Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:11–15
27:11Page 377
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١
Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ عِنْدَ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ رُوِيَ عَنِ الفَرّاءِ والزَّجّاجِ وغَيْرِهِما أنَّ المُرادَ بِـ(مَن ظَلَمَ) مَن أذْنَبَ مِن غَيْرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ: والمَعْنى عَلَيْهِ: لَكِنْ مَن ظَلَمَ مِن سائِرِ العِبادِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي أغْفِرُ لَهُ، وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ المُرادَ بِهِ: مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما وصَدَرَ مِنهُ خِلافُ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى شَأْنِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والمُرادُ اسْتِدْراكُ ما يَخْتَلِجُ في الصَّدْرِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ، وفِيهِمْ مَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: لَكِنْ مَن صَدَرَ مِنهم ما هو في صُورَةِ الظُّلْمِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي أغْفِرُ لَهُ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يَخافَ أيْضًا، وهو شامِلٌ - عَلى ما قِيلَ - لِمَن فَعَلَ مِنهم شَيْئًا مِن ذَلِكَ قَبْلَ رِسالَتِهِ، وخَصَّهُ بَعْضُهم بِمَن صَدَرَ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وقالَ: يُؤَيِّدُهُ لَفْظَةُ (ثُمَّ) فَإنَّها ظاهِرَةٌ في التَّراخِي الزَّمانِيِّ، ولَعَلَّ الظّاهِرَ كَوْنُهُ خاصًّا بِمَن صَدَرَ مِنهُ بَعْدَ الرِّسالَةِ لِظُهُورِ المُرْسَلِ في المُتَلَبِّسِ بِالرِّسالَةِ لا فِيمَن يَتَلَبَّسُ بِها بَعْدُ أوِ الأعَمُّ، وكَأنَّ فِيما ذُكِرَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ تَعْرِيضًا بِما وقَعَ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن وكْزِهِ القِبْطِيِّ واسْتِغْفارِهِ، وتَسْمِيَتُهُ ظُلْمًا مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (ظَلَمْتُ نَفْسِي).
ولَمْ يَجْعَلُوهُ - عَلى هَذا - مُتَّصِلًا مَعَ دُخُولِ المُسْتَثْنى في المُسْتَثْنى مِنهُ، أعْنِي المُرْسَلِينَ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُتَّصِلًا لَزِمَ إثْباتُ الخَوْفِ لِمَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما مِنهم لِاسْتِثْنائِهِ مِنَ الحُكْمِ، وهو نَفْيُ الخَوْفِ عَنْهُمْ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، وذَلِكَ خِلافُ المُرادِ، فَلا يَكُونُ مُتَّصِلًا، بَلْ هو شُرُوعٌ في حُكْمٍ آخَرَ.
ورَجَّحَ الطِّيبِيُّ ما قالَهُ الجَماعَةُ بِأنَّ مَقامَ تَلَقِّي الرِّسالَةِ وابْتِداءِ المُكالَمَةِ مَعَ الكَلِيمِ يَقْتَضِي إزالَةَ الخَوْفِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو ظاهِرٌ عَلى ما قالُوهُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُقاتِلٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، والضَّحّاكِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ
صفحة 166
والظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا بِمَن مَن أرادَهُ الجَماعَةُ، وفي اتِّصالِهِ - عَلى ما سَمِعْتَ - خَفاءٌ.
ورُبَّما يُقالُ: إنَّ مَن يُطْلِقُ الِاتِّصالَ عَلَيْهِ في رَأْيِ الجَماعَةِ يَكْتَفِي في الِاتِّصالِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ فَإنْ كَفى فَذاكَ، وإلّا يَلْتَزِمُ إثْباتَ الخَوْفِ ويَجْعَلُ «بَدَّلَ» عَطْفًا عَلى مُسْتَأْنَفٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا مَن فَرَطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ فَإنَّهُ يَخافُ، فَمَن فَرَّطَ ثُمَّ تابَ غُفِرَ لَهُ، فَلا يَخافُ.
وحاصِلُهُ: إلّا مَن ظَلَمَ فَإنَّهُ يَخافُ أوَّلًا ويَزُولُ عَنْهُ الخَوْفُ بِالتَّوْبَةِ آخِرًا، وعَنِ الفَرّاءِ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّما يَخافُ غَيْرُهم إلّا مَن ظَلَمَ.
ورَدَّهُ النَّحّاسُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن مَحْذُوفٍ لا يَجُوزُ، ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ أنْ يُقالَ: (لا تَضْرِبِ القَوْمَ إلّا زَيْدًا) عَلى مَعْنى: وإنَّما اضْرِبْ غَيْرَهم إلّا زَيْدًا، وهَذا ضِدُّ البَيانِ والمَجِيءِ بِما لا يُعْرَفُ مَعْناهُ انْتَهى، وهو كَما قالَ، ولا يُجْدِي نَفْعًا القَوْلُ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِ المَخافَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ إلّا بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: ولا مَن ظَلَمَ ... إلَخْ.
وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِلْمُبايَنَةِ التّامَّةِ بَيْنَ إلّا والواوِ، فَلا تَقَعُ إحْداهُما مَوْقِعَ الأُخْرى، وحُسْنُ الظَّنِّ يُجَوِّزُ أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِكَوْنِ إلّا بِمَعْنى الواوِ، وإنَّما فَهَمَ مَن نَسَبَهُ إلَيْهِمْ مِن تَقْدِيرِهِمْ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ مَعْنًى لا إعْرابٍ، فَلا تَغْفُلْ.
والظّاهِرُ انْقِطاعُ الِاسْتِثْناءِ، ولَعَلَّ الأوْفَقَ بِشَأْنِ المُرْسَلِينَ أنْ يُرادَ بِمَن ظَلَمَ مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا كَبِيرًا أوْ صَغِيرًا مِن غَيْرِهِمْ، و(ثُمَّ) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فَتُفِيدُ الآيَةُ المَغْفِرَةَ لِمَن بَدَّلَ عَلى الفَوْرِ مِن بابٍ أوْلى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، وهو ظاهِرٌ بَيْنَ الظُّلْمِ والتَّبْدِيلِ المَذْكُورِ، والتَّبْدِيلُ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ نَحْوُ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ وقَدْ يَتَعَدّى إلى أحَدِهِما بِنَفْسِهِ وإلى الآخَرِ بِالباءِ أوْ بِمِن وهو المَذْهُوبُ بِهِ والمُبْدَلُ مِنهُ، نَحْوُ: (بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أوْ مِن خَوْفِهِ أمْنًا) وقَدْ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ نَحْوُ (بَدَّلْتُ الشَّيْءَ) أيْ غَيَّرْتُهُ، ومِنهُ (فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ) والمَعْنى هُنا عَلى المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وقَدْ تَعَدّى إلى أحَدِهِما - وهو المُبْدَلُ مِنهُ - بِالباءِ أوْ بِمِن فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ بَدَّلَ بِظُلْمِهِ أوْ مِن ظُلْمِهِ حُسْنًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ وحاصِلُهُ: ثُمَّ تَرَكَ الظُّلْمَ وأتى بِحُسْنٍ، والمُرادُ بِهِ التَّوْبَةُ.
فَيَكُونُ المَعْنى في الآخِرَةِ: إلّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ تابَ وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِمَقامِ الإيناسِ، كَذا قِيلَ.
والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ إسْنادَ التَّبْدِيلِ إلى (مَن ظَلَمَ) حَقِيقِيٌّ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَفَعَ الظُّلْمَ والسُّوءَ ومَحاهُ مِن صَحِيفَةِ أعْمالِهِ ووَضَعَ مَكانَهُ الحُسْنَ بِسَبَبِ تَوْبَتِهِ، نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ وإسْنادُ التَّبْدِيلِ إلى (مَن ظَلَمَ) عَلى هَذا مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَبْدِيلِ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِتَوْبَتِهِ، وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ الأوَّلَ، ومَحَلُّ «مَن» عَلى كُلٍّ مِن تَقْدِيرَيِ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ واتِّصالِهِ ظاهِرٌ، والظّاهِرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ في التَّقْدِيرَيْنِ، ولا يَخْفى أنَّها إذا اعْتُبِرَتْ مَنصُوبَةَ المَحَلِّ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ مَرْفُوعَتَهُ عَلى البَدَلِ تَكُونُ جُمْلَةُ «فَإنِّي» ... إلَخْ مُسْتَأْنَفَةً.
ومَن قَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفًا عَطَفَ عَلَيْهِ (بَدَّلَ) وقالَ: التَّقْدِيرُ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ، جَعَلَ الجُمْلَةَ خَبَرَ (مَن) وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وجُمْلَةُ (فَإنِّي) إلَخْ جَوابَها، فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ «ألا مَن ظَلَمَ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللّامِ عَلى أنَّ (ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ (مَن) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ شَرْطِيَّةً، ولا أُراهُ واجِبًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ «حُسْنى» عَلى وزْنِ فُعْلى مَمْنُوعَ الصَّرْفِ، وقَرَأ ابْنُ مِقْسَمٍ «حُسُنًا» بِضَمِّ الحاءِ والسِّينِ مُنَوَّنًا.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَلِيٍّ، والأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ – وعِصْمَةُ، وعَبْدُ الوارِثِ، وهارُونُ وعَيّاشٌ «حَسَنًا» بِفَتْحِ الحاءِ والسِّينِ مَعَ التَّنْوِينِ.
27:12Page 377
وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢
And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ أيْ: جَيْبِ
صفحة 167
قَمِيصِكَ، وهو مَدْخَلُ الرَّأْسِ مِنهُ المَفْتُوحُ إلى الصَّدْرِ، لا ما يُوضَعُ فِيهِ الدَّراهِمُ ونَحْوُها كَما هو مَعْرُوفٌ الآنَ؛ لِأنَّهُ مُوَلَّدٌ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: (فِي كُمِّكَ) لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لابِسًا إذْ ذاكَ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ لا كُمَّ لَها، وقِيلَ: الجَيْبُ القَمِيصُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ يُجابُ أيْ يُقْطَعُ، فَهو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: (فِي جَيْبِكَ) أيْ: تَحْتَ إبِطِكَ.
ولَعَلَّ مُرادَهُ أنَّ المَعْنى: أدْخِلْها في جَيْبِكَ وضَعْها تَحْتَ إبِطِكَ، وكانَتْ مُدَرَّعَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لا أزْرارَ لَها، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ نَبِيَّنا ﷺ كانَ مُطْلَقَ القَمِيصِ في بَعْضِ الأوْقاتِ.
فَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ، بابٌ في حَلِّ الأزْرارِ، ثُمَّ أخْرَجَ فِيهِ مِن طَرِيقِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن مُزَيْنَةَ فَبايَعْناهُ وإنَّ قَمِيصَهُ لَمُطْلَقٌ - وفي رِوايَةِ البَغَوِيِّ في مُعْجَمِ الصَّحابَةِ (لَمُطْلَقُ الأزْرارِ) - قالَ: فَبايَعْتُهُ، ثُمَّ أدْخَلْتُ يَدِي في جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الخاتَمَ، قالَ عُرْوَةُ: فَما رَأيْتُ مُعاوِيَةَ ولا أباهُ قَطُّ إلّا مُطْلِقِي أزْرارَهُما، ولا يَزِرّانِها أبَدًا.
وجاءَ أيْضًا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أمَرَ بِزَرِّ الأزْرارِ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أوْفى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَإذا أزْرارُهُ مَحْلُولَةً فَزَرَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِيَدِهِ، وقالَ: «اجْمَعْ عَطْفَيْ رِدائِكَ عَلى نَحْرِكَ»».
وفِي هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ جَيْبَ القَمِيصِ كانَ إذْ ذاكَ عَلى الصَّدْرِ كَما هو اليَوْمَ عِنْدَ العَرَبِ، وهو يُبْطِلُ القَوْلَ بِأنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ، وأنَّهُ مِن شَعائِرِ اليَهُودِ، وأمْرُهُ تَعالى إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإدْخالِ يَدِهِ في جَيْبِهِ - مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَها بَيْضاءَ مِن غَيْرِ إدْخالٍ – لِلِامْتِحانِ، ولَهُ سُبْحانُهُ أنْ يَمْتَحِنَ عِبادَهُ بِما شاءَ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجْ﴾ جَوابُ الأمْرِ؛ لِأنَّ خُرُوجَها مُتَرَتِّبٌ عَلى إدْخالِها، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَدْخُلْ وأخْرِجْها تَخْرُجْ، فَحُذِفَ مِنَ الأوَّلِ ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الثّانِي، ومِنَ الثّانِي ما أُثْبِتَ مُقابِلُهُ في الأوَّلِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ، وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ.
وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿بَيْضاءَ﴾ حالٌ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ وهو احْتِراسٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ أيْ: آيَةً مَعْدُودَةً مِن جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، أوْ مُعْجِزَةً لَكَ مَعَها، عَلى أنَّ التِّسْعَ هِيَ: الفَلْقُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ والطِّمْسَةُ - وهي جَعْلُ أسْبابِهِمْ حِجارَةً - والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ، ولِمَن عَدَّ العَصا واليَدَ مِنَ التِّسْعِ أنْ يَعُدَّ الجَدْبَ والنُّقْصانَ في المَزارِعِ واحِدًا، ولا يَعُدَّ الفَلْقَ مِنها؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُبْعَثْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، وإنَّ تَقَدَّمَهُ بِيَسِيرٍ، ومَن عَدَّهُ يَقُولُ: يَكْفِي مُعايَنَتُهُ لَهُ في البَعْثِ بِهِ، أوْ هو بَعْثٌ بِهِ لِمَن آمَنَ مِن قَوْمِهِ ولِمَن تَخَلَّفَ مِنَ القِبْطِ ولَمْ يُؤْمِن، وفي التَّقْرِيبِ أنَّ الطِّمْسَةَ والجَدْبَ والنُّقْصانَ يَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالتِّسْعُ هَذا الواحِدُ والعَصا واليَدُ وما بَقِيَ مِنَ المَذْكُوراتِ.
وذَهَبَ صاحِبُ الفَرائِدِ إلى أنَّ الجَرادَ والقُمَّلَ واحِدٌ، والجَدْبَ والنُّقْصانَ واحِدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (فِي تِسْعٍ) مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ أيِ: اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا﴾ وفي بِمَعْنى مَعَ، ونَظِيرُ هَذا الحَذْفِ ما في قَوْلِهِ:
أتَوْا نارِي فَقُلْتُ مَنُونَ أنْتُمْ فَقالُوا الجِنُّ قُلْتُ عَمُوا ظَلامًا
وقُلْتُ إلى الطَّعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ فَرِيقٌ يَحْسُدُ الإنْسَ الطَّعاما
فَإنَّ التَّقْدِيرَ هَلُمُّوا إلى الطَّعامِ، ويَتَعَلَّقُ بِهَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ وعَلى ما تَقَدَّمَ يَتَعَلَّقُ
صفحة 168
بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، أيْ مَبْعُوثًا أوْ مُرْسَلًا إلى فِرْعَوْنَ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ أرْسَلْتَ إلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ؟ فَقِيلَ: إنَّهم إلَخْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ إمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُمُ الشَّرْعُ إيّاهُ إنْ قُلْنا بِأنَّهم قَدْ أُرْسِلَ قَبْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُهُ وهو يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإمّا الخُرُوجُ عَمّا ألْزَمَهُ العَقْلُ واقْتِضاءُ الفِطْرَةِ إنْ قُلْنا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ أحَدٌ قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
27:13Page 377
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣
But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."
﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا﴾ أيْ ظَهَرَتْ لَهم عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فالمَجِيءُ مَجازٌ عَنِ الظُّهُورِ، وإسْنادُهُ إلى الآياتِ حَقِيقِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: المَجِيءُ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُ إلى الآياتِ مَجازِيٌّ، وهو حَقِيقَةٌ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ لِكَوْنِها مُعْجِزَةً لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ساغَ ذَلِكَ.
ولَعَلَّ النُّكْتَةَ في العُدُولِ عَنْ (فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ الإشارَةُ إلى أنَّ تِلْكَ الآياتِ خارِجَةٌ عَنْ طَوْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَسائِرِ المُعْجِزاتِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَصَرُّفٌ في بَعْضِها، وكَوْنُهُ مُعْجِزَةً لَهُ لِإخْبارِهِ بِهِ ووُقُوعِهِ بِدُعائِهِ ونَحْوِهِ، ولا يُنافِي هَذا الإسْنادَ إلَيْهِ لِكَوْنِها جارِيَةً عَلى يَدَيْهِ لِلْإعْجازِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا﴾ في مَحَلٍّ آخَرَ، وقَدْ بَيَّنَ بَعْضُهم وجْهًا لِاخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِمَحَلِّهِ بِأنَّ ثَمَّةَ ذِكْرَ مُقاوَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُجادَلَتِهِمْ مَعَهُ فَناسَبَ الإسْنادُ إلَيْهِ، وهُنا لَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ناسَبَ الإسْنادُ إلَيْها؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ جُحُودِهِمْ بِها، وإضافَةُ الآياتِ لِلْعَهْدِ، وفي إضافَتِها إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِها ﴿مُبْصِرَةً﴾ حالٌ مِنَ الآياتِ، أيْ: بَيِّنَةً واضِحَةً، وجَعْلُ الإبْصارِ لَها - وهو حَقِيقَةٌ لِمُتَأمَّلِيها - لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَها وبَيْنَهُمْ؛ لِأنَّهم إنَّما يُبْصِرُونَ بِسَبَبِ تَأمُّلِهِمْ فِيها، فالإسْنادُ مَجازِيٌّ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مُبْصِرَةً كُلَّ مَن نَظَرَ إلَيْها مِنَ العُقَلاءِ أوْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: جاعِلَتَهُ بَصِيرًا، مِن (أبْصَرَهُ) المُتَعَدِّي بِهَمْزَةِ النَّقْلِ مِن (بَصُرَ) والإسْنادِ أيْضًا مَجازِيٌّ.
ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الآياتُ كَأنَّها تُبْصِرُ فَتَهْدِي؛ لِأنَّ العَمى لا تَقْدِرُ عَلى الِاهْتِداءِ فَضْلًا أنْ تَهْدِيَ غَيْرَها، فَيَكُونُ في الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ مُرَشَّحَةٌ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا الوَجْهُ أبْلَغُ، وقِيلَ: إنَّ فاعِلًا أُطْلِقَ لِلْمَفْعُولِ، فالمَجازُ إمّا في الطَّرْفِ أوْ في الإسْنادِ، فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ قَتادَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: (مَبْصَرَةً) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، عَلى وزْنِ مَسْبَعَةٍ، وأصْلُ هَذِهِ الصِّيغَةِ أنْ تُصاغَ في الأكْثَرِ لِمَكانٍ كَثُرَ فِيهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقاقِ، فَلا يُقالُ: مَسْبَعَةٌ - مَثَلًا - إلّا لِمَكانٍ يَكْثُرُ فِيهِ السِّباعُ لا لِما فِيهِ سَبُعٌ واحِدٌ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِها عَمّا هو سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الشَّيْءِ وغَلَبَتِهِ كَقَوْلِهِمِ: الوَلَدُ مُجْبَنَةٌ ومَبْخَلَةٌ، أيْ: سَبَبٌ لِكَثْرَةِ جُبْنِ الوالِدِ وكَثْرَةِ بُخْلِهِ، وهو المُرادُ هُنا، أيْ: سَبَبًا لِكَثْرَةِ تَبَصُّرِ النّاظِرِينَ فِيها.
وقالَ أبُو حَيّانَ: هو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الِاسْمِ وانْتَصَبَ عَلى الحالِ أيْضًا ﴿قالُوا هَذا﴾ أيِ: الَّذِي نَراهُ أوْ نَحْوُهُ ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحٌ سِحْرِيَّتُهُ عَلى أنَّ ( مُبِينٌ ) مِن (أبانَ)
27:14Page 378
وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤
And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.
﴿وجَحَدُوا بِها﴾ أيْ: وكَذَّبُوا بِها ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ: عَلِمَتْ عِلْمًا يَقِينِيًّا أنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، والِاسْتِيقانُ أبْلَغُ مِنَ الإيقانِ.
وفِي البَحْرِ أنَّ (اسْتَفْعَلَ) هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ كاسْتَكْبَرَ بِمَعْنى تَكَبَّرَ، والأبْلَغُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالِيَّةً إمّا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها ﴿ظُلْمًا﴾ أيْ لِلْآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ وقَدْ ظَلَمُوا بِها
صفحة 169
أيَّ ظُلْمٍ، حَيْثُ حَطُّوها عَنْ رُتْبَتِها العالِيَةِ، وسَمَّوْها سِحْرًا، وقِيلَ: ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وعُلُوًّا﴾ أيْ تَرَفُّعًا واسْتِكْبارًا عَنِ الإيمانِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وانْتِصابُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ مِن ﴿جَحَدُوا﴾ وهي - عَلى ما قِيلَ - بِاعْتِبارِ العاقِبَةِ والِادِّعاءِ كَما في قَوْلِهِ:
لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ
وإمّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جَحَدُوا بِها ظالِمِينَ عالِينَ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِأنَّهُ أبْلَغُ وأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: ما آلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ مِنَ الإغْراقِ عَلى الوَجْهِ الهائِلِ الَّذِي هو عِبْرَةٌ لِلظّالِمِينَ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ مَشْهُورٍ لَدى كُلِّ بادٍ وحاضِرٍ، وأدْخَلَ بَعْضُهم في العاقِبَةِ حالَهم في الآخِرَةِ مِنَ الإحْراقِ والعَذابِ الألِيمِ، وفي إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ الضَّمِيرِ ذَمٌّ لَهم وتَحْذِيرٌ لِأمْثالِهِمْ.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ «وعِلِيًّا» بِقَلْبِ الواوِ ياءً وكَسْرِ العَيْنِ واللّامِ، وأصْلُهُ (فُعُولٌ) لَكِنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ إتْباعًا، ورُوِيَ ضَمُّها عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ وطَلْحَةَ.
27:15Page 378
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥
And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."
﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، كَقِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِهِ، أيْ: آتَيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما طائِفَةً مِنَ العِلْمِ لائِقَةً بِهِ مِن عِلْمِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَصُّ بِكُلٍّ مِنهُما، كَصَنْعَةِ لَبُوسٍ ومَنطِقِ الطَّيْرِ، وخَصَّها مُقاتِلٌ بِعِلْمِ القَضاءِ، وابْنُ عَطاءٍ بِالعِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَعَلَّ الأوْلى ما ذُكِرَ، أوْ عِلْمًا سَنِيًّا غَزِيرًا، فالتَّنْوِينُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّقْلِيلِ، وهو أوْفَقُ بِكَوْنِ القائِلِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ كُلَّ عِلْمٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ قَلِيلٌ، وعَلى الثّانِي لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ وهو أوْفَقُ بِامْتِنانِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - فَإنَّهُ سُبْحانَهُ المَلِكُ العَظِيمُ، فاللّائِقُ بِشَأْنِهِ الِامْتِنانُ بِالعَظِيمِ الكَثِيرِ فَلِكُلٍّ وُجْهَةٌ، ورُبَّما يُرَجَّحُ الثّانِي، ومِمّا يَنْبَغِي أنْ لا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ كَوْنُ التَّنْوِينِ لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ: نَوْعًا مِنَ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ عِلْمُ الكِيمْياءِ.
﴿وقالا﴾ أيْ قالَ كُلٌّ مِنهُما؛ شُكْرًا لِما أُوتِيَهُ مِنَ العِلْمِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ بِما آتانا مِنَ العِلْمِ ﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ عِبارَةَ كُلٍّ مِنهُما (فَضَّلَنِي) إلّا أنَّهُ عُبِّرَ عَنْهُما عِنْدَ الحِكايَةِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ إيجازًا، وحِكايَةُ الأقْوالِ المُتَعَدِّدَةِ - سَواءٌ كانَتْ صادِرَةً عَنِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَنْ غَيْرِهِ بِعِبارَةٍ جامِعَةٍ لِلْكُلِّ - مِمّا لَيْسَ بِعَزِيزٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ قِيلَ: وبِهَذا ظَهَرَ حُسْنُ مَوْقِعِ العَطْفِ بِالواوِ دُونَ الفاءِ؛ إذِ المُتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ بِالفاءِ تَرَتُّبُ حَمْلِ كُلٍّ مِنهُما عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ كُلٌّ مِنهُما، لا عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ نَفْسُهُ فَقَطْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا سُلِّمَ ما ذُكِرَ فالعَطْفُ بِالواوِ أيْضًا يَتَبادَرُ مَعَهُ كَوْنُ حَمْدِ كُلٍّ مِنهُما عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ كُلٌّ مِنهُما، فَما يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ مَعَ الواوِ يُمْنَعُ نَحْوُهُ مَعَ الفاءِ، وقالَ العَلامَةَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عُطِفَ بِالواوِ دُونَ الفاءِ - مَعَ أنَّ الظّاهِرَ العَكْسُ كَما في قَوْلِكَ: أعْطَيْتُهُ فَشَكَرَ - إشْعارًا بِأنَّ ما قالاهُ بَعْضُ ما أحْدَثَ فِيهِما إيتاءُ العِلْمِ وشَيْءٌ مِن مَواجِبِهِ، فَأُضْمِرَ ذَلِكَ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ التَّحْمِيدُ، كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا فَعَمِلا فِيهِ وعَلِماهُ وعَرَفا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ والفَضِيلَةِ، وقالا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلْنا، وحاصِلُهُ أنَّ إيتاءَ العِلْمِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، وفَواضِلِ المِنَحِ،
صفحة 170
يَسْتَدْعِي إحْداثَ الشُّكْرِ أكْثَرَ مِمّا ذُكِرَ، فَجِيءَ بِالواوِ لِأنَّها تَسْتَدْعِي إضْمارًا، فَيُضْمَرُ ما يَقْتَضِيهِ مُوجَبُ الشُّكْرِ مِن قَوْلِهِ: فَعَمِلا بِهِ وعَلِماهُ فَإنَّهُ شُكْرٌ فِعْلِيٌّ، وقَوْلِهِ: وعَرِفا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ والفَضِيلَةِ فَإنَّهُ شُكْرٌ قَلْبِيٌّ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالا﴾ إلَخْ ... تَتِمُّ أنْواعُ الشُّكْرِ؛ لِأنَّهُ شُكْرٌ لِسانِيٌّ، وفي الطَّيِّ إيماءٌ بِأنَّ المَطْوِيَّ جاوَزَ حَدَّ الإحْصاءِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ هَذا الوَجْهَ لِاخْتِيارِ العَطْفِ بِالواوِ أوْلى مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن تَفْوِيضِ التَّرَتُّبِ إلى العَقْلِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَسْتَدْعِي الشُّكْرَ البالِغَ، وهو ما يَسْتَوْعِبُ الأنْواعَ، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ يَكُونُ بِنَوْعِ القَوْلِيِّ مِنها وحْدَهُ، وهو أوْلى مِمّا قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ لَمْ يُعْطَفْ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الحَمْدَ عَلى نِعَمٍ عَظِيمَةٍ مِن جُمْلَتِها العِلْمُ، ولَوْ عُطِفَ بِالفاءِ لَكانَ الحَمْدُ عَلَيْهِ فَقَطْ؛ لِأنَّ السِّياقَ ظاهِرٌ في أنَّ الحَمْدَ عَلَيْهِ لا عَلى ما يَدْخُلُ هو في جُمْلَتِهِ.
وهَلْ هُناكَ - عَلى ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ - تَقْدِيرُ حَقِيقَةٍ أمْ لا قَوْلانِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ مَن يُسَمِّي هَذِهِ الواوَ الواوَ الفَصِيحَةَ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الكَثِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - وقِيلَ: ذاكَ ومَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا أصْلًا.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَبْيِينُ الكَثِيرِ بِعِبادِهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ خُلُوَّهم عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ مِمّا لا يُمْكِنُ، وفي تَخْصِيصِهِما الكَثِيرَ بِالذِّكْرِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَعْضَ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِما كَذا قِيلَ، والمُتَبادَرُ مِنَ البَعْضِ القَلِيلُ، وفي الكَشّافِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى كَثِيرٍ﴾ أنَّهُما فُضِّلا عَلى كَثِيرٍ وفُضِّلَ عَلَيْهِما كَثِيرٌ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ نَظَرًا؛ إذْ يَدُلُّ بِالمَفْهُومِ عَلى أنَّهُما لَمْ يُفَضَّلا عَلى القَلِيلِ، فَأمّا أنْ يُفَضَّلَ القَلِيلُ عَلَيْهِما أوْ يُساوِياهُ فَلا، بَلْ يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ.
ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الكَثِيرَ لا يُقابِلُهُ القَلِيلُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الأكْثَرِ بِخِلافِهِ، ولَمّا بَعُدَ تَساوِي الأكْثَرِ مِن حَيْثُ العادَةُ - لا سِيَّما والأصْلُ التَّفاوُتُ - حَكَمَ صاحِبُ الكَشّافِ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِما أيْضًا كَثِيرٌ، عَلى أنَّ العُرْفَ طَرْحُ التَّساوِي في مِثْلِهِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وجَعْلُ التَّقابُلِ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّهم إذا قالُوا: (لا أفْضَلَ مِن زَيْدٍ) فُهِمَ أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الكُلِّ، انْتَهى.
وفِي الآيَةِ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى فَضْلِ العِلْمِ وشَرَفِ أهْلِهِ؛ حَيْثُ شَكَرا عَلى العِلْمِ وجَعَلاهُ أساسَ الفَضْلِ، ولَمْ يَعْتَبِرا دُونَهُ مِمّا أُوتِياهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ، وتَحْرِيضٌ لِلْعُلَماءِ عَلى أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ما آتاهم مِن فَضْلِهِ، وأنْ يَتَواضَعُوا ويَعْتَقِدُوا أنَّ في عِبادِ اللَّهِ تَعالى مَن يَفْضُلُهم في العِلْمِ، ونِعْمَ ما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - حِينَ نَهى عَلى المِنبَرِ عَنِ التَّغالِي في المُهُورِ فاعْتَرَضَتْ عَلَيْهِ عَجُوزٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ الآيَةَ: كُلُّ النّاسِ أفْقَهَ مِن عُمَرَ، وفِيهِ مِن جَبْرِ قَلْبِ العَجُوزِ وفَتْحِ بابِ الِاجْتِهادِ ما فِيهِ، وجَعْلُ الشِّيعَةِ لَهُ مِنَ المَثالِبِ مِن أعْظَمِ المَثالِبِ وأعْجَبِ العَجائِبِ.
ولَعَلَّ في الآيَةِ إشارَةً إلى جَوازِ أنْ يَقُولَ العالِمُ: أنا عالِمٌ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - مِنهم أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وما شاعَ مِن حَدِيثِ: ««مَن قالَ أنا عالِمٌ فَهو جاهِلٌ»» إنَّما يُعْرَفُ مِن كَلامِ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، عَلى ضَعْفٍ في إسْنادِهِ، ويَحْيى هَذا مِن صِغارِ التّابِعِينَ، فَإنَّهُ رَأى أنَسَ بْنَ مالِكٍ وحْدَهُ، وقَدْ وهِمَ بَعْضُ الرُّواةِ فَرَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَحْقِيقُهُ في (أعْذَبِ المَناهِلِ) لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences