Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:44–49
27:44Page 380
قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٤
She was told, "Enter the palace." But when she saw it, she thought it was a body of water1 and uncovered her shins [to wade through]. He said, "Indeed, it is a palace [whose floor is] made smooth with glass." She said, "My Lord, indeed I have wronged myself, and I submit with Solomon to Allāh, Lord of the worlds."
﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها بَعْدَ الِامْتِحانِ المَذْكُورِ؟ فَقِيلَ: (قِيلَ لَها ادْخُلِي) ... إلَخْ، ولَمْ يُعْطَفْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَكَذا عَرْشُكِ﴾ لِئَلّا يَفُوتَ هَذا المَعْنى، وجِيءَ بِـ(لَها) هُنا دُونَ ما مَرَّ لِمَكانِ أمْرِها، والصَّرْحُ: القَصْرُ وكُلُّ بِناءٍ عالٍ، ومِنهُ ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو مِنَ التَّصْرِيحِ وهو الإعْلانُ البالِغُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّرْحُ هُنا البَرَكَةُ، وقالَ ابْنُ عِيسى: الصَّحْنُ، وصَرْحَةُ الدّارِ ساحَتُها.
ورُوِيَ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمَرَ الجِنَّ قَبْلَ قُدُومِها فَبَنَوْا لَهُ عَلى طَرِيقِها قَصْرًا مِن زُجاجٍ أبْيَضَ، وأجْرى مِن تَحْتِهِ الماءَ، وألْقى فِيهِ مِن دَوابِّ البَحْرِ السَّمَكِ وغَيْرِهِ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهم بَنَوْا لَهُ صَرَحًا، وجَعَلُوا لَهُ طَوابِيقَ مِن قَوارِيرَ كَأنَّها الماءُ، وجَعَلُوا في باطِنِ الطَّوابِيقِ كُلَّ ما يَكُونُ مِنَ الدَّوابِّ في البَحْرِ، ثُمَّ أطْبَقُوهُ، وهَذا أوْفَقُ بِظاهِرِ الآيَةِ، ووُضِعَ سَرِيرُهُ في صَدْرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ والجِنُّ والإنْسُ، وفَعَلَ ذَلِكَ؛ امْتِحانًا لَها أيْضًا عَلى ما قِيلَ، وقِيلَ: لِيَزِيدَها اسْتِعْظامًا لِأمْرِهِ وتَحْقِيقًا لِنُبُوَّتِهِ وثَباتًا عَلى الدِّينِ، وقِيلَ لِأنَّ الجِنَّ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّها شَعْراءُ
صفحة 209
السّاقَيْنِ، ورِجْلُها كَحافِرِ الحِمارِ، فَأرادَ الكَشْفَ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ بِذَلِكَ.
وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - ما حاصِلُهُ: إنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَها بِالفِعْلِ عَلى أنَّها صَدَقَتْ في قَوْلِها في العَرْشِ: «كَأنَّهُ هُوَ» حَيْثُ إنَّهُ انْعَدَمَ في سَبَأٍ ووُجِدَ مِثْلُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ لَها صَرْحًا في غايَةِ اللُّطْفِ والصَّفاءِ، كَأنَّهُ ماءٌ صافٍ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا غايَةُ الإنْصافِ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا أظُنُّ الأمْرَ كَما قالَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ - عَلى القَوْلِ بِأنَّ أمْرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى كَشْفِ حَقِيقَةِ الحالِ - عَلى إباحَةِ النَّظَرِ قَبْلَ الخِطْبَةِ، وفِيهِ تَفْصِيلٌ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.
﴿فَلَمّا رَأتْهُ﴾ أيْ: رَأتْ صَحْنَهُ بِناءً عَلى أنَّ الصَّرْحَ بِمَعْنى القَصْرِ ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ أيْ: ظَنَّتْهُ ماءً كَثِيرًا ﴿وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها﴾ لِئَلّا تَبْتَلَّ أذْيالُها، كَما هو عادَةُ مَن يُرِيدُ الخَوْضَ في الماءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِرِوايَةِ قُنْبُلٍ «سَأْقَيْها» بِهَمْزِ ألِفِ (ساقٍ) حَمْلًا لَهُ عَلى جَمْعِهِ سُؤْقٍ وأسْؤُقٍ، فَإنَّهُ يَطَّرِدُ في الواوِ المَضْمُومَةِ هي أوْ ما قَبْلَها قَلْبُها هَمْزَةً، فانْجَرَّ ذَلِكَ بِالتَّبَعِيَّةِ إلى المُفْرَدِ الَّذِي في ضِمْنِهِ.
وفِي البَحْرِ حَكى أبُو عَلِيٍّ أنَّ أبا حَيَّةَ النُّمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وأنْشَدَ:
أحَبُّ المَؤْقَدَيْنِ إلى مُؤْسى
وفِي الكَشْفِ: الظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَ لُغَةٌ في (ساقٍ) ويَشْهَدُ لَهُ هَذِهِ القِراءَةُ الثّابِتَةُ في السَّبْعَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ الِاشْتِقاقُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ لا تَصِحُّ لا يَصِحُّ.
﴿قالَ﴾ أيْ: سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ رَأى ما اعْتَراها مِنَ الدَّهْشَةِ والرُّعْبِ، وقِيلَ: القائِلُ هو الَّذِي أمَرَها بِدُخُولِ الصَّرْحِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: ما حَسِبَتْهُ (لُجَّةً ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ أيْ: مُمَلَّسٌ، ومِنهُ الأمْرَدُ لِلشّابِّ الَّذِي لا شَعْرَ في وجْهِهِ، وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لا ورَقَ عَلَيْها، ورَمْلَةٌ مَرْداءُ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والمارِدُ المُتَعَرِّي مِنَ الخَيْرِ ﴿مِن قَوارِيرَ﴾ مِنَ الزُّجاجِ، وهو جَمْعُ قارُورَةٍ.
﴿قالَتْ﴾ حِينَ عايَنَتْ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: بِظَنِّي السُّوءَ بِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَيْثُ ظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُ إغْراقَها في اللُّجَّةِ وهو بَعِيدٌ.
ومِثْلُهُ ما قِيلَ: أرادَتْ ظَلَمْتُ نَفْسِي بِامْتِحانِي سُلَيْمانَ حَتّى امْتَحَنَنِي لِذَلِكَ بِما أوْجَبَ كَشْفَ ساقَيَّ بِمَرْأًى مِنهُ ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ﴾ تابِعَةً لَهُ مُقَيَّدَةً بِهِ، وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِإظْهارِ مَعْرِفَتِها بِأُلُوهِيَّتِهِ تَعالى، وتَفَرُّدِهِ بِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُبُوبِيَّتِهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما كانَتْ تَعْبُدُهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الشَّمْسِ، وكَأنَّ هَذا القَوْلَ تَجْدِيدٌ لِإسْلامِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقَدْ أخْرَجَتْهُ مَخْرَجًا لا أنانِيَّةَ فِيهِ، ولا كِبْرَ أصْلًا كَما لا يَخْفى.
واخْتُلِفَ في أمْرِها بَعْدَ الإسْلامِ، فَقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَزَوَّجَها وأحَبَّها وأقَرَّها عَلى مُلْكِها، وأمَرَ الجِنَّ فَبَنَوْا لَها سَيْلَحِينَ وغَمْدانَ، وكانَ يَزُورُها في الشَّهْرِ مَرَّةً فَيُقِيمُ عِنْدَها ثَلاثَةَ أيّامٍ، ووَلَدَتْ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِبْعِيٍّ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْهَرَها بَعْلَبَكَّ.
وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها حِينَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها أبْصَرَ عَلَيْهِما شَعْرًا كَثِيرًا فَكَرِهَ أنْ يَتَزَوَّجَها كَذَلِكَ، فَدَعا الإنْسَ فَقالَ: ما يَذْهَبُ بِهَذا؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ المُواسى فَقالَ: المُواسى تَقْطَعُ ساقَيِ المَرْأةِ.
وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ فَقالَتْ: لَمْ يَمْسَسْنِي الحَدِيدُ قَطُّ، فَكَرِهَ سُلَيْمانُ المُواسى، وقالَ: إنَّها تَقْطَعُ ساقَيْها، ثُمَّ دَعا الجِنَّ فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَعا الشَّياطِينَ فَوَضَعُوا لَهُ النُّورَةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤِيَتْ فِيهِ النُّورَةُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أوَّلَ
صفحة 210
مَن وضَعَ النُّورَةَ شَياطِينُ الإنْسِ، وضَعُوها لِبَلْقِيسَ وهو خِلافُ المَشْهُورِ، ويُرْوى أنَّ الحَمّامَ وُضِعَ يَوْمَئِذٍ.
وفِي تارِيخِ البُخارِيِّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««أوَّلَ مَن صُنِعَتْ لَهُ الحَمّاماتُ سُلَيْمانُ»».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْهُ أيْضًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ««أوَّلُ مَن دَخَلَ الحَمّامَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا وجَدَ حَرَّهُ قالَ: أوَّهْ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى»».
ورُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: زَعَمُوا أنَّ بِلْقِيسَ لَمّا أسْلَمَتْ قالَ لَها سُلَيْمانُ: اخْتارِي رَجُلًا مِن قَوْمِكِ أُزَوِّجْكَهُ فَقالَتْ: أمِثْلِي يا نَبِيَّ اللَّهِ تَنْكِحُ الرِّجالَ، وقَدْ كانَ في قَوْمِي مِنَ المُلْكِ والسُّلْطانِ ما كانَ؟! قالَ: نَعَمْ، إنَّهُ لا يَكُونُ في الإسْلامِ إلّا ذَلِكَ، وما يَنْبَغِي لَكِ أنْ تُحَرِّمِي ما أحِلَّ اللَّهُ تَعالى لَكِ، فَقالَتْ: زَوِّجْنِي - إنْ كانَ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ - ذا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدانَ، فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ رَدَّها إلى اليَمَنِ، وسَلَّطَ زَوْجَها ذا تُبَّعٍ عَلى اليَمَنِ، ودَعا زَوْبَعَةَ أمِيرَ جِنِّ اليَمَنِ فَقالَ: اعْمَلْ لِذِي تُبَّعٍ ما اسْتَعْمَلَكَ فِيهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِها مَلِكًا يُعْمَلُ لَهُ فِيها حَتّى ماتَ سُلَيْمانُ، فَلَمّا أنْ حالَ الحَوْلُ وتَبَيَّنَ الجِنُّ مَوْتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقْبَلَ رَجُلٌ مِنهم فَسَلَكَ تِهامَةَ حَتّى إذا كانَ في جَوْفِ اليَمَنِ صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ إنَّ المَلِكَ سُلَيْمانَ قَدْ ماتَ، فارْفَعُوا أيْدِيَكُمْ، فَرَفَعُوا أيْدِيَهم وتَفَرَّقُوا، وانْقَضى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ ومُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمانَ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَألَ رَجُلٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ: هَلْ تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ بِلْقِيسَ ؟ فَقالَ: انْتَهى أمْرُها إلى قَوْلِها: ﴿وأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: يَعْنِي لا عِلْمَ لَنا وراءَ ذَلِكَ.
والمَشْهُورُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – تَزَوَّجَها، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأخْبارِ، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الزُّهْدِ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: كُسِرَ بُرْجٌ مِن أبْراجٍ تَدْمُرَ فَأصابُوا فِيهِ امْرَأةً حَسْناءَ دَعْجاءَ مُدْمَجَةً، كَأنَّ أعْطافَها طَيُّ الطَّوامِيرِ، عَلَيْها عِمامَةٌ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، مَكْتُوبٌ عَلى طَرَفٍ العِمامَةِ بِالذَّهَبِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أنا بِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَأٍ، زَوْجَةُ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مَلَكْتُ مِنَ الدُّنْيا كافِرَةً ومُؤْمِنَةً ما لَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ قَبْلِي ولا يَمْلِكْهُ أحَدٌ بَعْدِي، صارَ مَصِيرِي إلى المَوْتِ فاقْصُرُوا يا طالِبِي الدُّنْيا» واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ، وكَمْ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن أخْبارٍ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ مِنها، والقِصَّةُ في نَفْسِها عَجِيبَةٌ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أشْياءَ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، بَلْ يَكادُ العَقْلُ يُحِيلُها في أوَّلِ وهْلَةٍ.
ومِمّا يُسْتَغْرَبُ - ولِلَّهِ تَعالى فِيهِ سِرٌّ خَفِيٌّ - خَفاءُ أمْرِ بِلْقِيسَ عَلى سُلَيْمانَ عِدَّةَ سِنِينَ - كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ - مَعَ أنَّ المَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها لَمْ تَكُنْ في غايَةِ البُعْدِ، وقَدْ سَخَّرَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنَ الجِنِّ والشَّياطِينِ والطَّيْرِ والرِّيحِ ما سَخَّرَ، وهَذا أغْرَبُ مِن خَفاءِ أمْرِ يُوسُفَ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - بِمَراتِبَ، وسُبْحانَ مَن لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ.
وهَذا، ولِلصُّوفِيَّةِ في تَطْبِيقِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ما في الأنْفُسِ كَلامٌ طَوِيلٌ، ولَعَلَّ الأمْرَ سَهْلٌ عَلى مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى بَعْضِ ما مَرَّ مِن تَطْبِيقاتِهِمْ ما في بَعْضِ القَصَصِ عَلى ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
27:45Page 381
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ ٤٥
And We had certainly sent to Thamūd their brother Ṣāliḥ, [saying], "Worship Allāh," and at once they were two parties conflicting.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ مَسُوقٌ لِما سِيقَ هو لَهُ، واللّامُ واقِعَةٌ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا ﴿إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ وإنَّما أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِ الحُكْمِ و(صالِحًا) بَدَلٌ مِن (أخاهُمْ) أوْ عَطْفٌ بَيانِيٌّ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.
وجُوِّزَ كَوْنُها مَصْدَرِيَّةً حُذِفَ مِنها حَرْفُ الجَرِّ، أيْ بِأنْ، وقِيلَ: لِأنْ، ووَصْلُها بِالأمْرِ جائِزٌ، لا ضَيْرَ فِيهِ كَما مَرَّ.
صفحة 211
وقُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ إتْباعًا لَها لِلْباءِ.
﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ أيْ: فاجَأ إرْسالُنا تَفَرُّقَهم واخْتِصامَهُمْ، فَآمَنَ فَرِيقٌ وكَفَرَ فَرِيقٌ، وكانَ ما حَكى اللَّهُ تَعالى في مَحَلٍّ آخَرَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
(فَإذا) فُجائِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها مُقَدَّرٌ لا (يَخْتَصِمُونَ) خِلافًا لِأبِي البَقاءِ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ (فَرِيقانِ) كَما قالَ، ومَعْمُولُ الصِّفَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ، وقِيلَ: هَذا حَيْثُ لا يَكُونُ المَعْمُولُ ظَرْفًا، وضَمِيرُ (يَخْتَصِمُونَ) لِمَجْمُوعِ الفَرِيقَيْنِ، ولَمْ يَقُلْ: (يَخْتَصِمانِ) لِلْفاصِلَةِ، ويُوهِمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ ثانٍ وهو كَما تَرى.
و(هُمْ) راجِعٌ إلى ثَمُودَ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وقِيلَ: إلى هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ لِيَشْمَلَ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والفَرِيقانِ حِينَئِذٍ أحَدُهُما صالِحٌ وحْدَهُ، وثانِيهُما قَوْمُهُ.
والحامِلُ عَلى هَذا - كَما ذَكَرَهُ ابْنُ عادِلٍ - العَطْفُ بِالفاءِ، فَإنَّها تُؤْذِنُ أنَّهم عَقِيبَ الإرْسالِ بِلا مُهْلَةٍ صارُوا فَرِيقَيْنِ، ولا يَصِيرُ قَوْمُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرِيقَيْنِ إلّا بَعْدَ زَمانٍ.
وفِيهِ أنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ وتَعْقِيبُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الفاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ.
27:46Page 381
قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٦
He said, "O my people, why are you impatient for evil before [i.e., instead of] good?1 Why do you not seek forgiveness of Allāh that you may receive mercy?"
ولَعَلَّ فَرِيقَ الكَفَرَةِ أكْثَرُ، ولِذا ناداهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ كَما حُكِيَ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ لِجَعْلِهِ في حُكْمِ الكُلِّ، أيْ: قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْفَرِيقِ الكافِرِ مِنهم بَعْدَما شاهَدَ مِنهم ما شاهَدَ مِن نِهايَةِ العُتُوِّ والعِنادِ حَتّى بَلَغُوا مِنَ المُكابَرَةِ إلى أنْ قالُوا لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ –: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ مُتَلَطِّفًا بِهِمْ: (يا قَوْمِ).
﴿لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: بِالعُقُوبَةِ الَّتِي تَسُوءُكم ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ أيِ: التَّوْبَةِ، فَتُؤَخِّرُونَها إلى حِينِ نُزُولِها، حَيْثُ كانُوا - مِن جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ – يَقُولُونَ: إنْ وقَعَ إيعادُهُ تُبْنا حِينَئِذٍ، وإلّا فَنَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ أيْ: هَلّا تَسْتَغْفِرُونَهُ تَعالى قَبْلَ نُزُولِها ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِقَبُولِها؛ إذْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى عَدَمُ القَبُولِ عِنْدَ النُّزُولِ.
وقَدْ خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى حَسَبِ تَخْمِينِهِمْ وجَهْلِهِمْ في ذَلِكَ بِأنَّ ما خَمَّنُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ إذْ ذاكَ فاسِدَةٌ، وأنَّ اسْتِعْجالَهم ذَلِكَ خارِجٌ مِنَ المَعْقُولِ.
والتَّقابُلُ بَيْنَ السَّيِّئَةِ والحَسَنَةِ - بِالمَعْنى الَّذِي سَمِعْتَ - حاصِلٌ مِن كَوْنِ أحَدِهِما حَسَنًا والآخَرِ سَيِّئًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّيِّئَةِ تَكْذِيبُهم إيّاهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَفْرُهم بِهِ، وبِالحَسَنَةِ تَصْدِيقُهم وإيمانُهُمْ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: (لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ) ... إلَخْ لَوْمُهم عَلى المُسارَعَةِ إلى تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، وكُفْرِهِمْ بِهِ، وحَضِّهِمْ عَلى التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ بِتَرْكِ التَّكْذِيبِ والإيمانِ، وحاصِلُهُ لَوْمُهم عَلى إيقاعِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ دُونَ التَّصْدِيقِ، وحَضُّهم عَلى تَلافِي ذَلِكَ.
وإيهامُ الكَلامِ انْتِفاءَ اللَّوْمِ عَلى إيقاعِ التَّكْذِيبِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، ولا يَخْفى - بَعْدَ طَيِّ الكَشْحِ عَنِ المُناقَشَةِ فِيما ذُكِرَ - أنَّ المُناسِبَ لِما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ الأعْرافِ ولِما جاءَ في الآثارِ هو المَعْنى الأوَّلُ.
ومِن هُنا ضُعِّفَ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِن تَفْسِيرِ الحَسَنَةِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِتُقابِلَ السَّيِّئَةَ المُفَسَّرَةَ بِعُقُوبَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويَكُونُ المُرادُ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ طَلَبَهم إيّاها دُونَ الرَّحْمَةِ، فَتَأمَّلْ.
27:47Page 381
قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ ٤٧
They said, "We consider you a bad omen, you and those with you." He said, "Your omen [i.e., fate] is with Allāh. Rather, you are a people being tested."1
﴿قالُوا اطَّيَّرْنا﴾ أصْلُهُ تَطَيَّرْنا، وقُرِئَ بِهِ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وزِيدَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ لِيَتَأتّى الِابْتِداءُ، والتَّطَيُّرُ التَّشاؤُمُ، عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِما أنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مُسافِرِينَ فَيَمُرُّونَ بِطائِرٍ يَزْجُرُونَهُ، فَإنْ مَرَّ سانِحًا بِأنْ مَرَّ مِن مَيامِنِ الشَّخْصِ إلى مَياسِرِهِ تَيَمَّنُوا، وإنَّ مَرَّ بارِحًا بِأنْ مَرَّ مِنَ المَياسِرِ إلى المَيامِنِ تَشاءَمُوا؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ لِلْمارِّ بِهِ كَذَلِكَ أنْ يَرْمِيَهُ حَتّى يَنْحَرِفَ، فَلَمّا نَسَبُوا الخَيْرَ والشَّرَّ إلى الطّائِرِ اسْتُعِيرَ لِما كانَ سَبَبًا لَهُما مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى وقِسْمَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أوْ مِن عَمَلِ العَبْدِ الَّذِي هو سَبَبُ الرَّحْمَةِ والنِّعْمَةِ، أيْ: تَشاءَمْنا ﴿بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ في دِينِكَ؛ حَيْثُ تَتابَعَتْ عَلَيْنا الشَّدائِدُ - وقَدْ كانُوا قُحِطُوا - ولَمْ نَزَلْ في اخْتِلافٍ وافْتِراقٍ مُذِ اخْتَرَعْتُمْ دِينَكُمْ، وتَشاؤُمُهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَجْمُوعِ وأنْ يَكُونَ مِن كُلٍّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
صفحة 212
﴿قالَ طائِرُكُمْ﴾ أيْ: سَبَبُكُمُ الَّذِي مِنهُ يَنالُكم ما يَنالُكم مِنَ الشَّرِّ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهو قَدَرُهُ سُبْحانَهُ، أوْ عَمَلُكُمُ المَكْتُوبُ عِنْدَهُ، عَزَّ وجَلَّ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ إضْرابٌ مِن بَيانِ طائِرِهِمُ الَّذِي هو مَبْدَأُ ما يَحِيقُ بِهِمْ إلى ذِكْرِ ما هو الدّاعِي إلَيْهِ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُخْتَبَرُونَ بِتَعاقُبِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، أوْ تُعَذَّبُونَ، أوْ يَفْتِنُكُمُ الشَّيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ إلَيْكُمُ الطِّيرَةَ، وجاءَ (تُفْتَنُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى مُراعاةِ (أنْتُمْ) وهو الكَثِيرُ في لِسانِ العَرَبِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ «يُفْتَنُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى مُراعاةِ لَفْظِ (قَوْمٌ) وهو قَلِيلٌ في لِسانِهِمْ.
27:48Page 381
وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ٤٨
And there were in the city nine family heads causing corruption in the land and not amending [its affairs].
﴿وكانَ في المَدِينَةِ﴾ أيْ: مَدِينَةِ ثَمُودَ وقَرْيَتِهِمْ، وهي الحِجْرُ ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ يُطْلَقُ عَلى العِصابَةِ دُونَ العَشَرَةِ - كَما قالَ الرّاغِبُ - وفي الكَشّافِ: هو مِنَ الثَّلاثَةِ أوْ مِنَ السَّبْعَةِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ يُقالُ إلى الأرْبَعِينَ ولَيْسَ بِمَقْبُولٍ، وأصْلُهُ - عَلى ما نُقِلَ عَنِ الكِرْمانِيِّ - مِنَ التَّرْهِيطِ، وهو تَعْظِيمُ اللُّقَمِ وشِدَّةُ الأكْلِ، وقَدْ أُضِيفَ العَدَدُ إلَيْهِ.
وقَدِ اخْتُلِفَ في جَوازِ إضافَتِهِ إلى اسْمِ الجَمْعِ، فَذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وما ورَدَ مِنَ الإضافَةِ إلَيْهِ فَهو عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يُقالُ: ثَلاثُ غَنَمٍ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ ويَنْقاسُ، وهو مَعَ ذَلِكَ قَلِيلٌ، وفَصَّلَ قَوْمٌ بَيْنَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الجَمِيعِ لِلْقَلِيلِ كَرَهْطٍ ونَفَرٍ وذَوْدٍ فَيَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ؛ إجْراءً لَهُ مَجْرى جَمْعِ القِلَّةِ، أوْ لِلْكَثِيرِ أوْ يُسْتَعْمَلُ لَهُما، فَلا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلَيْهِ، بَلْ إذا أُرِيدَ تَمْيِيزُهُ بِهِ جِيءَ بِهِ مَقْرُونًا بِـ(مِن) كَـ(خَمْسَةٌ مِنَ القَوْمِ) وقالَ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ وهو قَوْلُ المازِنِيِّ.
واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ إضافَةَ تِسْعَةٍ إلى رَهْطٍ هاهُنا بِاعْتِبارِ أنَّ رَهْطًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جَمْعٍ لِلْقَلِيلِ في حُكْمِ أشْخاصٍ ونَحْوِهِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ، وهي يُضافُ إلَيْها العَدَدُ كَـ(تِسْعَةُ أشْخاصٍ) و(تِسْعُ أنْفُسٍ) وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ وُقُوعَ رَهْطٍ تَمْيِيزًا لِتِسْعَةٍ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِسْعَةُ أشْخاصٍ، وقِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ أنْفُسٍ، وتَأْنِيثُ العَدَدِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ (رَهْطٍ) وهو مُذَكَّرٌ، فَلَيْسَ ذاكَ مِن غَيْرِ الفَصِيحِ، كَقَوْلِهِ: (ثَلاثَةُ أنْفُسٍ وثَلاثُ ذَوْدٍ) نَعَمْ، تَقْدِيرُ ما تَقَدَّمَ أسْلَمُ مِنَ المُناقَشَةِ، وأمّا ما قِيلَ: أيْ: تِسْعَةُ رِجالٍ فَفِيهِ الغَفْلَةُ عَمّا أشَرْنا إلَيْهِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنَّ الرَّهْطَ بِمَعْنى الشَّخْصِ أوْ بِمَعْنى النَّفْسِ، بَلْ إنَّ التِّسْعَةَ مِنَ الأشْخاصِ أوْ مِنَ الأنْفُسِ هي الرَّهْطُ، فَلَيْسَ المَعْدُودُ بِالتِّسْعَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الرَّهْطُ مِنَ الجَماعَةِ لِيَكُونَ هُناكَ تِسْعُ جَماعاتٍ لا تِسْعَةُ أفْرادٍ.
وقالَ الإمامُ: الأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تِسْعَةُ جَمْعٍ؛ إذِ الظّاهِرُ مِنَ الرَّهْطِ الجَماعَةُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا قَبائِلَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم دَخَلُوا تَحْتَ العَدَدِ لِاخْتِلافِ صِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ لا لِاخْتِلافِ النِّسَبِ، اهـ.
وقِيلَ: كانَ هَؤُلاءِ التِّسْعَةُ رُؤَساءَ، مَعَ كُلٍّ واحِدٍ مِنهم رَهْطٌ، ولِذا قِيلَ: (تِسْعَةُ رَهْطٍ) وأسْماؤُهم - عَنْ وهْبٍ -: الهُذَيْلُ بْنُ عَبْدِ رَبٍّ، وغَنْمُ بْنُ غَنْمٍ، ودِبابُ بْنُ مِهْرَجٍ، وعُمَيْرُ بْنُ كُرْدِيَةَ، وعاصِمُ بْنُ مَخْزَمَةَ، وسُبَيْطُ بْنُ صَدَقَةَ، وسَمْعانُ بْنُ صَفِيٍّ، وقِدارُ بْنُ سالِفٍ، وهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا في عَقْرِ النّاقَةِ، وكانُوا عُتاةَ قَوْمِ صالِحٍ، ومِن أبْناءِ أشْرافِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أسْماءَهُمْ: دَعْمِيٌّ، ودُعَيْمٌ، وهَرَمِيٌّ، وهُرَيْمٌ، ودَوابٌ، وصَوابٌ، ودِيابٌ، ومِسْطَحٌ، وقِدارٌ وهو الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ.
﴿يُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ - لا في المَدِينَةِ فَقَطْ - إفْسادًا بَحْتًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الصَّلاحِ، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُصْلِحُونَ﴾ أيْ: لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا مِنَ الإصْلاحِ، أوْ لا يُصْلِحُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، والمُرادُ أنَّ عادَتَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ ذَلِكَ الإفْسادُ، كَما يُؤْذِنُ بِهِ المُضارِعُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ(رَهْطٍ) أوْ لِـ(تِسْعَةُ).
27:49Page 381
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٤٩
They said, "Take a mutual oath by Allāh that we will kill him by night, he and his family. Then we will say to his executor,1 'We did not witness the destruction of his family, and indeed, we are truthful.'"
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ بَعْضِ ما فَعَلُوا مِنَ الفَسادِ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ في أثْناءِ المُشاوَرَةِ في أمْرِ صالِحٍ
صفحة 213
عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ ذَلِكَ - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ أنْ عَقَرُوا النّاقَةَ أنْذَرَهم بِالعَذابِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ ... إلَخْ -: ﴿تَقاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ أمْرٌ مِنَ التَّقاسُمِ، أيِ: التَّحالُفِ، وقَعَ مَقُولَ القَوْلِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا بَدَلًا مِن (قالُوا) أوْ حالًا مِن فاعِلِهِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها، أيْ: قالُوا مُتَقاسِمِينَ، ومَقُولُ القَوْلِ ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ ... إلَخْ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ - عَلى هَذا - أنْ يَكُونَ (بِاللَّهِ) مِن جُمْلَةِ المَقُولِ.
والبَياتُ مُباغَتَةُ العَدُوِّ ومُفاجَأتُهُ بِالإيقاعِ بِهِ لَيْلًا وهو غافِلٌ، وأرادُوا قَتْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلَهُ لَيْلًا وهم غافِلُونَ، وعَنِ الإسْكَنْدَرِ أنَّهُ أُشِيرَ عَلَيْهِ بِالبَياتِ فَقالَ: لَيْسَ مِن آيِينِ المُلُوكِ اسْتِراقُ الظَّفَرِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى «تَقَسَّمُوا» بِغَيْرِ ألِفٍ وتَشْدِيدِ السِّينِ، والمَعْنى كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ الحَسَنُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «لَتُبَيِّتَنَّهُ» بِالتّاءِ عَلى خِطابِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لَيُبَيِّتَنَّهُ» بِياءِ الغَيْبَةِ و(تَقاسَمُوا) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لا يَصِحُّ إلّا أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِخِلافِهِ عَنِ القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا كَما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أمْرًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ خِطابٌ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ لَوْ نُظِرَ إلى الخِطابِ وجَبَ تاءُ الخِطابِ، ولَوْ نُظِرَ إلى صِيغَةِ قَوْلِهِمْ عِنْدَ الحَلِفِ وجَبَ النُّونُ، فَأمّا ياءُ الغائِبِ فَلا وجْهَ لَهُ، وأمّا إذا جُعِلَ خَبَرًا فَهو عَلى الغائِبِ، كَما تَقُولُ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ).
﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أيْ: لِوَلِيِّ صالِحٍ، والمُرادُ بِهِ طالِبُ ثَأْرِهِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ إذا قُتِلَ، وقُرَأ «لَتَقُولَنَّ» بِالتّاءِ مَن قَرَأ «لَتُبَيِّتَنَّهُ» كَذَلِكَ، وقَرَأ «لَيَقُولَنَّ» بِياءِ الغَيْبَةِ مَن قَرَأ بِها فِيما تَقَدَّمَ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الأوَّلَ بِياءِ الغَيْبَةِ وهَذا بِالنُّونِ.
قِيلَ: والمَعْنى عَلى ذَلِكَ قالُوا مُتَقاسِمِينَ بِاللَّهِ لَيُبَيِّتَنَّهُ قَوْمٌ مِنّا، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ جَمِيعُنا لِوَلِيِّهِ: ﴿ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ﴾ أيْ: ما حَضَرْنا هَلاكَهم عَلى أنَّ ( مَهْلِكَ ) مَصْدَرٌ كَمَرْجِعٍ، أوْ مَكانَ هَلاكِهِمْ عَلى أنَّهُ لِلْمَكانِ، أوْ زَمانَ هَلاكِهِمْ عَلى أنَّهُ لِلزَّمانِ.
والمُرادُ نَفْيُ شُهُودِ الهَلاكِ الواقِعِ فِيهِ، واخْتارُوا نَفْيَ شُهُودِ مَهْلِكِ أهْلِهِ عَلى نَفْيِ قَتْلِهِمْ إيّاهُمْ؛ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم قالُوا: ما شَهِدْنا ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ نَتَوَلّى إهْلاكَهم.
ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ قَتْلِهِمْ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ – أيْضًا؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَقْتُلْ أتْباعَهُ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ ومَهْلِكَهُ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وحَذْفُ مِثْلِ هَذا المَعْطُوفِ جائِزٌ في الفَصِيحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أيْ: والبَرْدَ، وقالَ الشّاعِرُ:
فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا أبُو حُجْرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ وبَيْنِي اهـ، وفِيهِ ما لا يَخْفى.
وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أهْلَهِ) يَعُودُ عَلى الوَلِيِّ، والمُرادُ بِأهْلِ الوَلِيِّ صالِحٌ وأهْلُهُ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ أهْلُ الوَلِيِّ لَقِيلَ: أهْلُكَ أوْ أهْلُهُ، ومُنِعَ بِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ، فَقَدْ قُرِئَ: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ» بِالخِطابِ والغَيْبَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ.
نَعَمْ، رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الوَلِيِّ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ الجُمْهُورُ «مُهْلَكَ» بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِن (أهْلَكَ) وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ الثَّلاثُ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «مَهْلَكَ» بِفَتْحِهِما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ.
﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (ما شَهِدْنا) كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، والمَعْنى: ونَحْلِفُ وإنّا لَصادِقُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: والحالُ إنّا لَصادِقُونَ فِيما ذَكَرْنا، واسْتُشْكِلَ ادِّعاؤُهُمُ الصِّدْقَ في ذَلِكَ وهم عُقَلاءُ يَنْفِرُونَ عَنِ الكَذِبِ ما أمْكَنَ، وأُجِيبَ بِأنَّ حُضُورَ الأمْرِ غَيْرُ مُباشَرَتِهِ في العُرْفِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ لِمَن قَتَلَ رَجُلًا أنَّهُ حَضَرَ قَتْلَهُ، وإنْ كانَ الحُضُورُ لازِمًا لِلْمُباشَرَةِ، فَحَلَفُوا عَلى المَعْنى العُرْفِيِّ عَلى العادَةِ في الأيْمانِ، وأوْهَمُوا الخَصْمَ
صفحة 214
أنَّهم أرادُوا مَعْناهُ اللُّغَوِيَّ، فَهم صادِقُونَ غَيْرُ حانِثِينَ، وكَوْنُهم مِن أهْلِ التَّعارُفِ أيْضًا لا يَضُرُّ بَلْ يُفِيدُ فائِدَةً تامَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّهم إذا بَيَّتُوا صالِحًا وبَيَّتُوا أهْلَهُ فَجَمَعُوا بَيْنَ البَياتَيْنِ، ثُمَّ قالُوا: ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أهْلِهِ فَذَكَرُوا أحَدَهُما كانُوا صادِقِينَ؛ لِأنَّهم فَعَلُوا البَياتَيْنِ جَمِيعًا لا أحَدَهُما.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ مَن فَعَلَ أمْرَيْنِ وجَحَدَ أحَدَهُما لَمْ يَكُنْ في كَذِبِهِ شُبْهَةٌ، وإنَّما تَتِمُّ الحِيلَةُ لَوْ فَعَلُوا أمْرًا واحِدًا وادُّعِيَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ أمْرَيْنِ فَجَحَدُوا المَجْمُوعَ، ولِذا لَمْ يَخْتَلِفُ العُلَماءُ في أنَّ مَن حَلَفَ: (لا أضْرِبُ زَيْدًا) فَضَرَبَ زَيْدًا وعَمْرًا كانَ حانِثًا، بِخِلافِ مَن حَلَفَ: (لا أضْرِبُ زَيْدًا وعَمْرًا) و(لا آكُلُ رَغِيفَيْنِ) فَأكَلَ أحَدَهُما، فَإنَّهُ مَحَلُّ خِلافٍ لِلْعُلَماءِ في الحِنْثِ وعَدَمِهِ، والحَقُّ أنَّ تَبْرِئَتَهم مِنَ الكَذِبِ - فِيما ذُكِرَ - غَيْرُ لازِمَةٍ حَتّى يُتَكَلَّفَ لَها، وهُمُ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وارْتَكَبُوا ما هو أقْبَحُ مِنَ الكَذِبِ فِيما ذُكِرَ، ومَقْصُودُ الزَّمَخْشَرِيِّ تَأْيِيدُ ما يَزْعُمُهُ هو وقَوْمُهُ مِن قاعِدَةِ التَّحْسِينِ والتَّقْبِيحِ بِالعَقْلِ بِمُوافَقَةِ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْها، ولا يَكادُ يَتِمُّ لَهُ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences