وقَعَتْ بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مَلْفُوظَةٌ أوْ مُقَدَّرَةٌ فَهي في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ إنْ كانَ مَعْرِفَةً، وفي مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ إنْ كانَ نَكِرَةً.
وجُوِّزَ فِيها البَدَلِيَّةُ أيْضًا، وإذا دَخَلَ عَلى مَسْمُوعٍ تَعَدّى إلى واحِدٍ اتِّفاقًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما هُنا داخِلًا عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: (هَلْ يَسْمَعُونَ دُعاءَكُمْ) فَحُذِفَ المُضافُ؛ لِدَلالَةِ ( إذْ تَدْعُونَ ) أيْضًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: السَّماعُ هُنا بِمَعْنى الإجابَةِ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: ««اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ»» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ: هَلْ يُجِيبُونَكُمْ، وحِينَئِذٍ لا نِزاعَ في أنَّهُ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ، ولا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
والأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ؛ فَإنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ، نَعَمْ، رُبَّما يُقالُ: إنَّ ما قِيلَ أوْفَقُ بِقِراءَةِ قَتادَةَ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ: «يُسْمِعُونَكُمْ» بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِن (أسْمَعَ) والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الجَوابُ ( وإذْ ) ظَرْفٌ لِما مَضى، وجِيءَ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ وحِكايَتِها.
وأمّا كَوْنُ (هَلْ) تُخَلِّصُ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ فَلا يَضُرُّ هُنا؛ لِأنَّ المُعْتَبَرَ زَمانُ الحُكْمِ لا زَمانُ التَّكَلُّمِ، وهو هُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّماعَ بَعْدَ الدُّعاءِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا بُدَّ مِنَ التَّجَوُّزِ في ( إذْ ) بِأنْ تُجْعَلَ بِمَعْنى (إذا) أوِ التَّجَوُّزِ في المُضارِعِ بِأنْ يُجْعَلَ بِمَعْنى الماضِي، واعْتِبارُ الِاسْتِحْضارِ أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ، وقُرِئَ بِإدْغامِ ذالِ ( إذْ ) في تاءِ ( تَدْعُونَ ) وذَلِكَ بِقَلْبِها تاءً وإدْغامِها في التّاءِ.
﴿أوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِبادَتِكم لَهم ﴿أوْ يَضُرُّونَ﴾ أيْ: يَضُرُّونَكم بِتَرْكِكم لِعِبادَتِهِمْ؛ إذْ لا بُدَّ لِلْعِبادَةِ - لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها عَلى ما وصَفْتُمْ مِنَ المُبالَغَةِ فِيها - مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِلْفاصِلَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: أوْ يَضُرُّونَ مَن أعْرَضَ عَنْ عِبادَتِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ العَطْفُ.
26:74Page 370
قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٧٤
They said, "But we found our fathers doing thus."
﴿قالُوا بَلْ وجَدْنا آباءَنا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أضْرَبُوا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهم سَمْعٌ أوْ نَفْعٌ أوْ ضُرٌّ؛ اعْتِرافًا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، واضْطُرُّوا إلى إظْهارِ أنْ لا سَنَدَ لَهم سِوى التَّقْلِيدِ، فَكَأنَّهم قالُوا: لا يَسْمَعُونَ ولا يَنْفَعُونَنا ولا يَضُرُّونَ، وإنَّما وجَدْنا آباءَنا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعْلِنا ويَعْبُدُونَهم مِثْلَ عِبادَتِنا فاقْتَدَيْنا بِهِمْ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلْفاصِلَةِ.
26:75–76Page 370
قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٧٥
He said, "Then do you see what you have been worshipping,
أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ٧٦
You and your ancient forefathers?
﴿قالَ أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: أنَظَرْتُمْ فَأبْصَرْتُمْ، أوْ تَأمَّلْتُمْ فَعَلِمْتُمْ أيَّ شَيْءٍ اسْتَدَمْتُمْ عَلى عِبادَتِهِ، أوْ: أيَّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ﴾ والكَلامُ إنْكارٌ وتَوْبِيخٌ يَتَضَمَّنُ بُطْلانَ آلِهَتِهِمْ وعِبادَتِها، وأنَّ عِبادَتَها ضَلالٌ قَدِيمٌ لا فائِدَةَ في قَدَمِهِ إلّا ظُهُورُ بُطْلانِهِ، كَما يُؤْذِنُ بِهَذا وصْفُ آبائِهِمْ بِالأقْدَمِينَ.
26:77Page 370
فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٧
Indeed, they are enemies to me, except the Lord of the worlds,1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ مِن أنِّي لا أعْبُدُهم أوْ لا تَصِحُّ عِبادَتُهُمْ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِـ(ما كُنْتُمْ) إذِ المَعْنى: أفَأُخْبِرُكم وأُعَلِّمُكم بِمَضْمُونِ هَذا؟ واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِحالِ ما يَعْبُدُونَهُ الَّتِي لَوْ أحاطُوا بِها عِلْمًا لَما عَبَدُوهُ، أيْ: فاعْلَمُوا أنَّهم أعْداءً لِعابِدِيهِمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ تَعالى؛ لِما أنَّهم يَتَضَرَّرُونَ مِن جِهَتِهِمْ تَضَرُّرَ الرَّجُلِ مِن جِهَةِ عَدُوِّهِ، فَإطْلاقُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن بابِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
صفحة 95
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ المَجازِ العَقْلِيِّ بِإطْلاقِ وصْفِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، مِن حَيْثُ إنَّ المُغْرِيَ والحامِلَ عَلى عِبادَتِهِمْ هو الشَّيْطانُ الَّذِي هو عَدُوٌّ مُبِينٌ لِلْإنْسانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ. والدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ أنَّ الأصْنامَ لِكَوْنِها جَماداتٍ لا تَصْلُحُ لِلْعَداوَةِ. وما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى القَلْبِ، والأصْلَ: (فَإنِّي عَدُوٌّ لَهُمْ) لَيْسَ بِشَيْءٍ.
وقالَ النَّسَفِيُّ: العَدُوُّ اسْمٌ لِلْمُعادِي والمُعادى جَمِيعًا، فَلا يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿وتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾ وصُوِّرَ الأمْرُ في نَفْسِهِ؛ تَعْرِيضًا لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِيَكُونَ أبْلَغَ في النُّصْحِ وأدْعى لِلْقَبُولِ، ومِن هُنا اسْتَعْمَلَ الأكابِرُ التَّعْرِيضَ في النُّصْحِ.
ومِنهُ ما يُحْكى عَنِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا واجَهَهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: لَوْ كُنْتُ بِحَيْثُ أنْتَ لاحْتَجْتُ إلى أدَبٍ.
وسَمِعَ رَجُلٌ ناسًا يَتَحَدَّثُونَ في الحِجْرِ فَقالَ: ما هو بَيْتِي ولا بَيْتُكم.
وضَمِيرُ (إنَّهُمْ) عائِدٌ عَلى (ما) وجُمِعَ مُراعاةً لِمَعْناها، وإفْرادُ العَدُوِّ - مَعَ أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الجَمْعِ - إمّا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ فَيُطْلَقُ عَلى الواحِدِ المُذَكَّرِ وغَيْرِهِ، أوْ لِاتِّحادِ الكُلِّ في مَعْنى العَداوَةِ، أوْ لِأنَّ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ (فَإنَّ كُلًّا مِنهُمْ) أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى النَّسَبِ، أيْ: ذُو كَذا، فَيَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ كَما قِيلَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ «إنَّهُمْ» عِنْدَ جَماعَةٍ، مِنهُمُ الفَرّاءُ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أيْ: لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ - جَلَّ وعَلا - ولِيُّ مَن عَبَدَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا يَزالُ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالمَنافِعِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى ( ما تَعْبُدُونَ ) ويُعْتَبَرُ شُمُولُهُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وفي آبائِهِمُ الأقْدَمِينَ مَن عَبَدَ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - مِن غَيْرِ شَكٍّ، أوْ يُقالُ: إنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُشْرِكِينَ وهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى والأصْنامَ. وتَخْصِيصُ الأصْنامِ هُنا بِالذِّكْرِ لِلرَّدِّ لا لِأنَّ عِبادَتَهم مَقْصُورَةٌ عَلَيْها، ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ لِذَلِكَ فَهو بِاعْتِبارِ دَوامِ العُكُوفِ، وذَلِكَ لا يُنافِي عِبادَتَهم إيّاهُ - عَزَّ وجَلَّ - أحْيانًا.
وقالَ الجُرْجانِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن ( ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ) و(إلّا) بِمَعْنى دُونَ وسِوى، وفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والأصْلُ: أفَرَأيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأقْدَمُونَ إلّا رَبَّ العالَمِينَ - أيْ: دُونَ رَبِّ العالَمِينَ - فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences