Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:50–59
27:50–51Page 381
وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٠
And they planned a plan, and We planned a plan, while they perceived not.
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
﴿ومَكَرُوا مَكْرًا﴾ بِهَذِهِ المُواضَعَةِ ﴿ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: أهْلَكْناهم إهْلاكًا غَيْرَ مَعْهُودٍ، أوْ جازَيْنا مَكْرَهم مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما تَرَتَّبَ عَلى ما باشَرُوهُ مِنَ المَكْرِ، والظّاهِرُ أنَّ (كَيْفَ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ لِـ(كانَ) و(عاقِبَةُ) الِاسْمُ، أيْ: كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ واقِعَةً عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ يُعْتَبَرُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ (انْظُرْ) وهي مُعَلَّقَةٌ لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، والمُرادُ تَفَكَّرْ في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ وقَعَ بَدَلًا مِن «عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ» أوْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ العاقِبَةِ، والجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِما في عاقِبَةِ مَكْرِهِمْ مِنَ الإبْهامِ، أيْ: هو أوْهى تَدْمِيرِنا وإهْلاكِنا إيّاهم ﴿وقَوْمَهُمْ﴾ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنهم في مُباشَرَةِ التَّبْيِيتِ ﴿أجْمَعِينَ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَشِذَّ مِنهم شاذٌّ، أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ الجارِّ، أيْ: لِتَدْمِيرِنا إيّاهم أوْ بِتَدْمِيرِنا إيّاهُمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيلًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الأمْرُ بِالنَّظَرِ في كَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ أمْرِهِمْ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ.
وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَهُ بَدَلًا مِن (كَيْفَ) وقالَ آخَرُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَنِ الِاسْتِفْهامِ يَلْزَمُ فِيهِ إعادَةُ حَرْفِهِ، كَقَوْلِكَ: (كَيْفَ زَيْدٌ أصَحِيحٌ أمْ مَرِيضٌ)؟
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الخَبَرَ لِـ(كانَ) وتَكُونُ (كَيْفَ) حِينَئِذٍ حالًا، والعامِلُ فِيها كانَ أوْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كانَ تامَّةً و(كَيْفَ) عَلَيْهِ حالٌ لا غَيْرُ، والِاحْتِمالاتُ الجائِزَةُ في ﴿أنّا دَمَّرْناهُمْ﴾ لا تَخْفى.
وقَرَأ الأكْثَرُ (إنّا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَكَيْفَ خَبَرُ كانَ و(عاقِبَةُ) اسْمُها، وجُمْلَةُ (إنّا دَمَّرْناهُمْ) اسْتِئْنافٌ لِتَفْسِيرِ العاقِبَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قالَ الخَفاجِيُّ: الظّاهِرُ أنَّهُ الشَّأْنُ أوْ ضَمِيرُهُ لا شَيْءَ آخَرَ مِمّا يَحْتاجُ لِلْعائِدِ لِيُعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ العائِدِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ المَرْفُوعَ مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ حَذْفُهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (كانَ) تامَّةً، و(كَيْفَ) حالٌ كَما تَقَدَّمَ، ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ كَوْنَها ناقِصَةً، والخَبَرِ جُمْلَةَ: (أنّا دَمَّرْناهُمْ) لِعَدَمِ الرّابِطِ.
وقِيلَ: يَجُوزُ، ويَكْفِي لِلرَّبْطِ وُجُودُ ما يَرْجِعُ إلى مُتَعَلَّقِ المُبْتَدَأِ؛ إذْ رُجُوعُهُ إلَيْهِ نَفْسِهِ غَيْرُ لازِمٍ وهو تَكَلُّفٌ، وإنَّما يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ القائِلِ: إذا قامَ بَعْضُ الجُمْلَةِ مَقامَ مُضافٍ إلى العائِدِ اكْتُفِيَ بِهِ، وغَيْرُهُ مِنَ النُّحاةِ يَأْباهُ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ أنْ تَكُونَ (كانَ) زائِدَةً، و(عاقِبَةُ) مُبْتَدَأً، و(كَيْفَ) خَبَرًا مُقَدَّمًا لَهُ.
صفحة 215
وقَرَأ أُبَيٌّ «أنْ دَمَّرْناهُمْ» بِـ(أنِ) الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْصِبَ المُضارِعَ، ويَجْرِي في المَصْدَرِ الِاحْتِمالاتُ السّابِقَةُ فِيهِ عَلى قِراءَةِ «أنّا» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
هَذا، وفي كَيْفِيَّةِ التَّدْمِيرِ خِلافٌ، فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسْجِدٌ في الحِجْرِ في شِعْبٍ يُصَلِّي فِيهِ، فَقالُوا: زَعَمَ صالِحٌ أنَّهُ يَفْرَغُ مِنّا بَعْدَ ثَلاثٍ، فَنَحْنُ نَفْرَغُ مِنهُ ومِن أهْلِهِ قَبْلَ الثَّلاثِ، فَخَرَجُوا إلى الشِّعْبِ وقالُوا: إذا جاءَ يُصَلِّي قَتَلْناهُ، ثُمَّ رَجَعْنا إلى أهْلِهِ فَقَتَلْناهُمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى صَخْرَةً مِنَ الهَضْبِ حِيالَهم فَبادَرُوا، فَطَبَّقَتْ عَلَيْهِمْ فَمَ الشِّعْبِ، فَلَمْ يَدْرِ قَوْمُهم أيْنَ هُمْ، ولَمْ يَدْرُوا ما فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ، وعَذَّبَ اللَّهُ تَعالى كُلًّا مِنهم في مَكانِهِ ونَجّىصالِحًا ومَن مَعَهُ، وقِيلَ: جاؤُوا بِاللَّيْلِ شاهِرِي سُيُوفِهِمْ.
وقَدْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مَلائِكَةً مِلْءَ دارِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ يَرَوْنَها ولا يَرَوْنَ رامِيًا، وهَلَكَ سائِرُ القَوْمِ بِالصَّيْحَةِ، وقِيلَ: إنَّهم عَزَمُوا عَلى تَبْيِيتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ – وأهْلَهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ صالِحًا، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، ثُمَّ أهْلَكَهم بِالصَّيْحَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ الأحَدِ.
27:52Page 381
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خاوِيَةً﴾ أيْ: خالِيَةً أوْ ساقِطَةً مُتَهَدِّمَةً، أعالِيَها عَلى أسافِلِها، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ المَذْكُورِ، حالٌ مِن (بُيُوتُهُمْ) والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ «خاوِيَةٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هي خاوِيَةٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ(تِلْكَ) أوْ خَبَرٌ لَها و(بُيُوتُهُمْ) بَدَلٌ.
وبُيُوتُهم هَذِهِ هي الَّتِي قالَ فِيها ﷺ لِأصْحابِهِ عامَ تَبُوكَ: ««لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ»» الحَدِيثَ، وهي بِوادِي القُرى بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّدْمِيرِ العَجِيبِ بِظُلْمِهِمْ ﴿لآيَةً﴾ لَعِبْرَةً عَظِيمَةً ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ مِنَ الأشْياءِ، أوْ لِقَوْمٍ يَتَّصِفُونَ بِالعِلْمِ، وقِيلَ: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ هَذِهِ القِصَّةَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ - عَلى ما قِيلَ - دَلالَةٌ عَلى الظُّلْمِ يَكُونُ سَبَبًا لِخَرابِ الدُّورِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّ الظُّلْمَ يُخَرِّبُ البُيُوتَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وفي التَّوْراةِ: ابْنَ آدَمَ لا تَظْلِمْ يُخَرَّبْ بَيْتُكَ، قِيلَ: وهو إشارَةٌ إلى هَلاكِ الظّالِمِ؛ إذْ خَرابُ بَيْتِهِ مُتَعَقِّبٌ هَلاكَهُ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ الظُّلْمِ - بِمَعْنى الجَوْرِ والتَّعَدِّي عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى - سَبَبًا لِخَرابِ البُيُوتِ مِمّا شُوهِدَ كَثِيرًا في هَذِهِ الأعْصارِ، وكَوْنَهُ بِمَعْنى الكُفْرِ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَلى الكَفَرَةِ يَوْمٌ تُخَرَّبُ فِيهِ بُيُوتُهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
27:53Page 381
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
﴿وأنْجَيْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صالِحًا ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي اتِّقاءً مُسْتَمِرًّا؛ فَلِذا خُصُّوا بِالنَّجاةِ، رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، خَرَجَ بِهِمْ صالِحٌ إلى حَضْرَمَوْتَ، وحِينَ دَخَلَها ماتَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، وبَنى المُؤْمِنُونَ بِها مَدِينَةً يُقالُ لَها: حاضُورا، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ.
27:54Page 381
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
﴿ولُوطًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى «أرْسَلْنا» في صَدْرِ قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَسَمِ، أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أمْرٌ مُمْتَدٌّ وقَعَ فِيهِ الإرْسالُ، وما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ الأحْوالِ والأقْوال.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِإضْمارِ (اذْكُرْ) مَعْطُوفًا عَلى ما تَقَدَّمَ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ و(إذْ) بَدَلٌ مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ، ولَيْسَ بِذاكَ.
وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (صالِحًا) وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ صالِحًا بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِـ(أخاهُمْ) وقَدْ قُيِّدَ بِقَيْدٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ وهو «إلى ثَمُودَ» فَلَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ تَقَيَّدَ بِهِ، ولا يَصِحُّ؛ لِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُرْسَلْ إلى ثَمُودَ، وهو مُتَعَيَّنٌ إذا تَقَدَّمَ القَيْدُ بِخِلافِ ما لَوْ تَأخَّرَ.
وقِيلَ: إنَّ تَعَيُّنَهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ إذْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى مَجْمُوعِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ، لَكِنَّهُ خِلافُ المَأْلُوفِ في الخِطابِيّاتِ، وارْتِكابُ مِثْلِهِ تَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا).
صفحة 216
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ أسالِيبَ سَرْدِ القَصَصِ مِن عَطْفِ إحْدى القِصَّتَيْنِ عَلى الأُخْرى، لا عَلى تَتِمَّةِ الأُولى وذَيْلِها كَما لا يَخْفى.
﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ أيْ: أتَفْعَلُونَ الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ والسَّماجَةِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ (تَأْتُونَ) مُفِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ؛ فَإنَّ تَعاطِيَ القَبِيحِ مِنَ العالِمِ بِقُبْحِهِ أقْبَحُ وأشْنَعُ و(تُبْصِرُونَ) مِن بَصَرِ القَلْبِ، أيْ: أتَفْعَلُونَها والحالُ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا يَقِينِيًّا كَوْنَها كَذَلِكَ؟!
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بَصَرِ العَيْنِ، أيْ: وأنْتُمْ تَرَوْنَ وتُشاهِدُونَ كَوْنَها فاحِشَةً عَلى تَنْزِيلِ ذَلِكَ لِظُهُورِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ، وقِيلَ: مَفْعُولُ (تُبْصِرُونَ) مِنَ المَحْسُوساتِ حَقِيقَةً، أيْ: وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ آثارَ العُصاةِ قَبْلَكُمْ، أوْ: وأنْتُمْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا لا يَسْتَتِرُ ولا يَتَحاشى مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِعَدَمِ اكْتِراثِكم بِهِ، ووَجْهُ إفادَةِ الجُمْلَةِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَأْكِيدَ الإنْكارِ - أيْضًا - ظاهِرٌ.
27:55Page 381
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً﴾ تَثْنِيَةٌ لِلْإنْكارِ، وبَيانٌ لِما يَأْتُونَهُ مِنَ الفاحِشَةِ بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ الإبْهامِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَضْمُونَها مِمّا لا يُصَدِّقُ وُقُوعَهُ أحَدٌ لِكَمالِ شَناعَتِهِ، وإيرادُ المَفْعُولِ بِعُنْوانِ الرُّجُولِيَّةِ دُونَ الذُّكُورِيَّةِ؛ لِتَرْبِيَتِهِ التَّقْبِيحَ وبَيانِ اخْتِصاصِهِ بِبَنِي آدَمَ، وتَعْلِيلُ الإتْيانِ بِالشَّهْوَةِ تَقْبِيحٌ عَلى تَقْبِيحٍ لِما أنَّها لَيْسَتْ في مَحَلِّها، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ في مَحَلِّها فِعْلًا.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الشَّهْوَةِ، إشارَةٌ إلى أنَّهم مُخْطِئُونَ فِيهِ تَرْكًا، ويُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ (شَهْوَةً) مَفْعُولٌ لَهُ لِلْإتْيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا.
﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ فِعْلَ الجاهِلِينَ بِقُبْحِ ذَلِكَ، أوْ يَجْهَلُونَ العاقِبَةَ، أوِ الجَهْلُ بِمَعْنى السَّفاهَةِ والمُجُونِ، أيْ: بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ سُفَهاءُ ماجِنُونَ، كَذا في الكَشّافِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الطِّيبِيُّ، وزَعَمَ أنَّ كَلِمَةَ الإضْرابِ تَأْباهُ، ووَجَّهَ الآيَةَ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ فِعْلَهم عَلى الإجْمالِ - وسَمّاهُ فاحِشَةً، وقَيَّدَهُ بِالحالِ المُقَرِّرَةِ لِجِهَةِ الإشْكالِ؛ تَتْمِيمًا لِلْإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ) - أرادَ مَزِيدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ، فَكَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى ما أشارَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ، أيْ: كَيْفَ يُقالُ لِمَن يَرْتَكِبُ هَذِهِ الفَحْشاءَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ، فَأوْلى حَرْفَ الإضْرابِ ضَمِيرَ (أنْتُمْ) وجَعَلَهم قَوْمًا جاهِلِينَ، والتَفَتَ في (تَجْهَلُونَ) مُوَبِّخًا مُعَيِّرًا، اهـ، وفِيهِ نَظَرٌ.
والقَوْلُ بِالِالتِفاتِ هُنا مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ أيْضًا، وهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ الَّتِي في (قَوْمٌ) إلى الخِطابِ في (تَجْهَلُونَ) وتَعَقَّبَهُ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ بِأنَّهُ وهْمٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِقَوْمٍ قَوْمَ لُوطٍ حَتّى يَكُونَ المُعَبَّرُ عَنْهُ في الأُسْلُوبَيْنِ واحِدًا - كَما هو شَرْطُ الِالتِفاتِ - بَلْ مَعْنًى كُلِّيٌّ حُمِلَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: إنَّ الخِطابَ فِيهِ - مَعَ أنَّهُ صِفَةٌ لِـ(قَوْمٌ) وهو اسْمٌ ظاهِرٌ - مِن قَبِيلِ الغائِبِ لِمُراعاةِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ مَعَ (أنْتُمْ) لِحَمْلِهِ عَلَيْهِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِمّا غَلَبَ فِيهِ الخِطابُ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا ولا تَجَوُّزَ هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّ نَحْوَ (تَجْهَلُونَ) مَوْضُوعٌ لِلْخِطابِ مَعَ جَماعَةٍ لَمْ يُذْكَرُوا بِلَفْظِ غَيْبَةٍ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ فِيهِ تَجَوُّزٌ، وقِيلَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ في التَّغْلِيبِ تَجَوُّزًا خارِجٌ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقالَ الفاضِلُ السّالكُوتِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (بَلْ أنْتُمْ) ... إلَخْ مِنَ المَجازِ بِاعْتِبارِ ما كانَ، فَإنَّ المُخاطَبَ في (تَجْهَلُونَ) بِاعْتِبارِ كَوْنِ القَوْمِ مُخاطَبِينَ في التَّعْبِيرِ بِـ(أنْتُمْ) فَلا يَرِدُ أنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ، ولا الهَيْئَةِ التَّرْكِيبِيَّةِ، ولَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى غَيْرِ ما هو لَهُ، فَيَكُونُ هُناكَ مَجازٌ، فافْهَمْ.
(تَمَّ الجُزْءُ التّاسِعَ عَشَرَ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَلِيهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - الجُزْءُ العِشْرُونَ، وأوَّلُهُ (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ).
27:56Page 382
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
But the answer of his people was not except that they said, "Expel the family of Lot from your city. Indeed, they are people who keep themselves pure."
صفحة 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ أيْ مَنِ اتَّبَعَ دِينَهُ، وإخْراجُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعْلَمُ مِن بابِ أوْلى. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِآلِ لُوطٍ هو عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن تَبِعَ دِينَهُ كَما يُرادُ مِن بَنِي آدَمَ آدَمُ وبَنُوهُ، وأيًّا ما كانَ فَلا تَدْخُلُ امْرَأتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (إلّا) إلَخْ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ واقِعٌ في مَوْقِعِ اسْمِ كانَ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ «جَوابُ» بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ ذاكَ واقِعًا مَوْقِعَ الخَبَرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ بِإضافَةِ القَرْيَةِ إلى- كَمْ- تَهْوِينٌ لِأمْرِ الإخْراجِ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِهْزاءَ أيْ إنَّهم أُناسٌ يَزْعُمُونَ التَّطَهُّرَ والتَّنَزُّهَ عَنْ أفْعالِنا أوْ عَنِ الأقْذارِ ويَعُدُّونَ فِعْلَنا قَذِرًا وهم مُتَكَلِّفُونَ بِإظْهارِ ما لَيْسَ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ صَدَرَ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَراتِبِ مَواعِظِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ لا أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم كَلامٌ آخَرُ غَيْرَهُ
27:57Page 382
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
So We saved him and his family, except for his wife; We destined her to be of those who remained behind.
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ بَعْدَ إهْلاكِ القَوْمِ فالفاءُ فَصِيحَةٌ ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْناها﴾ أيْ قَدَّرْنا كَوْنَها ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيِ الباقِينَ في العَذابِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ لا بِالذّاتِ، وجاءَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَقْتَضِي ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾ .
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ «قَدَرْناها» بِتَخْفِيفِ الدّالِ
27:58Page 382
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.
﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ غَيْرَ مَعْهُودٍ ﴿فَساءَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ﴾ أيْ فَبِئْسَ مَطَرُ المُنْذَرِينَ مَطَرُهُمْ، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا فارْجِعْ إلى ما ذَكَرْناهُ عِنْدَهُ.
27:59Page 382
قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩
Say, [O Muḥammad], "Praise be to Allāh, and peace upon His servants whom He has chosen. Is Allāh better or what they associate with Him?"
﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ إثْرَ ما قَصَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى رَسُولِهِ ﷺ قِصَصَ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ وأخْبارَهُمُ النّاطِقَةَ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وعِظَمِ شَأْنِهِ سُبْحانَهُ وبِما خَصَّهم بِهِ مِنَ الآياتِ القاهِرَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى جَلالَةِ أقْدارِهِمْ وصِحَّةِ أخْبارِهِمْ، وقَدْ بَيَّنَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ صِحَّةَ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ وبُطْلانَ الكُفْرِ والإشْراكِ وأنَّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ فَقَدِ اهْتَدى، ومَن أعْرَضَ عَنْهم فَقَدْ تَرَدّى في مُهاوِي الرَّدى، وشَرَحَ صَدْرَهُ الشَّرِيفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما في تَضاعِيفِ تِلْكَ القِصَصَ مِن فُنُونِ المَعارِفِ الرَّبّانِيَّةِ، ونُورِ قَلْبِهِ بِأنْوارِ المَلَكاتِ السُّبْحانِيَّةِ الفائِضَةِ مِن عالَمِ القُدْسِ، وقَرَّرَ بِذَلِكَ فَحْوى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ .
أُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَحْمَدَهُ بِأتَمِّ وجْهٍ عَلى تِلْكَ النِّعَمِ ويُسَلِّمَ عَلى كافَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ مَن قُصَّتْ أخْبارُهم وشُرِحَتْ آثارُهم عِرْفانًا لِفَضْلِهِمْ وأداءً لِحَقِّ تَقَدُّمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ في الدِّينِ، فالمُرادُ بِالعِبادِ المُصْطَفِينَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِدَلالَةِ المَقامِ، وقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى:﴿وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾، وقِيلَ: هَذا أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى هَلاكِ الهالِكِينَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ، والسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ وأتْباعِهِمُ النّاجِينَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، والسَّلامُ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنِ اسْتِقْلالًا مِمّا لا خِلافَ في جَوازِهِ، ولَعَلَّ المُنْصِفَ لا يَرْتابُ في جَوازِهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وقِيلَ: أمْرٌ
صفحة 3
لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالحَمْدِ عَلى ما خَصَّهُ جَلَّ وعَلا بِهِ مِن رَفْعِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ أُمَّتِهِ ومُخالَفَتِهِمْ لِمَن قَبْلَهم مِمَّنْ ذُكِرَتْ قِصَّتُهُ مِنَ الأُمَمِ المُسْتَأْصَلَةِ بِالعَذابِ، وبِالسَّلامِ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى مَشاقِّ الرِّسالَةِ.
فالمُرادُ بِالمُصْطَفَيْنَ الأنْبِياءُ خاصَّةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ فِيهِمْ:
هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اصْطَفاهُمُ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ قالَ في ﴿وسَلامٌ﴾ إلَخْ: نَزَلَتْ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً. وهَذا ظاهِرٌ في القَوْلِ بِجَوازِ السَّلامِ عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ اسْتِقْلالًا كَما هو مَذْهَبُ الحَنابِلَةِ وغَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن بابِ الِاقْتِضابِ كَأنَّهُ خُطْبَةٌ مُبْتَدَأةٌ حَيْثُ قالَ: أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآياتِ النّاطِقَةَ بِالبَراهِينِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحِكْمَتِهِ أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ:
﴿آللَّهُ﴾ إلَخْ، وأنْ يَسْتَفْتِحَ بِتَحْمِيدِهِ والسَّلامِ عَلى أنْبِيائِهِ والمُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ. وفِيهِ تَعْلِيمٌ حَسَنٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أدَبٍ جَمِيلٍ وبَعْثٌ عَلى التَّيَمُّنِ بِالذَّكِرِينَ والتَّبَرُّكِ بِهِما والِاسْتِظْهارِ بِمَكانِهِما عَلى قَبُولِ ما يَلْقى إلى السّامِعِينَ وإصْغائِهِمْ إلَيْهِ وإنْزالِهِ مِن قُلُوبِهِمُ المَنزِلَةِ الَّتِي يَبْغِيها المَسْمَعُ، ولَقَدْ تَوارَثَتِ العُلَماءُ والخُطَباءُ والوُعّاظُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ هَذا الأدَبَ فَحَمِدُوا اللَّهَ تَعالى وصَلَّوْا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمامَ كُلِّ عِلْمٍ مُفادٍ وقَبْلَ كُلِّ مَوْعِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ وفي مُفْتَتَحِ كُلِّ خُطْبَةٍ، وتَبِعَهُمُ المُتَراسِلُونَ فَأجْرُوا عَلَيْهِ أوائِلَ كُتُبِهِمْ في الفُتُوحِ والتَّهانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي لَها شَأْنٌ انْتَهى، ولَعَلَّ جَعَلَ ذَلِكَ تَخْلُّصًا مِن قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلى ما جَرى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعَ المُشْرِكِينَ أوْلى، وأبْعَدُ الأقْوالِ القَوْلُ بِاتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ أمْرًا لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَحْمَدَهُ تَعالى عَلى إهْلاكِ كَفَرَةِ قَوْمِهِ، وأنْ يُسَلِّمَ عَلى مَنِ اصْطَفاهُ بِالعِصْمَةِ عَنِ الفَواحِشِ والنَّجاةِ عَنِ الهَلاكِ لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما بَعْدَهُ واحْتِياجِهِ إلى تَقْدِيرٍ وقُلْنا لَهُ، وعَزا هَذا القَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ لِلْفَرّاءِ، وقالَ: هَذِهِ عُجْمَةٌ مِنَ الفَرّاءِ، والظّاهِرُ أنَّ (سَلامٌ) مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ داخِلَةٌ مَعَهُ في حَيِّزِ القَوْلِ.
وقَرَأ أبُو السَّمالِ «الحَمْدُ لِلَّهِ» بِفَتْحِ اللّامِ ﴿آللَّهُ﴾ بِالمَدِّ لِقَلْبِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ألِفًا والأصْلُ أاللَّهُ.
﴿خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ والعائِدَ مَحْذُوفٌ أيِ (آللَّهُ) الَّذِي ذَكَرْتَ شُؤُونَهُ العَظِيمَةَ خَيْرٌ أمِ الَّذِي يُشْرِكُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، (وخَيْرٌ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ ومَرْجِعُ التَّرْدِيدِ إلى التَّعْرِيضِ بِتَبْكِيتِ الكَفَرَةِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَسْفِيهِ آرائِهِمُ الرَّكِيكَةِ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ مِنَ البَيِّنِ أنْ لَيْسَ فِيما أشْرَكُوهُ بِهِ سُبْحانَهُ شائِبَةٌ خَيْرٌ حَتّى يُمْكِنَ أنْ يُوازِنَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن هو خَيْرٌ مَحْضٌ، وقِيلَ: ﴿خَيْرٌ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الصَّلاةُ خَيْرٌ تَعْنِي خَيْرًا مِنَ الخُيُورِ، والمُخْتارُ الأوَّلُ، واسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ، وقالَ: كَثِيرًا ما يَجِيءُ هَذا النَّوْعُ مِن أفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ يُعْلَمُ ويُتَحَقَّقُ أنَّهُ لا شِرْكَةَ هُناكَ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلى سَبِيلِ إلْزامِ الخَصْمِ وتَنْبِيهِهِ عَلى الخَطَأِ ويُقْصَدُ بِالِاسْتِفْهامِ في مِثْلِ ذَلِكَ إلْزامُهُ الإقْرارَ بِحَصْرِ التَّفْضِيلِ في جانِبٍ واحِدٍ وانْتِفائِهِ عَنِ الآخَرِ، واسْتَظْهَرَ أيْضًا كَوْنُ المُرادِ بِالخَيْرِيَّةِ الخَيْرِيَّةَ في الذّاتِ، وقِيلَ: الخَيْرِيَّةُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِها، وفي الكَلامِ حَذْفٌ في مَوْضِعَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أعِبادَةُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ أمْ عِبادَةُ ما يُشْرِكُونَ، وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ والحَذْفُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، والتَّقْدِيرُ أتَوْحِيدُ اللَّهِ خَيْرٌ أمْ إشْراكُهم ولا داعِيَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ الغائِبِ لِقُرَيْشٍ ونَحْوِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المُهْلَكِينَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ الأكْثَرُونَ- تُشْرِكُونَ- بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى تَوْجِيهِ الخِطابِ لِمَن ذَكَرْنا مِنَ الكَفَرَةِ
صفحة 4
وهُوَ الألْيَقُ بِما بَعْدَهُ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وجَعَلَ أبُو البَقاءِ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ إلَخْ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ التَّبْكِيتَ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالذّاتِ، وحَمَلَهُ عَلى أنَّهُ حِكايَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما أمَرَ بِهِ بِعِبادَتِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾، تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مِن غَيْرِ داعٍ إلَيْهِ،
وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: بَلِ اللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى وأجَلُّ وأكْرَمُ».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences