Al-AlusiAsh‑Shu'ara · 26:78–88

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:78–88

26:78Page 370

ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ ٧٨

Who created me, and He [it is who] guides me.

﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ صِفَةٌ لِـ(رَبَّ العالَمِينَ) ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ وبِما عُطِفَ عَلَيْهِ - مَعَ انْدِراجِ الكُلِّ تَحْتَ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ - زِيادَةٌ في الإيضاحِ في مَقامِ الإرْشادِ، وقِيلَ: تَصْرِيحًا بِالنِّعَمِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَفْصِيلًا لَها لِكَوْنِها أدْخَلَ في اقْتِضاءِ تَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، وقَصْرِ الِالتِجاءِ في جَلْبِ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، ودَفْعِ المَضارِّ العاجِلَةِ والآجِلَةِ عَلَيْهِ تَعالى.

﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، أيْ: فَهو يَهْدِينِي وحْدَهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - إلى كُلِّ ما يُهِمُّنِي ويُصْلِحُنِي مِن أُمُورِ المَعاشِ والمَعادِ هِدايَةً مُتَّصِلَةً بِحِينِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، مُتَجَدِّدَةً عَلى الِاسْتِمْرارِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ وصِيغَةُ المُضارِعِ، فَإنَّهُ تَعالى يَهْدِي كُلَّ ما خَلَقَهُ لِما خُلِقَ لَهُ هِدايَةً مُتَدَرِّجَةً مِن مُبْتَدَأِ إيجادِهِ إلى مُنْتَهى أجَلِهِ، يَتَمَكَّنُ بِها مِن جَلْبِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ، إمّا طَبْعًا وإمّا اخْتِيارًا، مَبْدَؤُها - بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ - هِدايَةُ الجَنِينِ لِامْتِصاصِ دَمِ الطَّمْثِ في المَشْهُورِ، ومُنْتَهاها الهِدايَةُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ والتَّنَعُّمِ بِنَعِيمِها المُقِيمِ.

وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وغَيْرُهُ كَوْنَ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ ( هو يَهْدِينِ ) خَبَرُهُ، ودَخَلَتِ الفاءُ في خَبَرِهِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ، نَحْوُ: (الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ).

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الفاءَ إنَّما يُؤْتى بِها في خَبَرِ المَوْصُولِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ إذا كانَ عامًّا، وهُنا لا يُتَخَيَّلُ فِيهِ العُمُومُ، فَلَيْسَ ما نَحْنُ فِيهِ نَظِيرَ المِثالِ. وأيْضًا الفِعْلُ الَّذِي هو (خَلَقَ) مِمّا لا يُمْكِنُ فِيهِ تَجَدُّدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ مِن جَوازِ زِيادَةِ الفاءِ في الخَبَرِ مُطْلَقًا، نَحْوُ: (زَيْدٌ فاضْرِبْهُ)، وأُجِيبَ بِأنَّ اشْتِراطَ

صفحة 96

العُمُومِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ - كَما فَصَّلَهُ الرَّضِيُّ - وإنَّما هو أغْلَبِيٌّ، وبِأنَّ مُطْلَقَ الخَلْقِ مِمّا يُمْكِنُ فِيهِ التَّجَدُّدُ وهو مُمْكِنُ الإرادَةِ، وإنْ ظَهَرَ في صُورَةِ المَخْصُوصِ وتَسَبَّبَ الخَلْقُ لِلْهِدايَةِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ بِها لِتَحَقُّقِها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ويَلْزَمُ عَلى الإعْرابِ المَذْكُورِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

26:79Page 370

وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ ٧٩

And it is He who feeds me and gives me drink.

﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ؛ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وكَذا اللَّذانِ بَعْدَهُ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ لَفْظًا ومَعْنًى، فاللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ الإعْرابُ الأوَّلُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَوْصُولُ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، وإنَّما كُرِّرَ المَوْصُولُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ - مَعَ كِفايَةِ عَطْفِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الجُمَلِ السِّتِّ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ الأوَّلِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّلاتِ نَعْتٌ جَلِيلٌ لَهُ تَعالى، مُسْتَقِلٌّ في اسْتِيجابِ الحُكْمِ، حَقِيقٌ بِأنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِحِيالِها ولا تُجْعَلَ مِن رَوادِفِ غَيْرِها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ إطْعامُ الطَّعامِ المَعْرُوفِ، وسَقْيُ الشَّرابِ المَعْهُودِ، وجِيءَ بِـ(هُوَ) هُنا دُونَ الخَلْقِ لِشُيُوعِ إسْنادِ الإطْعامِ والسَّقْيِ إلى غَيْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِخِلافِ الخَلْقِ، وعَلى هَذا القِياسِ فِيما جِيءَ فِيهِ بِـ(هُوَ) وما تُرِكَ مِمّا يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وعَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ أنَّ المَعْنى: يُطْعِمُنِي بِلا طَعامٍ ويَسْقِينِي بِلا شَرابٍ، كَما جاءَ: «إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِ» وهو مَشْرَبٌ صُوفِيٌّ.

وأُتِيَ بِهَذَيْنِ الصِّفَتَيْنِ بَعْدَما تَقَدَّمَ لِما أنَّ دَوامَ الحَياةِ وبَقاءَ نِظامِ خَلْقِ الإنْسانِ بِالغِذاءِ والشَّرابِ ما سُلِكَ فِيهِما مَسْلَكَ العَدْلِ، وهو أشَدُّ احْتِياجًا إلَيْهِما مِنهُ إلى غَيْرِهِما، ألا تَرى أنَّ أهْلَ النّارِ - وهم في النّارِ - لَمْ يَشْغَلْهم ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ عَنْ طَلَبِهِما فَقالُوا: «أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ»؟!

26:80–81Page 370

وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ ٨٠

And when I am ill, it is He who cures me

وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ ٨١

And who will cause me to die and then bring me to life

﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى «يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ» نُظِمَ مَعَهُما في سِلْكِ الصِّلَةِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ؛ لِما أنَّ الصِّحَّةَ والمَرَضَ مِن مُتَفَرِّعاتِ الأكْلِ والشُّرْبِ غالِبًا:

فَإنَّ الدّاءَ أكْثَرُ ما تَراهُ يَكُونُ مِنَ الطَّعامِ أوِ الشَّرابِ

وقالَتِ الحُكَماءُ: لَوْ قِيلَ لِأكْثَرِ المَوْتى: ما سَبَبُ آجالِكُمْ؟ لَقالُوا: التَخَمُ.

ونِسْبَةُ المَرَضِ - الَّذِي هو نِقْمَةٌ - إلى نَفْسِهِ، والشِّفاءِ - - الَّذِي هو نِعْمَةٌ - إلى اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - لِمُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، كَما قالَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ وقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما﴾، ولا يَرِدُ إسْنادُهُ الإماتَةَ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ - إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِإمْكانِ الفَرْقِ بِأنَّ المَوْتَ قَدْ عُلِمَ واشْتُهِرَ أنَّهُ قَضاءٌ مَحْتُومٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سائِرِ البَشَرِ، وحُكْمٌ عامٌّ لا يَخُصُّ، ولا كَذَلِكَ المَرَضُ، فَكَمْ مِن مُعافًى مِنهُ إلى أنْ يَبْغَتَهُ المَوْتُ، فالتَّأسِّي بِعُمُومِ المَوْتِ يُسْقِطُ أثَرَ كَوْنِهِ نِقْمَةً، فَيُسَوِّغُ الأدَبُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ تَعالى، وأمّا المَرَضُ فَلِما كانَ يُخَصُّ بِهِ بَعْضُ البَشَرِ دُونَ بَعْضٍ كانَ نِقْمَةً مُحَقَّقَةً، فاقْتَضى العُلُوُّ في الأدَبِ أنْ يَنْسُبَهُ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ بِاعْتِبارِ السَّبَبِ الَّذِي لا يَخْلُو مِنهُ.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ مَعَ غَيْرِ المَرَضِ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِهِ بَتًّا وجَزْمًا؛ لِأنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ، وأمّا المَرَضُ - فَلَمّا كانَ قَدْ يَتَّفِقُ وقَدْ لا - أوْرَدَهُ مَقْرُونًا بِشَرْطِ (إذا) فَقالَ: ﴿وإذا مَرِضْتُ﴾ وكانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: والَّذِي أمْرَضُ فَيَشْفِينِي، كَما قالَ في غَيْرِهِ، فَما عَدَلَ عَنِ المُطابَقَةِ والمُجانَسَةِ المَأْثُورَةِ إلّا لِذَلِكَ، كَذا قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّما قالَ: مَرِضْتُ دُونَ (أمْرَضَنِي) لِأنَّ كَثِيرًا مِن أسْبابِ المَرَضِ يَحْدُثُ بِتَفْرِيطٍ مِنَ الإنْسانِ في مَطاعِمِهِ ومَشارِبِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكَأنَّهُ إنَّما عَدَلَ في التَّعْلِيلِ عَنْ حُسْنِ الأدَبِ؛ لِما رَأى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أضافَ الإماتَةَ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهي أشَدُّ مِنَ المَرَضِ، ولَمْ يَخْطُرْ لَهُ الفَرْقُ بِما مَرَّ أوْ نَحْوُهُ، وغَفَلَ عَنْ أنَّ المَعْنى الَّذِي أبْداهُ في المَرَضِ يَنْكَسِرُ بِالمَوْتِ أيْضًا، فَإنَّ المَرَضَ كَما يَكُونُ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ

صفحة 97

الإنْسانِ في المَطْعَمِ وغَيْرِهِ كَذَلِكَ المَوْتُ النّاشِئُ عَنْ سَبَبِ هَذا المَرَضِ الَّذِي يَكُونُ بِتَفْرِيطِ الإنْسانِ، وقَدْ أضافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الإماتَةَ مُطْلَقًا إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ بِحُسْنِ الأدَبِ في وجْهِ إسْنادِ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى: إنَّها حَيْثُ كانَتْ مُعْظَمَ خَصائِصِهِ - عَزَّ وجَلَّ - كالإحْياءِ بَدْءًا وإعادَةً، وقَدْ نِيطَتْ أُمُورُ الآخِرَةِ جَمِيعًا بِها وبِما بَعْدَها مِنَ البَعْثِ نَظَمَهَما في سِمْطٍ واحِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ عَلى أنَّ المَوْتَ - لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ - بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْبُوعٍ عِنْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى، وأوْلى مِن هَذِهِ العِلاوَةِ ما قِيلَ: إنَّ المَوْتَ لِأهْلِ الكَمالِ وصْلَةٌ إلى نَيْلِ المَحابِّ الأبَدِيَّةِ الَّتِي يُسْتَحْقَرُ دُونَها الحَياةُ الدُّنْيَوِيَّةُ. وفِيهِ تَخْلِيصُ العاصِي مِنِ اكْتِسابِ المَعاصِي، ثُمَّ إنَّ حَمْلَ المَرَضِ والشِّفاءِ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِنهُما هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ المَعْنى: وإذا مَرِضْتُ بِالذُّنُوبِ فَهو يَشْفِينِي بِالتَّوْبَةِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وإنْ صَحَّ فَهو مِن بابِ الإشارَةِ لا العِبارَةِ، و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالإحْياءِ الإحْياءُ لِلْبَعْثِ، وهو مُتَراخٍ عَنِ الإماتَةِ في الزَّمانِ في نَفْسِ الأمْرِ - وإنْ كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ - وأثْبَتَ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ياءَ المُتَكَلِّمِ في يَهْدِيَنِي وما بَعْدَهُ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ.

26:82Page 370

وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٨٢

And who I aspire that He will forgive me my sin on the Day of Recompense."

﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ اسْتَعْظَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِن فِعْلِ خِلافِ الأوْلى حَتّى سَمّاهُ خَطِيئَةً، وقِيلَ: أرادَ بِها قَوْلَهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وقَوْلَهُ لِسارَّةَ: هي أُخْتِي، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَدَّها مِنَ الخَطايا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِنِ امْتِناعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أنْ يَشْفَعَ؛ حَياءً مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ.

وفِيهِ أنَّهُ - وإنْ صَحَّ عَدُّها مِنَ الخَطايا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِما قالُوا: إنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ - إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِما أنَّها إنَّما صَدَرَتْ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، أمّا الثّالِثَةُ فَظاهِرَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ مُهاجَرَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الشّامِ، وأمّا الأُولَيانِ فَلِأنَّهُما وقَعَتا مُكْتَنِفَتَيْنِ بِكَسْرِ الأصْنامِ، ومِنَ البَيْنِ أنَّ جَرَيانَ هَذِهِ المَقالاتِ فِيما بَيْنَهم كانَ في مَبادِئِ الأمْرِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ إنَّها مِنَ المَعارِيضِ، وهي لِكَوْنِها في صُورَةِ الكَذِبِ يُمْتَنَعُ لَها مَن تَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الشَّفاعَةِ، ولِكَوْنِها لَيْسَتْ كَذِبًا حَقِيقَةً لا تَفْتَقِرُ إلى الِاسْتِغْفارِ، فَلا يَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ الِامْتِناعَ لَيْسَ إلّا لِعَدِّهِ إيّاها مِنَ الخَطايا، ومَتى عُدَّتْ مِنها افْتَقَرَتْ إلى الِاسْتِغْفارِ.

وقِيلَ: أرادَ بِها ما صَدَرَ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ مِن قَوْلِهِ: ( هَذا رَبِّي ) وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ المُقاوَلَةِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الخَطِيئَةِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: أرادَ بِها ما عَسى يَنْدُرُ مِنهُ مِنَ الصَّغائِرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ، وقِيلَ: أرادَ بِها خَطِيئَةَ مَن يُؤْمِنُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ نَحْوُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾، وهو كَما تَرى، والطَّمَعُ عَلى ظاهِرِهِ ولَمْ يَجْزِمْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِعِلْمِهِ أنْ لا وُجُوبَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ بِهِ اليَقِينُ، ولَيْسَ بِذاكَ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِـ(يَغْفِرَ).

والإتْيانُ بِالأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْعَ مَغْفِرَتِهِ تَعالى إنَّما يَعُودُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَعْلِيقُ المَغْفِرَةِ بِيَوْمِ الدِّينِ - مَعَ أنَّ الخَطِيئَةَ إنَّما تُغْفَرُ في الدُّنْيا - لِأنَّ أثَرَها يَتَبَيَّنُ يَوْمَئِذٍ؛ ولِأنَّ في ذَلِكَ تَهْوِيلًا لِذَلِكَ اليَوْمِ، وإشارَةً إلى وُقُوعِ الجَزاءِ فِيهِ إنْ لَمْ تُغْفَرْ. وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِأبِيهِ وقَوْمِهِ في الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ ما فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ

صفحة 98

«خَطايايَ» عَلى الجَمْعِ.

26:83Page 370

رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ٨٣

[And he said], "My Lord, grant me authority and join me with the righteous.

﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ لَمّا ذَكَرَ لَهم مِن صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ لُطْفِهِ تَعالى بِهِ ما ذَكَرَ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى مُناجاتِهِ تَعالى ودُعائِهِ لِرَبْطِ العَتِيدِ وجَلْبِ المَزِيدِ.

والمُرادُ بِالحُكْمِ - عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ - الحِكْمَةُ الَّتِي هي كَمالُ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِالخَيْرِ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، وقِيلَ: الأوْلى أنْ يُفَسَّرَ بِكَمالِ العِلْمِ المُتَعَلِّقِ بِالذّاتِ والصِّفاتِ وسائِرِ شُؤُونِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأحْكامِهِ الَّتِي يُتَعَبَّدُ بِها. وقِيلَ: هي النُّبُوَّةُ، ورُدَّ بِأنَّها كانَتْ حاصِلَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فالمَطْلُوبُ إمّا عَيْنُ الحاصِلِ وهو مُحالٌ ضَرُورَةَ امْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ أوْ غَيْرِهِ وهو مُحالٌ أيْضًا؛ لِأنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ لا يَكُونُ نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ.

وأُجِيبَ بِمَنعِ كَوْنِها حاصِلَةً وقْتَ الدُّعاءِ - سَلَّمْنا ذَلِكَ - إلّا أنَّهُ لا مَحْذُورَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ كَمالِها، ويَكُونَ بِمَزِيدِ القُرْبِ والوُقُوفِ عَلى الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ، والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مُتَفاوِتُونَ في ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ طَلَبَ الثَّباتِ، ولا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ طَلَبُ كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِأنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا لِأعْمالٍ تُرَشِّحُهُ لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ الكامِلِينَ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، المُنَزَّهِينَ عَنْ كَبائِرِ الذُّنُوبِ وصَغائِرِها، وقَدَّمَ الدُّعاءَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي؛ لِأنَّ القُوَّةَ العِلْمِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ - وإنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ - وعَكْسُهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، ولِأنَّ العِلْمَ صِفَةُ الرُّوحِ والعَمَلَ صِفَةُ البَدَنِ، فَكَما أنَّ الرُّوحَ أشْرَفُ مِنَ البَدَنِ كَذَلِكَ العِلْمُ أشْرَفُ مِنَ العَمَلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ الحِكْمَةُ الَّتِي هي الكَمالُ في العِلْمِ والعَمَلِ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي﴾ إلَخْ، طَلَبُ الكَمالِ في العَمَلِ، وذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ؛ اعْتِناءً بِالعَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ النَّتِيجَةُ والثَّمَرَةُ لِلْعِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعاشِ وبِالثّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِالمَعادِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ رِياسَةُ الخَلْقِ وبِالإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ التَّوْفِيقُ لِلْعَدْلِ فِيما بَيْنَهم مَعَ القِيامِ بِحُقُوقِهِ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ بِهَذا الجَمْعُ بَيْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَيْنَ الصّالِحِينَ في الجَنَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْسُنُ بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ طَلَبُهُ أنْ يَكُونَ مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، والأوْلى عِنْدِي أنْ يُفَسَّرَ الحُكْمُ بِالحِكْمَةِ بِمَعْنى الكَمالِ في العِلْمِ والعَمَلِ، والإلْحاقُ بِالصّالِحِينَ بِجَعْلِ مَنزِلَتِهِ كَمَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - والمُرادُ بِطَلَبِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ وعَمَلُهُ مَقْبُولِينَ؛ إذْ ما لَمْ يُقْبَلا لا يُلْحَقُ صاحِبُهُما بِالصّالِحِينَ، ولا تُجْعَلُ مَنزِلَتُهُ كَمَنزِلَتِهِمْ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ قَوْلِ: (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وصَلاحًا) أوْ (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا واجْعَلْنِي مِنَ الصّالِحِينَ) إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

26:84Page 371

وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤

And grant me a mention [i.e., reputation] of honor among later generations.

﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ أيِ: اجْعَلْ لِنَفْعِي ذِكْرًا صادِقًا في جَمِيعِ الأمْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وحاصِلُهُ خُلْدُ صِيتِي وذِكْرِي الجَمِيلِ في الدُّنْيا، وذَلِكَ بِتَوْفِيقِهِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ والسُّنَنِ المَرْضِيَّةِ لَدَيْهِ تَعالى المُسْتَحْسَنَةِ الَّتِي يَقْتَدِي بِها الآخِرُونَ، ويَذْكُرُونَهُ بِسَبَبِها بِالخَيْرِ وهم صادِقُونَ.

فاللِّسانُ مَجازٌ عَنِ الذِّكْرِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، واللّامُ لِلنَّفْعِ، ومِنهُ يُسْتَفادُ الوَصْفُ بِالجَمِيلِ، وتَعْرِيفُ ( الآخِرِينَ ) لِلِاسْتِغْراقِ، والكَلامُ مُسْتَلْزِمٌ لِطَلَبِ التَّوْفِيقِ لِلْآثارِ الحَسَنَةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها، وكَأنَّهُ المَقْصُودُ بِالطَّلَبِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا بَأْسَ بِأنْ يُرِيدَ تَخْلِيدَ ذِكْرِهِ بِالجَمِيلِ ومَدْحِهِ بِما كانَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في زَمانِهِ، ولِكَوْنِ الثَّناءِ الحَسَنِ مِمّا يَدُلُّ عَلى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ورِضائِهِ - كَما ورَدَ في الحَدِيثِ - يَحْسُنُ طَلَبُهُ مِنَ الأكابِرِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، والقَصْدُ - كُلُّ القَصْدِ - هو الرِّضا.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآخِرِينَ آخِرُ أُمَّةٍ يُبْعَثُ فِيها نَبِيٌّ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ الصِّيتَ الحَسَنَ والذِّكْرَ الجَمِيلَ فِيهِمْ بِبِعْثَةِ نَبِيٍّ فِيهِمْ يُجَدِّدُ أصْلَ دِينِهِ، ويَدْعُو النّاسَ إلى ما كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، مُعَلِّمًا لَهم أنَّ ذَلِكَ مِلَّةُ

صفحة 99

إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَكَأنَّهُ طَلَبَ بِعْثَةَ نَبِيٍّ كَذَلِكَ في آخِرِ الزَّمانِ لا تُنْسَخُ شَرِيعَتُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا نَبِيَّنا مُحَمَّدًا ﷺ وقَدْ طَلَبَ بِعْثَتَهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما هو أصْرَحُ مِمّا ذُكِرَ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾ إلَخْ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»».

وقِيلَ: إذا أُرِيدَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ في كَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيِ: اجْعَلْ لِي صاحِبَ لِسانِ صِدْقٍ في الآخِرِينَ، أوْ جَعْلُ اللِّسانِ مَجازًا عَنِ الدّاعِي بِإطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ بِاللِّسانِ، فَكَأنَّهُ قالَ: اجْعَلْ لِي داعِيًا إلى الحَقِّ صادِقًا في الآخِرِينَ، ولا يَخْفى أنَّ فِيما ذَكَرْناهُ غِنًى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وفي تَعْلِيقاتِ شَيْخِ مَشايِخِنا العَلّامَةِ صِبْغَةِ اللَّهِ الحَيْدَرِيِّ - طابَ ثَراهُ - عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ كَلامٌ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ إمْعانِ النَّظَرِ، فَلا تَغْتَرَّ بِهِ.

واسْتَدَلَّ الإمامُ مالِكٌ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ أنْ يُثْنى عَلَيْهِ صالِحًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ - عَلى ما قالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ - انْصِرافُ الهِمَمِ إلى ما بِهِ يَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى زُلْفى، وأنَّهُ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِاكْتِسابِ المُثْنِي أوْ غَيْرِهِ نَحْوَ ما أثْنى بِهِ فَيُثابُ، فَيُشارِكُهُ فِيهِ المُثْنى عَلَيْهِ، كَما هو مُقْتَضى: ««مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ الأُمُورَ بِمَقاصِدِها.

26:85Page 371

وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ ٨٥

And place me among the inheritors of the Garden of Pleasure.

﴿واجْعَلْنِي﴾ في الآخِرَةِ ﴿مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ قَدْ مَرَّ مَعْنى وِراثَةِ الجَنَّةِ فَتَذَكَّرْ. واسْتُدِلَّ بِدُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا - بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ الأدْعِيَةِ - عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ لا يُوجِبُ دُخُولَ الجَنَّةِ، وكَذا كَوْنُ العَبْدِ ذا مَنزِلَةٍ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإلّا لاسْتَغْنى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَلَبِ الكَمالِ في العِلْمِ والعَمَلِ، وكَذا بِطَلَبِ الإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ ذَوِي الزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى عَنْ طَلَبِ ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ تَحْسُنُ الإطالَةُ في مَقامِ الِابْتِهالِ، ولا يُسْتَغْنى بِمَلْزُومٍ عَنْ لازِمٍ في المَقالِ، فالأوْلى الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِغَيْرِ ما ذُكِرَ وهو كَثِيرٌ مُشْتَهَرٌ، هَذا وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ فَضْلِ هَذِهِ الأدْعِيَةِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الذِّكْرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ هُداهُ اللَّهُ تَعالى لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُويَهْ: لِصَوابِ الأعْمالِ - والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ أطْعَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أحْياهُ اللَّهُ تَعالى حَياةَ السُّعَداءِ وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ خَطاياهُ كُلَّها ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ وهَبَ اللَّهُ تَعالى لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى وصالِحِ مَن بَقِيَ، واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ أنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ مِنَ الصّادِقِينَ، ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ»».

وكانَ الحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا، وكَأنَّهُ أُخِذَ مِن قَوْلِهِ:

26:86Page 371

وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٨٦

And forgive my father. Indeed, he has been of those astray.

﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ - أيِ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مَغْفِرَتَكَ، وحاصِلُهُ: وفِّقْهُ لِلْإيمانِ كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَ هَذا الدُّعاءُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ المَوْتِ فالدُّعاءُ بِالمَغْفِرَةِ عَلى ظاهِرِهِ، وجازَ الدُّعاءُ بِها لِمُشْرِكٍ - واللَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ - لِأنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِذَلِكَ إذْ ذاكَ، والعَقْلُ لا يَحْكُمُ بِالِامْتِناعِ، وفي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ

صفحة 100

أنَّ كَوْنَهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ مَخْصُوصٌ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، وكانَ قَبْلَهم قَدْ يَغْفِرُ، وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يُخْفِي الإيمانَ تَقِيَّةً مِن نَمْرُوذَ، ولِذَلِكَ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ عَداوَتَهُ لِلْإيمانِ - في الدُّنْيا بِالوَحْيِ أوْ في الآخِرَةِ - تَبَرَّأ مِنهُ.

وقَوْلُهُ عَلى هَذا: ﴿مِنَ الضّالِّينَ﴾ بِناءً عَلى ما ظَهَرَ لِغَيْرِهِ مِن حالِهِ، أوْ مَعْناهُ: مِنَ الضّالِّينَ في كَتْمِ إيمانِهِ وعَدَمِ اعْتِرافِهِ بِلِسانِهِ تَقِيَّةً مِن نَمْرُوذَ، والكَلامُ في هَذا المَقامِ طَوِيلٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنهُ، فَتَذَّكَّرْ.

26:87Page 371

وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ ٨٧

And do not disgrace me on the Day they are [all] resurrected -

﴿ولا تُخْزِنِي﴾ بِتَعْذِيبِ أبِي أوْ بِبَعْثِهِ في عِدادِ الضّالِّينَ بِعَدَمِ تَوْفِيقِهِ لِلْإيمانِ، أوْ بِمُعاتَبَتِي عَلى ما فَرَّطْتُ، أوْ بِنَقْصِ رُتْبَتِي عَنْ بَعْضِ الوُرّاثِ، أوْ بِتَعْذِيبِي.

وحَيْثُ كانَتِ العاقِبَةُ مَجْهُولَةً، وتَعْذِيبُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ جائِزٌ عَقْلًا - صَحَّ هَذا الطَّلَبُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِغَيْرِهِ، وهو مِنَ الخِزْيِ بِمَعْنى الهَوانِ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ - بِفَتْحِ الخاءِ - بِمَعْنى الحَياءِ ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ أيِ النّاسُ كافَّةً، والإضْمارُ - وإنْ لَمْ يُسْبَقْ ذِكْرُهم - لِما في عُمُومِ البَعْثِ مِنَ الشُّهْرَةِ الفاشِيَّةِ المُغْنِيَةِ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلضّالِّينَ، والكَلامُ مِن تَتِمَّةِ الدُّعاءِ لِأبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُ الضّالُّونَ وأبِي فِيهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَجُوزُ - عَلى الأوَّلِ - أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ الدُّعاءِ لِأبِيهِ أيْضًا، واسْتُظْهِرَ ذَلِكَ لِأنَّ الفَصْلَ بِالدُّعاءِ لِأبِيهِ بَيْنَ الدَّعَواتِ لِنَفْسِهِ خِلافُ الظّاهِرِ، وعَلى ما ذُكِرَ يَكُونُ قَدْ دَعا لِأشَدِّ النّاسِ التِصاقًا بِهِ بَعْدَ أنْ فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ.

26:88Page 371

يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ ٨٨

The Day when there will not benefit [anyone] wealth or children

﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِتَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، وهو إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ إلَخْ، مِن كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنُ عَطِيَّةَ - بَعْدَ أنْ أعْرَبَ الظَّرْفَ بَدَلًا مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ - قالَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عِنْدِي مُنْقَطِعَةٌ عَنْ كَلامِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَتَعَلَّقُ بِصِفَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي طَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ لا يُخْزِيَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ، ولا يَخْفى عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ مَعَ البَدَلِيَّةِ.

والمُرادُ بِالبَنُونِ مَعْناهُ المُتَبادَرُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ جَمِيعُ الأعْوانِ، وقِيلَ: المَعْنى يَوْمَ لا يَنْفَعُ شَيْءٌ مِن مَحاسِنِ الدُّنْيا وزِينَتِها، واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ المالِ والبَنِينَ؛ لِأنَّهُما مُعْظَمُ المَحاسِنِ والزِّينَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском