Al-AlusiAn‑Naml · 27:23–28

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:23–28

27:23Page 379

إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ - أيْ: تَتَصَرَّفُ بِهِمْ، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْها أحَدٌ - اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما جاءَ بِهِ مِنَ النَّبَأِ، وتَفْصِيلٌ لَهُ إثْرَ إجْمالٍ، وعَنى بِهَذِهِ المَرْأةِ بِلْقِيسَ بِنْتِ شَراحِيلَ بْنِ مالِكِ بْنِ رَيّانَ مِن نَسْلِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، ويُقالُ: مِن نَسْلِ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ.

ورَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ اسْمَ هَذِهِ المَرْأةِ لَيْلى، وهو خِلافُ المَشْهُورِ، وقِيلَ: اسْمُ أبِيها السَّرْجُ بْنُ الهُداهِدِ.

ويُحْكى أنَّهُ كانَ أبُوها مَلَكَ أرْضِ اليَمَنِ كُلِّها، ووَرِثَ المُلْكَ مِن أرْبَعِينَ أبًا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها، فَغَلَبَتْ بَعْدَهُ عَلى المُلْكِ ودانَتْ لَها الأُمَّةُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوها طَمِعَتْ في المُلْكِ، وطَلَبَتْ مِن قَوْمِها أنْ يُبايِعُوها، فَأطاعَها قَوْمٌ وأبى آخَرُونَ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقالُ: إنَّهُ ابْنُ عَمِّها، وكانَ خَبِيثًا فَأساءَ السِّيرَةَ في أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، حَتّى كانَ يَفْجُرُ بِنِساءِ رَعِيَّتِهِ، فَأرادُوا خَلْعَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأتْ ذَلِكَ أدْرَكَتْها الغَيْرَةُ فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَها عَلَيْهِ فَأجابَها، وقالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أبْتَدَئَكِ بِالخِطْبَةِ إلّا اليَأْسُ مِنكِ، قالَتْ: لا أرْغَبُ عَنْكَ لِأنَّكَ كُفُؤٌ كَرِيمٌ، فاجْمَعْ رِجالَ أهْلِي واخْطُبْنِي، فَجَمَعَهم وخَطَبَها، فَقالُوا: لا نَراها تَفْعَلُ، فَقالَ: بَلى إنَّها رَغِبَتْ فِيَّ، فَذَكَرُوا لَها ذَلِكَ فَقالَتْ: نَعَمْ، فَزَوَّجُوها مِنهُ، فَلَمّا زُفَّتْ إلَيْهِ خَرَجَتْ مَعَ أُناسٍ كَثِيرٍ مِن حَشَمِها وخَدَمِها، فَلَمّا خَلَتْ بِهِ سَقَتْهُ الخَمْرَ حَتّى سَكَرَ، فَقَتَلَتْهُ، وحَزَّتْ رَأْسَهُ، وانْصَرَفَتْ إلى مَنزِلِها، فَلَمّا أصْبَحَتْ أرْسَلَتْ إلى وُزَرائِهِ وأحْضَرَتْهم وقَرَّعَتْهُمْ، وقالَتْ: أما كانَ فِيكم مَن يَأْنَفُ مِنَ الفُجُورِ بِكَرائِمِ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ أرَتْهم إيّاهُ قَتِيلًا، وقالَتِ: اخْتارُوا رَجُلًا تُمَلِّكُوهُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: لا نَرْضى غَيْرَكِ، فَمَلَّكُوها، وعَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ النِّكاحَ كانَ مَكْرًا وخَدِيعَةً مِنها، واشْتُهِرَ أنَّ أُمَّها جِنِّيَّةٌ.

صفحة 189

وقَدْ أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حاضِرٍ أنَّ أُمَّها امْرَأةٌ مِنَ الجِنِّ، يُقالُ لَها: بَلْقَمَةُ بِنْتُ شِيصا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّ أُمَّها فارِعَةُ الجِنِّيَّةُ.

وفِي التَّفْسِيرِ الخازِنِيِّ أنَّ أباها شَراحِيلُ كانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الأطْرافِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم كُفُؤًا لِي، وأبى أنْ يَتَزَوَّجَ فِيهِمْ، فَخَطَبَ إلى الجِنِّ فَزَوَّجُوهُ امْرَأةً يُقالُ لَها رَيْحانَةُ بِنْتُ السَّكَنِ، وسَبَبُ وُصُولِهِ إلى الجِنِّ حَتّى خَطَبَ إلَيْهِمْ - عَلى ما قِيلَ - إنَّهُ كانَ كَثِيرَ الصَّيْدِ، فَرُبَّما اصْطادَ الجِنَّ وهم عَلى صُوَرِ الظِّباءِ، فَيُخَلِّي عَنْهُمْ، فَظَهَرَ لَهُ مَلِكُ الجِنِّ وشَكَرَهُ عَلى ذَلِكَ، واتَّخَذَهُ صَدِيقًا، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ فَزَوَّجَهُ إيّاها.

وقِيلَ: إنَّهُ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا فَرَأى حَيَّتَيْنِ يَقْتَتِلانِ بَيْضاءَ وسَوْداءَ، وقَدْ ظَهَرَتِ السَّوْداءُ عَلى البَيْضاءِ، فَقَتَلَ السَّوْداءَ وحَمَلَ البَيْضاءَ، وصَبَّ عَلَيْها الماءَ، فَأفاقَتْ، فَأطْلَقَها، فَلَمّا رَجَعَ إلى دارِهِ جَلَسَ وحْدَهُ مُنْفَرِدًا، فَإذا هو مَعَهُ شابٌّ جَمِيلٌ، فَخافَ مِنهُ فَقالَ: لا تَخَفْ، أنا الحَيَّةُ البَيْضاءُ الَّذِي أحْيَيْتَنِي، والأسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ هو عَبْدٌ لَنا تَمَرَّدَ عَلَيْنا، وقَتَلَ عِدَّةً مِنّا، وعَرَضَ عَلَيْهِ المالَ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِهِ، ولَكِنْ إنْ كانَ لَكَ بِنْتٌ فَزَوِّجْنِيها، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، انْتَهى.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ) وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًّا»».

والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ عَدَمُ صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، وفي البَحْرِ: قَدْ طَوَّلُوا في قِصَصِها يَعْنِي بِلْقِيسَ بِما لَمْ يَثْبُتْ في القُرْآنِ ولا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحِكاياتِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِالخُرافاتِ، فَإنَّ الظّاهِرَ - عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِ التَّناكُحِ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ الَّذِي قِيلَ: يُصْفَعُ السّائِلُ عَنْهُ لِحَماقَتِهِ وجَهْلِهِ - أنْ لا يَكُونَ تَوالُدٌ بَيْنَهُما، وقَدْ ذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ - فِيما رَوى ابْنُ عَساكِرَ - أنَّهُ قِيلَ بِحَضْرَتِهِ: إنَّ مَلِكَةَ سَبَأٍ أحَدُ أبَوَيْها جِنِّيٌّ، فَقالَ: لا يَتَوالَدُونَ، أيْ: إنَّ المَرْأةَ مِنَ الإنْسِ لا تَلِدُ مِنَ الجِنِّ، والمَرْأةَ مِنَ الجِنِّ لا تَلِدُ مِنَ الإنْسِ.

نَعَمْ، رُوِيَ عَنْ مالِكٍ ما يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ، فَفي الأشْباهِ والنَّظائِرِ لِابْنِ نُجَيْمٍ: رَوى أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ داوُدَ الزَّبِيدِيُّ قالَ: كَتَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى مالِكٍ يَسْألُونَهُ عَنْ نِكاحِ الجِنِّ، وقالُوا: إنْ هاهُنا رَجُلًا مِنَ الجِنِّ زَعَمَ أنَّهُ يُرِيدُ الحَلالَ، فَقالَ: ما أرى بَأْسًا في الدِّينِ، ولَكِنْ أكْرَهُ إذا وُجِدَتِ امْرَأةٌ حامِلٌ قِيلَ لَها: مَن زَوْجُكِ؟ قالَتْ: مِنَ الجِنِّ، فَيَكْثُرُ الفَسادُ في الإسْلامِ بِذَلِكَ، انْتَهى.

ولَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ مالِكٍ؛ لِظُهُورِ ما يَرِدُ عَلى تَعْلِيلِ الكَراهَةِ، ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي إذا حَمَلَتِ الجِنِّيَّةُ مِنَ الإنْسِيِّ هَلْ تَبْقى عَلى لَطافَتِها فَلا تُرى، والحَمْلُ عَلى كَثافَتِهِ فَيُرى، أوْ يَكُونُ الحَمْلُ لَطِيفًا مِثْلَها فَلا يُرَيانِ؟! فَإذا تَمَّ أمْرُهُ تَكَثَّفَ وظَهَرَ كَسائِرِ بَنِي آدَمَ، أوْ تَكُونُ مُتَشَكِّلَةً بِشَكْلِ نِساءِ بَنِي آدَمَ ما دامَ الحَمَلُ في بَطْنِها، وهو فِيهِ يَتَغَذّى ويَنْمُو بِما يَصِلُ إلَيْهِ مِن غِذائِها، وكُلٌّ مِنَ الشُّقُوقِ لا يَخْلُو عَنِ اسْتِبْعادٍ كَما لا يَخْفى.

وإيثارُ (وجَدْتُ) عَلى (رَأيْتُ) لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَبَقَ مِنَ الإيذانِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ بِصَدَدِ خِدْمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِإبْرازِ نَفْسِهِ في مَعْرِضِ مَن يَتَفَقَّدُ أحْوالَها ويَتَعَرَّفُها، كَأنَّها طِلْبَتُهُ وضالَّتُهُ؛ لِيَعْرِضَها عَلى سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ: لِلْإشْعارِ بِأنَّ ما ظَفِرَ بِهِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ أوَّلًا؛ لِأنَّ الوِجْدانَ بَعْدَ الفَقْدِ، وفِيهِ رَمْزٌ بِغَرابَةِ الحالِ، وضَمِيرُ (تَمْلِكُهُمْ) لِسَبَأٍ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيِّ، أوْ لِأهْلِها المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مَدِينَتِهِمْ عَلى أنَّها اسْمٌ لَها، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ أنَّ تَكُونَ المَرْأةُ مَلِكَةً، ولا حُجَّةَ في عَمَلِ قَوْمٍ كَفَرَةٍ عَلى مِثْلِ هَذا المَطْلَبِ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ أهْلَ فارِسَ قَدْ مَلَّكُوا بِنْتَ كِسْرى قالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ ولَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً»».

ونُقِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ قاضِيَةً ولَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، وفي الأشْباهِ لا يَنْبَغِي أنْ تُوَلّى القَضاءَ - وإنْ صَحَّ مِنها - بِغَيْرِ الحُدُودِ والقِصاصِ، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ نُقِلَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّها تَقْضِي فِيما تَشْهَدُ فِيهِ لا عَلى الإطْلاقِ،

صفحة 190

ولا أنْ يُكْتَبَ لَها مَنشُورٌ بِأنَّ فُلانَةَ مُقْدِمَةٌ عَلى الحُكْمِ، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّحْكِيمِ لَها.

﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَحْتاجُ إلَيْها المُلُوكُ بِقَرِينَةِ (تَمْلِكُهُمْ) وقَدْ يُقالُ: لَيْسَ الغَرَضُ إلّا إفادَةُ كَثْرَةِ ما أُوتِيَتْ.

والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (تَمْلِكُهُمْ) وأنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (تَمْلِكُهُمْ) المَرْفُوعِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أوْ بِدُونِهِ ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ -: أيْ: سَرِيرٌ كَرِيمٌ مِن ذَهَبٍ، قَوائِمُهُ مِن جَوْهَرٍ ولُؤْلُؤٍ، حَسَنُ الصَّنْعَةِ، غالِي الثَّمَنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ ثَلاثِينَ ذِراعًا في ثَلاثِينَ ذِراعًا، وكانَ طُولُهُ في السَّماءِ ثَلاثِينَ ذِراعًا أيْضًا، وقِيلَ: كانَ طُولُهُ ثَمانِينَ في ثَمانِينَ، وارْتِفاعُهُ ثَمانِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سَرِيرٌ مِن ذَهَبٍ، وصَفْحَتاهُ مُرَصَّعَتانِ بِالياقُوتِ والزَّبَرْجَدِ، طُولُهُ ثَمانُونَ ذِراعًا في عَرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: كانَ مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ الأحْمَرِ والزَّبَرْجَدِ الأخْضَرِ، وقَوائِمُهُ مِنَ الياقُوتِ والزُّمُرُّدِ، وعَلَيْهِ سَبْعَةُ أبْياتٍ، عَلى كُلِّ بَيْتٍ بابٌ مُغْلَقٌ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وبِالجُمْلَةِ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالعَرْشِ السَّرِيرُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ بِهِ المُلْكُ ولا داعِيَ إلَيْهِ.

واسْتِعْظامُ الهُدْهُدِ لِعَرْشِها - مَعَ ما كانَ يُشاهِدُهُ مِن مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ - إمّا بِالنِّسْبَةِ إلى حالِها أوْ إلى عُرُوشِ أمْثالِها مِنَ المُلُوكِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مِثْلُهُ، وإنْ كانَ عَظِيمَ المُلْكِ، فَإنَّهُ قَدْ يُوجَدُ لِبَعْضِ أُمَراءِ الأطْرافِ شَيْءٌ لا يَكُونُ لِلْمَلِكِ الَّذِي هم تَحْتَ طاعَتِهِ.

وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُهُ بِذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما ذُكِرَ أوَّلًا مِن تَرْغِيبِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الإصْغاءِ إلى حَدِيثِهِ، وفِيهِ تَوْجِيهٌ لِعَزِيمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَحْوَ تَسْخِيرِها، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِما يُوجِبُ غَزْوَها مِن كُفْرِها وكُفْرِ قَوْمِها حَيْثُ قالَ:

27:24Page 379

وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤

I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,

﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: يَعْبُدُونَها، مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى.

قالَ الحَسَنُ: كانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الأنْوارَ، وقِيلَ: كانُوا زَنادِقَةً.

والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافُ كَلامٍ، وأنَّ الوَقْفَ عَلى (عَظِيمٌ) قالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: ولا يُوقَفُ عَلى (عَرْشٌ) وقَدْ زَعَمَ بَعْضُهم جَوازَهُ، وقالَ: مَعْناهُ عَظِيمٌ عِنْدَ النّاسِ.

وقَدْ أنْكَرَ هَذا الوَقْفَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ونَسَبُوا القائِلَ بِهِ إلى الجَهْلِ، وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْناهُ عَظِيمٌ عِبادَتُهم لِلشَّمْسِ مَن دُونِ اللَّهِ تَعالى قَوْلٌ رَكِيكٌ، لا يُعْتَدُّ بِهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وفي الكَشّافِ: مِن نَوْكى القُصّاصِ مَن وقَفَ عَلى (عَرْشٌ) يُرِيدُ: عَظِيمٌ أنْ وجَدْتُها، فَرَّ مِنِ اسْتِعْظامِ الهُدْهُدِ عَرْشَها فَوَقَعَ في عَظِيمَةٍ وهي نَسْخُ كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي هي عِبادَةُ الشَّمْسِ ونَظائِرِها مِن أصْنافِ الكُفْرِ والمَعاصِي، والجُمْلَةُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ عَلى جُمْلَةِ (يَسْجُدُونَ) والحالِيَّةَ مِنَ الضَّمِيرِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ آنِفًا.

﴿فَصَدَّهُمْ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلتَّزْيِينِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، أيْ: فَصَدَّهم تَزْيِينُ الشَّيْطانِ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الحَقِّ والصَّوابِ ﴿فَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يَهْتَدُونَ﴾ إلَيْهِ.

27:25Page 379

أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥

[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: لِئَلّا يَسْجُدُوا، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(صَدَّهُمْ) أوْ بِـ(زَيَّنَ) والفاءُ في (فَصَدَّهُمْ) لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ سَبَبِيَّةً لِجَوازِ كَوْنِها تَفْرِيعِيَّةً أوْ تَفْصِيلِيَّةً، أيْ: فَصَدَّهم عَنْ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ لا يَسْجُدُوا لَهُ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ أنْ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن أعْمالِهِمْ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ عَدَمَ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ظاهِرٌ في عَدِّ عَدَمِ السُّجُودِ مِنَ الأعْمالِ وهو بَعِيدٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَدَلًا مِنَ السَّبِيلِ و(لا) زائِدَةً مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾

صفحة 191

كَأنَّهُ قِيلَ: فَصَدَّهم عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِتَقْدِيرِ إلى و(لا) زائِدَةً أيْضًا، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَهْتَدُونَ) كَأنَّهُ قِيلَ: فَهم لا يَهْتَدُونَ إلى السُّجُودِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ زِيادَةَ (لا) - وإنْ وقَعَتْ في الفَصِيحِ - خِلافُ الظّاهِرِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ تَقْدِيرٌ، والمَصْدَرُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: دَأْبُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: هِيَ، أيْ: أعْمالُهم عَدَمُ السُّجُودِ، وفِيهِ ما مَرَّ آنِفًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزُّهْرِيُّ، والسَّلُمِيُّ، والحَسَنُ، وحُمَيْدٌ، والكِسائِيُّ «ألا» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها لِلِاسْتِفْتاحِ، ويا حَرْفُ نِداءٍ، والمُنادى مَحْذُوفٌ، أيْ: ألا يا قَوْمِ اسْجُدُوا كَما في قَوْلِهِ:

ألا يا اسْلَمِي ذاتَ الدَّمالِيجِ والعُقَدِ

ونَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ.

وسَقَطَتْ ألِفُ يا وألِفُ الوَصْلِ في (اسْجُدُوا) وكُتِبَتْ بِالياءِ مُتَّصِلَةً بِالسِّينِ عَلى خِلافِ القِياسِ.

ووَقَفَ الكِسائِيُّ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى ياءٍ وابْتَدَأ بِـ(اسْجُدُوا) وهو وقْفُ اخْتِيارٍ، وفي البَحْرِ: الَّذِي أذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ الوارِدِ عَنِ العَرَبِ لَيْسَتْ يا فِيهِ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ المُنادى عِنْدِي لا يَجُوزُ حَذْفُهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حُذِفَ الفِعْلُ العامِلُ في النِّداءِ وانْحَذَفَ فاعِلُهُ لِحَذْفِهِ، فَلَوْ حَذَفْنا المُنادى لَكانَ في ذَلِكَ حَذْفُ جُمْلَةِ النِّداءِ وحَذْفُ مُتَعَلِّقِهِ - وهو المُنادى - وإذا لَمْ نَحْذِفْهُ كانَ دَلِيلًا عَلى العامِلِ فِيهِ وهو جُمْلَةُ النِّداءِ، ولَيْسَ حَرْفُ النَّداءِ حَرْفَ جَوابٍ كَنَعَمْ وبَلى ولا وأجَلْ، فَيَجُوزُ حَذْفُ الجُمْلَةِ بَعْدَهُ كَما يَجُوزُ حَذْفُها بَعْدَهُنَّ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ.

فَيا عِنْدِي في تِلْكَ التَّراكِيبِ حَرْفُ تَنْبِيهٍ أُكِّدَ بِهِ (ألا) الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ الحَرْفَيْنِ، ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ في التَّوْكِيدِ، وإذا كانَ قَدْ وُجِدَ التَّأْكِيدُ في اجْتِماعِ الحَرْفَيْنِ المُخْتَلِفَيِ اللَّفْظِ العامِلَيْنِ في قَوْلِهِ:

فَأصْبَحْنَ لا يَسْألْنَنِي عَنْ بِما بِهِ

والمُتَّفِقِي اللَّفْظِ العامِلَيْنِ أيْضًا في قَوْلِهِ:

فَلا واللَّهِ لا يُلْفى لِما بِي ∗∗∗ ولا لَلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ

وجازَ ذَلِكَ - وإنْ عَدُّوهُ ضَرُورَةً أوْ قَلِيلًا - فاجْتِماعُ غَيْرِ العامِلَيْنِ وهُما مُخْتَلِفا اللَّفْظِ يَكُونُ جائِزًا، ولَيْسَ (يا) في قَوْلِهِ:

يا لَعْنَةُ اللَّهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ

حَرْفَ نِداءٍ عِنْدِي بَلْ حَرْفَ تَنْبِيهِ، جاءَ بَعْدَهُ المُبْتَدَأُ ولَيْسَ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المُنادى لِما ذَكَرْناهُ انْتَهى، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ.

وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، إمّا خِطابًا لِقَوْمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْحَثِّ عَلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُخاطَبِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قِيلَ وهو حِينَئِذٍ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ.

ولَعَلَّ الأظْهَرَ احْتِمالُ كَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَ سُبْحانَهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ ويُوقَفُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى (يَهْتَدُونَ) اسْتِحْسانًا، ويُوجِبُ ذَلِكَ زِيادَةَ عِدَّةِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ - عَلى ما قالُوهُ فِيها - عِنْدَ بَعْضٍ، وقِيلَ: لا يُوجِبُها فَإنَّ الآياتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَيْسَ مَدارُها عَلى الوَقْفِ وعَدَمِهِ، فَتَأمَّلْ.

والفَرْقُ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى أنَّ في الآيَةِ عَلى الأُولى ذَمًّا عَلى تَرْكِ السُّجُودِ، وفِيها عَلى الثّانِيَةِ أمْرًا بِالسُّجُودِ، وأيًّا ما كانَ فالسُّجُودُ واجِبٌ عِنْدَ قِراءَةِ الآيَةِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ وُجُوبَهُ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهُ غَيْرُ مَرْجُوعٍ إلَيْهِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: «هَلّا يَسْجُدُونَ» عَلى التَّحْضِيضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ «ألا تَسْجُدُونَ» عَلى العَرْضِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ «ألا هَلْ تَسْجُدُونَ» بِألا الِاسْتِفْتاحِيَّةِ وهَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وفي الكَشّافِ ما فِيهِ مُخالَفَةُ ما لَهُ، والعالِمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

صفحة 192

﴿الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ يُظْهِرُ الشَّيْءَ المَخْبُوءَ فِيهِما كائِنًا ما كانَ، فالخَبْءُ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ المَفْعُولِ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم هُنا بِالمَطَرِ والنَّباتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالماءِ، والأوْلى التَّعْمِيمُ كَما رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وفِي السَّماواتِ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبْءِ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ (فِي) بِمَعْنى مِن، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ(يُخْرِجُ) والظّاهِرُ ما تَقَدَّمَ.

واخْتِيارُ هَذا الوَصْفِ لِما أنَّهُ أوْفَقُ بِالقِصَّةِ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ما هو أشْبَهُ شَيْءٍ بِإخْراجِ الخَبْءِ وهو إظْهارُ أمْرِ بِلْقِيسَ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وعَلى هَذا القِياسِ اخْتِيارُ ما ذُكِرَ بَعْدُ مِن صِفاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقِيلَ: إنَّ تَخْصِيصَ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الهُدْهُدَ أرْسَخُ في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِأحْكامِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى في نَفْسِهِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى مَعْرِفَةِ الماءِ تَحْتَ الأرْضِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ الهُدْهُدِ أُودِعَ فِيهِ القُدْرَةُ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا لَمْ يَجِئْ فِيهِ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وأيْضًا التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ لا يَتَسَنّى عَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ والسِّتَّةِ الَّذِينَ مَعَهُ (ألا يَسْجُدُوا) بِالتَّخْفِيفِ، إذا جُعِلَ الكَلامُ اسْتِئْنافًا مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن جِهَةِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ أُبَيٌّ وعِيسى «الخَبَ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى الباءِ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، وحَكى ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ عَنْ قَوْمٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي أسَدٍ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ بِألِفٍ بَدَلَ الهَمْزَةِ، فَلَزِمَ فَتْحُ ما قَبْلَها، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وخُرِّجَتْ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ في الوَقْفِ: هَذا الخَبْوُ ومَرَرْتُ بِالخَبْيِ ورَأيْتُ الخَبا، وأُجْرِيَ الوَصْلُ مَجْرى الوَقْفِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يُقالَ في المَرْأةِ والكَمْأةِ: المَراةُ والكَماةُ بِإبْدالٍ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحِ ما قَبْلَها، وذُكِرَ أنَّ هَذا الإبْدالَ لُغَةٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (الخَبْءَ) مِن ذَلِكَ، ومَنَعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُدَّعِيًا أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ، وعُلِّلَ بِأنَّ الهَمْزَةَ إذا سَكَنَ ما قَبْلَها فَطَرِيقُ تَخْفِيفِها الحَذْفُ لا القَلْبُ، كَما يُقالُ في الكَمْءِ كَمَهْ، وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ فَقالَ: تَخْرِيجُهُ عَلى الوَقْفِ فِيهِ ضَعْفانِ؛ لِأنَّ الوَقْفَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَيْسَ مِن لُغَةِ الفُصَحاءِ، وإجْراءَ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ - فِيما لا يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ – كَذَلِكَ، وأمّا تِلْكَ اللُّغَةُ فَعَنِ الكُوفِيِّينَ أنَّها قِياسٌ، انْتَهى.

وزَعَمَ أبُو حاتِمٍ أنَّ الخَبا بِالألِفِ لا يَجُوزُ أصْلًا، وهو مِن قُصُورِ العِلْمِ، قالَ المُبَرِّدُ: كانَ أبُو حاتِمٍ دُونَ أصْحابِهِ في النَّحْوِ ولَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ، إلّا أنَّهُ إذا خَرَجَ مِن بَلْدَتِهِمْ لَمْ يُلْقَ أعْلَمَ مِنهُ.

وأُشِيرَ بِعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ عَلى (يُخْرِجُ) إلى أنَّهُ تَعالى يُخْرِجُ ما في العالَمِ الإنْسانِيِّ مِنَ الخَفايا كَما يُخْرِجُ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الخَبايا؛ لِما أنَّ المُرادَ: يُظْهِرُ ما تُخْفُونَهُ مِنَ الأحْوالِ فَيُجازِيكم بِها، وذِكْرُ (ما تُعْلِنُونَ) لِتَوْسِيعِ دائِرَةِ العِلْمِ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَساوِيهِما بِالنِّسْبَةِ إلى العِلْمِ الإلَهِيِّ كَذا قِيلَ.

ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ بِأنَّهُ أُشِيرَ بِما تَقَدَّمَ إلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى، وبِهَذا إلى كَمالِ عِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّهُ اسْتَوى فِيهِ الباطِنُ والظّاهِرُ.

وقُدِّمَ ( ما تُخْفُونَ) لِذَلِكَ مَعَ مُناسَبَتِهِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الخَبْءِ، وقُدِّمَ وصْفُهُ تَعالى بِإخْراجِ الخَبْءِ مِنَ السَّماواتِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِلْمَقامِ، والخِطابُ - عَلى ما قِيلَ - إمّا لِلنّاسِ أوْ لِقَوْمِ سُلَيْمانَ أوْ لِقَوْمِ بِلْقِيسَ، وفي الكَلامِ التِفاتٌ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والجُمْهُورُ «ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ، وفي الكَشّافِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ: «ألا تَسْجُدُونَ لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ» .

27:26Page 379

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦

Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِوَصْفِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِكَمالِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ، و(العَظِيمِ) بِالجَرِّ صِفَةُ العَرْشِ، وهو نِهايَةُ الأجْرامِ، فَلا جِرْمَ فَوْقَهُ، وفي الآثارِ مِن وصْفِ عِظَمِهِ ما يُبْهِرُ

صفحة 193

العُقُولَ، ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّ الكُرْسِيَّ الَّذِي نَطَقَ الكِتابُ العَزِيزُ بِأنَّهُ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ، وهو عِنْدَ الفَلاسِفَةِ مُحَدَّدُ الجِهاتِ، وذَهَبُوا إلى أنَّهُ جِسْمٌ كُرِّيٌّ خالٍ عَنِ الكَواكِبِ، مُحِيطٌ بِسائِرِ الأفْلاكِ، مُحَرِّكٌ لَها قَسْرًا مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، ولا يَكادُ يَعْلَمُ مِقْدارَ ثِخَنِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وفي الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ ما يَأْبى بِظاهِرِهِ بَعْضَ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَبَيْنَ عِظَمِهِ وعِظَمِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بَوْنٌ عَظِيمٌ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وجَماعَةٌ «العَظِيمُ» بِالرَّفْعِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْعَرْشِ مَقْطُوعَةً بِتَقْدِيرِ هُوَ، فَتَسْتَوِي القِراءَتانِ مَعْنًى، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلرَّبِّ.

27:27Page 379

۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧

[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرْتَهُ، مِنَ النَّظَرِ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، أيْ: سَنَتَعَرَّفُ بِالتَّجْرِبَةِ البَتَّةَ.

﴿أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ لِلِاسْتِفْهامِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (أمْ كَذَبْتَ) وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَذِبَهُ في هَذِهِ المادَّةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِظامَهُ في سِلْكِ المَوْسُومِينَ بِالكَذِبِ الرّاسِخِينَ فِيهِ؛ فَإنَّ مَساقَ هَذِهِ الأقاوِيلِ المُلَفَّقَةِ - مَعَ تَرْتِيبٍ أنِيقٍ يَسْتَمِيلُ قُلُوبَ السّامِعِينَ نَحْوَ قَبُولِها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مِصْداقٌ أصْلًا، لا سِيَّما بَيْنَ يَدَيْ نَبِيٍّ عَظِيمٍ تُخْشى سَطْوَتُهُ - لا يَكادُ يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في الكَذِبِ والإفْكِ، وصارَ سَجِيَّةً لَهُ، حَتّى لا يَمْلِكَ نَفْسَهُ عَنْهُ في أيِّ مَوْطِنٍ كانَ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ذاكَ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وفي الآيَةِ - عَلى ما في الإكْلِيلِ - قَبُولُ الوالِي عُذْرَ رَعِيَّتِهِ، ودَرْءُ العُقُوبَةِ عَنْهُمْ، وامْتِحانُ صِدْقِهِمْ فِيما اعْتَذَرُوا بِهِ.

27:28Page 379

ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨

Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."

َقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ النَّظَرِ الَّذِي وعَدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَما كَتَبَ كِتابَهُ في ذَلِكَ المَجْلِسِ أوْ بَعْدَهُ.

فَهَذا إشارَةٌ إلى الحاضِرِ، وتَخْصِيصُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ بِالرِّسالَةِ دُونَ سائِرِ ما تَحْتَ مِلْكِهِ مِن أُمَناءِ الجِنِّ الأقْوِياءِ عَلى التَّصَرُّفِ والتَّعَرُّفِ؛ لِما عايَنَ فِيهِ مِن مَخايِلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ، ولِئَلّا يَبْقى لَهُ عُذْرٌ أصْلًا، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ إرْسالِ الكُتُبِ إلى المُشْرِكِينَ مِنَ الإمامِ لِإبْلاغِ الدَّعْوَةِ والدُّعاءِ إلى الإسْلامِ، وقَدْ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى كِسْرى وقَيْصَرَ وغَيْرِهِما مِن مُلُوكِ العَرَبِ.

وقُرِئَ في السَّبْعَةِ «فَألْقِهْ» بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ بَعْدَها، وبِاخْتِلاسِ الكَسْرَةِ وبِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ بِضَمِّ الهاءِ وواوٍ بَعْدَها.

﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: تَنَحَّ، وحُمِلَ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ التَّوَلِّيَ بِالكُلِّيَّةِ يُنافِي قَوْلَهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ إلّا أنْ يُحْمَلَ عَلى القَلْبِ - كَما زَعَمَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُو عَلِيٍّ - وهو غَيْرُ مُناسِبٍ.

وأمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاهُ بِالتَّنَحِّي مِن بابِ تَعْلِيمِ الأدَبِ مَعَ المُلُوكِ، كَما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ.

والنَّظَرُ بِمَعْنى التَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، وماذا إمّا كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِـ(يَرْجِعُونَ) ورَجَعَ تَكُونُ مُتَعَدِّيَةً كَما تَكُونُ لازِمَةً، أوْ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ (يَرْجِعُونَ) خَبَرُهُ. وإمّا أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامِيَّةً مُبْتَدَأً، وذا اسْمٌ مَوْصُولٌ - بِمَعْنى الَّذِي – خَبَرُهُ، وجُمْلَةُ (يَرْجِعُونَ) صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ.

وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها فِعْلُ القَلْبِ، فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وقِيلَ: النَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ فَلا تَعْلِيقَ، بَلْ كَلِمَةُ (ماذا) مَوْصُولٌ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ كَذا قِيلَ، والظّاهِرُ أنَّهُ بِمَعْنى التَّأمُّلِ، وأنَّ المُرادَ: فَتَأمَّلْ وتَعَرَّفْ ماذا يَرُدُّ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ مِنَ القَوْلِ.

وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطى الهُدْهُدَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِها ما يَسْمَعُهُ مِن

صفحة 194

كَلامِهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالإلْقاءِ لِأنَّ تَبْلِيغَهُ لا يُمْكِنُ بِدُونِهِ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَبْلِيغُ ما فِيهِ لِجَمِيعِ القَوْمِ، والكَشْفُ عَنْ حالِهِمْ بَعْدَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском