Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:66–77
27:66Page 383
بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ ٦٦
Rather, their knowledge is arrested concerning the Hereafter. Rather, they are in doubt about it. Rather, they are, concerning it, blind.
﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾ إضْرابٌ عَمّا تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، وأصْلُ ﴿ادّارَكَ﴾ تَدارَكَ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ فَسَكَنَتْ فاجْتَلَبَتْ هَمْزَةَ الوَصْلِ وهو مِن تَدارَكَ بَنُو فُلانٍ إذا تَتابَعُوا في الهَلاكِ وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ التَّدارُكَ هُنا بِالِاضْمِحْلالِ والفَناءِ، وإلّا فَأصْلُ التَّدارُكِ التَّتابُعِ والتَّلاحُقِ مُطْلَقًا، (وفِي الآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ”عِلْمُهُمْ“. والعِلْمُ يَتَعَدّى بِفي كَما يَتَعَدّى بِالباءِ، وهي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الباءِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُما، والمَعْنى بَلْ تَتابَعَ عِلْمُهم في شَأْنِ الآخِرَةِ الَّتِي ما ذَكَرَ مِنَ البَعْثِ حالٌ مِن أحْوالِها حَتّى انْقَطَعَ وفَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِمّا سَيَكُونُ فِيها قَطْعًا مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِهِ فَهو تَرَقٍّ عَنْ وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ فاحِشٍ إلى وصْفِهِمْ بِجَهْلٍ أفْحَشَ، ولَيْسَ تَدارُكُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُ كانَ لَهم عِلْمٌ بِهِ عَلى الحَقِيقَةِ فانْتَفى شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ بِتَنْزِيلِ أسْبابِ العِلْمِ ومُبادِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ، وإجْراءُ تَساقُطِها عَنْ دَرَجَةِ اعْتِبارِهِمْ كُلَّما لاحَظُوها مَجْرى تَتابُعِها إلى الِانْقِطاعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيِ ﴿ادّارَكَ﴾ أسْبابَ عِلْمِهِمْ، والتَّدارُكُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ التَّساقُطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ عَدَمِ عِلْمِهِمْ بِها إلى ما هو أفْحَشُ مِنهُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وهو حَيْرَتُهم في ذَلِكَ أيْ بَلْ هم في شَكٍّ عَظِيمٍ مِن نَفْسِ الآخِرَةِ وتَحَقُّقِها كَمَن تَحَيَّرَ في أمْرٍ لا يَجِدُ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الأُمُورِ الَّتِي سَتَقَعُ فِيها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شاكِّينَ إلى وصْفِهِمْ بِما هو أفْظَعُ مِنهُ وهو كَوْنُهم عُمْيًا قَدِ اخْتَلَتْ بَصائِرُهم بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يُدْرِكُونَ طَرِيقَ العِلْمِ بِها وهو الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى أنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، فالمُرادُ ﴿عَمُونَ﴾ عَنْ دَلائِلِها أوْ عَمُونَ عَنْ كُلِّ ما يُوصِلُهم إلى الحَقِّ ويَدْخُلُ فِيهِ دَلائِلُها دُخُولًا أوَّلِيًّا، (ومِنها) مُتَعَلِّقٌ بِعَمُونَ، قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفَواصِلِ، ولَعَلَّ تَعْدِيَتَهُ بِمَن دُونَ عَنْ لِجَعْلِ الآخِرَةِ مَبْدَأ عَماهم ومَنشَأهُ، والكُفْرُ بِالعاقِبَةِ والجَزاءِ يَدَعُ الشَّخْصَ عاكِفًا عَلى تَحْصِيلِ مَصالِحِ بَطْنِهِ وفَرْجِهِ لا يَتَدَبَّرُ ولا يَتَبَصَّرُ فِيما عَدا ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ادّارَكَ﴾ بِمَعْنى اسْتَحْكَمَ وتَكامَلَ ووَصَفَهم بِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وتَكامُلِهِ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ كَما تَقُولُ لِأجْهَلِ النّاسِ: ما أعْلَمَكَ عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ، ومَآلُ التَّهَكُّمِ المَذْكُورِ نَفِيُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ لَكِنْ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ، والإضْرابانِ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الوَصْفِ بِالفَظِيعِ إلى الوَصْفِ بِالأفْظَعِ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ بِتَرْجِيحِهِ عَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالادِّراكِ الِاسْتِحْكامَ لَكِنْ عَلى مَعْنى اسْتَحْكَمَ أسْبابُ عِلْمِهِمْ بِأنَّ القِيامَةَ كائِنَةٌ لا مَحالَةَ مِنَ الآياتِ القاطِعَةِ والحُجَجِ السّاطِعَةِ وتَمَكَّنُوا مِنَ المَعْرِفَةِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ وهم جاهِلُونَ في ذَلِكَ، وفِيهِ
صفحة 14
أنَّ دَلالَةَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى إرادَةٍ وهم جاهِلُونَ لَيْسَتْ بِواضِحَةٍ.
وقالَ الكِرْمانِيُّ: التَّدارُكُ التَّتابُعُ، والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا الحُكْمُ والقَوْلُ والمَعْنى بَلْ تَتابَعُ مِنهُمُ القَوْلُ والحُكْمُ في الآخِرَةِ وكَثُرَ مِنهُمُ الخَوْضُ فِيها، فَنَفاهم بَعْضُهم. وشَكَّ فِيها بَعْضُهم واسْتَبْعَدَها بَعْضُهم وفِيهِ ما فِيهِ.
وقِيلَ: إنَّ في الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ. (بِادّارَكَ) . وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ والطَّبَرْسِيُّ، واقْتَضَتْهُ بَعْضُ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَلِ اسْتَحْكَمَ في الآخِرَةِ عِلْمُهم بِما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا حَيْثُ رَأوْا ذَلِكَ عِيانًا، وكانَ الظّاهِرُ يَدّارَكُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ.
وقِيلَ: التَّدارُكُ عَلَيْهِ مِن تَدارَكْتُ أمْرَ فُلانٍ إذا تَلافَيْتَهُ، ومَفْعُولُهُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ بَلْ تَدارَكَ في الآخِرَةِ عَلِمُهم ما جَهِلُوهُ في الدُّنْيا أيْ تَلافاهُ، وحاصِلُ المَعْنى بَلْ عَلِمُوا ذَلِكَ في الآخِرَةِ حِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمُ العِلْمُ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي عَلى ما عَلِمْتَ، ولا يَخْفى أنَّ في وجْهِ تَرْتِيبِ الإضْراباتِ الثَّلاثِ حَسَبَ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ خَفاءً فَتَدَبَّرْ.
وقَرَأ أُبَيٌّ أمْ «تَدارَكَ». عَلى الأصْلِ وجَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ)، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ بَلْ أدْرَكَ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللّامِ وشَدَّ الدّالَ بِناءً عَلى وزْنِهِ افْتَعَلَ، فَأدْغَمَ الدّالَّ وهي فاءُ الكَلِمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا فَصارَ فِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ كَما في قَوْلِهِمُ: اثْرُدْ وأصْلُهُ اثْتَرِدْ مِنَ الثَّرْدِ، والهَمْزَةُ المَحْذُوفَةُ المَنقُولُ حَرَكَتُها إلى اللّامِ هي هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ أُدْخِلَتْ عَلى ألِفِ الوَصْلِ فانْحَذَفَتْ ألِفُ الوَصْلِ ثُمَّ انْحَذَفَتْ هي وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى لامِ بَلْ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وطَلْحَةُ وتَوْبَةُ العَنْبَرِيُّ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم كَسَرُوا لامَ «بَلِ»، ورُوِي ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو جَعْفَرٍ وأهْلُ مَكَّةَ. «بَلْ أدْرَكَ». عَلى وزْنٍ أفْعَلَ بِمَعْنى تَفاعَلَ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ في رِوايَةٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي حَيْوَةَ وغَيْرِهِ عَنْهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ. بَلِ آدَّرَكَ» بِمَدَّةٍ بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأصْلُهُ أأدَّرَكَ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا تَخْفِيفًا كَراهَةَ الجَمْعِ بَيْنَ هَمْزَتَيْنِ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي العَلاءِ هَذِهِ الرِّوايَةَ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ «بَلْ» لِأنَّ بَلْ لِلْإيجابِ، والِاسْتِفْهامُ في هَذا المَوْضِعِ إنْكارٌ بِمَعْنى لَمْ يَكُنْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَشْهَدُوا خَلْقَهم فَلا يَصِحُّ وُقُوعُهُما مَعًا لِلتَّنافِي الَّذِي بَيْنَ الإيجابِ والإنْكارِ اهـ.
وقَدْ أجازَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، الِاسْتِفْهامَ بَعْدَ (بَلْ) وشَبَّهَهُ بِقَوْلِ القائِلِ: أخُبْزًا أكَلْتَ، بَلْ أماءً شَرِبْتَ عَلى تَرْكِ الكَلامِ الأوَّلِ والأخْذِ في الثّانِي، وقَرَأ مُجاهِدٌ «أمْ أدْرَكَ» جَعَلَ أمْ بَدَلَ (بَلْ) وأدْرَكَ عَلى وزْنِ أفْعَلَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أيْضًا «بَلْ أدّارَكَ» بِهَمْزَةٍ داخِلَةٍ عَلى (ادّارَكَ) فَتَسْقُطُ هَمْزَةُ الوَصْلِ المُجْتَلَبَةُ لِأجْلِ الإدْغامِ والنُّطْقِ بِالسّاكِنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا بَلْ أأدَّرَكَ بِهَمْزَتَيْنِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةِ أفْعَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا والأعْرَجُ. «بَلْ أدَرَكَ». بِهَمْزَةٍ، وإدْغامِ فاءِ الكَلِمَةِ وهي الدّالُ في فاءِ افْتَعَلَ بَعْدَ صَيْرُورَةِ التّاءِ دالًا، وقَرَأ ورْشٌ في رِوايَةٍ. «بَلِ ادَّرَكَ» بِحَذْفِ هَمْزَةِ أدْرَكَ، ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى اللّامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. «بَلى أدْرَكَ». بِحَرْفِ الإيجابِ الَّذِي يُوجِبُ بِهِ المُسْتَفْهِمُ المَنفِيَّ، وقَرَأ. «بَلْ (آأدّارَكَ)». بِألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، فَهَذِهِ عِدَّةُ قِراءاتٍ فَما فِيهِ مِنها اسْتِفْهامٌ صَرِيحٌ أوْ مُضَمَّنٌ فَهو إنْكارٌ ونَفْيٌ، وما فِيهِ بَلى فَقَدْ قالَ فِيهِ أبُو حاتِمٍ: إنْ كانَ يَلِي جَوابًا لِكَلامٍ تَقَدَّمَ جازَ أنْ يَسْتَأْنِفَ بَعْدَهُ كَأنَّ قَوْمًا أنْكَرُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ القُدْرَةِ
صفحة 15
فَقِيلَ لَهُمْ: بَلى إيجابًا لِما نَفَوْا، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامُ وعُودِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾ بِمَعْنى أمْ هم في شَكِّ مِنها لِأنَّ حُرُوفَ العَطْفِ قَدْ تَتَناوَبُ، وكَفَّ عَنِ الجُمْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ اهـ، يَعْنِي أنَّ المَعْنى أأُدْرِكَ عِلْمُهم بِالآخِرَةِ أمْ شَكُّوا؟ فَبَلْ بِمَعْنى أمْ عُودِلَ بِها الهَمْزَةُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنْ جَعَلَ بَلْ بِمَعْنى أمْ ومُعادَلَتُها لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ ضَعِيفٌ جِدًّا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ما فِيهِ بَلى فَإثْباتٌ لِشُعُورِهِمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ لَهُ بِالإدْراكِ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ الَّذِي هو أبْلَغُ وُجُوهِ النَّفْيِ والإنْكارِ وما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إلَخْ إضْرابٌ عَنِ التَّفْسِيرِ مُبالَغَةً في النَّفْيِ ودَلالَةً عَلى أنَّ شُعُورَهم بِها أنَّهم شاكُّونَ فِيها بَلْ إنَّهم مِنها عَمُّونَ فَهو عَلى مِنوال: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ أوْ رَدٌّ وإنْكارٌ لِشُعُورِهِمْ عَلى أنَّ الإضْرابَ إبْطالِيٌّ فافْهَمْ،
27:67Page 383
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ ٦٧
And those who disbelieve say, "When we have become dust as well as our forefathers, will we indeed be brought out [of the graves]?
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ كالبَيانِ لِجَهْلِهِمْ بِالآخِرَةِ وعَمّا هم مِنها، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ حُكْمِهِمُ الباطِلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ مَقُولُ القَوْلِ، وإذا. ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُخْرَجُونَ. أيْ أنُخْرَجُ إذا كُنّا تُرابًا ولا مَساغَ لِأنْ يَكُونَ ظَرْفًا (لِمُخْرَجُونَ) لِأنَّ كُلًّا مِنَ الهَمْزَةِ وإنَّ واللّامِ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ مِن عَمَلِ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها فَكَيْفَ بِها إذا اجْتَمَعَتْ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بَعْضُهُمُ اللّامَ مانِعَةً بِناءً عَلى ما قُرِّرَ في النَّحْوِ مِن جَوازِ تَقَدُّمِ مَعْمُولِ خَبَرِ إنَّ المَقْرُونِ بِاللّامِ عَلَيْهِ نَحْوَ إنَّ زَيْدًا طَعامَكَ لَآكِلٌ، ويَكْفِي حِينَئِذٍ مانِعانِ وأظُنُّ أنَّ مَن قالَ: يَتَوَسَّعُ في الظُّرُوفِ ما لا يَتَوَسَّعُ في غَيْرِها لا يَقُولُ بِاطِّرادِ الحُكْمِ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ ومُرادُهم بِالإخْراجِ الإخْراجُ مِنَ القُبُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإخْراجُ مِن حالِ الفَناءِ إلى الحَياةِ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وتَقْيِيدُ الإخْراجِ بِوَقْتِ كَوْنِهِمْ تُرابًا لَيْسَ لِتَخْصِيصِ الإنْكارِ بِالإخْراجِ حِينَئِذٍ فَقَطْ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ مُطْلَقًا وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ بِتَوْجِيهِهِ إلى الإخْراجِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِزَعْمِهِمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وآباؤُنا﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ كانَ واسْتَغْنى بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ عَنِ الفَصْلِ بِالتَّأْكِيدِ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في أإنّا. لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في الإنْكارِ، وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِأنْ واللّامِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِأصالَتِها في الصَّدارَةِ، والضَّمِيرُ في. أإنّا. لَهم ولِآبائِهِمْ لِأنَّ الكَوْنَ تُرابًا قَدْ تَناوَلَهم وآباءَهُمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو. أئِذا. وأإنّا. بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْتِفْهامَيْنِ، وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو عَمْرٍو.
وقَرَأ نافِعٌ «إذا» بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ فَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُقَدَّرَةٌ مَعَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى الخَبَرِ، وآيِنّا، بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ وقَلْبِ الثّانِيَةِ ياءً وبَيْنَهُما مَدَّةٌ، وقَرَأ آخَرُونَ أئِذا. بِاسْتِفْهامٍ مَمْدُودٍ أنَّنا بِنُونَيْنِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ
27:68Page 383
لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
We have been promised this, we and our forefathers, before. This is not but legends of the former peoples."
﴿لَقَدْ وُعِدْنا هَذا﴾ أيِ الإخْراجَ المَذْكُورَ ﴿نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ وعْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَقْدِيمُ المَوْعُودِ عَلى (نَحْنُ) هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي تَعَمَّدَ بِالكَلامِ وقَصَدَ بِهِ حَتّى كَأنَّ ما سِواهُ مُطْرَحٌ وعِلاوَةٌ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ذِكْرُ ما صَدَرَ مِنهم أنْفُسُهم مُؤَكَّدًا مُقَرَّرًا مُكَرَّرًا وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ في آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ لِرِعايَةِ الأصْلِ، ولا مُقْتَضى لِلْعُدُولِ إذْ لَمْ يَذْكُرْ هُناكَ سِوى اتِّباعِهِمْ أسْلافَهم في الكُفْرِ وإنْكارِ البَعْثِ مِن غَيْرِ نَعْيٍ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقْرِيرٌ إثْرَ تَقْرِيرٍ.
27:69Page 383
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٦٩
Say, [O Muḥammad], "Proceed [i.e., travel] through the land and observe how was the end of the criminals."
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة 16
فِيما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحْدَهُ وبِاليَوْمِ الآخِرِ الَّذِي تُنْكِرُونَهُ فَإنَّ في مُشاهَدَةِ عاقِبَتِهِمْ ما فِيهِ كِفايَةٌ لِأُولِي الأبْصارِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ المُكَذِّبِينَ بِالمُجْرِمِينَ الأعَمُّ مِنهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ لُطْفٌ بِالمُؤْمِنِينَ في تَرْكِ الجَرائِمِ لِما فِيهِ مِن إرْشادِهِمْ إلى أنَّ الجُرْمَ مُطْلَقًا مَبْغُوضٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ
27:70Page 383
وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ٧٠
And grieve not over them or be in distress from what they conspire.
﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ أيْ في حَرَجِ صَدْرٍ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ أيْ مِن مَكْرِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «ضِيقٍ» بِكَسْرِ الضّادِ وهو مَصْدَرٌ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْتُوحَ الضّادِ مُخَفَّفًا مِن ضَيْقٍ، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ أيْ لا تَكُنْ في أمْرِ ضَيْقٍ، وكَرِهَ أبُو عَلِيٍّ كَوْنَ ذَلِكَ مُخَفَّفًا مِمّا ذُكِرَ لِأنَّهُ يَقْتَضِي حَذْفَ المَوْصُوفِ وإقامَةَ الصِّفَةِ مَقامَهُ، ولَيْسَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَقُومُ مَقامَ المَوْصُوفِ بِاطِّرادٍ، وفِيهِ بَحْثٌ.
27:71Page 383
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٧١
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيِ العَذابُ العاجِلُ المَوْعُودُ، وكَأنَّهم فَهِمُوا وعْدَهم بِالعَذابِ مِنَ الأمْرِ بِالسَّيْرِ والنَّظَرِ في عاقِبَةِ أمْثالِهِمُ المُكَذِّبِينَ، ويُعْلَمُ مِنهُ وجْهٌ لِلتَّعْبِيرِ- بِيَقُولُونَ- وعَدَمُ إجْرائِهِ عَلى سُنَنِ ما قَبْلَهُ أعْنِي وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا وسُؤالُهم عَنْ وقْتِ إتْيانِ هَذا العَذابِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والإنْكارِ، ولِذا قالُوا:
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ عانِينَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إخْبارِكم بِإتْيانِهِ فَبَيِّنُوا لَنا وقْتَهُ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ شَرِكَةِ المُؤْمِنِينَ في الإخْبارِ بِذَلِكَ
27:72Page 383
قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ ٧٢
Say, "Perhaps it is close behind you [i.e., very near] - some of that for which you are impatient.
﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أصْلُ مَعْنى ﴿رَدِفَ﴾ تَبِعَ والمُرادُ بِهِ هُنا لَحِقَ، ووَصَلَ وهو مِمّا يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ كَنَصِحَ.
وقِيلَ: اللّامُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُصُولِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ كَما زِيدَتِ الباءُ لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وقِيلَ: إنَّ اللّامَ لِتَضْمِينِ (رَدِفَ) مَعْنى دَنا وهو يَتَعَدّى بِاللّامِ كَما يَتَعَدّى بِمِن وإلى كَما في الأساسِ ولِتَضْمِينِهِ ذَلِكَ عُدِّيَ بِمِن في قَوْلِهِ:
فَلَمّا رَدِفْنا مِن عُمَيْرٍ وصَحْبِهِ تَوَلَّوْا سِراعًا والمَنِيَّةُ تُعْنَقُ
وقِيلَ: اللّامُ داخِلَةٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ والمَفْعُولُ بِهِ الَّذِي يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ مَحْذُوفٌ أيْ (رَدِفَ) الخَلْقَ لِأجْلِكم ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ (رَدِفَ) عَلى أنَّ فاعِلَهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الوَعْدِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ عَلى أنَّ بَعْضُ مُبْتَدَأٌ، (ولَكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّفْكِيكِ لِلْكَلامِ والخُرُوجِ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ داعٍ لَفْظِيٍّ ولا مَعْنَوِيٍّ، والمَعْنى قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ لَحِقَكم ووَصَلَ إلَيْكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ حُلُولَهُ وتَطْلُبُونَهُ وقْتًا فَوَقْتًا، والمُرادُ بِهَذا البَعْضِ عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، وقِيلَ: عَذابُ القَبْرِ ولَيْسَ بِذاكَ، ونِسْبَةُ اسْتِعْجالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ بِناءً عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ وإلّا فَلا اسْتِعْجالَ مِنهم حَقِيقَةً، والتَّرَجِّي المَفْهُومُ مِن عَسى قِيلَ: راجِعٌ إلى العِبادِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ عَسى ولَعَلَّ وسَوْفَ في وعْدِ المُلُوكِ ووَعِيدِهِمْ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الأمْرِ وجَدِّهِ وما لا مَجالَ لِلشَّكِّ بَعْدَهُ، وإنَّما يَعْنُونَ بِذَلِكَ إظْهارَ وقارِهِمْ وأنَّهم لا يُعَجِّلُونَ بِالِانْتِقامِ لِإدْلالِهِمْ بِقَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ ووُثُوقِهِمْ بِأنَّ عَدُّوَهم لا يَفُوتُهم وأنَّ الرَّمْزَةَ إلى الأغْراضِ كافِيَةٌ مِن جِهَتِهِمْ، فَعَلى ذَلِكَ جَرى وعْدُ اللَّهِ تَعالى ووَعِيدُهُ سُبْحانَهُ انْتَهى.
صفحة 17
وعَلَيْهِ فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ ولا يَخْفى حُسْنُ ذَلِكَ، وإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: عَسى أنْ يَرْدِفَكم إلَخْ لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى تَحَقُّقِ الوَعْدِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «رَدَفَ» بِفَتْحِ الدّالِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
27:73Page 383
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And indeed, your Lord is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful."
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ أيْ لَذُو إفْضالٍ وإنْعامٍ كَثِيرٍ عَلى كافَّةِ النّاسِ، ومِن جُمْلَةِ إفْضالِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنْعامِهِ تَعالى تَأْخِيرُ عُقُوبَةِ هَؤُلاءِ عَلى ما يَرْتَكِبُونَهُ مِنَ المَعاصِي ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لا يَشْكُرُونَهُ جَلَّ وعَلا عَلى إفْضالِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ومِنهم هَؤُلاءِ، وقِيلَ: لا يَعْرِفُونَ حَقَّ فَضْلِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ تَعْبِيرًا عَنِ انْتِفاءِ مَعْرِفَتِهِمْ ذَلِكَ بِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الشُّكْرِ
27:74Page 383
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٤
And indeed, your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.
﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ أيْ ما تُخْفِيهِ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَداوَتُكَ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ وما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم فَلَيْسَ تَأْخِيرُ عُقُوبَتِهِمْ لِخَفاءِ حالِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، أوْ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، وفِعْلُ القَلْبِ إذا كانَ مِثْلَ الحُبِّ والبُغْضِ والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ والعَزْمِ المُصَمِّمِ عَلى طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ فَهو مِمّا يُجازى عَلَيْهِ، وفي الآيَةِ إيذانٌ بِأنَّ لَهم قَبائِحَ غَيْرَ ما حُكِيَ عَنْهُمْ، وتَقْدِيمُ الِاكْتِنانِ لِيَظْهَرَ المُرادُ مِنِ اسْتِواءِ الخَفِيِّ والظّاهِرِ في عِلْمِهِ جَلَّ وعَلا، أوْ لِأنَّ مُضْمِراتِ الصُّدُورِ سَبَبٌ لِما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، وإلى الرَّمْزِ إلى فَسادِ صُدُورِهِمُ الَّتِي هي المَبْدَأُ لِسائِرِ أفْعالِهِمْ أُوثِرُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: وإنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما يُكِنُّونَ وما يُعْلِنُونَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وحُمَيْدٌ وابْنُ السَّمَيْفَعِ «تَكُنَّ» بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ الكافِ مِن كَنَّ الشَّيْءَ سَتَرَهُ وأخْفاهُ.
27:75Page 383
وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ ٧٥
And there is nothing concealed1 within the heaven and the earth except that it is in a clear Register.2
﴿وما مِن غائِبَةٍ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ خَفِيٍّ ثابِتِ الخَفاءِ فِيهِما عَلى أنَّ ﴿غائِبَةٍ﴾ صِفَةٌ غَلَبَتْ في هَذا المَعْنى فَكَثُرَ عَدَمُ إجْرائِها عَلى المَوْصُوفِ ودَلالَتُها عَلى الثُّبُوتِ وإنْ لَمْ تُنْقُلْ إلى الِاسْمِيَّةِ كَمُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ إذْ لَمْ يُلاحَظْ لَها مَوْصُوفٌ تَجْرِي عَلَيْهِ كالرّاوِيَةِ لِلرَّجُلِ الكَثِيرِ الرِّوايَةِ فَهي تاءُ مُبالَغَةٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً مَنقُولَةً إلى الِاسْمِيَّةِ سُمِّيَ بِها ما يَغِيبُ ويَخْفى، والتّاءُ فِيها لِلنَّقْلِ كَما في الفاتِحَةِ، والفَرْقُ بَيْنَ المُغَلَّبِ والمَنقُولِ- عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ- أنَّ الأوَّلَ يَجُوزُ إجْراؤُهُ عَلى مَوْصُوفٍ مُذَكَّرٍ بِخِلافِ الثّانِي.
والظّاهِرُ عُمُومُ الغائِبَةِ أيْ ما مِن غائِبَةٍ كائِنَةٍ ما كانَتْ ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ بَيِّنٍ، أوْ مُبَيِّنٍ لِما فِيهِ لِمَن يُطالِعُهُ ويَنْظُرُ فِيهِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، واشْتِمالُهُ عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ مُتَناهِيًا لا إشْكالَ فِيهِ وإنْ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَفِيهِ إشْكالٌ ظاهِرٌ ضَرُورَةَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى تَناهِي الإبْعادِ واسْتِحالَةِ وُجُودِ ما لا يَتَناهى، ولَعَلَّ وُجُودَ الأشْياءِ الغَيْرِ المُتَناهِيَةِ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلى نَحْوِ ما يَزْعُمُونَهُ مِن وُجُودِ الحَوادِثِ في الجَفْرِ الجامِعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حَذْوُ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ المُبِينِ عِلْمُهُ تَعالى الأزَلِيُّ الَّذِي هو مَبْدَأٌ لِإظْهارِ الأشْياءِ بِالإرادَةِ والقُدْرَةِ، وقِيلَ: حُكْمُهُ سُبْحانَهُ الأزَلِيُّ وإطْلاقُ الكِتابِ عَلى ما ذُكِرَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ واشْتِمالُهُ عَلى كُلِّ غائِبَةٍ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في اشْتِمالِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ عَلَيْهِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ بَعْضَ العارِفِينَ اسْتَخْرَجَ مِنَ الفاتِحَةِ أسْماءَ السَّلاطِينِ العُثْمانِيَّةِ ومُدَدَ سَلْطَنَتِهِمْ إلى آخِرِ مَن يَتَسَلَّطْنَ مِنهم أدامَ اللَّهُ تَعالى مُلْكَهم إلى يَوْمِ الدِّينِ ووَفَّقَهم لِما فِيهِ صَلاحُ المُسْلِمِينَ. وذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا الوَجْهِ أنَّهُ مُناسِبٌ لِما بَعْدُ مِن وصْفِ القُرْآنِ وفِيهِ ما فِيهِ، وقالَ الحَسَنُ: الغائِبَةُ هو
صفحة 18
يَوْمُ القِيامَةِ وأهْوالِها، وقالَ صاحِبُ الغَنِيّانِ: الحَوادِثُ والنَّوازِلُ، وقِيلَ: أعْمالُ العِبادِ، وقِيلَ: ما غابَ مِن عَذابِ السَّماءِ والأرْضِ، والعُمُومُ أوْلى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ يَقُولُ سُبْحانَهُ: ما مِن شَيْءٍ في السَّماءِ والأرْضِ سِرًّا وعَلانِيَةً إلّا يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأخَذَ مِنهُ بَعْضُهم حَمْلُ الكِتابِ عَلى العِلْمِ الأزَلِيِّ، وفِيهِ نَظَرٌ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ قَدْ جُعِلَ كَوْنُ ذَلِكَ في كِتابٍ مُبِينٍ كِنايَةً عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِهِ.
وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اعْتَبَرَ في الآيَةِ حَذْفَ أحَدِ المُتَقابِلَيْنِ اكْتِفاءً بِالآخَرِ وكَلامُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ ذَكَرَ العَلانِيَةَ في بَيانِ المَعْنى لِأنَّ مَن عَلِمَ السِّرَّ عَلِمَ العَلانِيَةَ مِن بابِ أوْلى، ويَحْتَمِلُ أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ ما مِن عَلانِيَةٍ إلّا وهي غَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأشْخاصِ، فَيَكُونُ قَدْ أشارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِبَيانِ المَعْنى وذِكْرِ السِّرِّ والعَلانِيَةِ فِيهِ إلى أنَّ المُرادَ- بِغائِبَةٍ- في الآيَةِ ما يَشْمَلُهُما وهو ما اتَّصَفَ بِالغَيْبَةِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ مُطْلَقَةً أوْ إضافِيَّةً كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ.
27:76Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ ذَكَرَ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّةِ فَإنَّ القُرْآنَ أعْظَمُ ما تَثْبُتُ بِهِ نُبُوَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ جَلَّ وعَلا أنَّهُ يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، والمُرادُ بِهِمْ- كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ- اليَهُودُ والنَّصارى أكْثَرُ ما تَجَدَّدَ واسْتَمَرَّ اخْتِلافُهم فِيهِ عَلى وجْهِهِ ويُبَيِّنُ لَهم حَقِيقَةَ الأمْرِ فِيهِ وذَلِكَ مِمّا يَقْتَضِي إسْلامَهم لَوْ تَأمَّلُوا وأنْصَفُوا لَكِنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا وكابَرُوا مِثْلَكم أيُّها المُشْرِكُونَ، ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمِن قائِلٍ: هو اللَّهُ تَعالى، ومِن قائِلٍ: ابْنُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ومِن قائِلٍ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، ومِن قائِلٍ: هو نَبِيٌّ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: هُوَ- وحاشاهُ- كاذِبٌ في دَعْواهُ النُّبُوَّةَ ويَنْسِبُ مَرْيَمَ فِيهِ إلى ما هي مُنَزَّهَةٌ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، وأمْرُ النَّبِيِّ المُبَشِّرِ بِهِ في التَّوْراةِ، فَمِن قائِلٍ: هو يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قائِلٍ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ إلى الآنِ وسَيَأْتِي آخِرَ الزَّمانِ ومِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ أمْرُ الخِنْزِيرِ فَقالَتِ اليَهُودُ: بِحُرْمَةِ أكْلِهِ، وقالَتِ النَّصارى: بِحِلِّهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
27:77Page 384
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
﴿وإنَّهُ لَهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عَلى الإطْلاقِ فَيَدْخُلُ فِيهِمْ مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِهِمْ كَما فَعَلَ بَعْضُهم خِلافُ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعالِمِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences