Al-AlusiAl‑Qasas · 28:8–13

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:8–13

28:8Page 386

فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨

And the family of Pharaoh picked him up [out of the river] so that he would become to them an enemy and a [cause of] grief. Indeed, Pharaoh and Hāmān and their soldiers were deliberate sinners.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فَصِيحَةٌ والتَّقْدِيرُ فَفَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن إرْضاعِهِ وإلْقائِهِ في اليَمِّ لَمّا خافَتْ عَلَيْهِ، وحُذِفَ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ.

صفحة 46

رُوِيَ أنَّها لَمّا ضَرَبَها الطَّلْقُ دَعَتْ قابِلَةً مِنَ المُوَكَّلاتِ بِحُبالى بَنِي إسْرائِيلَ فَعالَجَتْها، فَلَمّا وقَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها ودَخَلَ حُبُّهُ قَلْبَها بِحَيْثُ مَنَعَها مِنَ السِّعايَةِ فَقالَتْ لِأُمِّهِ: احْفَظِيهِ، فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَخَرَجُوا وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَأخَذَتْهُ، فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ واجْتَهَدَ العُيُونُ في تَفَحُّصِها أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى، وأرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، أوْ أرْبَعَةً، أوْ ثَمانِيَةً عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَلَمّا خافَتَ عَلَيْهِ عَمَدَتْ إلى بَرْدِيٍّ فَصَنَعَتْ مِنهُ تابُوتًا أيْ صُنْدُوقًا فَطَلَتْهُ بِالقارِ مِن داخِلِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّها دَعَتْ نَجّارًا، فَصَنَعَ لَها تابُوتًا، وجَعَلَتْ مِفْتاحَهُ مِن داخِلٍ، ووَضَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ وألْقَتْهُ في النِّيلِ بَيْنَ أحْجارٍ عِنْدَ بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَ جَوارِي آسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَهُ فَأدْخَلْنَهُ إلَيْها وظَنَنَّ أنَّ فِيهِ مالًا، فَلَمّا فَتَحْنَهُ رَأتْهُ آسِيَةُ ووَقَعَتْ عَلَيْهِ رَحْمَتُها فَأحَبَّتْهُ، وأرادَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ حَتّى تَرَكَهُ لَها

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ أعْيا الأطِبّاءَ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهُ أنَّها لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطِّخُ بِهِ بَرَصَها فَتَبْرَأُ فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ وأقْبَلَتْ بِنْتُهُ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهم فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَكُشِفَ لَها عَنْ نُورٍ في جَوْفِهِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ فَإذا صَبِيٌّ صَغِيرٌ فِيهِ ولَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَلْبِها وقُلُوبِ القَوْمِ وعَمَدَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها.

وقِيلَ: لَمّا نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ خَوْفًا مِنكَ فاقْتُلْهُ فَهَمَّ أنْ يَقْتُلَهُ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والأخْبارُ في هَذِهِ القِصَّةِ كَثِيرَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِنها ما قَدَّمْنا، وآلُ فِرْعَوْنَ أتْباعُهُ وقَوْلُهُمْ: إنَّ الآلَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما فِيهِ شَرَفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الغالِبِ أوِ الشَّرَفُ فِيهِ أعَمُّ مِنَ الشَّرَفِ الحَقِيقِيِّ والصُّورِيِّ ومَعْنى التِقاطِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذُهم إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ وصِيانَةٍ لَهُ عَنِ الضَّياعِ ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ ضَرُورَةَ أنَّهُ لَمْ يَدْعُهم لِلِالتِقاطِ أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وإنَّما دَعاهم شَيْءٌ آخَرُ كالتَّبَنِّي ونَفْعِهِ إيّاهم إذا كَبُرَ.

وفِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ أقْوالٌ: الأوَّلُ أنْ يُشَبَّهَ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ كالتَّبَنِّي والنَّفْعِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِغَيْرِ المُشَبَّهِ ويَدُلْ عَلى ذَلِكَ بِذِكْرِ ما يَخُصُّ المُشَبَّهَ بِهِ وهو لامُ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أصْلِيَّةٌ في المَجْرُورِ واللّامُ عَلى حَقِيقَتِها، الثّانِي أنْ يُشَبِّهَ أوَّلًا تَرَتُّبَ غَيْرِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ أيْ يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ التَّرْتِيبَيْنِ الكُلِّيَّيْنِ لِيَسْرِيَ في جُزْئِيّاتِهِما فَيَتَحَقَّقُ تَبَعًا تَشْبِيهُ تَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ عَلى الِالتِقاطِ بِتَرَتُّبِ التَّبَنِّي ونَحْوَهُ مِمّا هو عِلَّةٌ غائِيَّةٌ- أعْنِي التَّرَتُّبَ المَخْصُوصَ أيْضًا عَلَيْهِ- ثُمَّ

صفحة 47

يُسْتَعْمَلُ في المُشَبَّهِ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ الَّذِي هو المُشَبَّهُ بِهِ فَتَكُونُ الِاسْتِعارَةُ أوَّلًا في العَلِيَّةِ والعَرْضِيَّةِ وتَبَعًا في اللّامِ فَصارَ حُكْمُ اللّامِ حُكْمَ الأسَدِ حَيْثُ اسْتُعِيرَتْ لِما يُشْبِهُ العِلَّةَ كَما اسْتُعِيرَ الأسَدُ لِما يُشْبِهُ الأسَدَ بَيْدَ أنَّ الِاسْتِعارَةَ هاهُنا مَكْنِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، الثّالِثُ ما أفادَهُ كَلامُ الخَطِيبِ الدِّمَشْقِيِّ في التَّلْخِيصِ والإيضاحِ وهو أنْ يُقَدَّرَ التَّشْبِيهُ أوَّلًا لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا بِالعِلَّةِ الغائِيَّةِ ثُمَّ يَسْرِي ذَلِكَ التَّشْبِيهُ إلى تَشْبِيهِ تَرَتُّبِهِ بِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ فَتُسْتَعارُ اللّامُ المَوْضُوعَةُ لِتَرَتُّبِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِتَرَتُّبِ كَوْنِهِ عَدُوًّا وحَزَنًا مِن غَيْرِ اسْتِعارَةٍ في المَجْرُورِ وهَذا التَّشْبِيهُ كَتَشْبِيهِ الرَّبِيعِ بِالقادِرِ المُخْتارِ ثُمَّ إسْنادُ الإنْباتِ إلَيْهِ وهو مُفادُ كَلامِ الكَشّافِ، واخْتارَ ذَلِكَ العَلّامَةُ عَبْدُ الحَكِيمِ، فَقالَ: وهو الحَقُّ عِنْدِي لِأنَّ اللّامَ لَمّا كانَ مَعْناها مُحْتاجًا إلى ذِكْرِ المَجْرُورِ كانَ اللّائِقُ أنْ تَكُونَ الِاسْتِعارَةُ والتَّشْبِيهُ فِيها تابِعًا لِتَشْبِيهِ المَجْرُورِ لا تابِعًا لِتَشْبِيهِ مَعْنًى كُلِّيٍّ بِمَعْنًى كُلِّيٍّ مَعْنى الحَرْفِ مِن جُزْئِيّاتِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ وتَبِعَهُ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ انْتَهى فَتَأمَّلْ.

واسْتُشْكِلَ أصْلُ تَعْلِيلِ الِالتِقاطِ بِأنَّ الِالتِقاطَ الوِجْدانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ والتَّعْلِيلُ يَقْتَضِي حَقِيقَةَ القَصْدِ وهو تَوَهُّمٌ لِأنَّ الوِجْدانَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لا يُنافِي قَصْدَ أخْذِ ما وُجِدَ لِغَرَضٍ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَعْنى هُنا فَأخَذَهُ أخْذَ اللُّقَطَةِ أيْ أخْذَ اعْتِناءٍ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ إلَخْ، والتَّعْلِيلُ فِيهِ إنَّما هو لِلْأخْذِ ولا إشْكالَ فِيهِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ تَعَلُّقُ اللّامِ بِمُقَدَّرٍ أيْ قَدَّرْنا الِالتِقاطَ لِيَكُونَ إلَخْ، وعَلَيْهِ لا تَجُوزُ في الكَلامِ إلّا عِنْدَ مَن يَقُولُ: إنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لا تُعَلَّلُ وهو أمْرٌ غَيْرُ ما نَحْنُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْلُّ وأعْلى مِن أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ مِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي جَعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ- حُزْنًا- بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الزّايِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحَتَيْنِ لُغَةَ قُرَيْشٍ ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أوْ مِن شَأْنِهِمُ الخَطَأُ فَلَيْسَ بِبِدَعٍ مِنهم أنْ قَتَلُوا أُلُوفًا لِأجْلِهِ ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبُرَ ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، رُوِيَ أنَّهُ ذَبَحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ.

و﴿خاطِئِينَ﴾ عَلى هَذا مِنَ الخَطَأِ في الرَّأْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن خَطِئَ بِمَعْنى أذْنَبَ، وفي الأساسِ يُقالُ: خَطِئَ خَطَأً إذا تَعَمَّدَ الذَّنْبَ، والمَعْنى وكانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ رَبِّي عَدُّوهم عَلى أيْدِيهِمْ، والجُمْلَةُ عَلى الأوَّلِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفِينَ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمُ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ فَإنَّهُ كَما سَمِعْتَ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ عَلى الثّانِي، اعْتِراضٌ لِتَأْكِيدِ ذَنْبِهِمُ المَفْهُومِ مِن حاصِلِ الكَلامِ، وقِيلَ: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا إنْ أُرِيدَ بِما ابْتُلُوا بِهِ كَوْنُهُ عَدُوًّا وحَزَنًا وهو لا يُنافِي الِاعْتِراضَ عِنْدَهُمْ، وقُرِئَ خاطِينَ بِغَيْرِ هَمْزٍ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ الهَمْزَ وحُذِفَتْ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو مِن خَطا يَخْطُو أيْ خاطِّينَ الصَّوابَ إلى ضِدِّهِ فَهو مَجازٌ.

28:9Page 386

وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩

And the wife of Pharaoh said, "[He will be] a comfort of the eye [i.e., pleasure] for me and for you. Do not kill him; perhaps he may benefit us, or we may adopt him as a son." And they perceived not.1

﴿وقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَلى هَذا لَمْ تَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: كانَتْ مِنهم مِن سِبْطِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى السُّهَيْلِيُّ أنَّها كانَتْ عَمَّتْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ، والمَشْهُورُ القَوْلُ الأوَّلُ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ أيْ وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لَهُ حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ.

﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ أيْ هو قُرَّةُ عَيْنٍ كائِنَةٌ لِي ولَكَ عَلى أنَّ ”قُرَّةُ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والظَّرْفُ في مَوْضِعِ

صفحة 48

الصِّفَةِ لَهُ ويَبْعُدُ كَما في البَحْرِ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ وقالَتْ ذَلِكَ لِما ألْقى اللَّهُ تَعالى مِن مَحَبَّتِهِ في قَلْبِها أوْ لِما كُشِفَ لَها فَرَأتْهُ مِنَ النُّورِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أوْ لِما شاهَدَتْهُ مِن بُرْءِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ مِنَ البَرَصِ بِرِيقِهِ أوْ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ، ولِتَفْخِيمِ شَأْنِ القُرَّةِ عَدَلَتْ عَنْ لَنا إلى لِي ولَكَ وكَأنَّها لِما تَعْلَمُ مِن مَزِيدِ حُبِّ فِرْعَوْنَ إيّاها وأنَّ مَصْلَحَتَها أهَمُّ عِنْدَهُ مِن مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ قَدَّمَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَرْغِيبِهِ بِتَرْكِ قَتْلِهِ، فَلا يُقالُ: إنَّ الأظْهَرَ في التَّرْغِيبِ بِذَلِكَ العَكْسِ وقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِكَوْنِ مَصْلَحَتِها أهَمَّ عِنْدَهُ مِن مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ ما أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها حِينَ قالَتْ لَهُ ذَلِكَ قالَ: لَكِ لا لِي ولَوْ قالَ لِي كَما هو لَكِ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى كَما هَداها، وهَذا أمْرٌ فَرْضِيٌّ فَلا يُنافِي ما ورَدَ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ طُبِعَ كافِرًا، والخِطابُ في لا تَقْتُلُوهُ قِيلَ: لِفِرْعَوْنَ وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ مَجازِيٌّ لِأنَّهُ الآمِرُ والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وكَوْنُهُ لا يُوجَدُ في كَلامِ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ إلّا في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ كَفِعْلِنا مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ الرَّضِيُّ وقَلَّدَهُ فِيهِ مَن قَلَّدَهُ وهو لا أصْلَ لَهُ رِوايَةً ودِرايَةً قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في فِقْهِ اللُّغَةِ مِن سُنَنِ العَرَبِ: مُخاطَبَةُ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمْعِ فَيُقالُ لِلرَّجُلِ العَظِيمِ انْظُرُوا في أمْرِي، وهَكَذا في سِرِّ الأدَبِ وخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ وهو مَجازٌ بَلِيغٌ وفي القُرْآنِ الكَرِيمِ مِنهُ ما التِزامُ تَأْوِيلِهِ سَفَهٌ، وقِيلَ: هو لِفِرْعَوْنَ وأعْوانِهِ الحاضِرِينَ ورُجِّحَ بِما رُوِيَ أنَّ غُواةَ قَوْمِهِ قالُوا وقْتَ إخْراجِهِ هَذا هو الصَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَحْذَرُ مِنهُ فَأْذَنْ لَنا في قَتْلِهِ. وقِيلَ: هو لَهُ ولِمَن يَخْشى مِنهُ القَتْلَ وإنْ لَمْ يَحْضُرْ عَلى التَّغْلِيبِ، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَهُ لِلْمَأْمُورِينَ بِقَتْلِ الصِّبْيانِ كَأنَّها بَعْدَ أنْ خاطَبَتْ فِرْعَوْنَ وأخْبَرَتْهُ بِما يَسْتَعْطِفُهُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمِنَتْ مِنهُ بادِرَةَ أمْنٍ جَدِيدٍ بِقَتْلِهِ فالتَفَتَتْ إلى خِطابِ المَأْمُورِينَ قَبْلُ فَنَهَتْهم عَنْ قَتْلِهِ مُعَلِّلَةً ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى المَحْكِيِّ عَنْها:

﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ وهو أوْفَقُ بِاخْتِلافِ الأُسْلُوبِ حَيْثُ فَصَلَّتْ أوَّلًا في قَوْلِها: لِي ولَكَ وأفْرَدَتْ ضَمِيرَ خِطابِ فِرْعَوْنَ ثُمَّ خاطَبَتْ وجَمَعَتِ الضَّمِيرَ في لا تَقْتُلُوهُ ثُمَّ تَرَكَتِ التَّفْصِيلَ في ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ إلَخْ ولَمْ تَأْتِ بِهِ عَلى طُرُزِ ”قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولَكَ“ بِأنْ تَقُولَ: عَسى أنْ يَنْفَعَنِي ويَنْفَعَكَ مَثَلًا فَتَأمَّلْ. ورَجاءَ نَفْعِهِ لِما رَأتْ فِيهِ مِن مَخايِلِ البَرَكَةِ ودَلائِلِ النَّجابَةِ:

فِي المَهْدِ يَنْطِقُ عَنْ سَعادَةِ جَدِّهِ أثَرُ النَّجابَةِ ساطِعُ البُرْهانِ

واتِّخاذُهُ ولَدًا لِأنَّهُ لائِقٌ لِتَبَنِّي المُلُوكِ لِما فِيهِ مِنَ الأُبَّهَةِ وعَطْفُ هَذا عَلى ما قَبْلَهُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ أوْ تُعْتَبَرُ بَيْنَهُما المُغايَرَةُ وهو الأنْسَبُ بَأوْ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والتَّقْدِيرُ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا وقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ فِيما صَنَعُوا. وقالَقَتادَةُ: لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ الَّذِي يُفْسِدُ مُلْكَهم عَلى يَدِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ: أنَّهُ عَدُوٌّ لَهم. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: أنِّي أفْعَلُ ما أُرِيدُ لا ما يُرِيدُونَ والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ أجْمَعُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ القائِلَةِ والمَقُولِ لَهُ مَعًا. والمُرادُ بِالجَمْعِ اثْنانِ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الخِطابِ في لا تَقْتُلُوهُ لِفِرْعَوْنَ فَقَطْ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ القائِلَةِ فَقَطْ أيْ قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لَهُ ذَلِكَ والَّذِينَ أشارُوا بِقَتْلِهِ لا يَشْعُرُونَ بِمَقالَتِها لَهُ واسْتِعْطافُ قَلْبِهِ عَلَيْهِ لِئَلّا يُغْرُوهُ بِقَتْلِهِ وعَلى الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ نَتَّخِذُهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ لا لِذِي الحالِ إذْ يَكْفِي الواوُ لِلرَّبْطِ أيْ نَتَّخِذُهُ ولَدًا والنّاسُ لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لِغَيْرِنا وقَدْ تَبَنَّيْناهُ فَيَكُونُ مِن كَلامِ آسِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها

28:10Page 386

وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠

And the heart of Moses' mother became empty [of all else]. She was about to disclose [the matter concerning] him had We not bound fast her heart that she would be of the believers.

﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ أيْ صارَ خالِيًا مِن كُلِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذِكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَهُ

صفحة 49

الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ، ونَحْوَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: فارِغًا مِنَ الصَّبْرِ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فارِغًا مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ سُبْحانَهُ إلَيْها تَناسَتْ ذَلِكَ مِنَ الهَمِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فارِغًا مِنَ الهَمِّ إذْ لَمْ يَغْرَقْ وسَمِعَتْ أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ وتَبَنّاهُ كَما يُقالُ فُلانٌ فارِغُ البالِ وقالَ بَعْضُهُمْ: فارِغًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ عَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها واعْتُرِضَ عَلى القَوْلَيْنِ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِما لا يُلائِمُ ما بَعْدَهُ وفِيهِ نَظَرٌ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو- فُوادُ- بِالواوِ وقَرَأ- مُؤْسى- بِهَمْزَةٍ بَدَلَ الواوِ، وقَرَأ فَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ والحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ- فَزِعًا- بِالزّايِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِنَ الفَزَعِ وهو الخَوْفُ والقَلَقُ، وابْنُ عَبّاسٍ قَرِعًا بِالقافِ وكَسْرِ الرّاءِ وإسْكانِها مِن قَرَعَ رَأْسُهُ إذا انْحَسَرَ شَعْرُهُ كَأنَّهُ خَلا مَن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذَكْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قَرْعًا بِالسُّكُونِ مَصْدَرٌ أيْ قَرَعَ قَرْعًا مِنَ القارِعَةِ وهو الهَمُّ العَظِيمُ، وقَرَأ بَعْضُ الصَّحابَةِ فِزْغًا بِفاءٍ مَكْسُورَةٍ وزايٍ ساكِنَةٍ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ومَعْناهُ ذاهِبًا هَدْرًا والمُرادُ هالِكًا مِن شِدَّةِ الهَمِّ كَأنَّهُ قَتِيلٌ لا قَوْدَ ولا دِيَةَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُلَيْحَةَ الأسَدِيِّ في أخِيهِ حَبّالٍ:

فَإنْ يَكُ قَبَلِي قَدْ أُصِيبَتْ نُفُوسُهم فَلَنْ يَذْهَبُوا فِزْغًا بِقَتْلِ حَبّالِ

وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ- فُرُغًا- بِضَمِّ الفاءِ والرّاءِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ أنَّها كادَتْ إلَخْ عَلى أنَّ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واللّامُ هي الفارِقَةُ أوْ ما كادَتْ إلّا تُبْدِي بِهِ عَلى أنَّ إنْ نافِيَةٌ واللّامُ بِمَعْنى إلّا وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ والإبْداءُ إظْهارُ الشَّيْءِ وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى التَّصْرِيحِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ والباءُ سَبَبِيَّةٌ أيْ تُبْدِي حَقِيقَةَ الحالِ بِسَبَبِهِ أيْ بِسَبَبِ ما عَراها مِن فِراقِهِ، وقِيلَ: هي صِلَةٌ أيْ تُبْدِيهِ وكِلا القَوْلَيْنِ كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّها كادَتْ تُصَرِّحُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَقُولُ وا ابْناهُ مِن شِدَّةِ الغَمِّ والوَجْدِ رَواهُ الجَماعَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّها كادَتْ تَصِيحُ وا ابْناهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها تَلاطُمِ الأمْواجِ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها كادَتْ تُظْهِرُ أمْرَهُ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ بِنَجاتِهِ وتَبَنِّي فِرْعَوْنَ إيّاهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَحْيِ إنَّها كادَتْ تُظْهِرُ الوَحْيَ وهو الوَحْيُ الَّذِي كانَ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾ الآيَةَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ولا تُساعِدُ عَلَيْهِ الرِّواياتُ ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا عَلَيْهِ مِنَ السَّكِينَةِ والمُرادُ لَوْلا أنْ ثَبَّتْنا قَلْبَها وصَبَّرْناها، فالرَّبْطُ عَلى القَلْبِ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ لَوْلا أنْ رَبْطَنا عَلى قَلْبِها لَأبْدَتْهُ، وقِيلَ: لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ عِلَّةٌ لِلرَّبْطِ عَلى القَلْبِ، والإيمانِ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ أيْ صَبَّرْناها وثَبَّتْنا قَلْبَها لِتَكُونَ راسِخَةً في التَّصْدِيقِ بِوَعْدِنا بِأنّا رادُّوهُ إلَيْها

صفحة 50

وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ، ومَن جَعَلَ الفَراغَ مِنَ الهَمِّ والحُزْنِ وكَيْدُودَةِ الإبْداءِ مِنَ الفَرَحِ بِتَبَنِّيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو فَرَحٌ مَذْمُومٌ جَعَلَ الإيمانَ بِمَعْنى الوُثُوقِ كَما في قَوْلِهِمْ عَلى ما حَكى أبُو زَيْدٍ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً أيْ ما وثِقْتُ وحَقِيقَتُهُ صِرْتُ ذا أمْنٍ أيْ ذا سُكُونٍ وطُمَأْنِينَةٍ، وقالَ: المَعْنى لَوْلا أنْ رَبَطَنا عَلى قَلْبِها وسَكَّنّا قَلَقَهُ الكائِنَ مِنَ الِابْتِهاجِ الفاسِدِ لِتَكُونَ مِنَ الواثِقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى المُبْتَهِجِينَ بِما يَحِقُّ الِابْتِهاجُ بِهِ

28:11Page 386

وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١

And she said to his sister, "Follow him"; so she watched him from a distance while they perceived not.

﴿وقالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ وقِيلَ: كُلْثُمَةَ وقِيلَ: كُلْثُومَ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأُخُوَّتِهِ دُونَ أنْ يُقالَ لِبِنْتِها لِلتَّصْرِيحِ بِمَدارِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ ﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ اتَّبِعِي أثَرَهُ وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ مِنها بَعْدَ أنْ أصْبَحَ فُؤادُها فارِغًا فَإنْ كانَتْ لَمْ تَعْرِفْ مَكانَهُ إذْ ذاكَ فَظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ قَدْ عَرَفَتْهُ فَتَتَبَّعُ الخَبَرُ لِيُعْرَفَ هَلْ قَتَلُوهُ أمْ لا ولِيَنْكَشِفَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحالِ ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ أبْصَرَتْهُ والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقَصَّتْ أثَرَهُ فَبَصُرَتْ، وقَرَأ قَتادَةُ- فَبَصَرَتْ- بِفَتْحِ الصّادِّ وعِيسى بِكَسْرِها ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ أيْ عَنْ بُعْدٍ، وقِيلَ: أيْ عَنْ شَوْقٍ إلَيْهِ حَكاهُ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وقالَ: هي لُغَةُ جُذامٍ يَقُولُونَ جَنُبْتُ إلَيْكَ أيِ اشْتَقْتُ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: جُنُبٌ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أيْ عَنْ مَكانٍ جُنُبٍ أيْ بَعِيدٍ وكَأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى القَرِيبِ أيْضًا كالجارِ الجُنُبِ، وقِيلَ: أيْ عَنْ جانِبٍ لِأنَّها كانَتْ تَمْشِي عَلى الشَّطِّ، وقِيلَ: النَّظَرُ عَنْ جُنُبٍ أنْ تَنْظُرَ إلى الشَّيْءِ كَأنَّكَ لا تُرِيدُهُ.

وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والأعْرَجُ عَنْ جَنْبٍ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحِهِما أيْضًا، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قُرِئَ بِضَمِّ الجِيمِ وإسْكانِ النُّونِ، وقَرَأ النُّعْمانُ بْنُ سالِمٍ- عَنْ جانِبٍ- والكُلُّ عَلى ما قِيلَ: بِمَعْنًى واحِدٍ، وفي البَحْرِ الجَنْبُ والجانِبُ والجَنابَةُ والجَنابُ بِمَعْنًى ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تَقُصُّهُ وتَتَعَرَّفُ حالَهُ أوْ أنَّها

28:12Page 386

۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢

And We had prevented from him [all] wet nurses before,1 so she said, "Shall I direct you to a household that will be responsible for him for you while they are to him [for his upbringing] sincere?"

﴿وحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أيْ مَنَعْناهُ ذَلِكَ فالتَّحْرِيمُ مَجازٌ عَنِ المَنعِ فَإنَّ مَن حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَدْ مُنَعَهُ ولا يَصِحُّ إرادَةُ التَّحْرِيمِ الشَّرْعِيِّ لِأنَّ الصَّبِيَّ لَيْسَ مِن أهْلِ التَّكْلِيفِ ولا دَلِيلَ عَلى الخُصُوصِيَّةِ، والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ الضّادِ وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ، وتَرَكَ التّاءَ إمّا لِاخْتِصاصِهِ بِالنِّساءِ أوْ لِأنَّهُ بِمَعْنى شَخْصٍ مُرْضِعٍ أوْ جَمْعُ مَرْضَعٍ بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى الرِّضاعِ وجُمِعَ لِتَعَدُّدِ مَرّاتِهِ أوِ اسْمُ مَكانٍ أيْ مَوْضِعَ الرِّضاعِ وهو الثَّدْيُ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ قَصِّها أوْ إبْصارِها أوْ وُرُودِهِ عَلى مَن هو عِنْدَهُ، أوْ مِن قَبْلِ ذَلِكَ أيْ مِن أوَّلِ أمْرِهِ وظاهِرُ صَنِيعِ أبِي حَيّانَ اخْتِيارُهُ ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ أيْ هَلْ تُرِيدُونَ أنْ أدُلَّكم ﴿عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ يُضَمِّنُونَهُ ويَقُومُونَ بِتَرْبِيَتِهِ لِأجْلِكُمْ، والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فَقالَتْ، وقَوْلُها: عَلى أهْلِ بَيْتٍ دُونَ امْرَأةٍ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ امْرَأةٌ مِن أهْلِ الشَّرَفِ تَلِيقُ بِخِدْمَةِ المُلُوكِ ﴿وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في خِدْمَتِهِ وتَرْبِيَتِهِ، ورُوِيَ أنَّ هامانَ لِما سَمِعَ هَذا مِنها قالَ: إنَّها لَتَعْرِفُهُ وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فَخَلُصَتْ بِذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي يَجُوزُ لِمِثْلِهِ الكَذِبُ وأحْسَنَتْ ولَيْسَ بِبِدَعٍ لِأنَّها مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ فَحَقِيقٌ بِها ذَلِكَ، واحْتِمالُ الضَّمِيرِ لِأمْرَيْنِ مِمّا لا تَخْتَصُّ بِهِ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ بَلْ يَكُونُ في جَمِيعِ اللُّغاتِ عَلى أنَّ الفَراعِنَةَ مِن بَقايا العَمالِقَةِ وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالعَرَبِيَّةِ فَلَعَلَّها كَلَّمَتْ بِلِسانِهِمْ ويُسَمّى هَذا الأُسْلُوبُ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهُ.

28:13Page 386

فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣

So We restored him to his mother that she might be content and not grieve and that she would know that the promise of Allāh is true. But most of them [i.e., the people] do not know.

﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ فَقَبِلُوا ذَلِكَ مِنها ودَلَّتْهم عَلى أُمِّهِ وكَلَّمُوها في إرْضاعِهِ فَقَبِلَتْ فَرَدَدْناهُ

صفحة 51

إلَيْها أوْ يُقَدِّرُ نَحْوَ ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ أُخْتَهُ لَمّا قالَتْ ما قالَتْ أمَرَها فِرْعَوْنُ بِأنْ تَأْتِيَ بِمَن يَكْفُلُهُ فَأتَتْ بِأُمِّهِ ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يَبْكِي وهو يُعَلِّلُهُ فَدَفَعَهُ إلَيْها فَلَمّا وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ: مَن أنْتِ مِنهُ؟ فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكِ فَقالَتْ إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ لا أوُتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي فَقَرَّرَهُ في يَدِها فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها وأمَرَ أنْ يُجْرى عَلَيْها النَّفَقَةَ ولَيْسَ أخْذُها ذَلِكَ مِن أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى إرْضاعِها إيّاهُ ولَوْ سُلِّمَ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ حَرامًا فِيما تَدِينُ وكانَتِ النَّفَقَةُ عَلى ما في البَحْرِ دِينارًا في كُلِّ يَوْمٍ ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِوُصُولِ ولَدِها إلَيْها ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ لِفِراقِهِ ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ جَمِيعَ ما وعَدَهُ سُبْحانَهُ مِن رَدِّهِ وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فِيهِ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِهِ وقِياسِ بَعْضِهِ عَلَيْهِ وإلّا فَعِلْمُها بِحَقِّيَّةِ ذَلِكَ بِالوَحْيِ حاصِلٌ قَبْلُ.

واسْتَدَلَّ أبُو حَيّانَ بِالآيَةِ عَلى ضَعْفِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الإيحاءَ كانَ إلْهامًا أوْ مَنامًا لِأنَّ ذَلِكَ يَبْعُدُ أنْ يُقالَ فِيهِ وعْدٌ، وفِيهِ نَظَرٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَعْرِفُونَ وعْدَهُ تَعالى ولا حَقِّيَّتَهُ أوْ لا يَجْزِمُونَ بِما وعَدَهم جَلَّ وعَلا لِتَجْوِيزِهِمْ تَخَلُّفَهُ وهو سُبْحانُهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْها عِلْمُها بِذَلِكَ وما سِواهُ مِن قُرَّةِ عَيْنِها وذَهابِ حُزْنِها تَبَعٌ، وفِيهِ أنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ الكَلامُ إنَّما هو كَوْنُ كُلٍّ مِن قُرَّةِ العَيْنِ والعِلْمِ كالغَرَضِ أوْ غَرَضًا مُسْتَقِلًّا، وأمّا تَبَعِيَّةُ غَيْرِ العِلْمِ لَهُ لا سِيَّما مَعَ تَقَدُّمِ الغَيْرِ فَلا، وكَوْنُ المُفِيدِ لِذَلِكَ حَذْفَ حَرْفِ العِلَّةِ مِنَ الأوَّلِ لا يَخْفى حالُهُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: (ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ) إلَخْ قِيلَ: تَعْرِيضٌ بِما فَرَطَ مِن أُمِّهِ حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَراها كانَ مِن مُقْتَضَياتِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ وهو يُجامِعُ العِلْمَ بِعَدَمِ وُقُوعِ ما يُخافُ مِنهُ، ونَفْيُ العِلْمِ في مِثْلِ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ كَما لا يَخْفى. ثُمَّ إنَّ الِاسْتِدْراكَ عَلى ما اخْتارَهُ مِمّا وقَعَ بَعْدَ العِلْمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن نَفْسِ العِلْمِ وذَلِكَ إذا كانَ المَعْنى لا يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْها عِلْمُها بِحَقِّيَّةِ وعْدِ اللَّهِ تَعالى فَتَأمَّلْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском