Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:35–39
27:35Page 379
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥
But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."
﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ حَتّى أعْمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها لَمْ تَثِقْ بِقَبُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَدِيَّتَها.
ورُوِيَ أنَّها قالَتْ لِقَوْمِها: إنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيًّا أرْضاهُ المالُ وعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ويَنْبَغِي أنْ نَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، والهَدِيَّةُ اسْمٌ لِما يُهْدى كالعَطِيَّةِ اسْمٌ لِما يُعْطى، والتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّعْظِيمِ، و(ناظِرَةٌ) عَطْفٌ عَلى (مُرْسِلَةٌ) و(بِمَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَرْجِعُ) ووَقَعَ لِلْحَوْفِيِّ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(ناظِرَةٌ) وهو وهْمٌ فاحِشٌ كَما في البَحْرِ، والنَّظَرُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ لَهُ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الدّالَّةُ عَلى الثَّباتِ المُصَدَّرَةُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّها مُزْمِعَةٌ عَلى رَأْيِها، لا يَلْوِيها عَنْهُ صارِفٌ، ولا يَثْنِيها عاطِفٌ.
واخْتُلِفَ في هَدِيَّتِها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها كانَتْ مِائَةَ وصِيفٍ ومِائَةَ وصِيفَةٍ، وقالَ وهْبٌ وغَيْرُهُ: عَمَدَتْ بِلْقِيسُ إلى خَمْسِمِائَةِ غُلامٍ وخَمْسِمِائَةِ جارِيَةٍ فَألْبَسَتِ الجَوارِيَ لُبْسَ الغِلْمانِ الأقْبِيَةَ والمَناطِقَ، وألْبَسَتِ الغِلْمانَ
صفحة 199
لِباسَ الجَوارِي، وجَعَلَتْ في أيْدِيهِمْ أساوِرَ الذَّهَبِ، وفي أعْناقِهِمْ أطْواقَ الذَّهَبِ، وفي آذانِهِمْ أقْرِطَةً وشُنُوفًا مُرَصَّعَةً بِأنْواعِ الجَواهِرِ، وحَمَلَتِ الجَوارِيَ عَلى خَمْسِمِائَةِ رَمَكَةٍ، والغِلْمانَ عَلى خَمْسِمِائَةِ بِرْذَوْنٍ، عَلى كُلِّ فَرَسٍ سَرْجٌ مِنَ الذَّهَبِ، مُرَصَّعٌ بِالجَوْهَرِ، وعَلَيْهِ أغْشِيَةُ الدِّيباجِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ لَبِناتٍ مِن ذَهَبٍ، ولَبِناتٍ مِن فِضَّةٍ، وتاجًا مُكَلَّلًا بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وأرْسَلَتْ بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ والعُودِ، وعَمَدَتْ إلى حُقٍّ فَجَعَلَتْ فِيهِ دُرَّةً عَذْراءَ وخَرَزَةَ جِزْعٍ مُعْوَجَّةَ الثُّقْبِ.
ودَعَتْ رَجُلًا مِن أشْرافِ قَوْمِها يُقالُ لَهُ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وضَمَّتْ إلَيْهِ رِجالًا مِن قَوْمِها أصْحابَ رَأْيٍ وعَقْلٍ، وكَتَبَتْ مَعَهُ كِتابًا تَذْكُرُ فِيهِ الهَدِيَّةَ، وقالَتْ فِيهِ: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَيِّزْ بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، وأخْبِرْ بِما في الحُقِّ قَبْلَ أنْ تَفْتَحَهُ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: فَإنْ أخْبَرَ فَقُلْ لَهُ: اثْقُبِ الدُّرَّةَ ثَقْبًا مُسْتَوِيًا، وأدْخِلْ في الخَرَزَةِ خَيْطًا مِن غَيْرِ عِلاجِ إنْسٍ ولا جِنٍّ، وقالَتْ لِلْغِلْمانِ: إذا كَلَّمَكم سُلَيْمانُ فَكَلِّمُوهُ بِكَلامٍ فِيهِ تَأْنِيثٌ وتَخَنُّثٌ يُشْبِهُ كَلامَ النِّساءِ، وأمَرَتِ الجَوارِيَ أنْ يُكَلِّمُوهُ بِكَلامِ فِيهِ غِلْظَةٌ يُشْبِهُ كَلامَ الرِّجالِ، ثُمَّ قالَتْ لِلرَّسُولِ: انْظُرْ إلى الرَّجُلِ إذا دَخَلْتَ فَإنْ نَظَرَ إلَيْكَ نَظَرًا فِيهِ غَضَبٌ فاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ، فَلا يَهُولَنَّكَ مَنظَرُهُ؛ فَأنا أعَزُّ مِنهُ، وإنْ رَأيْتَ الرَّجُلَ بَشّاشًا لَطِيفًا فاعْلَمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَتَفَهَّمْ مِنهُ قَوْلَهُ ورَدَّ الجَوابِ.
فانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِالهَدايا، وأقْبَلَ الهُدْهُدُ مُسْرِعًا إلى سُلَيْمانَ فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَأمَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الجِنَّ أنْ يَضْرِبُوا لَبِنًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَفَعَلُوا، وأمَرَهم بِعَمَلِ مَيْدانٍ مِقْدارِ تِسْعِ فَراسِخَ، وأنْ يَفْرِشُوا فِيهِ لَبِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وأنْ يُخْلُوا قَدْرَ تِلْكَ اللَّبِناتِ الَّتِي مَعَهُمْ، وأنْ يَعْمَلُوا حَوْلَ المَيْدانِ حائِطًا مُشْرِفًا مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالَ: أيُّ دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ أحْسَنُ؟ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما رَأيْنا أحْسَنَ مِن دَوابَّ في البَحْرِ يُقالُ لَها كَذا وكَذا، مُخْتَلِفَةٌ ألْوانُها، لَها أجْنِحَةٌ وأعْرافٌ ونَواصٍ، قالَ: عَلَيَّ بِها السّاعَةَ، فَأتَوْهُ بِها قالَ: شُدُّوها عَنْ يَمِينِ المَيْدانِ وشِمالِهِ، وقالَ لِلْجِنِّ: عَلَيَّ بِأوْلادِكُمْ، فاجْتَمَعَ مِنهم خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأقامَهم عَلى يَمِينِ المَيْدانِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ والوُحُوشَ والسِّباعَ والطَّيْرَ، ثُمَّ قَعَدَ في مَجْلِسِهِ عَلى سَرِيرِهِ، ووَضَعَ أرْبَعَةَ آلافِ كُرْسِيٍّ عَلى يَمِينِهِ وعَلى شِمالِهِ، وأمَرَ جَمِيعَ الإنْسِ والجِنِّ والشَّياطِينِ والوُحُوشِ والسِّباعِ والطَّيْرِ فاصْطَفَوْا فَراسِخَ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، فَلَمّا دَنا القَوْمُ مِنَ المَيْدانِ، ونَظَرُوا إلى مُلْكِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورَأوُا الدَّوابَّ الَّتِي لَمْ يَرَوْا مِثْلَها تَرُوثُ عَلى لَبِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَصاغَرَتْ إلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ، وخَبَّؤُوا ما كانَ مَعَهم مِنَ الهَدايا.
وقِيلَ: إنَّهم لَمّا رَأوْا ذَلِكَ المَوْضِعَ الخالِيَ مِنَ اللَّبِناتِ خالِيًا خافُوا أنْ يُتَّهَمُوا بِذَلِكَ، فَوَضَعُوا ما مَعَهم مِنَ اللَّبِنِ فِيهِ، ولَمّا نَظَرُوا إلى الشَّياطِينِ هالَهم ما رَأوْا، وفَزِعُوا، فَقالَتْ لَهُمُ الشَّياطِينُ: جُوزُوا لا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، وكانُوا يَمُرُّونَ عَلى كَرادِيسِ الجِنِّ والوَحْشِ والطَّيْرِ حَتّى وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ، فَأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وتَلَقّاهم مَلْقًى حَسَنًا، وسَألَهم عَنْ حالِهِمْ فَأخْبَرَهُ رَئِيسُ القَوْمِ بِما جاؤُوا فِيهِ، وأعْطاهُ الكِتابَ فَنَظَرَ فِيهِ، وقالَ: أيْنَ الحُقُّ؟ فَأُتِيَ بِهِ، فَحَرَّكَهُ فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخْبَرَهُ بِما فِيهِ، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ فِيهِ دُرَّةً غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وجِزْعَةً مُعْوَجَّةَ الثَّقْبِ، قالَ الرَّسُولُ: صَدَقْتَ، فَأثْقِبِ الدُّرَّةَ وأدْخِلِ الخَيْطَ في الجِزْعَةِ، فَقالَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَن لِي بِثَقْبِها؟ وسَألَ الجِنَّ والإنْسَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَألَ الشَّياطِينَ فَقالُوا: نُرْسِلُ إلى الأرَضَةِ، فَلَمّا جاءَتْ أخَذَتْ شَعَرَةً بِفِيها ونَفَذَتْ في الدُّرَّةِ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ لَها: ما حاجَتُكِ؟ قالَتْ: تُصَيِّرُ رِزْقِي في الشَّجَرِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: مَن لِهَذِهِ الخَرَزَةِ؟ فَقالَتْ دُودَةٌ بَيْضاءُ: أنا لَها يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأخَذَتِ الخَيْطَ بِفِيها ودَخَلَتِ الثَّقْبُ حَتّى خَرَجَتْ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَقالَ: ما حاجَتُكِ؟ قالَتْ: يَكُونُ رِزْقِي في الفَواكِهِ، فَقالَ: لَكِ ذَلِكَ، ثُمَّ مَيَّزَ
صفحة 200
بَيْنَ الغِلْمانِ والجَوارِي، أمَرَهم أنْ يَغْسِلُوا وُجُوهَهم وأيْدِيَهُمْ، فَجَعَلَتِ الجارِيَةُ تَأْخُذُ الماءَ بِيَدِها وتَضْرِبُ بِها الأُخْرى وتَغْسِلُ وجْهَها، والغُلامُ يَأْخُذُ الماءَ بِيَدَيْهِ ويَضْرِبُ بِهِ وجْهَهُ، وكانَتِ الجارِيَةُ تَصُبُّ الماءَ عَلى باطِنِ ساعِدَيْها، والغُلامُ عَلى ظاهِرِهِ، ثُمَّ رَدَّ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – الهَدِيَّةَ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى.
وقِيلَ: إنَّها أنَفَذَتْ مَعَ هَداياها عَصًا كانَ يَتَوارَثُها مُلُوكُ حِمْيَرَ، وقالَتْ: أُرِيدُ أنْ تُعَرِّفَنِي رَأْسَها مِن أسْفَلِها، وبِقَدَحِ ماءٍ وقالَتْ: تَمْلَؤُهُ ماءً رِواءً لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَّماءِ، فَأرْسَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَصا إلى الهَواءِ وقالَ، أيُّ الطَّرَفَيْنِ سَبَقَ إلى الأرْضِ فَهو أصْلُها، وأمَرَ بِالخَيْلِ فَأُجْرِيَتْ حَتّى عَرِقَتْ ومَلَأ القَدَحَ مِن عَرَقِها، وقالَ: هَذا لَيْسَ مِن ماءِ الأرْضِ ولا مِن ماءِ السَّماءِ، اهـ.
وكُلُّ ذَلِكَ أخْبارٌ لا يُدْرى صِحَّتُها ولا كَذِبُها، ولَعَلَّ في بَعْضِها ما يَمِيلُ القَلْبُ إلى القَوْلِ بِكَذِبِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
27:36Page 380
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَأرْسَلَتِ الهَدِيَّةَ، فَلَمّا جاءَ ... إلَخْ، وضَمِيرُ (جاءَ) لِلرَّسُولِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِما أهْدَتْ إلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «فَلَمّا جاؤُوا» أيِ: المُرْسَلُونَ.
﴿قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ والمُرْسِلِ تَغْلِيبًا لِلْحاضِرِ عَلى الغائِبِ، وإطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ، وهو أوْفَقُ بِقِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ لِما فِيهِ مِن تَشْدِيدِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ المُسْتَفادَيْنِ مِنَ الهَمْزَةِ - عَلى ما قِيلَ - وتَعْمِيمُهُما لِبِلْقِيسَ وقَوْمِها، وأُيِّدَ بِمَجِيءِ قَوْلِهِ تَعالى:
27:37Page 380
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."
﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ﴾ بِالإفْرادِ، وتَنْكِيرُ (مالٍ) لِلتَّحْقِيرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَّبْعَةِ «تُمِدُّونَنِ» بِنُونَيْنِ، وأثْبَتَ بَعْضٌ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الوِقايَةِ وإثْباتِ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأ المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ، والمَحْذُوفُ نُونُ الوِقايَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأوْلى، فَرَفْعُهُ بِعَلامَةٍ مُقَدَّرَةٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ:
أبِيتُ أُسَرِّي وتَبِيتِي تُدَلِّكِي وجْهَكِ بِالعَنْبَرِ والمِسْكِ الذَّكِي
﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ﴾ أيْ: مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ ﴿خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المالِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما جِئْتُمْ بِهِ، وقِيلَ: عَنى بِما آتاهُ المالَ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْلَغُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ القَبُولِ لِهَدِيَّتِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ الِافْتِخارَ بِما أُوتِيَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُنْكِرُ إمْدادَكم إيّايَ بِمالٍ؛ لِأنَّ ما عِنْدِي خَيْرٌ مِنهُ، فَلا حاجَةَ لِي إلى هَدِيَّتِكُمْ، ولا وقْعَ لَها عِنْدِي، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ المَذْكُورَ كانَ أوَّلَ ما جاؤُوهُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾ ... إلَخْ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمَزِيدِ حِرْصِهِ عَلى إرْشادِهِمْ إلى الحَقِّ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهم ما ذُكِرَ بَعْدَ أنْ جَرى بَيْنَهم وبَيْنَهُ ما جَرى مِمّا في خَبَرِ وهْبٍ وغَيْرِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ رَدِّ هَدايا المُشْرِكِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ إذا كانَ في الرَّدِّ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ لا مُطْلَقًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: (وما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ) لِتَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا لِما أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الحالِ - وهي الحالُ المُقَرِّرَةُ لِلْإشْكالِ - يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً بِخِلافِ العِلَّةِ، وهي هُنا لَيْسَتْ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ إضْرابٌ عَمّا ذُكِرَ مِن إنْكارِ الإمْدادِ بِالمالِ وتَعْلِيلِهِ إلى بَيانِ ما حَمَلَهم عَلَيْهِ مِن قِياسِ حالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حالِهِمْ، وهو قُصُورُ هِمَّتِهِمْ عَلى الدُّنْيا والزِّيادَةِ فِيها، فالمَعْنى: أنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِما يُهْدى إلَيْكم لِقُصُورِ هِمَّتِكم عَلى الدُّنْيا وحُبِّكُمُ الزِّيادَةَ فِيها، فَفي ذَلِكَ مِنَ الحَطِّ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى، والهَدِيَّةُ مُضافَةٌ إلى المُهْدى إلَيْهِ، وهي تُضافُ إلى ذَلِكَ كَما تُضافُ إلى المُهْدِي، أوْ إضْرابٌ
صفحة 201
عَنْ ذَلِكَ إلى التَّوْبِيخِ بِفَرَحِهِمْ بِهَدِيَّتِهِمُ الَّتِي أهْدَوْها إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَحَ افْتِخارٍ وامْتِنانٍ واعْتِدادٍ بِها، وفائِدَةُ الإضْرابِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ إمْدادَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالمالِ مُنْكَرٌ قَبِيحٌ، وعَدُّ ذَلِكَ - مَعَ أنَّهُ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ أقْبَحُ، والتَّوْبِيخُ بِهِ أدْخَلُ، قِيلَ: ويُنْبِئُ عَنِ اعْتِدادِهِمْ بِتِلْكَ الهَدِيَّةِ التَّنْكِيرُ في قَوْلِ بِلْقِيسَ: ﴿وإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ بَعْدَ عَدِّها إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَلِكًا عَظِيمًا، وكَذا ما تَقَدَّمَ في خَبَرِ وهْبٍ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ الحُقِّ والجِزْعَةِ، وتَغْيِيرِ زِيِّ الغِلْمانِ والجَوارِي وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقِيلَ: فَرَحُهم بِما أهْدَوْهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن حَيْثُ تَوَقُّعُهم بِهِ ما هو أزْيَدُ مِنهُ؛ فَإنَّ الهَدايا لِلْعُظَماءِ قَدْ تُفِيدُ ما هو أزْيَدُ مِنها مالًا أوْ غَيْرَهُ، كَمَنعِ تَخْرِيبِ دِيارِهِمْ هُنا، وقِيلَ: الكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ الرَّدِّ، والمَعْنى: أنْتُمْ مِن حَقِّكم أنْ تَفْرَحُوا بِأخْذِ الهَدِيَّةِ لا أنا، فَخُذُوها وافْرَحُوا، وهو مَعْنًى لَطِيفٌ، إلّا أنَّ فِيهِ خَفاءً.
﴿ارْجِعْ﴾ أمْرٌ لِلرَّسُولِ، ولَمْ يَجْمَعِ الضَّمِيرَ كَما جَمَعَهُ فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أتُمِدُّونَنِ﴾ ... إلَخْ؛ لِاخْتِصاصِ الرُّجُوعِ بِهِ بِخِلافِ الإمْدادِ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْهُدْهُدِ مُحَمَّلًا كِتابًا آخَرَ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ ضَعِيفٌ دِرايَةً ورِوايَةً.
وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «ارْجِعُوا» عَلى أنَّهُ أمْرٌ لِلْمُرْسَلِينَ، والفِعْلُ هُنا لازِمٌ أيِ: انْقَلِبْ وانْصَرِفْ ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: إلى بِلْقِيسَ وقَوْمِها ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ﴾ أيْ: فَواللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهم ﴿بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ أيْ: لا طاقَةَ لَهم بِمُقاوَمَتِها، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُقابَلَتِها، وأصْلُ القِبَلِ المُقابَلَةُ، فَجُعِلَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ الطّاقَةِ والقُدْرَةِ عَلَيْها، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِهِمْ».
﴿ولَنُخْرِجَنَّهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ ﴿مِنها﴾ أيْ: مِن سَبَأٍ ﴿أذِلَّةً﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ أذِلَّةً بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ العِزِّ والتَّمْكِينِ، وفي جَمْعِ القِلَّةِ تَأْكِيدٌ لِذِلَّتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ حالٌ أُخْرى، والصَّغارُ - وإنْ كانَ بِمَعْنى الذُّلِّ - إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا وُقُوعُهم في أسْرٍ واسْتِعْبادٍ، فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ إخْراجَهم بِطَرِيقِ الأسْرِ لا بِطْرِيقِ الإجْلاءِ، وعَدَمُ وُقُوعِ جَوابِ القَسَمِ؛ لِأنَّهُ كانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ قَدْ حُذِفَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلْيَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وإلّا فَلَنَأْتِيَنَّهم ... إلَخْ.
27:38Page 380
قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣٨
[Solomon] said, "O assembly [of jinn], which of you will bring me her throne before they come to me in submission?"
﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلَيْها وأخْبَرَها بِما أقْسَمَ عَلَيْهِ سُلَيْمانُ، فَتَجَهَّزَتْ لِلْمَسِيرِ إلَيْهِ؛ إذْ عَلِمَتْ أنَّهُ نَبِيٌّ ولا طاقَةَ لَها بِقِتالِهِ، فَرُوِيَ أنَّها أمَرَتْ عِنْدَ خُرُوجِها فَجُعِلَ عَرْشُها في آخِرِ سَبْعَةِ أبْياتٍ بَعْضِها في جَوْفِ بَعْضٍ في آخِرِ قَصْرٍ مِن قُصُورِها، وغَلَّقَتِ الأبْوابَ، ووَكَّلَتْ بِهِ حُرّاسًا يَحْفَظُونَهُ، وتَوَجَّهَتْ إلى سُلَيْمانَ في أقْيالِها وأتْباعِهِمْ، وأرْسَلَتْ إلى سُلَيْمانَ: إنِّي قادِمَةٌ عَلَيْكَ بِمُلُوكِ قَوْمِي؛ حَتّى أنْظُرَ ما أمْرُكَ، وما تَدْعُو إلَيْهِ مِن دِينِكَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ: فَلَمّا كانَتْ عَلى فَرْسَخٍ مِن سُلَيْمانَ قالَ: (أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها).
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ سُلَيْمانُ مَهِيبًا لا يُبْتَدَأُ بِشَيْءٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَسْألُ عَنْهُ، فَنَظَرَ ذاتَ يَوْمٍ رَهْجًا قَرِيبًا مِنهُ، فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: بِلْقِيسُ فَقالَ: (أيُّكم ...) إلَخْ، ومَعْنى مُسْلِمِينَ - عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ - طائِعِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو بِمَعْنى مُؤْمِنِينَ.
واخْتَلَفُوا في مَقْصُودِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ اسْتِدْعائِهِ عَرْشَها، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَدْعى ذَلِكَ؛ لِيُرِيَها القُدْرَةَ الَّتِي هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ولِيُغْرِبَ عَلَيْها، ومِن هُنا قالَ في الكَشّافِ: لَعَلَّهُ
صفحة 202
أُوِحِي إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْتِيثاقِها مِن عَرْشِها، فَأرادَ أنْ يُغْرِبَ عَلَيْها ويُرِيَها بِذَلِكَ بَعْضَ ما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِن إجْراءِ العَجائِبِ عَلى يَدِهِ، مَعَ اطِّلاعِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى ما يَشْهَدُ لِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ويُصَدِّقُها، انْتَهى.
وتَقْيِيدُ الإتْيانِ بِقَوْلِهِ: (قَبْلَ) إلَخْ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ أبْدَعُ وأغْرَبُ وأبْعَدُ مِنَ الوُقُوعِ عادَةً، وأدَلُّ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِيَكُونَ اطِّلاعُها عَلى بَدائِعِ المُعْجِزاتِ في أوَّلِ مَجِيئِها.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: أرادَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَخْتَبِرَ صِدْقَ الهُدْهُدِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الِاخْتِبارِ؛ فَإنَّ أمارَةَ الصِّدْقِ في ذَلِكَ في غايَةِ الوُضُوحِ لَدَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا سِيَّما إذا صَحَّ ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ وغَيْرِهِ. وقِيلَ: أرادَ أنْ يُؤْتى بِهِ فَيُنَكَّرَ ويُغَيَّرَ ثُمَّ يَنْظُرَ أتُثْبِتُهُ أمْ تُنْكِرُهُ؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ أخْذَهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِمَها وقَوْمَها الإيمانُ ويَمْنَعَ أخْذَ أمْوالِهِمْ، قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ أنَّ حَلَّ الغَنائِمِ مِمّا اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنا ﷺ وقالَ في التَّحْقِيقِ: لا يُناسِبُ رَدَّ الهَدِيَّةِ وتَعْلِيلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ أخْذِ الغَنائِمِ، وإنَّما هو مِن بابِ أخْذِ مالِ الحَرْبِيِّ، والتَّصَرُّفِ بِغَيْرِ رِضاهُ، مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ بِوَحْيٍ، فَيَجُوزُ أنَّهُ مِن خُصُوصِيّاتِهِ لِحِكْمَةٍ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هَدِيَّةً لَها حَتّى لا يُناسِبَ الرَّدَّ السّابِقَ وفِيهِ بَحْثٌ، ولَعَلَّ الألْصَقَ بِالقَلْبِ أنَّ ذاكَ لِيُنَكِّرَهُ فَيَمْتَحِنَها؛ اخْتِبارًا لِعَقْلِها، مَعَ إراءَتِها بَعْضَ خَوارِقِهِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ بَعْدَ رَدِّ الهَدِيَّةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ ذَلِكَ حِينَ ابْتَدَأ النَّظَرَ في صِدْقِ الهُدْهُدِ مِن كَذِبِهِ لَمّا قالَ: ﴿ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ فَفي تَرْتِيبِ القَصَصِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وأظُنُّ أنَّهُ لا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
27:39Page 380
قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ ٣٩
A powerful one from among the jinn said, "I will bring it to you before you rise from your place, and indeed, I am for this [task] strong and trustworthy."
﴿قالَ عِفْرِيتٌ﴾ أيْ: خَبِيثٌ مارِدٌ ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ بَيانٌ لَهُ، إذْ يُقالُ لِلرَّجُلِ الخَبِيثِ المُنْكَرِ الَّذِي يُعَفِّرُ أقْرانَهُ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «عَفْرِيتٌ» بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وأبُو السَّمّالِ وعِيسى - ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «عِفْرِيَةٌ» بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الرّاءِ بَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُصَوَّبٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «عِفْرٌ» بِلا ياءٍ ولا تاءٍ، ويُقالُ في لُغَةِ طَيِّئٍ وتَمِيمٍ: (عِفْراةٌ) بِألِفٍ بَعْدَها تاءُ التَّأْنِيثِ، وفِيهِ لُغَةٌ سادِسَةٌ عُفارِيَةٌ.
وتاءُ (عِفْرِيتٌ) زائِدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في المَشْهُورِ، وفي النِّهايَةِ: الياءُ في عِفْرِيَةٍ وعُفارِيَةٍ لِلْإلْحاقِ بِشِرْذِمَةٍ وعُذافِرَةٍ، والهاءُ فِيهِما لِلْمُبالَغَةِ، والتّاءِ في (عِفْرِيتٌ) لِلْإلْحاقِ بِقِنْدِيلٍ اهـ.
واسْمُ هَذا العِفْرِيتِ - عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - صَخْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ أنَّ اسْمَهُ كَوَزْنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ أنَّ اسْمَهُ كُوزى، وقِيلَ: اسْمُهُ ذَكْوانُ.
﴿أنا آتِيكَ بِهِ﴾ أيْ بِعَرْشِها، وآتِي يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضارِعًا وأنْ يَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ. قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ ادِّعاءِ الإتْيانِ بِهِ في المُدَّةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكُومَةِ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجْلِسُ مِنَ الصُّبْحِ إلى الظُّهْرِ في كُلِّ يَوْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، ووَهْبٌ، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وقِيلَ: أيْ قَبْلَ أنْ تَسْتَوِيَ مِن جُلُوسِكَ قائِمًا ﴿وإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ﴾ لا يَثْقُلُ عَلَيَّ حَمْلُهُ.
والقُوَّةُ صِفَةٌ تَصْدُرُ عَنْها الأفْعالُ الشّاقَّةُ، ويُطِيقُ بِها مَن قامَتْ
صفحة 203
بِهِ لِتَحَمُّلِ الأجْرامِ العَظِيمَةِ، ولِذا اخْتِيرَ (قَوِيٌّ) عَلى (قادِرٍ) هُنا، وظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، فَمِنهم مَن قالَ: أيْ عَلى حَمْلِهِ، ومِنهم قالَ: أيْ عَلى الإتْيانِ بِهِ، ورُجِّحَ الثّانِي بِالتَّبادُرِ؛ نَظَرًا إلى أوَّلِ الكَلامِ، والأوَّلُ بِأنَّهُ أنْسَبُ بُقُولِهِ: (لَقَوِيٌّ).
﴿أمِينٌ﴾ لا أقْتَطِعُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُبَدِّلُهُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences