Al-AlusiAn‑Naml · 27:29–34

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:29–34

27:29Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩

She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.

﴿قالَتْ﴾ أيْ: بَعْدَما ذَهَبَ الهُدْهُدُ بِالكِتابِ فَألْقاهُ إلَيْهِمْ وتَنَحّى عَنْهم حَسْبَما أُمِرَ بِهِ، وإنَّما طُوِيَ ذِكْرُهُ؛ إيذانًا بِكَمالِ مُسارَعَتِهِ إلى إقامَةِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الخِدْمَةِ، وإشْعارًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَتَبَ كِتابَهُ، وطَبَعَهُ بِالمِسْكِ، وخَتَمَهُ بِخاتَمِهِ، ودَفَعَهُ إلى الهُدْهُدِ، فَذَهَبَ بِهِ فَوَجَدَها راقِدَةً في قَصْرِها بِمَأْرَبٍ، وكانَتْ إذا رَقَدَتْ غَلَّقَتِ الأبْوابَ ووَضَعَتِ المَفاتِيحَ تَحْتَ رَأْسِها، فَدَخَلَ مِن كُوَّةٍ وطَرَحَ الكِتابَ عَلى نَحْرِها وهي مُسْتَلْقِيَةٌ، وفي رِوايَةٍ: بَيْنَ ثَدْيَيْها، وقِيلَ: نَقَرَها فانْتَبَهَتْ فَزِعَةً، وقِيلَ: أتاها والقادَةُ والجُنُودُ حَوالَيْها فَرَفْرَفَ ساعَةً، والنّاسُ يَنْظُرُونَ حَتّى رَفَعَتْ رَأْسَها فَألْقى الكِتابَ في حِجْرِها، فَلَمّا رَأتِ الخاتَمَ ارْتَعَدَتْ وخَضَعَتْ فَقالَتْ ما قالَتْ.

وقِيلَ: كانَتْ في البَيْتِ كُوَّةٌ تَقَعُ الشَّمْسُ مِنها كُلَّ يَوْمٍ، فَإذا نَظَرَتْ إلَيْها سَجَدَتْ، فَجاءَ الهُدْهُدُ فَسَدَّها بِجَناحَيْهِ فَرَأتْ ذَلِكَ وقامَتْ إلَيْهِ فَألْقى الكِتابَ إلَيْها، وكانَتْ قارِئَةً كاتِبَةً عَرَبِيَّةً مَن نَسْلِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، واشْتُهِرَ أنَّها مِن نَسْلِ تُبَّعٍ الحِمْيَرِيِّ، وكانَ الخَطُّ العَرَبِيُّ في غايَةِ الإحْكامِ والإتْقانِ والجَوْدَةِ في دَوْلَةِ التَّبابِعَةِ، وهو المُسَمّى بِالخَطِّ الحِمْيَرِيِّ، وكانَ بِحِمْيَرَ كِتابَةٌ تُسَمّى المُسْنَدَ، حُرُوفُها مُفَصَّلَةٌ، وكانُوا يَمْنَعُونَ مِن تَعْلِيمِها إلّا بِإذْنِهِمْ، ومِن حِمْيَرٍ تَعَلَّمَ مُضَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ في ذَلِكَ.

واخْتارَ ابْنُ خَلْدُونَ القَوْلَ بِأنَّهُ تَعَلَّمَ الكِتابَةَ العَرَبِيَّةَ مِنَ التَّبابِعَةِ وحَمِيرٍ أهْلُ الحِيرَةِ، وتَعَلَّمَها مِنهم أهْلُ الحِجازِ.

وظاهِرٌ كَوْنُ بِلْقِيسَ مِنَ العَرَبِ، وأنَّها قَرَأتِ الكِتابَ يَقْتَضِي أنَّ الكِتابَ كانَ عَرَبِيًّا، ولَعَلَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَعْرِفُ العَرَبِيَّ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ - ومَن عُلِّمَ مَنطِقَ الطَّيْرِ لا يَبْعُدُ أنْ يُعَلَّمَ مَنطِقَ العَرَبِ الَّذِي هو أشْرَفُ مَنطِقٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَن يَعْرِفُ ذَلِكَ، وكَذا مَن يَعْرِفُ غَيْرَهُ مِنَ اللُّغاتِ كَعادَةِ المُلُوكِ يَكُونُ عِنْدَهم مَن يَتَكَلَّمُ بِعِدَّةِ لُغاتٍ؛ لِيُتَرْجِمَ لَهم ما يَحْتاجُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بَلْ بِلُغَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وقَلَمِهِ، وكانَ قَلَمُهُ - كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ البَوْنِيِّ – كاهِنِيًّا، وكانَ عِنْدَ بِلْقِيسَ مَن تَرْجَمَهُ لَها، وأعْلَمَها بِما فِيهِ، فَجَمَعَتْ أشْرافَ قَوْمِها وأخْبَرَتْهم بِذَلِكَ واسْتَشارَتْهم كَما حَكى سُبْحانَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - قالَتْ: ﴿يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ... إلَخْ.

وأقْدَمَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى كِتابَةِ الكِتابِ إلَيْها كَذَلِكَ قَوْلُ الهُدْهُدِ: ﴿وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ والمُتَرْجِمُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها المَلِكُ، وأنَّ اللّائِقَ بِشَأْنِهِ وعَظْمَتِهِ أنْ لا يَتْرُكَ لِسانَهُ ويَتَشَبَّهُ بِها في لِسانِها، ويُحْتَمَلُ أنَّها كانَتْ بِنَفْسِها تَعْرِفُ تِلْكَ الكِتابَةَ فَقَرَأتِ الكِتابَ لِذَلِكَ، ورُجِّحَ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ بِأنَّ الكِتابَةَ لَها بِالعَرَبِيَّةِ تَسْتَدْعِي الوُقُوفَ عَلى حالِها، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما وقَفَ عَلَيْهِ بَعْدَ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ دَلَّهُ عَلى كَوْنِها عَرَبِيَّةً قَوْلُ الهُدْهُدِ: ﴿وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهُمْ﴾ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ لا يَخْفى عَلَيْهِ كَوْنُ سَبَأٍ مِنَ العَرَبِ، والظّاهِرُ كَوْنُ مَلِكَتِهِمْ مِنهُمْ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرِيمِ؛ لِكَوْنِهِ مَخْتُومًا، فَفي الحَدِيثِ: ««كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ»».

وفِي شَرْحِ أدَبِ الكاتِبِ يُقالُ: أكْرَمْتُ الكِتابَ فَهو كَرِيمٌ إذا خَتَمْتَهُ، وقالَ ابْنُ المُقَفَّعِ: مَن كَتَبَ إلى أخِيهِ كِتابًا ولَمْ يَخْتِمْهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ، وقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ «الكَرِيمَ» هُنا بِالمَخْتُومِ، وفِيهِ - كَما قِيلَ - اسْتِحْبابُ خَتْمِ الكِتابِ لِكَرَمِ مَضْمُونِهِ وشَرَفِهِ، أوْ لِكَرَمِ

صفحة 195

مُرْسِلِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، وعَلِمَتْ ذَلِكَ بِالسَّماعِ أوْ بِكَوْنِ كِتابِهِ مَخْتُومًا بِاسْمِهِ - عَلى عادَةِ المُلُوكِ والعُظَماءِ - أوْ بِكَوْنِ رَسُولِهِ بِهِ الطَّيْرَ، أوْ لِبَداءَتِهِ بِاسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ لِغَرابَةِ شَأْنِهِ ووُصُولِهِ إلَيْها عَلى مِنهاجٍ غَيْرِ مُعْتادٍ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِظَنِّها إيّاهُ - بِسَبَبِ أنَّ المُلْقِيَ لَهُ طَيْرٌ - أنَّهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وبِناءُ (أُلْقِيَ) لِلْمَفْعُولِ لِعَدَمِ الِاهْتِمامِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: لِجَهْلِها بِهِ أوْ لِكَوْنِهِ حَقِيرًا.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - في الفُصُوصِ: مِن حِكْمَةِ بِلْقِيسَ كَوْنُها لَمْ تَذْكُرْ مَن ألْقى إلَيْها الكِتابَ، وما ذاكَ إلّا لِتُعْلِمَ أصْحابَها أنَّ لَها اتِّصالًا إلى أُمُورٍ لا يَعْلَمُونَ طَرِيقَها، وفي ذَلِكَ سِياسَةٌ مِنها، أوْرَثَتِ الحَذَرَ مِنها في أهْلِ مَمْلَكَتِها، وخَواصِّ مُدَبِّرِيها، وبِهَذا اسْتَحَقَّتِ التَّقْدِيمَ عَلَيْهِمُ، انْتَهى.

وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الحُكْمِ،

27:30Page 379

إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠

Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,

وأمّا التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَلِذاكَ أيْضًا، أوْ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: مِمَّنْ هَذا الكِتابُ وماذا مَضْمُونُهُ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ إلَخْ، ويَحْسُنُ التَّأْكِيدُ بِـ(إنَّ) في جَوابِ السُّؤالِ، ولا أرى فَرْقًا في ذَلِكَ بَيْنَ المُحَقَّقِ والمُقَدَّرِ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ ضَمِيرَ (إنَّهُ) الأوَّلَ لِلْكِتابِ، وضَمِيرَ (إنَّهُ) الثّانِيَ لِلْمَضْمُونِ، وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدَّمَ اسْمَهُ عَلى اسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وعِلْمُها بِأنَّهُ مِن سُلَيْمانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكِتابَةِ اسْمِهِ بَعْدُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ أنَّهُ قالَ: كَتَبَ سُلَيْمانُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ ابْنَةِ ذِي شَرْحٍ وقَوْمِها: (أنْ لا تَعْلُوا) ... إلَخْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكِتابَتِهِ في ظاهِرِ الكِتابِ، وكانَ باطِنُ الكِتابِ (بِسْمِ اللَّهِ) ... إلَخْ.

وقِيلَ: ضَمِيرُ (إنَّهُ) الأوَّلُ لِلْعُنْوانِ، وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْوَنَ الكِتابَ بِاسْمِهِ مُقَدِّمًا لَهُ، فَكَتَبَ: مِن سُلَيْمانَ (بِسْمِ اللَّهِ) ... إلَخْ، واسْتَظْهَرَ هَذا أبُو حَيّانَ، ثُمَّ قالَ: وقَدَّمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْمَهُ لِاحْتِمالِ أنْ يَبْدُرَ مِنها ما لا يَلِيقُ إذْ كانَتْ كافِرَةً، فَيَكُونُ اسْمُهُ وِقايَةً لِاسْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى.

وكِتابَةُ البَسْمَلَةِ في أوائِلِ الكُتُبِ مِمّا جَرَتْ بِهِ سُنَّةُ نَبِيِّنا ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِلا خِلافٍ، وأمّا قَبْلَهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ كُتُبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ تُفْتَتَحْ بِها، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) فَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ ما كَتَبَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) حَتّى نَزَلَتْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ) ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ) ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النَّمْلِ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ – يَكْتُبُ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ كَتَبَ: (بِسْمِ اللَّهِ)...» إلَخْ، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ وقَتادَةَ، وهَذا عِنْدِي مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى مَعَ القَوْلِ بِنُزُولِ البَسْمَلَةِ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلى خِلافِهِ، فَقَدْ قالَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في إتْقانِهِ: اخْتُلِفَ في أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَلى أقْوالٍ:

أحَدُها - وهو الصَّحِيحُ -: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ واحْتَجَّ لَهُ بَعْدَهُ بِأخْبارٍ، مِنها خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ في بَدْءِ الوَحْيِ، وهو مَشْهُورٌ.

وثانِيها: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ .

وثالِثُها: سُورَةُ الفاتِحَةِ.

ورابِعُها: البَسْمَلَةُ.

ثُمَّ قالَ: وعِنْدِي أنَّ هَذا لا يُعَدُّ قَوْلًا بِرَأْسِهِ؛ فَإنَّهُ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِ السُّورَةِ نُزُولُ البَسْمَلَةِ مَعَها، فَهي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى الإطْلاقِ، اهـ.

وهُوَ يُقَوِّي ما قُلْناهُ، فَإنَّ البَسْمَلَةَ إذا كانَتْ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ كانَتْ هي المُفْتَتَحَ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَتْ كَذَلِكَ كانَ اللّائِقُ بِشَأْنِهِ ﷺ أنْ يَفْتَتِحَ بِها كُتُبَهُ كَما افْتَتَحَ اللَّهُ تَعالى بِها كِتابَهُ، وجَعَلَها أوَّلَ المُنَزَّلِ مِنهُ.

والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ قَبْلُ إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَعْلَمْ مَشْرُوعِيَّتَها في أوائِلِ الكُتُبِ والرَّسائِلِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِكِتابَةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إيّاها في كِتابِهِ إلى أهْلِ سَبَأٍ - مِمّا لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا جاهِلٌ

صفحة 196

بِقَدْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّها إذا كُتِبَتْ في الكُتُبِ والرَّسائِلِ فالأوْلى أنْ تَكْتُبَ سَطْرًا وحْدَها.

وفِي أدَبِ الكُتّابِ لِلصُّولِيِّ أنَّهم يَخْتارُونَ أنْ يَبْدَأ الكاتِبُ بِالبَسْمَلَةِ مِن حاشِيَةِ القِرْطاسِ، ثُمَّ يَكْتُبَ الدُّعاءَ مُساوِيًا لَها، ويَسْتَقْبِحُونَ أنْ يَخْرُجَ الكَلامُ عَنِ البَسْمَلَةِ فاضِلًا بِقَلِيلٍ، ولا يَكْتُبُونَها وسَطًا، ويَكُونُ الدُّعاءُ فاضِلًا، اهـ.

وما ذُكِرَ مِن كِتابَةِ الدُّعاءِ بَعْدَها لَمْ يَكُنْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ، وإنَّما كانَ فِيهِ كِتابَةُ (مِن فُلانٍ إلى فُلانٍ).

وتَقْدِيمُ اسْمِ الكاتِبِ عَلى اسْمِ المَكْتُوبِ لَهُ مَشْرُوعٌ، وإنْ كانَ الأوَّلُ مَفْضُولًا والثّانِي فاضِلًا، فَفي البَحْرِ عَنْ أنَسٍ: ما كانَ أحَدٌ أعْظَمَ حُرْمَةً مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ أصْحابُهُ إذا كَتَبُوا إلَيْهِ كِتابًا بَدَؤُوا بِأنْفُسِهِمْ.

وقالَ أبُو اللَّيْثِ في البُسْتانِ لَهُ: ولَوْ بَدَأ بِالمَكْتُوبِ إلَيْهِ جازَ؛ لِأنَّ الأُمَّةَ قَدْ أجْمَعَتْ عَلَيْهِ وفَعَلُوهُ، انْتَهى.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ البَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها مِنها لَكِنْ بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ والتَّرْتِيبِ المَخْصُوصِ، وما في كِتابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ، وتُرْجِمَتْ لَنا بِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: «وإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ» بِزِيادَةِ واوٍ، وخَرَّجَهُ أبُو حَيّانَ عَلى أنَّها عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَها عَلى جُمْلَةِ: (إنِّي أُلْقِيَ) وقِيلَ: هي واوُ الحالِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) في المَوْضِعَيْنِ، وخُرِّجَ عَلى الإبْدالِ مِن (كِتابٌ) أيْ: أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ ... إلَخْ، أوْ عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ ... إلَخْ، كَأنَّها عَلَّلَتْ كَرَمَ الكِتابِ بِكَوْنِهِ مِن سُلَيْمانَ، وبِكَوْنِهِ مُصَدَّرًا بِاسْمِ اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ أُبَيٌّ: «أنْ مِن سُلَيْمانَ وأنْ بِسْمِ اللَّهِ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّ (أنْ) هي المُفَسِّرَةُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ جُمْلَةً فِيها مَعْنى القَوْلِ، أوْ عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وحُذِفَتِ الهاءُ.

27:31Page 379

أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١

Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"

و(أنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً و(لا) ناهِيَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ناصِبَةً لِلْفِعْلِ و(لا) نافِيَةً، وقِيلَ: يَجُوزُ كَوْنُها ناهِيَةً أيْضًا، ومَحَلُّ المَصْدَرِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (كِتابٌ) أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يَلِيقُ بِالمَقامِ، أيْ: مَضْمُونُهُ (أنْ لا تَعْلُوا عَلَيَّ) أيْ: أنْ لا تَتَكَبَّرُوا عَلَيَّ، كَما يَفْعَلُ جَبابِرَةُ المُلُوكِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - في رِوايَةِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، والأشْهَبِ العَقِيلِيُّ: «أنْ لا تَغْلُوا» بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الغُلُوِّ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ، أيْ: (أنْ لا تَتَجاوَزُوا حَدَّكُمْ).

﴿وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، فَإنْ كانَتْ فِيهِ (لا) ناهِيَةً فَعَطْفُ الأمْرِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ نافِيَةً و(أنْ) مَصْدَرِيَّةً فَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ الإنْشاءِ عَلى الأخْبارِ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ، والأكْثَرُونَ عَلى جَوازِهِ في مِثْلِ هَذا، والمُرادُ بِالإسْلامِ الإيمانُ، أيْ: وأتَوْنِي مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الِانْقِيادُ، أيِ: ائْتُونِي مُنْقادِينَ مُسْتَسْلِمِينَ، والدَّعْوَةُ عَلى الأوَّلِ دَعْوَةُ النُّبُوَّةِ، وعَلى الثّانِي دَعْوَةُ المَلِكِ، واللّائِقُ بِشَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الأوَّلُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ - كَما سَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - ما يُؤَيِّدُهُ، ولا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإيمانِ قَبْلَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى رِسالَتِهِ فَيَكُونَ اسْتِدْعاءً لِلتَّقْلِيدِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ المَذْكُورَةَ هي الدَّعْوَةُ الأُولى الَّتِي لا تَسْتَدْعِي إظْهارَ المُعْجِزَةِ وإقامَةَ الحُجَّةِ، وعادَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ أوَّلًا، فَإذا عُورِضُوا أقامُوا الدَّلِيلَ وأظْهَرُوا المُعْجِزَةَ، وفِيما نَحْنُ فِيهِ لَمْ يَصْدُرْ مُعارَضَةٌ، وقِيلَ: إنَّ الدَّعْوَةَ ما كانَتْ إلّا مَقْرُونَةً بِإقامَةِ الحُجَّةِ؛ لِأنَّ إلْقاءَ الكِتابِ إلَيْها عَلى تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ - فِيما مَرَّ أوَّلًا - مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ دالَّةٌ عَلى رِسالَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دَلالَةً بَيِّنَةً.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ كَوْنَ الإلْقاءِ المَذْكُورِ مُعْجِزَةً غَيْرُ واضِحٍ، خُصُوصًا وهي لَمْ تُقارِنِ التَّحَدِّيَ، ورُجِّحَ

صفحة 197

الثّانِي بِأنَّ قَوْلَها: ﴿إنَّ المُلُوكَ﴾ إلَخْ صَرِيحٌ في دَعْوَةِ المُلْكِ والسَّلْطَنَةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ لِعَدَمِ تَيَقُّنِها رِسالَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – حِينَئِذٍ، أوْ هو مِن بابِ الِاحْتِيالِ لِجَلْبِ القَوْمِ إلى الإجابَةِ بِإدْخالِ الرَّوْعِ عَلَيْهِمْ مِن حَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مَلِكًا، وهَذا كَما تَرى.

والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الكِتابِ أكْثَرُ مِمّا قَصَّ اللَّهُ تَعالى، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ، وثانِيَتُهُما أنَّ فِيهِ: (السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى) أمّا بَعْدُ: (فَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وأتَوْنِي مُسْلِمِينَ).

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ نُسْخَةَ الكِتابِ: مِن عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ إلى بِلْقِيسَ مَلِكَةِ سَبَأٍ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، إلى آخِرِ ما ذُكِرَ، ولَعَلَّها - عَلى ما هو الظّاهِرُ - عَرَفَتْ أنَّهُمُ المَعْنِيُّونَ بِالخِطابِ مِن قَرائِنِ الأحْوالِ.

وقَدْ تَضَمَّنَ ما قَصَّهُ سُبْحانَهُ البَسْمَلَةَ الَّتِي هي هي في الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِهِ تَعالى صَرِيحًا والتِزامًا، والنَّهْيَ عَنِ التَّرَفُّعِ الَّذِي هو أُمُّ الرَّذائِلِ، والأمْرَ بِالإسْلامِ الجامِعَ لِأُمَّهاتِ الفَضائِلِ، فَيا لَهُ كِتابٌ في غايَةِ الإيجازِ ونِهايَةِ الإعْجازِ، وعَنْ قَتادَةَ كَذَلِكَ كانَتِ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَكْتُبُ جُمَلًا لا يُطِيلُونَ ولا يُكْثِرُونَ.

هَذا، ولَمْ أرَ في الآثارِ ما يُشْعِرُ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَتَبَ ذَلِكَ عَلى الكاغِدِ أوِ الرَّقِّ أوْ غَيْرِهِما، واشْتُهِرَ عَلى ألْسِنَةِ الكُتّابِ أنَّ الكِتابَ كانَ مِنَ الكاغِدِ المَعْرُوفِ، وأنَّ الهُدْهُدَ أخَذَهُ مِن طَرَفِهِ بِمِنقارِهِ فابْتَلَّ ذَلِكَ الطَّرَفُ بِرِيقِهِ، وذَهَبَ مِنهُ شَيْءٌ، وكانَ ذَلِكَ الزّاوِيَةَ اليُمْنى مِن جِهَةِ أسْفَلِ الكِتابِ، وزَعَمُوا أنَّ قَطْعَهم شَيْئًا مِنَ القِرْطاسِ مِن تِلْكَ الزّاوِيَةِ تَشْبِيهًا لِما يَكْتُبُونَهُ بِكِتابِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهَذا مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ولِسائِرِ أرْبابِ الصَّنائِعِ والحِرَفِ حِكاياتٌ مِن هَذا القَبِيلِ، وهي عِنْدَ العُقَلاءِ أحادِيثُ خُرافَةٍ.

27:32Page 379

قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢

She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1

﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾ كَرَّرَتْ حِكايَةَ قَوْلِها؛ لِلْإيذانِ بِغايَةِ اعْتِنائِها بِما في حَيِّزِها، والإفْتاءُ - عَلى ما قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ -: الإشارَةُ عَلى المُسْتَفْتِي فِيما حَدَثَ لَهُ مِنَ الحادِثَةِ بِما عِنْدَ المُفْتِي مِنَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ، وهو إزالَةُ ما حَدَثَ لَهُ مِنَ الإشْكالِ، كالإشْكاءِ إزالَةُ الشَّكْوى، وفي المُغْرِبِ: اشْتِقاقُ الفَتْوى مِنَ الفَتى؛ لِأنَّها جَوابٌ في حادِثَةٍ، أوْ إحْداثُ حُكْمٍ، أوْ تَقْوِيَةٌ لِبَيانِ مُشْكِلٍ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى: أشِيرُوا عَلَيَّ بِما عِنْدَكم مِنَ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ فِيما حَدَثَ لِي، وذَكَرْتُ لَكم خُلاصَتَهُ، وقَصَدَتْ بِما ذَكَرَتِ اسْتِعْطافَهم وتَطْيِيبَ نُفُوسِهِمْ؛ لِيُساعِدُوها ويَقُومُوا مَعَها، وأكَّدَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِها: ﴿ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ أيْ: ما أقْطَعُ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُلْكِ إلّا بِمَحْضَرِكم وبِمُوجِبِ آرائِكُمْ، والإتْيانُ بِـ(كانَ) لِلْإيذانِ بِأنَّها اسْتَمَرَّتْ عَلى ذَلِكَ، أوْ لَمْ يَقَعْ مِنها غَيْرُهُ في الزَّمَنِ الماضِي، فَكَذا في هَذا و(حَتّى تَشْهَدُونِ) غايَةٌ لِلْقَطْعِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ المُشاوَرَةِ والِاسْتِعانَةِ بِالآراءِ في الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «ما كُنْتُ قاضِيَةً أمْرًا».

27:33Page 379

قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣

They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في جَوابِها؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ في الأجْسادِ والعَدَدِ ﴿وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: نَجْدَةٍ وشَجاعَةٍ مُفْرِطَةٍ وبَلاءٍ في الحَرْبِ، قِيلَ: كانَ أهْلُ مَشُورَتِها ثَلاثَمِائَةٍ واثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّ واحِدٍ عَلى عَشَرَةِ آلافٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لِصاحِبَةِ سُلَيْمانَ اثْنا عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ ألْفٍ، وقِيلَ: كانَ تَحْتَ يَدِها أرْبَعُمِائَةِ مَلِكٍ، كُلُّ مَلِكٍ عَلى كُورَةٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ مَلِكٍ أرْبَعُمِائَةِ ألْفِ مُقاتِلٍ،

صفحة 198

ولَها ثَلاثُمِائَةِ وزِيرٍ، يُدَبِّرُونَ مُلْكَها، ولَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ قائِدٍ، كُلُّ قائِدٍ تَحْتَ يَدِهِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ مُقاتِلٍ، وهَذِهِ الأخْبارِ إلى الكَذِبِ أقْرَبُ مِنها إلى الصِّدْقِ، ولَعَمْرِي إنَّ أرْضَ اليَمَنِ لَتَكادُ تَضِيقُ عَنِ العَدَدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ الأخِيرانِ، ولَيْتَ شِعْرِي ما مِقْدارُ عَدَدِ رَعِيَّتِها الباقِينَ الَّذِينَ تَحْتاجُ إلى هَذا العَسْكَرِ والقُوّادِ والوُزَراءِ؛ لِسِياسَتِهِمْ، وضَبْطِ أُمُورِهِمْ، وتَنْظِيمِ أحْوالِهِمْ.

﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ تَسْلِيمٌ لِلْأمْرِ إلَيْها بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ والشَّجاعَةِ؛ حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ مِنَ العَجْزِ، والأمْرُ بِمَعْناهُ المَعْرُوفِ، أوِ المَعْنى الشَّأْنُ، وهو مُبْتَدَأٌ و(إلَيْكِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ويُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا لِيُفِيدَ الحَصْرَ المَقْصُودَ لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ، أيْ والأمْرُ إلَيْكِ مَوْكُولٌ.

﴿فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ مِنَ الصُّلْحِ والمُقاتَلَةِ نُطِعْكِ ونَتَّبِعْ رَأْيَكِ، وقِيلَ: أرادُوا: نَحْنُ مِن أبْناءِ الحَرْبِ لا مِن أبْناءِ الرَّأْيِ والمَشُورَةِ، وإلَيْكِ الرَّأْيُ والتَّدْبِيرُ، فانْظُرِي ماذا تَرَيْنَ نَكُنْ في الخِدْمَةِ، فَلَمّا أحَسَّتْ مِنهُمُ المَيْلَ إلى الحَرْبِ، والعُدُولَ عَنِ السَّنَنِ الصَّوابِ شَرَعَتْ في تَزْيِيفِ مَقالَتِهِمُ المُنْبِئَةِ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْ شَأْنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما تَعْتَقِدُهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

27:34Page 379

قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤

She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.

﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ مِنَ القُرى عَلى مِنهاجِ المُقاتَلَةِ والحَرْبِ ﴿أفْسَدُوها﴾ بِتَخْرِيبِ عِماراتِها وإتْلافِ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ.

﴿وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ بِالقَتْلِ والأسْرِ والإجْلاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الإهانَةِ والإذْلالِ، ولَمْ يَقُلْ: وأذَلُّوا أعِزَّةَ أهْلِها - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - لِلْمُبالَغَةِ في التَّصْيِيرِ والجَعْلِ ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تَصْدِيقٌ لَها مِن جِهَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ هو مِن كَلامِها، جاءَتْ بِهِ تَأْكِيدًا لِما وصَفَتْ مِن حالِهِمْ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ، وتَقْرِيرًا لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ عادَتُهُمُ المُسْتَمِرَّةُ، فالضَّمِيرُ لِلْمُلُوكِ، وقِيلَ: هو لِسُلَيْمانَ ومَن مَعَهُ، فَيَكُونُ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ التَّأْكِيدَ لازِمٌ عَلى ذَلِكَ أيْضًا لِلِانْدِراجِ تَحْتَ الكُلِّيَّةِ، وكَأنَّها أرادَتْ - عَلى ما قِيلَ -: إنَّ سُلَيْمانَ مَلِكٌ، والمُلُوكَ هَذا شَأْنُهُمْ، وغَلَبَتَنا عَلَيْهِ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، ولا اعْتِمادَ عَلى العَدَدِ والعُدَّةِ والشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ، فَرُبَّما يَغْلِبُنا فَيَكُونُ ما يَكُونُ، فالصُّلْحُ خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّها غَلَبَ عَلى ظَنِّها غَلَبَتُهُ حَيْثُ رَأتْ أنَّهُ سُخِّرَ لَهُ الطَّيْرُ، فَجَعَلَ يُرْسِلُهُ بِأمْرٍ خاصٍّ إلى شَخْصٍ خاصٍّ، مُغْلِقٍ عَلَيْهِ الأبْوابَ، فَأشارَتْ لَهم إلى أنَّهُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ إذا قاتَلُوهُ، فَيُفْسِدُ القُرى، ويُذِلُّ الأعِزَّةَ، وأفْسَدَتْ بِذَلِكَ رَأْيَهم وما أحَسَّتْهُ مِنهم مِنَ المَيْلِ إلى مُقاتَلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَّرَتْ رَأْيَها بِقَوْلِها:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском