Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:60–64
27:60Page 382
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].
و (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ مُنْقَطِعَةٌ لا مُتَّصِلَةٌ كالسّابِقَةِ، وبَلِ المُقَدَّرَةُ عَلى القِراءَةِ الأُولى وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وعاصِمٍ وأبِي عَمْرٍو لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِنَ التَّبْكِيتِ تَعْرِيضًا إلى التَّصْرِيحِ بِهِ خِطابًا عَلى وجْهٍ أظْهَرَ مِنهُ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فَلِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَكْرِيرِ الإلْزامِ كَنَظائِرِها الآتِيَةِ، والهَمْزَةِ لِحَمْلِهِمْ عَلى الإقْرارِ بِالحَقِّ الَّذِي لا مَحِيصَ لِمَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ عَنِ الإقْرارِ بِهِ، ومِن مُبْتَدَأٍ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مَعَ أمِ المُعادِلَةِ لِلْهَمْزَةِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ في الِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ خَلا- أنْ تُشْرِكُونَ- المُقَدَّرِ هاهُنا بِتاءِ الخِطابِ عَلى القِراءَتَيْنِ مَعًا، وهَكَذا في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، والمَعْنى أمْ مَن خَلَقَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ ومَبْدَأيْ مَنافِعِ ما بَيْنَهُما ﴿وأنْزَلَ لَكُمْ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الكَفَرَةِ عَلى القِراءَةِ الأُولى لِتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ وأنْزَلَ لِأجْلِكم ومَنفَعَتِكم ﴿مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أيْ نَوْعًا مِنهُ وهو المَطَرُ ﴿فَأنْبَتْنا بِهِ﴾ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ لا أنَّ الإنْباتَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ عَقْلًا، وقِيلَ: أيْ أنْبَتْنا عِنْدَهُ ﴿حَدائِقَ﴾ جَمْعَ حَدِيقَةٍ وهي كَما في البَحْرِ البُسْتانُ سَواءٌ أحاطَ بِهِ جِدارٌ أمْ لا، وهو ظاهِرُ إطْلاقِ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ حَيْثُ فَسَّرَ الحَدائِقَ لِابْنِ الأزْرَقِ بِالبَساتِينِ ولَمْ يُقَيِّدْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي البُسْتانُ عَلَيْهِ حائِطٌ مِنَ الإحْداقِ وهو الإحاطَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الضَّحّاكِ، وقالَ الرّاغِبُ:
هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ الأرْضِ ذاتَ ماءٍ سُمِّيَتْ حَدِيقَةً تَشْبِيهًا بِحَدَقَةِ العَيْنِ في الهَيْئَةِ وحُصُولِ الماءِ فِيها، ولَعَلَّ الأظْهَرَ ما في البَحْرِ وكَأنَّ وجْهَ تَسْمِيَةِ البُسْتانِ عَلَيْهِ حَدِيقَةً أنَّ مِن شَأْنِها أنْ تُحْدِقَ بِالحِيطانِ أوْ تَصْرِفَ نَحْوَها الأحْداقَ وتَنْظُرَ إلَيْها ﴿ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ أيْ ذاتَ حُسْنٍ ورَوْنَقٍ يَبْتَهِجُ بِهِ النّاظِرُ ويُسِرُّ ما ﴿كانَ لَكُمْ﴾ أيْ ما صَحَّ وما أمْكَنَ لَكم ﴿أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ فَضْلًا عَنْ خَلْقِ ثَمَرِها وسائِرِ صِفاتِها البَدِيعَةِ خَيْرٌ أمْ ما تُشْرِكُونَ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ هَكَذا هو ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُهُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُقَدَّرُ الخَبَرُ يَكْفُرُ بِنِعْمَتِهِ ويُشْرِكُ بِهِ ونَحْوَ هَذا في المَعْنى، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِحِ لَهُ: ولا بُدَّ مِن إضْمارٍ مُعادِلٍ وذَلِكَ المُضْمَرُ كالمَنطُوقِ لِدَلالَةِ الفَحْوى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ أمْ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ كَمَن لَمْ يَخْلُقْ، وكَذَلِكَ يُقَدَّرُ في أخَواتِها، وقَدْ أظْهَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ما أُضْمِرَ هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ انْتَهى، ولَعَلَّ الأوْلى ما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ.
وقَرَأ الأعْمَشُ «أمَن» بِالتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِلِاسْتِفْهامِ، ومَن بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ وتَقْدِيمُ صِلَتَيِ الإنْزالِ عَلى مَفْعُولِهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ بِنُونِ العَظَمَةِ لِتَأْكِيدِ اخْتِصاصِ الفِعْلِ بِحُكْمِ المُقابَلَةِ بِذاتِهِ تَعالى والإيذانِ بِأنَّ إنْباتَ تِلْكَ الحَدائِقِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ والأوْصافِ والألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ والأشْكالِ مَعَ ما لَها مِنَ الحُسْنِ البارِعِ والبَهاءِ الرّائِعِ بِماءٍ واحِدٍ أمْرٌ عَظِيمٌ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هو وحْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ورَشَّحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكُمْ﴾ إلَخْ سَواءً كانَ صِفَةً لِحَدائِقَ أوْ حالًا
صفحة 5
أوِ اسْتِئْنافًا، وتَوْحِيدُ وصْفِها السّابِقِ أعْنِي ذاتَ بَهْجَةٍ لِما أنَّ المَعْنى جَماعَةٌ حَدائِقِ ذاتَ بَهْجَةٍ، وهَذا شائِعٌ في جَمْعِ التَّكْسِيرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) وكَذا الحالُ في ضَمِيرِ ”شَجَرَها“.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ذَواتَ» بِالجَمْعِ «بَهَجَةٍ» بِفَتْحِ الهاءِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ أإلَهٌ آخَرُ كائِنٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ أفْعالِهِ الَّتِي لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ حَتّى يُتَوَهَّمَ جَعْلُهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وهَذا تَبْكِيتٌ لَهم بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَمّا يُشْرِكُونَهُ بِهِ عَزَّ وجَلَّ في ضِمْنِ النَّفْيِ الكُلِّيِّ عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِنَفْيِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّرْدِيدِ فَإنَّ أحَدًا مِمَّنْ لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ كَما لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الخَيْرِيَّةِ عَنْهُ بِالمَرَّةِ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ انْتِفاءِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ رَأْسًا لا سِيَّما بَعْدَ مُلاحَظَةِ انْتِفاءِ أحْكامِها عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ، وكَذا الحالُ في المَواقِعِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ تَعالى إلَهٌ آخَرُ في الخَلْقِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَكِنْ لا عَلى أنَّ التَّبْكِيتَ بِنَفْسِ ذَلِكَ النَّفْيِ فَقَطْ فَإنَّهم لا يُنْكِرُونَهُ حَسْبَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ بَلْ بِإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى ما يَعْتَرِفُونَ بِعَدَمِ مُشارَكَتِهِ لَهُ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أإلَهٌ آخَرُ مَعَ اللَّهِ في خَواصِّ الأُلُوهِيَّةِ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أغَيْرُهُ يُقْرَنُ بِهِ سُبْحانَهُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ مَعَ تَفَرُّدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ. فالإنْكارُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ مَعَ تَحَقُّقِ المُنْكَرِ دُونَ النَّفْيِ كَما في الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ، ورَجَّحَ بِأنَّهُ الأظْهَرُ المُوافِقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ والأوْفى بِحَقِّ المَقامِ لِإفادَتِهِ نَفْيَ وُجُودِ إلَهٍ آخَرَ مَعَهُ تَعالى رَأْسًا لا نَفْيَ مَعِيَّتِهِ في الخَلْقِ وفُرُوعِهِ فَقَطْ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ «آالَهٌ» بِتَوْسِيطِ مَدَّةً بَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ وإخْراجِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ «أإلَهًا» بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يُناسِبُ المَقامَ مِثْلَ أتَجْعَلُونَ أوْ أتَدَّعُونَ أوْ أتُشْرِكُونَ.
﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الخِطابِ إلى بَيانِ سُوءِ حالِهِمْ وحِكايَتِهِ لِغَيْرِهِمْ و﴿يَعْدِلُونَ﴾ مِنَ العُدُولِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ أيْ بَلْ هم قَوْمٌ عادَتْهُمُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ بِالكُلِّيَّةِ والِانْحِرافِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَلِذَلِكَ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مِنَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والعُكُوفُ عَلى الباطِلِ البَيِّنِ الَّذِي هو الإشْراكُ، وقِيلَ: مِنَ العَدْلِ بِمَعْنى المُساواةِ أيْ يُساوُونَ بِهِ غَيْرَهُ تَعالى مِن آلِهَتِهِمْ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلَيْهِ خالٍ عَنِ الفائِدَةِ.
27:61Page 382
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.
﴿أمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرارًا﴾ أيْ جَعَلَها بِحَيْثُ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها الإنْسانُ والدَّوابُّ بِإبْداءِ بَعْضِها مِنَ الماءِ ودَحْوِها وتَسْوِيَتِها حَسْبَما يَدُورُ عَلَيْهِ مَنافِعُهُمْ- فَقَرارًا- بِمَعْنى مُسْتَقِرًّا لا بِمَعْنى قارَّةٍ غَيْرِ مُضْطَرِبَةٍ كَما زَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ فَإنَّ الفائِدَةَ عَلى ذَلِكَ أتَمُّ، والجَعْلُ إنْ كانَ تَصْيِيرِيًّا فالمَنصُوبانِ مَفْعُولانِ وإلّا فالثّانِي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمَّنْ جَعَلَ﴾ إلَخْ عَلى ما قِيلَ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِ ما بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ وحُكْمُ الكُلِّ واحِدٌ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأظْهَرُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِما قَبْلَها إلى التَّبْكِيتِ بِوَجْهٍ آخَرَ داخِلٌ في الإلْزامِ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وإلى الإبْدالِ ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ، وسَنَنْقُلُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ صاحِبِ الكَشْفِ ما فِيهِ الكَشْفُ عَنْ وجْهِهِ ﴿وجَعَلَ خِلالَها﴾ أيْ أوْساطَها جَمْعُ خَلَلٍ، وأصْلُهُ الفُرْجَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَهو ظَرْفٌ حَلَّ مَحَلَّ الحالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْهارًا﴾ وساغَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِتَقَدُّمِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ الثّانِي- لِجَعْلِ- و(أنْهارًا) هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمُرادُ بِالأنْهارِ ما يَجْرِي فِيها لا المَحَلُّ
صفحة 6
الَّذِي هو الشِّقُّ أيْ جَعَلَ خِلالَها أنْهارًا جارِيَةً تَنْتَفِعُونَ بِها ﴿وجَعَلَ لَها﴾ أيْ لِصَلاحِ أمْرِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ جِبالًا ثَوابِتَ فَإنَّ لَها مَدْخَلًا عادِيًّا اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ في انْكِشافِ المَسْكُونِ مِنها وانْحِفاظِها عَنِ المَيْدِ بِأهْلِها وتَكُونُ المِياهُ المُمَدَّةِ لِلْأنْهارِ المُفْضِيَةِ لِنَضارَتِها في حَضِيضِها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذَكَرَ بَعْضُهم في مَنفَعَةِ الجِبالِ تَكَوُّنَ المَعادِنِ فِيها ونَبْعَ المَنابِعِ مِن حَضِيضِها ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنفَعَةِ مَنعِها الأرْضَ عَنِ الحَرَكَةِ والمَيَلانِ، وعَلَّلَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المَقْصُودُ ذَلِكَ لَذَكَرَ عَقِبَ جَعْلِ الأرْضِ قَرارًا، ومَن أنْصَفَ رَأى أنَّ مَنعَ الجِبالِ الأرْضَ عَنِ الحَرَكَةِ والمَيَلانِ اللَّذَيْنِ يُخْرِجانِ الأرْضَ عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاعِ ويَجْعَلانِ وُجُودَها كَعَدَمِها مِن أهَمِّ ما يُذْكَرُ هُنا لِأنَّهُ مِمّا بِهِ صَلاحُ أمْرِها ورِفْعَةُ شَأْنِها، وذِكْرُ (لَها) دُونَ فِيها أوْ عَلَيْها ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ ما هو مِن هَذا القَبِيلِ مِنَ المَنافِعِ فَتَأمَّلْ.
وإرْجاعُ ضَمِيرِ (لَها) لِلْأنْهارِ لِيَكُونَ المَعْنى وجَعَلَ لِإمْدادِها رَواسِيَ يَنْبُعُ مِن حَضِيضِها الماءُ فَيَمُدُّها لا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ﴾ أيِ العَذْبِ والمِلْحِ- عَنِ الضَّحّاكِ- أوْ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ- عَنِ الحَسَنِ- أوْ بَحَرِيِّ العِراقِ والشّامِ- عَنِ السُّدِّيِّ- أوْ بَحْرَيِ السَّماءِ والأرْضِ- عَنْ مُجاهِدٍ - ﴿حاجِزًا﴾ فاصِلًا يَمْنَعُ مِنَ المُمازَجَةِ، وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ في الوُجُودِ أوْ في إبْداعِ هَذِهِ البَدائِعِ عَلى ما مَرَّ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ مُعْتَدًّا بِهِ ولِذَلِكَ لا يَفْهَمُونَ بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ مَعَ كَمالِ ظُهُورِهِ
27:62Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
﴿أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ﴾ وهو الَّذِي أحْوَجَتْهُ شِدَّةٌ مِنَ الشَّدائِدِ وألْجَأتْهُ إلى اللَّجَأِ والضَّراعَةِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الِاضْطِرارِ الَّذِي هو افْتِعالٌ مِنَ الضَّرُورَةِ، ويَرْجِعُ إلى هَذا تَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ لَهُ بِالمَجْهُودِ، وتَفْسِيرُ السُّدِّيِّ بِالَّذِي لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ لَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ المُذْنِبُ إذا اسْتَغْفَرَ، واللّامُ فِيهِ عَلى ما قِيلَ: لِلْجِنْسِ لا لِلِاسْتِغْراقِ حَتّى يَلْزَمَ إجابَةَ كُلِّ مُضْطَرٍّ وكَمْ مِن مُضْطَرٍّ لا يُجابُ.
وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ لَكِنَّ الإجابَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ كَما وقَعَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾، ومَعَ هَذا كَرِهَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ الشَّخْصُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ.
وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««إنَّهُ سُبْحانَهُ لا مُكْرَهُ لَهُ»».، والمُعْتَزِلَةُ يُقَيِّدُونَها بِالعِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ لِإيجابِهِمْ رِعايَةَ المَصالِحِ عَلَيْهِ جَلَّ وعَلا، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما مِن مُضْطَرٍّ دَعا إلّا أُجِيبَ وأُعِيدَ نَفْعُ دُعائِهِ إلَيْهِ إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنَّ الدُّعاءَ طَلَبُ شَيْءٍ. فَإنْ لَمْ يُعْطَ ذَلِكَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ يُعْطَ ما هو أجَلُّ مِنهُ أوْ إنْ لَمْ يُعْطَ هَذا الوَقْتَ يُعْطَ بَعْدَهُ اهـ.
وظاهِرُهُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ مِن دُونِ تَقْيِيدٍ لِلْإجابَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَتِ الإجابَةُ بِإعْطاءِ السّائِلِ ما سَألَهُ حَسْبَما سَألَ لا بِقَطْعِ سُؤالِهِ سَواءٌ كانَ بِالإعْطاءِ المَذْكُورِ أمْ بِغَيْرِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ ما ذَكَرَهُ، وقالَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ: التَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في المُشْرِكِينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ﴾ والمُرادُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم عِنْدَ اضْطِرارِهِمْ في نَوازِلِ الدَّهْرِ وخُطُوبِ الزَّمانِ كانُوا يَلْجَأُونَ إلى اللَّهِ تَعالى دُونَ الشُّرَكاءِ والأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى التَّنْبِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ قالَ صاحِبُ المِفْتاحِ: كانُوا إذا حَزَبَهم أمْرٌ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، فالمَعْنى إذا حَزَبَكم أمْرٌ أوْ قارِعَةٌ مِن قَوارِعِ الدَّهْرِ إلى أنْ تَصِيرُوا آيِسِينَ مِنَ الحَياةِ مَن يُجِيبُكم إلى كَشْفِها ويَجْعَلُكم بَعْدَ ذَلِكَ تَتَصَرَّفُونَ في البِلادِ كالخُلَفاءِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فَلا يَكُونُ المُضْطَرُّ عامًّا ولا الدُّعاءُ فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمِثْلِ قَضِيَّةِ الفُلْكِ، وقَدْ أُجِيبُوا إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ الآيَةَ اهـ.
صفحة 7
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، ولَعَلَّ الأوْلى الحَمْلُ عَلى الجِنْسِ والتَّقْيِيدُ بِالمَشِيئَةِ وهو سُبْحانُهُ لا يَشاءُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والدُّعاءُ بِشَيْءٍ مِن قَبِيلِ أحَدِ الأسْبابِ العادِيَّةِ لَهُ فافْهَمْ ﴿ويَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أيْ يَرْفَعُ عَنِ الإنْسانِ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يَسُوءُهُ، وقِيلَ: الكَشْفُ أعَمُّ مِنَ الدَّفْعِ والرَّفْعِ، وعَطْفُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى ما قَبْلَها مِن قَبِيلِ عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وقِيلَ: المَعْنى ويَكْشِفُ سُوءَهُ أيِ المُضْطَرَّ، أوْ ويَكْشِفُ عَنْهُ السُّوءَ والعَطْفُ مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ فَإنَّ إجابَةَ المُضْطَرِّ هي كَشْفُ السُّوءِ عَنْهُ الَّذِي صارَ مُضْطَرًّا بِسَبَبِهِ وهو كَما تَرى.
﴿ويَجْعَلُكم خُلَفاءَ الأرْضِ﴾ أيْ خُلَفاءَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ في الأرْضِ بِأنْ ورَّثَكم سُكْناها والتَّصَرُّفَ فِيها بَعْدَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخِلافَةِ المُلْكُ والتَّسَلُّطُ، وقَرَأ الحَسَنُ ونَجْعَلُكم بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ الَّذِي هَذِهِ شُؤُونُهُ ونِعَمُهُ تَعالى ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُرًّا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ- فَقَلِيلًا- نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ أوْ ظَرْفٍ مُقَدَّرٍ، وما- مَزِيدَةٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ الَّتِي أُرِيدَ بِها العَدَمُ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ في الحَقارَةِ وعَدَمِ الجَدْوى، ومَفْعُولُ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ مَحْذُوفٌ لِلْفاصِلَةِ، فَقِيلَ: التَّقْدِيرُ تَذْكُرُونَ نِعَمَهُ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ مَضْمُونَ ما ذُكِرَ مِنَ الكَلامِ، وقِيلَ: تَذْكُرُونَ ما مَرَّ لَكم مِنَ البَلاءِ والسُّرُورِ، ولَعَلَّ الأوْلى نِعَمُهُ المَذْكُورَةُ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المُتَذَكِّرَ في غايَةِ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كانَ التَّذْيِيلُ بِنَفْيِ التَّذَكُّرِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ وأبُو عَمْرٍو- يَذَكَّرُونَ- بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ- «تَتَذَكَّرُونَ» - بِتاءَيْنِ
27:63Page 382
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
﴿أمَّنْ يَهْدِيكم في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ يُرْشِدُكم في ظُلُماتِ اللَّيالِي في البَرِّ والبَحْرِ بِالنُّجُومِ ونَحْوِها مِنَ العَلاماتِ، وإضافَةُ الظُّلُماتِ إلى البَرِّ والبَحْرِ لِلْمُلابَسَةِ وكَوْنَها فِيهِما، وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالظُّلُماتِ الطُّرُقُ المُشَبَّهاتُ مَجازًا فَإنَّها كالظُّلُماتِ في إيجابِ الحَيْرَةِ.
﴿ومَن يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ نَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ مَعَهُ سُبْحانَهُ إلَهٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَقْرِيرٌ وتَحْقِيقٌ لَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أيْ تَعالى وتَنَزَّهَ بِذاتِهِ المُنْفَرِدَةِ بِالأُلُوهِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ، المُقْتَضِيَةِ لِكَوْنِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ مَقْهُورَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ عَنْ وُجُودِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ إلَهًا وشَرِيكًا لَهُ تَعالى، أوْ تَعالى اللَّهُ عَنْ شَرِكَةٍ أوْ مُقارَنَةِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً أيْ تَعالى اللَّهُ عَنْ إشْراكِهِمْ، وقُرِئَ «عَمّا تُشْرِكُونَ» بِتاءِ الخِطابِ.
27:64Page 383
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
﴿أمَّنْ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ أيْ يُوجِدُهُ مُبْتَدِئًا لَهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يُكَرِّرُ إيجادَهُ ويُرْجِعُهُ كَما كانَ، وذَلِكَ بَعْدَ إهْلاكِهِ ضَرُورَةَ أنَّ الإعادَةَ لا تُعْقَلُ إلّا بَعْدَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهَذا ما يَكُونُ مِنَ الإعادَةِ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَألْ في الخَلْقِ لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ لِأنَّ مِنهُ ما لا يُعادُ بِالإجْماعِ، ومِنهُ ما في إعادَتِهِ خِلافٌ بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وتَفْصِيلُهُ في مَحَلِّهِ.
واسْتَشْكَلَ الحَمْلُ عَلى الإعادَةِ بِالبَعْثِ بِأنَّ الكَلامَ مَعَ المُشْرِكِينَ وأكْثَرُهم مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ فَكَيْفَ يُحْمَلُ الكَلامُ عَلَيْهِ ويُخاطَبُونَ بِهِ خِطابَ المُعْتَرِفِ؟ وأُجِيبُ بِأنَّ تِلْكَ الإعادَةَ لِوُضُوحِ بَراهِينِها جُعِلُوا كَأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِها لِتَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِها فَلَمْ يَبْقَ لَهم عُذْرٌ في الإنْكارِ وقِيلَ: إنَّ مِنهم مَنِ اعْتَرَفَ بِها، والكَلامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِ ألْ لِلْجِنْسِ وأنَّ المُرادَ بِالبَدْءِ والإعادَةِ ما يُشاهَدُ في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ مِن
صفحة 8
إنْشاءِ بَعْضِ الأشْياءِ وإهْلاكِها، ثُمَّ إنْشاءِ أمْثالِها وذَلِكَ مِمّا لا يُنْكِرُهُ المُشْرِكُونَ المُنْكِرُونَ لِلْإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى ﴿ومَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ وأرْضِيَّةٍ قَدْ رَتَّبَها عَلى تَرْتِيبٍ بَدِيعٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي عَلَيْها بَنى أمْرَ التَّكْوِينِ ﴿أإلَهٌ﴾ آخَرُ مَوْجُودٌ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ حَتّى يُجْعَلَ شَرِيكًا لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَبْكِيتٍ أيْ هاتُوا بُرْهانًا عَقْلِيًّا أوْ نَقْلِيًّا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ إلَهًا، وقِيلَ: أيْ هاتُوا بُرْهانًا عَلى أنَّ غَيْرَهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ صَرِيحًا ولا يَلْتَزِمُونَ كَوْنَهُ مِن لَوازِمِ الأُلُوهِيَّةِ وإنْ كانَ مِنها في الحَقِيقَةِ فَمُطالَبَتُهم بِالبُرْهانِ عَلَيْهِ لا عَلى صَرِيحِ دَعْواهم مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وفي إضافَةِ البُرْهانِ إلى ضَمِيرِهِمْ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِما فِيها مِن إيهامِ أنَّ لَهم بُرْهانًا وأنّى لَهم ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الإضافَةَ لِزِيادَةِ التَّبْكِيتِ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْنُ نَقْنَعُ مِنكم بِما تَعُدُّونَهُ أنْتُمْ أيُّها الخُصُومُ بُرْهانًا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ نَعُدَّهُ نَحْنُ ولا أحَدٌ مِن ذَوِي العُقُولِ كَذَلِكَ، ومَعَ هَذا أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنِ الإتْيانِ بِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الدَّعْوى، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الدَّعْوى لا تُقْبَلُ ما لَمْ تُنَوَّرْ بِالبُرْهانِ.
هَذا وفي الكَشْفِ أنَّ مَبْنى هَذِهِ الآياتِ التَّرَقِّي لِأنَّ الكَلامَ في إثْباتِ أنْ لا خَيْرِيَّةَ في الأصْنامِ مَعَ أنَّ كُلَّ خَيْرٍ مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى، فَأجْمَلَ أوَّلًا بِذِكْرِ اسْمِهِ سُبْحانَهُ الجامِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آللَّهُ﴾ ثُمَّ أخَذَ في المُفَصَّلِ فَجَعَلَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ تَمْهِيدًا لِإنْزالِ الماءِ وإنْباتِ الحَدائِقِ لا بَلْ لِلْأخِيرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الِالتِفاتُ هُنالِكَ والتَّأْكِيدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا﴾ كَأنَّهُ يَذْكُرُ سُبْحانَهُ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ الكَثِيرَةِ لَوْنًا وطَعْمًا ورائِحَةً واسْتِرْواحَ ظِلٍّ.
ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ فِعْلُهُ الخاصُّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ وجَعَلَهم عادِلِينَ عَنْ مَنهَجِ الصَّوابِ أوْ عادِلِينَ بِهِ سُبْحانَهُ مَن لا يَسْتَحِقُّ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ثُمَّ تَرْقى مِنهُ إلى ما هو أكْثَرُ لَهم خَيْرًا وأظْهَرُ في نَفْعِهِمْ مِن جَعْلِ الأرْضِ قَرارًا وما عَقِبَهُ، فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا ما لا يَتِمُّ الإنْباتُ المَذْكُورُ إلّا بِهِ مَعَ مَنافِعَ يَتَصاغَرُ لَدَيْها مَنفَعَةُ الإنْباتِ، وعَقَّبَهُ بِجَهْلِهِمُ المُطْلَقِ المُنْتِجِ لِلْعُدُولِ المَذْكُورِ، وأسْوَأ مِنهُ وأسْوَأ، ثُمَّ بالَغَ في التَّرَقِّي فَذَكَرَ ما هو لَصِيقٌ بِهِمْ دُونَ واسِطَةٍ مِن دَفْعٍ أوْ نَفْعٍ فَخَصَّ إجابَتَهم عِنْدَ الِاضْطِرارِ، وعَمَّ بِكَشْفِ السُّوءِ والمَضارِّ، هَذا فِيما يَرْجِعُ إلى دَفْعِ المَحْذُورِ وإقامَتِهِمْ خُلَفاءَ في الأرْضِ يَنْتَفِعُونَ بِها وبِما فِيها كَما أحَبُّوا، وهَذا أتَمُّ مِنَ الأوَّلِينَ وأعَمُّ وأجَلُّ مَوْقِعًا وأهَمُّ، ولِهَذا فَصَلَ بِعَدَمِ التَّذَكُّرِ وبُولِغَ فِيهِ تِلْكَ المُبالَغاتِ، وأمّا ذِكْرُ الهِدايَةِ في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ وذِكْرُ إرْسالِ الرِّياحِ المُبَشِّرَةِ اسْتِطْرادًا لِمُناسَبَةِ حَدِيثِ الرِّياحِ مَعَ الهِدايَةِ في البَحْرِ، فَمِن مُتَمِّماتِ الخِلافَةِ وإجابَةِ المُضْطَرِّ وكَشْفِ السُّوءِ فافْهَمْ.
ونَبَّهَ عَلى هَذا بِأنَّهُ فَصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإضْرابِ عَنْ هَذا الأُسْلُوبِ بِتَذْكِيرِ نِعْمَتَيِ الإيجادِ والإعادَةِ، فَكُلُّ نِعْمَةٍ دُونَهُما لِتَوَقُّفِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْها، وعَقِبَهُ بِإجْمالٍ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ ما عَدَّدَهُ أوَّلًا وزِيادَةً أعْنِي رِزْقَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأُدْمِجَ في تَأْخِيرِهِ أنَّهُ دُونَ النِّعْمَتَيْنِ، ولِهَذا بَكَّتَهم بِطَلَبِ البُرْهانِ فِيما لَيْسَ وسَجَّلَ بِكَذِبِهِمْ دَلالَةً عَلى تَعَلُّقِهِ بِالكُلِّ وأنَّ هَذِهِ الخاتِمَةَ خِتامٌ مِسْكِيٌّ، والمُعْرِضُ عَنْ تَشامِّ نَفَحاتِهِ مِسْكِيٌّ، وعَنْ هَذا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ وجْهُ الإبْدالِ مَكْشُوفَ النِّقابِ والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى المُنْعِمِ الوَهّابِ اهـ.
صفحة 9
وفِي غُرَّةِ التَّنْزِيلِ لِلرّاغِبِ ما يُؤَيِّدُهُ، وقَدْ لَخَّصَهُ الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كِتابِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences