Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:89–101
26:89Page 371
إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ ٨٩
But only one who comes to Allāh with a sound heart."
﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، و(مَن) مَحَلُّ نَصْبٍ، أيْ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ - وإنْ كانَ مَصْرُوفًا في الدُّنْيا إلى وُجُوهِ البِرِّ والخَيْراتِ - ولا بِنُونَ - وإنْ كانُوا صُلَحاءَ مُسْتَأْهِلِينَ لِلشَّفاعَةِ - أحَدًا إلّا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ عَنْ مَرَضِ الكُفْرِ والنِّفاقِ ضَرُورَةَ اشْتِراطِ نَفْعِ كُلٍّ مِنهُما بِالإيمانِ، وفي هَذا تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ اسْتِغْفارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ طَلَبًا لِهِدايَتِهِ إلى الإيمانِ؛ لِاسْتِحالَةِ طَلَبِ مَغْفِرَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كافِرًا مَعَ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعَدَمِ نَفْعِهِ لِأنَّهُ مِن بابِ الشَّفاعَةِ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن فاعِلِ ( يَنْفَعُ ) و(مَن) في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ مِنهُ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى (مَن) أيْ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا مالُ وبَنُونَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، حَيْثُ أنْفَقَ مالَهُ في سَبِيلِ البِرِّ، وأرْشَدَ بَنِيهِ إلى الحَقِّ، وحَثَّهم عَلى الخَيْرِ، وقَصَدَ بِهِمْ أنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلَّهِ تَعالى مُطِيعِينَ شُفَعاءَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ المالُ والبَنُونَ دَلالَةَ الخاصِّ عَلى العامِّ، أعْنِي مُطْلَقَ الغِنى، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ لا يَنْفَعُ غِنًى إلّا غِنى مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وغِناهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، وهو مِنَ الغِنى الدِّينِيِّ، وقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ في بَعْضِ الأخْبارِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ قالَ بَعْضُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ عَلِمْنا أيُّ المالِ خَيْرٌ اتَّخَذْناهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أفْضَلُهُ لِسانٌ ذاكِرٌ، وقَلْبٌ شاكِرٌ، وزَوْجَةٌ صالِحَةٌ تُعِينُ المُؤْمِنَ عَلى إيمانِهِ»».
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ( مالٌ ) والكَلامُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ،
صفحة 101
أيْ: لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ إلّا حالَ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، والمُرادُ بِحالِهِ سَلامَةُ قَلْبِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المُضافِ ولَوْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَحْصُلِ لِلِاسْتِثْناءِ مَعْنًى، ومَنَعَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ قُدِّرَ مَثَلًا: (لَكِنَّ مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ يَسْلَمُ أوْ يَنْتَفِعُ) يَسْتَقِيمُ المَعْنى.
وأجابَ عَنْهُ في الكَشْفِ بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ مِن (مالٌ) لا يَتَحَصَّلُ المَعْنى بِدُونِ تَقْدِيرِ المُضافِ، وما ذَكَرَهُ المانِعُ اسْتِدْراكَ (مَن) مَجْمُوعَ الجُمْلَةِ إلى جُمْلَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ مِنَ المَبْحَثِ في شَيْءٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا مُناسِبًا لِلْمَقامِ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَفْرُوغًا عَنْهُ فَلَمْ يُلَمْ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ، وقَدْ جُوِّزَ اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ بِتَقْدِيرِ الحالِ عَلى جَعْلِ الكَلامِ مِن بابِ:
تَحِيَّةَ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
ومِثالُهُ أنْ يُقالَ: هَلْ لِزَيْدٍ مالٌ وبَنُونَ؟ فَتَقُولُ: مالُهُ وبَنُوهُ سَلامَةُ قَلْبِهِ، تُرِيدُ نَفْيَ المالِ والبَنِينَ عَنْهُ وإثْباتَ سَلامَةِ القَلْبِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ.
هَذا، وكَوْنُ المُرادِ مِنَ القَلْبِ السَّلِيمِ القَلْبُ السَّلِيمُ عَنْ مَرَضِ الكُفْرِ والنِّفاقِ هو المَأْثُورَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الإمامُ: هو الخالِي عَنِ العَقائِدِ الفاسِدَةِ والمَيْلِ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا ولَذّاتِها، ويَتْبَعُ ذَلِكَ الأعْمالُ الصّالِحاتُ؛ إذْ مِن عَلامَةِ سَلامَةِ القَلْبِ تَأْثِيرُها في الجَوارِحِ.
وقالَ سُفْيانُ: هو الَّذِي لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقالَ الجُنَيْدُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: هو اللَّدِيغُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، القَلِقُ المُنْزَعِجُ مِن مَخافَةِ القَطِيعَةِ، وشاعَ إطْلاقُ السَّلِيمِ في لِسانِالعَرَبِ عَلى اللَّدِيغِ، وقِيلَ: هو الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وسَلَّمَ نَفْسَهُ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى، وسالَمَ أوْلِياءَهُ وحارَبَ أعْداءَهُ، وأسْلَمَ حَيْثُ نَظَرَ، فَعَرَفَ واسْتَسْلَمَ وانْقادَ لِلَّهِ تَعالى وأذْعَنَ لِعِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، والأنْسَبُ بِالمَقامِ المَعْنى المَأْثُورُ وما ذُكِرَ مِن تَأْوِيلاتِ الصُّوفِيَّةِ وقالَ في الكَشّافِ - فِيما نُقِلَ عَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ وما بَعْدَهُ -: إنَّهُ مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ، وصَدَّقَهُ أبُو حَيّانَ بِذَلِكَ في شَأْنِ الأوَّلِ.
26:90Page 371
وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٩٠
And Paradise will be brought near [that Day] to the righteous.
﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَنْفَعُ﴾ وصِيغَةُ الماضِي فِيهِ - وفِيما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ المُنْتَظِمَةِ مَعَهُ في سِلْكِ العَطْفِ - لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ وتَقَرُّرِهِ، كَما أنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وهو مُتَوَجِّهٌ إلى النَّفْعِ فَيَدُلُّ الكَلامُ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ النَّفْعِ واسْتِمْرارِهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ التَّهْوِيلِ، أيْ: قُرِّبَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ، وقِيلَ: عَنْهُ وعَنْ سائِرِ المَعاصِي بِحَيْثُ يُشاهِدُونَها مِنَ المَوْقِفِ، ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِن فُنُونِ المَحاسِنِ، فَيَبْتَهِجُونَ بِأنَّهُمُ المَحْشُرُونَ إلَيْها.
26:91Page 371
وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ ٩١
And Hellfire will be brought forth for the deviators,
﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ الضّالِّينَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ، وهو التَّقْوى والإيمانُ، أيْ: جُعِلَتْ بارِزَةً لَهم بِحَيْثُ يَرَوْنَها مَعَ ما فِيها مِن أنْواعِ الأحْوالِ الهائِلَةِ، ويَتَحَسَّرُونَ عَلى أنَّهُمُ المَسُوقُونَ إلَيْها، وفي اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ - عَلى ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - تَرْجِيحٌ لِجانِبِ الوَعْدِ؛ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالإزْلافِ - وهو غايَةُ التَّقْرِيبِ - يُشِيرُ إلى قُرْبِ الدُّخُولِ وتَحَقُّقِهِ، ولِذا قُدِّمَ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ تَعالى بِخِلافِ الإبْرازِ - وهو الإراءَةُ ولَوْ مِن بُعْدٍ - فَإنَّهُ مَطْمَعٌ في النَّجاةِ، كَما قِيلَ: (مِنَ العَمُودِ إلى العَمُودِ فَرَجٌ).
وقالَ ابْنُ كَمالٍ: في اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أرْضَ الحَشْرِ قَرِيبَةٌ مِنَ الجَحِيمِ، وحاصِلُهُ أنَّ الجَنَّةَ بَعِيدَةٌ مِن أرْضِ المَحْشَرِ بُعْدًا مَكانِيًّا، والنّارَ قَرِيبَةٌ مِنها قُرْبًا مَكانِيًّا؛ فَلِذا أُسْنِدَ الإزْلافُ - أيِ التَّقْرِيبُ - إلى الجَنَّةِ دُونَ الجَحِيمِ، قِيلَ: ولَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ وأنَّ النّارَ تَحْتَ الأرْضِ، وأنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَدِّها وإذْهابِ كَرَيَّتِها؛ إذْ حِينَئِذٍ يَظْهَرُ أمْرُ البُعْدِ والقُرْبِ، لَكِنْ لا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الجَنَّةِ في السَّماءِ مِمّا يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُّنَّةِ ولَيْسَ في ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنَهم يُعْتَدُّ بِهِ، وأمّا كَوْنُ النّارِ تَحْتَ الأرْضِ فَفِيهِ تَوَقُّفٌ، قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في إتْمامِ الدِّرايَةِ: نَعْتَقِدُ أنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ ونَقِفُ عَنِ النّارِ، ونَقُولُ: مَحَلُّها حَيْثُ
صفحة 102
لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي حَدِيثٌ أعْتَمِدُهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: تَحْتَ الأرْضِ، انْتَهى.
وكَوْنُ تَبْدِيلِ الأرْضِ بِمَدِّها وإذْهابِ كَرَيَّتِها قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، واخْتارَ الإمامُ القُرْطُبِيُّ - بَعْدَ أنْ نَقَلَ في التَّذْكِرَةِ أحادِيثَ كَثِيرَةً - أنَّ تَبْدِيلَ الأرْضِ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ أرْضًا أُخْرى بَيْضاءَ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْها دَمٌ حَرامٌ، ولا جَرى فِيها ظُلْمٌ قَطُّ، والأوْلى أنْ يُقالَ في بُعْدِ الجَنَّةِ وقُرْبِ النّارِ مِن أرْضِ المَحْشَرِ: إنَّ الوُصُولَ إلى الجَنَّةِ بِالعُبُورِ عَلى الصِّراطِ وهو مَنصُوبٌ عَلى مَتْنِ جَهَنَّمَ كَما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، فالوُصُولُ إلى جَهَنَّمَ أوَّلًا وإلى الجَنَّةِ آخِرًا بِواسِطَةِ العُبُورِ، وهو ظاهِرٌ في القُرْبِ والبُعْدِ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ تُنْقَلُ عَنْ مَكانِها اليَوْمَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذِ التَّقْرِيبُ يَسْتَدْعِي النَّقْلَ ولَيْسَ في الأحادِيثِ - عَلى ما نَعْلَمُ - ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
نَعَمْ، جاءَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى نَقْلِ النّارِ، فَفي التَّذْكِرَةِ أخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ، مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ»» والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى (يُؤْتى بِها) يُجاءُ بِها مِنَ المَحَلِّ الَّذِي خَلَقَها اللَّهُ تَعالى فِيهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في التَّذْكِرَةِ.
وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أسْئِلَتِهِ: فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ قُرِّبَتْ، والجَنَّةُ لا تَنْتَقِلُ عَنْ مَكانِها ولا تُحَوَّلُ؟ قُلْنا: مَعْناهُ: وأُزْلِفَتِ المُتَّقُونَ إلى الجَنَّةِ، وهَذا كَما يُقالُ الحاجُّ إذا دَنَوْا إلى مَكَّةَ: قَرُبَتْ مَكَّةُ مِنّا، وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّها كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم فَلَمّا رُفِعَتِ الحُجُبُ بَيْنَها وبَيْنَهم كانَ ذَلِكَ تَقْرِيبًا، انْتَهى، ويَرِدُ عَلى الأخِيرِ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ مِثْلُهُ في الجَحِيمِ، وحِينَئِذٍ يُسْألُ عَنْ وجْهِ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ.
ويَرِدُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الجَنَّةَ لا تَنْتَقِلُ عَنْ مَكانِها أنَّهُ خِلافُ ظاهِرِ الآيَةِ، ولا يَلْزَمُ لِصِحَّةِ القَوْلِ بِهِ نَقْلُ حَدِيثٍ يَدُلُّ عَلى نَقْلِها يَوْمَئِذٍ، فَلا مانِعَ مِنَ القَوْلِ بِهِ وتَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ إلى عِلْمِ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ، وإذا أُرِيدَ التَّأْوِيلُ فَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحَمْلِ التَّقْرِيبِ عَلى التَّقْرِيبِ بِحَسَبِ الرُّؤْيَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نَقْلٌ فَقَدْ يُرى الشَّيْءُ قَرِيبًا - وإنْ كانَ في نَفْسِ الأمْرِ في غايَةِ البُعْدِ - كَما يُشاهَدُ ذَلِكَ في النُّجُومِ، وقَدْ يُقَرَّبُ البَعِيدُ في الرُّؤْيَةِ بِواسِطَةِ المَناظِرِ والآلاتِ المَوْضُوعَةِ لِذَلِكَ، وقَدْ يَنْعَكِسُ الحالُ بِواسِطَتِها أيْضًا فَيُرى القَرِيبُ بَعِيدًا، ومَتى جازَ وُقُوعُ ذَلِكَ بِواسِطَةِ الآلاتِ في هَذِهِ النَّشْأةِ جازَ أنْ يَقَعَ في النَّشْأةِ الأُخْرى بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ، فَتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «فَبُرِّزَتِ» بِالفاءِ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ «وبَرَزَتْ» بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ و«الجَحِيمُ» بِالرَّفْعِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
26:92–94Page 371
وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ٩٢
And it will be said to them, "Where are those you used to worship
مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ ٩٣
Other than Allāh? Can they help you or help themselves?"
فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ ٩٤
So they will be overturned into it [i.e., Hellfire], they and the deviators
﴿وقِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا ﴿تَعْبُدُونَ﴾ تَسْتَمِرُّونَ عَلى عِبادَتِهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: أيْنَ آلِهَتُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُفَعاؤُكم في هَذا المَوْقِفِ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بِدَفْعِ ما تُشاهِدُونَ مِنَ الجَحِيمِ وما فِيها مِنَ العَذابِ ﴿أوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بِدَفْعِ ذَلِكَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وهَذا سُؤالُ تَقْرِيعٍ لا يُتَوَقَّعُ لَهُ جَوابٌ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ أيْ أُلْقُوا في الجَحِيمِ عَلى وُجُوهِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى إلى أنْ يَسْتَقِرُّوا في قَعْرِها، فالكَبْكَبَةُ تَكْرِيرُ الكَبِّ وهو مِمّا ضُوعِفَ فِيهِ الفاءُ، كَما قالَ الزَّجّاجُ وجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الثّالِثَ بَدَلٌ مِن مِثْلِ الثّانِي، فَأصْلُ (كَبْكَبَ) عِنْدَهم (كَبَّبَ) فَأُبْدِلَ مِنَ الباءِ الثّانِيَةِ كافٌ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ الأصْنامُ، وأُكِّدَ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ أعْنِي ( هم ) وكِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْعُقَلاءِ، واسْتُعْمِلا
صفحة 103
فِي الأصْنامِ؛ تَهَكُّمًا، أوْ بِناءً عَلى إعْطائِها الفَهْمَ والنُّطْقَ، أيْ كُبْكِبَ فِيها الأصْنامُ والغاوُونَ الَّذِينَ عَبَدُوها.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ العابِدُونَ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الغَوايَةِ، وفي تَأْخِيرِ ذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ رَمْزٌ إلى أنَّهم يُؤَخَّرُونَ في الكَبْكَبَةِ عَنْها؛ لِيُشاهِدُوا سُوءَ حالِها فَيَنْقَطِعُ رَجاؤُهم قَبْلَ دُخُولِ الجَحِيمِ.
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ ضَمِيرَ (كُبْكِبُوا) ومُؤَكَّدَهُ لِمُشْرِكِي العَرَبِ، والغاوُونَ سائِرُ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا ويُرادُ بِهِمُ التَّبِعَةُ والغاوُونَ هُمُ القادَةُ المُتَّبَعُونَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُشْرِكِي الإنْسِ مُطْلَقًا ﴿والغاوُونَ﴾ الشَّياطِينُ، والكُلُّ كَما تَرى، ويَبْعُدُ الأخِيرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجُنُودُ إبْلِيسَ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِنهُ الشَّياطِينُ وإنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بِالذّاتِ في الأغْلَبِ، ولا حاجَةَ إلى تَخْرِيجِهِ عَلى الأقَلِّ وجَعْلِهِ مِن بابِ:
إلى المَلِكِ النَّدْبِ وابْنِ الهُمامِ
وقِيلَ: المُرادُ بِجُنُودِ إبْلِيسَ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ، واخْتارَ بَعْضُ الأجِلَّةِ الأوَّلَ، وادَّعى أنَّهُ الوَجْهُ؛ لِأنَّ السِّياقَ والسَّبّاقَ في بَيانِ سُوءِ حالِ المُشْرِكِينَ في الجَحِيمِ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ المُشْرِكِينَ فَلا وجاهَةَ لِذِكْرِ حالِ قَوْمٍ آخَرِينَ في هَذا الحالِ، بَلْ لا وُجُودَ لَهم في القِصَّةِ، وذِكْرُ الشَّياطِينِ مَعَ المُشْرِكِينَ لِكَوْنِهِمُ المُسَوِّلِينَ لَهم عِبادَةَ الأصْنامِ، ولا يَخْفى أنَّ لِلتَّعْمِيمِ وجْهًا أيْضًا مِن حَيْثُ إنَّ فِيهِ مَزِيدَ تَهْوِيلٍ لِذَلِكَ اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْمَعُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
26:96–97Page 371
قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ ٩٦
They will say while they dispute therein,
تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٩٧
"By Allāh, we were indeed in manifest error
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالُوا﴾ إلَخْ، اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: كُبْكِبَ الآلِهَةُ والغاوُونَ عَبَدَتُها والشَّياطِينُ الدّاعُونَ إلَيْها قِيلَ: فَما وقَعَ؟ فَقِيلَ: قالُوا أيِ: العَبَدَةُ الغاوُونَ ﴿وهُمْ﴾ أيِ: الغاوُونَ ﴿فِيها يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: يُخاصِمُونَ مَن مَعَهم مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، والمُرادُ: قالُوا مُعْتَرِفِينَ بِخَطَئِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في الضَّلالَةِ مُتَحَسِّرِينَ مُعَيِّرِينَ لِأنْفُسِهِمْ - والحالُ أنَّهم بِصَدَدِ مُخاصَمَةِ مَن مَعَهم - مُخاطِبِينَ لِآلِهَتِهِمْ حَيْثُ يَجْعَلُها اللَّهُ تَعالى أهْلًا لِلْخِطابِ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ المُثَقَّلَةِ، واسْمُها - عَلى ما قِيلَ - ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّونَ – أيْ: إنَّهُ - أيِ الشَّأْنُ - كُنّا في ضَلالٍ مُبِينٍ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ واللّامَ بِمَعْنى إلّا، أيْ: ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ واضِحٍ لا خَفاءَ فِيهِ، ووَصْفُهم لَهُ بِالوُضُوحِ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ نَدَمِهِمْ وتَحَسُّرِهِمْ وبَيانِ خَطَئِهِمْ في رَأْيِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الحَقِّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَصْدِيرُهم قَسَمَهم بِحَرْفِ التّاءِ المُشْعِرَةِ بِالتَّعَجُّبِ عَلى ما قِيلَ.
26:98–99Page 371
إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٨
When we equated you with the Lord of the worlds.
وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٩٩
And no one misguided us except the criminals.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ظَرْفٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، وقِيلَ: لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أيْ ضَلَلْنا، وقِيلَ: لِلضَّلالِ المَذْكُورِ، وإنْ كانَ فِيهِ ضَعْفٌ صِناعِيٌّ مِن حَيْثُ إنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ بَعْدَ الوَصْفِ، ويُهَوِّنُ أمْرَ ذَلِكَ كَوْنُ المَعْمُولِ ظَرْفًا، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِـ(مُبِينٍ) وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (إذْ) تَعْلِيلِيَّةً كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، أيْ: تاللَّهِ لَقَدْ كُنّا في غايَةِ الضَّلالِ الفاحِشِ وقْتَ تَسْوِيَتِنا إيّاكُمْ، أوْ لِأنّا سَوَّيْناكم - أيُّها الأصْنامُ - في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ الَّذِي أنْتُمْ أدْنى مَخْلُوقاتِهِ وأذَلُّهم وأعْجَزُهم.
﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ الظّاهِرُ - بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ الِاخْتِصامَ مَعَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ - أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُجْرِمِينَ الشَّياطِينَ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَهم - وإنْ لَمْ يُورَدْ عَلى وجْهِ الخِطابِ - كَما أنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِصامِ مَعَ الأصْنامِ، وكَوْنُ
صفحة 104
المُرادِ بِهِمْ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُقاتِلٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّهُ بَيانٌ لِسَبَبِ ضَلالِهِمْ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ، والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ رُؤَساؤُهم وكُبَراؤُهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ .
وعَنِ السُّدِّيِّ: هُمُ الأوَّلُونَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ، وقِيلَ: مَن دَعاهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ.
وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهم إبْلِيسُ وابْنُ آدَمَ القاتِلُ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ والمَعاصِيَ، والقَصْرُ قِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأصْنامِ، ولَعَلَّهم أرادُوا بِنَفْيِ الإضْلالِ عَنْها إهانَتَها بِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِكَوْنِهِمْ في ضَلالٍ مُبِينٍ، ولَعَلَّ الأوْلى كَوْنُهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا بِادِّعاءِ أنَّهُمُ الأوْحَدِيُّونَ في سَبَبِيَّةِ الإضْلالِ حَتّى إنَّ سَبَبِيَّةَ غَيْرِهِمْ لَهُ كَلا سَبَبِيَّةٍ، وهَذا واضِحٌ في الشَّياطِينِ لِأنَّ إضْلالَ غَيْرِهِمْ مِنَ الكُبَراءِ ونَحْوِهِمْ بِواسِطَةِ إضْلالِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ الباطِلَ لِلْمَتْبُوعِ والتّابِعِ، ويُمْكِنُ أنْ يُعْتَبَرَ في غَيْرِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ وذَلِكَ إذا أُرِيدَ بِالمُجْرِمِينَ غَيْرُهُمْ، ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ لا يَزالُونَ في حَيْرَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَدْرُونَ بِمَ يَتَشَبَّثُونَ فَلا يَضُرُّ إسْنادُهُمُ الإضْلالَ تارَةً إلى شَيْءٍ وأُخْرى إلى غَيْرِهِ، عَلى أنَّ الإسْنادَ إلى كُلٍّ بِاعْتِبارِ هَذا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاخْتِصامُ بَيْنَ العَبَدَةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والخِطابُ في ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾ لِلْأصْنامِ مِن غَيْرِ التِزامِ القَوْلِ بِجَعْلِهِمْ أهْلًا لَهُ، بَلْ هو كَخِطابِ المُضْطَرِّ لِلْحَجَرِ والشَّجَرِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحَسُّرِ والنَّدامَةِ، والمَعْنى أنَّ العَبَدَةَ مَعَ تَخاصُمِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهم لِلْآخَرِ: أنْتَ مَبْدَأُ ضَلالِي ولَوْلا أنْتَ لَكُنْتُ مُؤْمِنًا، اعْتَرَفُوا بِجُرْمِهِمْ وتَعَجَّبُوا وبَيَّنُوا سَبَبَهُ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ الأصْنامِ، يُنْطِقُهُمُ اللَّهُ تَعالى فَيُخاصِمُونَ العَبَدَةَ، فَضَمِيرُ ( هم ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: قالَ العَبَدَةُ مُعْتَرِفِينَ بِضَلالِهِمْ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ مُبَيِّنِينَ سَبَبَهُ: إنْ كُنّا إلَخْ، والحالُ أنَّ الأصْنامَ يُخاصِمُونَهم قائِلِينَ: نَحْنُ جَماداتٌ مُتَبَرِّئُونَ عَنْ جَمِيعِ المَعاصِي، وأنْتُمُ اتَّخَذْتُمُونا آلِهَةً فَألْقَيْتُمُونا في هَذِهِ الوَرْطَةِ. وهَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ جُمْلَةِ ( قالُوا ) مُسْتَأْنَفَةً كَما هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( جُنُودُ إبْلِيسَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( قالُوا ) إلَخْ خَبَرُهُ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) وكَذا ما بَعْدَهُ عائِدٌ عَلَيْهِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ لا يَتَسَنّى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ الشَّياطِينُ؛ لِما أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، وإذا أُرِيدَ بِهِمْ مُتَّبِعُوهُ مِن عُصاةِ الثَّقَلَيْنِ عَبَدَةُ الأصْنامِ وغَيْرُهم يَرِدُ أنَّ المَقُولَ المَذْكُورَ قَوْلُ فِرْقَةٍ مِنهم وهي العَبَدَةُ، فَإسْنادُهُ إلى الجَمِيعِ خِلافُ الظّاهِرِ ويَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ، بَلْ لَوْ قِيلَ بِفَسادِهِ لَمْ يَبْعُدِ احْتِمالُ كَوْنِ كُلِّ شَخْصٍ - سَواءٌ كانَ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ أوْ غَيْرَهُ - يُخاصِمُ مَعَ كُلِّ مَن يُصادِفُهُ مِن غَيْرِ صَلاحِيَةِ الآخَرِ لِلِاخْتِصامِ، ويَقُولُ ما ذُكِرَ لِلْأصْنامِ لِغايَةِ الحَيْرَةِ والضَّجَرَةِ.
نَعَمْ، لَوْ أُرِيدَ بِجُنُودِ إبْلِيسَ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً ورُجُوعِ الضَّمائِرِ إلَيْهِ - الغاوُونَ بِعَيْنِهِمْ، وتَكُونُ الإضافَةُ لِلْعَهْدِ - والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ لِتَذْلِيلِهِمْ - لَمْ يَبْعُدْ جِدًّا.
ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ الِابْتِدائِيَّةَ والخَبَرِيَّةَ المَذْكُورَتَيْنِ، وفَسَّرَ الجُنُودَ بِالعُصاةِ مُطْلَقًا، وجَعَلَ ضَمِيرَ ( قالُوا ) لِـ(الغاوُونَ) وضَمِيرَ (هُمْ) و(يَخْتَصِمُونَ) لِلْجُنُودِ أوْ لِلْأصْنامِ، وفِيهِ - مَعَ خُرُوجِ الآيَةِ عَلَيْهِ عَنْ حُسْنِ الِانْتِظامِ - ما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ.
26:100–101Page 371
فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ ١٠٠
So now we have no intercessors
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ ١٠١
And not a devoted friend.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ مُرَتَّبٌ عَلى ما اعْتَرَفُوا بِهِ مِن عِظَمِ الجِنايَةِ وظُهُورِ الضَّلالَةِ. والمُرادُ التَّلَهُّفُ والتَّأسُّفُ عَلى فَقْدِ شَفِيعٍ يَشْفَعُ لَهم مِمّا هم فِيهِ، أوْ صَدِيقٍ شَفِيقٍ يُهِمُّهُ ذَلِكَ، وقَدْ تَرَقَّوْا - لِمَزِيدِ انْحِطاطِ حالِهِمْ - في التَّأسُّفِ، حَيْثُ نَفَوْا أوَّلًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يَنْفَعُهم في تَخْلِيصِهِمْ مِنَ العَذابِ بِشَفاعَتِهِ
صفحة 105
ونَفَوْا ثانِيًا أنْ يَكُونَ لَهم مَن يُهِمُّهُ أمْرُهُمْ، ويُشْفِقُ عَلَيْهِمْ، ويَتَوَجَّعُ لَهم وإنْ لَمْ يُخَلِّصْهُمْ، وأُتِيَ بِالشّافِعِ في سِياقِ النَّفْيِ جَمْعًا - وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الجَمْعِ في الِاسْتِغْراقِ لِمَكانِ مِنَ الزّائِدَةِ حُكْمَ المُفْرَدِ بِلا خِلافٍ، إنَّما الخِلافُ فِيما إذا لَمْ تَزِدْ مِن بَعْدِ النَّفْيِ داخِلَةً عَلى الجَمْعِ - رِعايَةً لِما كانُوا يَأْتُونَ بِهِ في الإثْباتِ مِنَ الجَمْعِ.
وقالَ في الكَشّافِ: جُمِعَ الشّافِعُ لِكَثْرَةِ الشُّفَعاءِ، ووُحِّدَ الصَّدِيقُ لِقِلَّتِهِ، ألا تَرى أنَّ الرَّجُلَ إذا امْتُحِنَ بِإرْهاقِ ظالِمٍ نَهَضَتْ جَماعَةٌ وافِرَةٌ مِن أهْلِ بَلْدِهِ رَحْمَةً لَهُ وحِسْبَةً - إنْ لَمْ تَسْبِقْ لَهُ بِأكْثَرِهِمْ مَعْرِفَةٌ - وأمّا الصَّدِيقُ الصّادِقُ في وِدادِكَ الَّذِي يُهِمُّهُ ما يُهِمُّكَ فَهو أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالصَّدِيقِ الجَمْعَ، أيْ: فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ لِما أنَّهُ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ بِخِلافِ الشّافِعِ.
وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ في تَوْحِيدِ الصَّدِيقِ وجْهًا آخَرَ أيْضًا، وهو أنَّ الصَّدِيقَ الواحِدَ يَسْعى أكْثَرَ مِمّا يَسْعى الشُّفَعاءُ، وحاصِلُهُ أنَّ الواحِدَ في مَعْنى الجَمْعِ بِحَسَبِ العادَةِ، فَلِذا اكْتُفِيَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ المُطابَقَةِ المَعْنَوِيَّةِ كَما قِيلَ:
النّاسُ ألْفٌ مِنهُمُو كَواحِدٍ وواحِدٌ كالألْفِ إنْ أمْرٌ عَنا
وقالَ بَعْضُ الكَلِمَةِ: إنَّ إيرادَ الشّافِعِينَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِمُجَرَّدِ مَصْلَحَةِ الفاصِلَةِ، وأمّا إيرادُ الصَّدِيقِ مُفْرَدًا؛ فَلِأنَّ المَقامَ مَقامُ المُفْرَدِ، ومَصْلَحَةُ الفاصِلَةِ حَصَلَتْ قَبْلَهُ وهو كَما تَرى.
وقالَ سَعْدُ أفَنْدِي: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ الأوَّلِ وإفْرادُ الثّانِي إشارَةً إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِغْراقَيْنِ، وفِيهِ أنَّ إيثارَ صِيغَةٍ لِإفادَةِ مَسْألَةٍ عَرَبِيَّةٍ لَيْسَ مِن دَأْبِ القُرْآنِ المَجِيدِ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ أنَّ الإفْرادَ عَلى الأصْلِ، والجَمْعَ - وإنْ أدّى مُؤَدّاهُ - عَلى سُنَنِ ما كانُوا يَقُولُونَهُ ويَزْعُمُونَهُ في الدُّنْيا مِن تَعَدُّدِ الشُّفَعاءِ، ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ المَنفِيِّ هُنا أعَمَّ مِنَ المُثْبَتِ هُناكَ مِن حَيْثُ شُمُولُهُ لِلْأصْنامِ والكُبَراءِ والمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما هو المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المَعْنى: (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) مِن أهْلِ السَّماءِ ولا صَدِيقٌ حَمِيمٌ مِن أهْلِ الأرْضِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهم عَنَوْا بِالشّافِعِينَ هُنا ما عَنَوْا بِالمُجْرِمِينَ مِن كُبَرائِهِمْ وساداتِهِمْ، وفَرَّعُوا النَّفْيَ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما أضَلَّنا إلا المُجْرِمُونَ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: سادَتُنا وكُبَراؤُنا الَّذِينَ أضَلُّونا مُجْرِمُونَ مُعَذَّبُونَ مِثْلَنا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى السَّعْيِ في نَفْعِنا والشَّفاعَةِ لَنا.
وفِي الكَشّافِ (فَما لَنا مِن شافِعِينَ) كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءَ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، ولا صَدِيقٍ كَما نَرى لَهم أصْدِقاءَ، فَإنَّهُ لا يَتَصادَقُ في الآخِرَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ قالَ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ أوْ ( ﴿فَما لَنا مِن شافِعِينَ﴾ ﴿ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ ) مِنَ الَّذِينَ كُنّا نَعُدُّهم شُفَعاءَ وأصْدِقاءَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَعْتَقِدُونَ في أصْنامِهِمْ أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكانَ لَهُمُ الأصْدِقاءُ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ أرادُوا أنَّهم وقَعُوا في مَهْلَكَةٍ عَلِمُوا أنَّ الشُّفَعاءَ والأصْدِقاءَ لا يَنْفَعُونَهم ولا يَدْفَعُونَ عَنْهُمْ، فَقَصَدُوا بِنَفْيِهِمْ نَفْيَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ النَّفْعِ؛ لِأنَّ ما لا يَنْفَعُ حُكْمُهُ حُكْمُ المَعْدُومِ، انْتَهى.
والظّاهِرُ عَلى هَذا الأخِيرِ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الأمْرِ، بِحَيْثُ لا يَنْفَعُ فِيهِ أحَدٌ ولَوْ أدْنى نَفْعٍ، وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والوَجْهُ الأوَّلُ لا يَكادُ يَتَسَنّى عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ الشَّفاعَةَ في الخَلاصِ مِنَ النّارِ بَعْدَ دُخُولِها أوْ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِمْ: فَما لَنا مِن شافِعِينَ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ، فَما لَنا مِن شافِعِينَ يُخَلِّصُونا مِنَ النّارِ كَما نَرى المُؤْمِنِينَ لَهم شُفَعاءُ مِنَ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ يُخَلِّصُونَهم مِنها، فارْتِضاءُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِهَذا الوَجْهِ غَرِيبٌ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ التَّشْبِيهُ بِاعْتِبارِ مُطْلَقِ الشَّفاعَةِ، والمُعْتَزِلَةُ
صفحة 106
يُجَوِّزُونَ بَعْضَ أصْنافِها كالشَّفاعَةِ في زِيادَةِ الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ، لَكِنْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences