Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:78–81
27:78Page 384
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا أوْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وبَيْنَ النّاسِ ﴿بِحُكْمِهِ﴾ قِيلَ: أيْ بِحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ جَناحِ بْنِ حُبَيْشٍ بِحِكَمِهِ- بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِ الكافِ- جَمْعِ حِكْمَةٍ مُضافٍ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، وقِيلَ: المُرادُ بِالحُكْمِ المَحْكُومُ بِهِ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى اسْمِ المَفْعُولِ، والمُرادُ بِالمَحْكُومِ بِهِ الحَقُّ والعَدْلُ، وعَلى الوَجْهَيْنِ لَمْ يَبْقَ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنْ- يَقْضِيَ- بِمَعْنى يَحْكُمَ فَلَوْ بَقِيَ الحُكْمُ عَلى المَعْنى المَصْدَرِيِّ لَصارَ الكَلامُ نَحْوَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ يَضْرِبُ بِضَرْبِهِ وهو لا يُقالُ مِثْلُهُ في كَلامٍ عَرَبِيٍّ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى يُضْرَبُ بِضَرْبِهِ المَعْرُوفِ بِالشِّدَّةِ مَثَلًا، فالمَعْنى هُنا يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ بِمُلابَسَةِ الحَقِّ، أوْ يَحْكُمُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ تَعالى لا بِحُكْمِ غَيْرِهِ عَزَّ شَأْنُهُ كالبَشَرِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: لَيْسَ المانِعُ لِصِحَّةِ مِثْلَ هَذا القَوْلِ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى ضَمِيرِ الفاعِلِ فَإنَّهُ لا كَلامَ في صِحَّتِهِ كَإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ المَفْعُولِ فِي- سَعى لَها سَعْيَها- إنَّما المانِعُ دُخُولُ الباءِ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ، ثُمَّ إنَّ المَعْنى الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّ لَهُ سُبْحانَهُ حُكْمًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ
صفحة 19
بِمُلابَسَةِ الحَقِّ، والثّانِي إنَّما يَظْهَرُ لَوْ قَدَّمَ بِحُكْمِهِ، وفِيهِ أنَّهُ عَلى ما ذُكِرَ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ، وعَدَمُ الجَوازِ في المَصْدَرِ النَّوْعِيِّ لا سِيَّما إذا كانَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ، وأيْضًا الظّاهِرُ أنَّ المانِعَ بِزَعْمِ المُؤَوَّلِ لُزُومُ اللُّغَوِيَّةِ لَوْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِما ذُكِرَ، والأوْلى إبْقاؤُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وجُلُّ الإضافَةِ لِلْعَهْدِ، وكَوْنُ المَعْنى كَما قالَ المُورِدُ: يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ المَعْرُوفِ بِمُلابَسَةِ الحَقِّ وأمْرُ التَّوَهُّمِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ وأيًّا ما كانَ فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ عَلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وعَوْدُهُ عَلى القُرْآنِ عَلى أنَّ المَعْنى يَحْكُمُ بِالحُكْمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن إثابَةِ المُحِقِّ وتَعْذِيبِ المُبْطِلِ وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى كَثْرَةِ القِيلِ والقالِ لا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ القِيلِ والقالِ عَلى مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ بِأسالِيبِ المَقالِ ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ فَلا يَرُدُّ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ وقَضاؤُهُ جَلَّ جَلالُهُ ﴿العَلِيمُ﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَقْضِي بِهِ،
27:79–80Page 384
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ذُكِرَ مِن شُؤُونِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّها مُوجِبَةٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وداعِيَةٌ إلى الأمْرِ بِهِ وفي ذِكْرِهِ تَعالى بِالِاسْمِ الجامِعِ تَأْيِيدٌ لِذَلِكَ أيْ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ فَإنَّهُ يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ ويُفَوِّضَ جَمِيعَ أُمُورِهِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا،
* * *
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ تَعْلِيلٌ صَرِيحٌ لِلتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الحَقِّ البَيِّنِ، أوِ الفاصِلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ. أوْ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَإنَّ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الوُثُوقَ بِحِفْظِهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ وتَأْيِيدِهِ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلتَّوَكُّلِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّبَتُّلِ إلى اللَّهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ وقَدْ عَلَّلَ أوَّلًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ تَعالى أعْنِي قَضاءَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحَقِّ وعِزَّتِهِ وعِلْمِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وثانِيًا بِما يُوجِبُهُ مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ أعْنِي كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِّ ومِن جِهَتِهِ تَعالى عَلى الوَجْهِ الآخَرِ أعْنِي إعانَتَهُ تَعالى وتَأْيِيدَهُ تَعالى لِلْمُحِقِّ، ثُمَّ عَلَّلَ ثالِثًا بِما يُوجِبُهُ لَكِنْ لا بِالذّاتِ بَلْ بِواسِطَةِ إيجابِهِ لِلْإعْراضِ عَنِ التَّشَبُّثِ بِما سِواهُ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهم كالمَوْتى والصُّمِّ والعُمْيِ مُوجِبٌ لِقَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ مُشايَعَتِهِمْ ومُعاضَدَتِهِمْ رَأْسًا، وداعٍ إلى تَخْصِيصِ الِاعْتِضادِ بِهِ تَعالى، وهو المَعْنِيُّ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ﴾ إلَخْ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا وقَعَ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، أعْنِي إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِمَن هو عَلى الحَقِّ المُبِينِ فَقِيلَ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ إلَخْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَأْباهُ السِّياقُ، واعْتُرِضَ بِالمَنعِ وإنَّما شُبِّهُوا بِالمَوْتى عَلى ما قِيلَ لِعَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ القَوارِعِ، وإطْلاقُ الأسْماعِ عَنِ المَفْعُولِ لِبَيانِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ المَسْمُوعاتِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المُرادَ تَشْبِيهُ قُلُوبِهِمْ بِالمَوْتى فِيما ذُكِرَ مِن عَدَمِ الشُّعُورِ فَإنَّ القَلْبَ مَشْعَرٌ مِنَ المَشاعِرِ أُشِيرَ إلى بُطْلانِهِ بِالمَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلانَ مَشْعَرَيِ الأُذُنِ والعَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾، وإلّا فَبَعْدَ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ بِالمَوْتى لا يَظْهَرُ لِتَشْبِيهِهِمْ بِالصُّمِّ والعُمْيِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ وكَأنَّهُ لِهَذا قالَ في البَحْرِ: أيْ مَوْتى القُلُوبِ، أوْ شُبِّهُوا بِالمَوْتى لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِما يُتْلى عَلَيْهِمْ فَقَدَّمَ احْتِمالَ نِسْبَةِ المَوْتِ إلى قُلُوبِهِمْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ تَخَيُّلٌ بارِدٌ لِأنَّ القَلْبَ يُوصَفُ بِالفِقْهِ والفَهْمِ لا السَّمْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا مِن أنَّهم أنْفُسُهم شُبِّهُوا بِالمَوْتى هو الظّاهِرُ، ووَجْهُهُ أنَّهُ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والنَّظَرِ لِأحْوالِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تُسْمِعُهُمُ الإرْشادَ
صفحة 20
إلى طَرِيقِ الحَقِّ وهم مَوْتى وهَذا بِالنَّظَرِ لِأوَّلِ الدَّعْوَةِ ولَوْ أحْيَيْناهم لَمْ يَفِدْ أيْضًا لِأنَّهم صُمٌّ، وقَدْ ولَّوْا مُدْبِرِينَ وهَذا بِالنَّظَرِ لِحالِهِمْ بَعْدَ التَّبْلِيغِ البَلِيغِ ونَفْرَتِهِمْ عَنْهُ، ثُمَّ إنّا لَوْ أسْمَعْناهم أيْضًا فَهم عُمْيٌ لا يَهْتَدُونَ إلى العَمَلِ بِما يَسْمَعُونَ، وهَذا خاتِمَةُ أمْرِهِمْ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في ذَلِكَ مِن مَزِيدِ المَزِيَّةِ الخالِيَةِ عَنِ التَّكَلُّفِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِطَوائِفَ عَلى مَراتِبِهِمْ في الضَّلالِ، فَمِنهم مَن هو كالمَيِّتِ ومَن هو كالأصَمِّ ومَن هو كالأعْمى، وهو وإنْ كانَ وجْهًا خَفِيفَ المَئُونَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا ﴿ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ أيِ الدَّعْوَةَ إلى أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وتَقْيِيدُ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ لِتَتْمِيمِ وتَأْكِيدِ النَّفْيِ فَإنَّهم مَعَ صَمَمِهِمْ عَنِ الدُّعاءِ إلى الحَقِّ مُعْرِضُونَ عَنِ الدّاعِي مُوَلَّوْنَ عَلى أدْبارِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ الأصَمَّ لا يَسْمَعُ الدُّعاءَ مَعَ كَوْنِ الدّاعِي بِمُقابَلَةِ صِماخِهِ قَرِيبًا مِنهُ، فَكَيْفَ إذا كانَ خَلْفَهُ بَعِيدًا مِنهُ، ومِثْلُهُ في التَّتْمِيمِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
حَمَلَتْ رُدَيْنِيًّا كَأنَّ سِنانَهُ سَنا لَهَبٍ لَمْ يَتَّصِلْ بِدُخانِ
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ- لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ- بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ وفَتْحِ المِيمِ ورَفْعُ الضُّمِّ
27:81Page 384
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
﴿وما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ أيْ وما أنْتَ بِصارِفِ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هادِيًا لَهم هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ لِفَقْدِ الشَّرْطِ العادِيِّ لِلِاهْتِداءِ وهو البَصَرُ، (وعَنْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِالهِدايَةِ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِها مَعْنى الصَّرْفِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَعَلَّقَ بِالعَمى ويَكُونُ المَعْنى أنَّ العَمى صَدَرَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ، وإيرادُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْمُبالِغَةِ في نَفْيِ الهِدايَةِ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ وأبُو حَيْوَةَ- «بِهادٍ» - بِالتَّنْوِينِ «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ وابْنُ يَعْمُرَ وحَمْزَةُ- «تَهْدِي» - مُضارِعَ هَدى «العُمْيَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ- وما أنْ تَهْتَدِيَ- بِزِيادَةِ أنْ بَعْدَ ما كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ
و«تَهْتَدِي» - مُضارِعُ اهْتَدى، و«العُمْيُ» بِالرَّفْعِ ﴿إنْ تُسْمِعُ﴾ أيْ ما تُسْمِعُ إسْماعًا يُجْدِي السّامِعَ نَفْعًا.
﴿إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمُ الإيمانُ بِها وهُمُ الَّذِينَ لَيْسُوا مَوْتى ولا صُمًّا ولا عُمْيًا.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أيْ إلّا مَن هو في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ صِيغَةَ الِاسْتِقْبالِ وإنْ صَحَّتْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ العِلْمِ فِيما لا يَزالُ إلّا أنَّ المُناسِبَ صِيغَةُ المُضِيِّ، واخْتارَ المُعْتَرِضُ أنَّ المَعْنى إلّا الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى إذْ حِينَئِذٍ تَثْبُتُ نُبُوَّتُهُ ﷺ فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ ويُجْدِي إسْماعُهُ نَفْعًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَنْتَقِضُ الحَصْرَ بِالمُصَدِّقِينَ في الِاسْتِقْبالِ إنْ كانَتِ الصِّيغَةُ لِلْحالِ وبِالمُصَدِّقِينَ في الحالِ إنْ كانَتْ لِلِاسْتِقْبالِ، وإذا دَفَعَ لُزُومُ الِانْتِقاضِ بِجَعْلِها لَهُما لَزِمَ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ مَعًا أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ الحالُ ويَدْخُلُ غَيْرُهُ فِيهِ بِدَلالَةِ النَّصِّ مِن غَيْرِ تَكْلِيفٍ.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: قَدْ يُرادُ بِالمُضارِعِ الِاسْتِقْبالُ الشّامِلُ لِجَمِيعِ الأزْمِنَةِ فَإنَّ الِاسْتِقْبالَ كَما يَكُونُ بِالنَّظَرِ لِزَمانِ الحُكْمِ والتَّكَلُّمِ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِالنَّظَرِ إلى عِلْمِ القائِلِ أيْضًا فَيَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ هُنا مَن آمَنَ حالًا كَما يَشْمَلُ مَن يُؤْمِنُ اسْتِقْبالًا فَلا غُبارَ في المَعْنى الَّذِي اخْتارَهُ ذَلِكَ المُعْتَرِضُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ،
صفحة 21
نَعَمْ قِيلَ: إنَّ فِيهِ شِبْهَ تَحْصِيلِ الحاصِلِ لِأنَّ التَّصْدِيقَ بِالقُرْآنِ هو اسْتِماعُهُ النّافِعُ، ولَعَلَّ مَن عَدَلَ عَنْهُ إنَّما عَدَلَ لِذَلِكَ، ولَمْ يَعْبَأْ بِالمُغايِرَةِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الأمْرَيْنِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، والحَقُّ أنَّ ما ذُكِرَ مِن شِبْهِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ لِظُهُورِ الفَرْقِ بَيْنَ الإسَماعِ المُرادِ في الآيَةِ والتَّصْدِيقِ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى كَما لا يَخْفى، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الشّامِلَةُ لِلْآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ وأنْ يُرادَ بِها الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ فَقَطْ، والإيمانُ بِها التَّصْدِيقُ بِكَوْنِها آياتِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَتْ مِنَ السِّحْرِ وإذا أُرِيدَ بِالإسْماعِ النّافِعِ عَلى هَذا إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ لِيُؤْتى بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ كانَ الكَلامُ أبْعَدَ وأبْعَدَ مِن أنْ يَكُونَ فِيهِ شِبْهُ تَحْصِيلِ الحاصِلِ إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وفي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ إيرادَ الإسْماعِ في النَّفْيِ والإثْباتِ دُونَ الهِدايَةِ مَعَ قُرْبِها بِأنْ يُقالَ: إنْ تَهْدِي إلّا مَن يُؤْمِنُ إلَخْ لِما أنَّ طَرِيقَ الهِدايَةِ هو إسْماعُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ فافْهَمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم مُسْلِمُونَ﴾ قِيلَ: تَعْلِيلٌ لِإيمانِهِمْ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم مُنْقادُونَ لِلْحَقِّ في كُلِّ وقْتٍ. وقِيلَ: مُخْلِصُونَ لِلَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وقِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِن أنَّهم يَسْمَعُونَ إسْماعًا نافِعًا لَهُمْ، وفي تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى رِعايَةٌ لِلَفْظِ مِن ومَعْناها.
واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ عَلى أنَّ المَيِّتَ لا يَسْمَعُ كَلامَ النّاسِ مُطْلَقًا، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ في سُورَةِ الرُّومِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences