Al-AlusiAl‑Qasas · 28:14–18

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:14–18

28:14Page 387

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤

And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.

﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ المَبْلَغَ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نُشُوءُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَوى﴾ أيْ كَمُلَ وتَمَّ تَأْكِيدٌ وتَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ كَذا قِيلَ: واخْتُلِفَ في زَمانِ بُلُوغِ الأشَدِّ والِاسْتِواءِ فَأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ الأشَدُّ ما بَيْنَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ إلى الثَّلاثِينَ والِاسْتِواءُ ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ فَإذا زادَ عَلى الأرْبَعِينَ أخَذَ في النُّقْصانِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الأشَدُّ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً والِاسْتِواءُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وقالَ الزَّجّاجُ مَرَّةً: بُلُوغُ الأشَدِّ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى الأرْبَعِينَ وأُخْرى هو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ واخْتارَهُ بَعْضُهم هُنا وعَلَّلَ بِأنَّ ذَلِكَ لِمُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ مُنْتَهٍ إلى الأرْبَعِينَ وهي سِنُّ الوُقُوفِ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَبْدَؤُهُ مَبْدَأهُ ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ والحَقُّ أنَّ بُلُوغَ الأشَدِّ في الأصْلِ هو الِانْتِهاءُ إلى حَدِّ القُوَّةِ وذَلِكَ وقْتَ انْتِهاءِ النُّمُوِّ وغايَتِهِ وهَذا مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ ولِذا وقَعَ لَهُ تَفاسِيرُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ، ولَعَلَّ الأوْلى عَلى ما قِيلَ: أنْ يُقالَ إنَّ بُلُوغَ الأشُدِّ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ القَدْرِ الَّذِي يَتَقَوّى فِيهِ بَدَنُهُ وقُواهُ الجُسْمانِيَّةُ ويَنْتَهِي فِيهِ نُمُوُّهُ المُعْتَدُّ بِهِ والِاسْتِواءُ اعْتِدالُ عَقْلِهِ وكَمالُهُ ولا يَنْبَغِي تَعْيِينُ وقْتٍ لِذَلِكَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا بِخَبَرٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِما سَمِعْتُ مِن أنَّ ذاكَ مِمّا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأقالِيمِ والأعْصارِ والأحْوالِ نَعَمِ اشْتُهِرَ أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَكُونُ في سِنِّ أرْبَعِينَ وعَلَيْهِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

صفحة 52

إذا المَرْءُ وافى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ دُونَ ما يَهْوى حَياءٌ ولا سِتْرُ

فَدَعْهُ ولا تُنَفِّسْ عَلَيْهِ الَّذِي مَضى ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابِ الحَياةِ لَهُ العُمْرُ

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِذَلِكَ، وقَدْ مَرَّ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في الأشُدِّ في سُورَةِ يُوسُفَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفَلْ. ثُمَّ إنَّ حاصِلَ المَعْنى عَلى ما قِيلَ أخِيرًا: ولَمّا قَوِيَ جِسْمُهُ، واعْتَدَلَ عَقْلُهُ ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أوْ عِلْمًا هو مِن خَواصِّ النُّبُوَّةِ عَلى ما تَأوَّلَ بِهِ بَعْضُهم كَلامَهُ ﴿وعِلْمًا﴾ بِالدِّينِ والشَّرِيعَةِ. وفي الكَشّافِ العِلْمُ التَّوْراةُ والحُكْمُ السُّنَّةُ وحِكْمَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سُنَّتُهم. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ وقِيلَ آتَيْناهُ سِيرَةَ الحُكَماءِ العُلَماءِ وسَمْتَهم قَبْلَ البَعْثِ، فَكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَفْعَلُ فِعْلًا يَسْتَجْهِلُ فِيهِ اهـ، ورُجِّحَ ما قِيلَ بِأنَّهُ أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ مِمّا تَقَدَّمَ، لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ وكْزِ القِبْطِيِّ، والهِجْرَةُ إلى مَدْيَنَ، ورُجُوعُهُ مِنها، وإيتاؤُهُ التَّوْراةَ كانَ بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ، فَهو بَعْدَ الوَكْزِ بِكَثِيرٍ وبِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْناهُ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ يَأْبى حَمْلَ ما تَقَدَّمَ عَلى النُّبُوَّةِ لِأنَّها لا تَكُونُ جَزاءً عَلى العَمَلِ، ومَن ذَهَبَ إلى الأوَّلِ جَعَلَ هَذا بَيانًا إجْمالِيًّا لِإنْجازِ الوَعْدِ بِجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ بَعْدَ رَدِّهِ لِأُمِّهِ، وما بَعْدُ تَفْصِيلٌ لَهُ، والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وكَوْنُ ما فَعَلَ بِمُوسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ جَزاءً عَلى العَمَلِ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ. وقَدْ يُقالُ: إنَّ أصْلَ النُّبُوَّةِ وإنْ لَمْ تَكُنْ جَزاءً عَلى العَمَلِ إلّا أنَّ بَعْضَ مَراتِبِها، وهو ما فِيهِ مَزِيدُ قُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَكُونُ بِاعْتِبارِ مَزِيدِ القُرْبِ جَزاءً عَلَيْهِ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى أنَّ مَزِيدَ القُرْبِ هو الجَزاءُ وتَفاوُتُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في القُرْبِ مِنهُ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، ورُجِّحَ ما تَقَدَّمَ بِكَوْنِهِ أوْفَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ واسْتِلْزامُهُ حُصُولُ النُّبُوَّةِ لِكُلِّ مُحْسِنٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا الإيتاءَ كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ قالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى آتَيْناهُ رِياسَةً بَيْنَ قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ جَعَلْناهُ مُمْتازًا فِيما بَيْنَهُمْ، يَرْجِعُونَ إلَيْهِ في مَهامِّهِمْ، ويَمْتَثِلُونَهُ إذا أمَرَهم بِشَيْءٍ أوْ نَهاهم عَنْهُ، وعِلْمًا يَنْتَفِعُ بِهِ ويَنْفَعُ بِهِ غَيْرَهُ، وذَلِكَ إمّا بِمَحْضِ الإلْهامِ، أوْ بِتَوْفِيقِهِ لِاسْتِنْباطِ دَقائِقَ وأسْرارٍ مِمّا نُقِلَ إلَيْهِ مِن كَلِماتِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولا بِدَعَ في أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عالِمًا بِما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهُ الأنْبِياءُ مِنهم وبِما كانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مِنَ الشَّرائِعِ بِواسِطَةِ الإلْهامِ أوْ بِسَماعِ ما يُفِيدُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْبارِ، ولَعَلَّ هَذا أوْلى مِمّا نَقَلَهُ في الكَشّافِ. وفي الكَلامِ عَلى أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما تَنْفَعُكَ مُراجَعَتُهُ فَلْيُراجَعْ.

28:15Page 387

وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥

And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."

﴿ودَخَلَ المَدِينَةَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما في البَحْرِ: هي مَنفُ ﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ أيْ في وقْتٍ لا يُعْتادُ دُخُولُها، أوْ لا يَتَوَقَّعُونَهُ فِيهِ، وكانَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ وقْتَ القائِلَةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ بَيْنَ العَشاءِ والعَتَمَةِ وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ يَوْمًا وسارَ إلى تِلْكَ المَدِينَةِ فَعَلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِرُكُوبِهِ فَلَحِقَ ودَخَلَ المَدِينَةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي مِصْرُ، كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ بَدَتْ مِنهُ مُجاهَرَةٌ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِما يَكْرَهُونَ، فاخْتَفى وغابَ، فَدَخَلَها مُتَنَكِّرًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ أخْرَجَهُ مِنها فَغابَ سِنِينَ فَنَسِيَ فَجاءَ ودَخَلَها وأهْلُها في غَفْلَةٍ بِنِسْيانِهِمْ لَهُ، وبَعُدَ عَهْدُهم بِهِ. وقِيلَ: دَخَلَ في يَوْمِ عِيدٍ

صفحة 53

وهم مَشْغُولُونَ بِلَهْوِهِمْ. وقِيلَ: خَرَجَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ ودَخَلَ مِصْرَ وقْتَ القَيْلُولَةِ أوْ بَيْنَ العِشاءَيْنِ، وقِيلَ: المَدِينَةُ عَيْنُ شَمْسٍ، وقِيلَ: قَرْيَةٌ عَلى فَرْسَخَيْنِ مِن مِصْرَ يُقالُ لَها: حابِينُ.

وقِيلَ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ، والأشْهَرُ أنَّها مِصْرُ، ولَعَلَّهُ هو الأظْهَرُ والمُتَبادِرُ أنَّ- عَلى حِينِ- مُتَعَلِّقٌ بِدَخَلَ، وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنَّ عَلى بِمَعْنى في مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ عَلى قَوْلٍ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَدِينَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ أيْ مُخْتَلِسًا اهـ ولَعَلَّ الَّذِي دَعاهُ إلى العُدُولِ عَنِ المُتَبادِرِ احْتِياجُهُ إلى جَعْلِ عَلى بِمَعْنى في وخَفاءُ نُكْتَةِ التَّعْبِيرِ بِها دُونَها أوِ الِاكْتِفاءُ بِالظَّرْفِ وحْدَهُ عَلَيْهِ والأمْرُ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ وقِيلَ: إنَّ الدّاعِيَ إلى ذَلِكَ أنَّ دُخُولَ المَدِينَةِ في حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها لَيْسَ نَصًّا في دُخُولِها غافِلًا أهْلَها كَما في وجْهِ الحالِيَّةِ مِنَ المَدِينَةِ ولا في دُخُولِها مُخْتَلِسًا كَما في وجْهِ الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ فَإنَّ وقْتَ الغَفْلَةِ كَوَقْتِ القائِلَةِ وما بَيْنَ العِشاءَيْنِ قَدْ لا يُغْفَلُ فِيهِ وفِيهِ بَحْثٌ.

و﴿مِن أهْلِها﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِغَفْلَةٍ وما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغُ مِن غَفْلَةِ أهْلِها بِالإضافَةِ لِما في التَّنْوِينِ مِن إفادَةِ التَّفْخِيمِ، ولَعَلَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَ لِهَذا فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ أبُو طالِبٍ القارِئُ- عَلى حِينَ- بِفَتْحِ النُّونِ ووُجِّهَ بِأنَّهُ فَتَحَ لِمُجاوِرَةِ الغَيْنِ كَما كُسِرَ في بَعْضِ القِراءاتِ الدّالُّ في الحَمْدِ لِلَّهِ لِمُجاوِرَةِ اللّامِ أوْ بِأنَّهُ أجْرى المَصْدَرَ مَجْرى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى حِينَ غَفَلَ أهْلُها فَبَنى حِينَ كَما يَبْنِي إذا أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِفِعْلٍ ماضٍ نَحْوَ قَوْلِهِ:

عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا وهو كَما تَرى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أيْ يَتَحارَبانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرَجُلَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في مَوْضِعِ الحالِ وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مِن جَوازِ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ يَقْتُلانِ بِإدْغامِ التّاءِ في التّاءِ ونَقْلِ فَتْحَتِها إلى القافِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ مِمَّنْ شايَعَهُ وتابَعَهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ أوْ في الدِّينِ عَلى ما قالَهُ جَماعَةٌ وهم بَنُو إسْرائِيلَ قالَ في الإتْقانِ: هو السّامِرِيُّ ﴿وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ مِن مُخالِفِيهِ فِيما يُرِيدُ أوْ في الدِّينِ عَلى ما قالَهُ الجَماعَةُ وهُمُ القِبْطُ واسْمُهُ كَما في الإتْقانِ أيْضًا قانُونٌ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لِرَجُلَيْنِ والإشارَةُ بِهَذا واقِعَةٌ عَلى طَرِيقِ الحِكايَةِ لِما وقَعَ وقْتَ الوِجْدانِ كَأنَّ الرّائِيَ لَهُما يَقُولُهُ لا في المَحْكِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقالَ المُبَرِّدُ: العَرَبُ تُشِيرُ بِهَذا إلى الغائِبِ قالَ جَرِيرٌ:

هَذا ابْنُ عَمِّي في دِمَشْقَ خَلِيفَةً لَوْ شِئْتُ ساقَكم إلَيَّ قَطِينا

وهَذِهِ الإشارَةُ قائِمَةٌ مَقامَ الضَّمِيرِ في الرَّبْطِ والعَطْفُ سابِقٌ عَلى الوَصْفِيَّةِ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَقاتُلِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَقِيلَ: كانَ أمْرًا دِينِيًّا، وقِيلَ: كانَ أمْرًا دُنْيَوِيًّا، رُوِيَ أنَّ القِبْطِيَّ كَلَّفَ الإسْرائِيلِيَّ حَمْلَ الحَطَبِ إلى مَطْبَخِ فِرْعَوْنَ فَأبى فاقْتَتَلا لِذَلِكَ، وكانَ القِبْطِيُّ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ خَبّازًا لِفِرْعَوْنَ ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ فَطَلَبَ غَوْثَهُ ونَصْرَهُ إيّاهُ ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ﴾ ولِتَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى النَّصْرِ عُدِّيَ بِعَلى ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: ﴿اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعانَةِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ فاسْتَعانَهُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ بَدَلَ الثّاءِ، وقَدْ نَقَلَ هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ خالَوَيْهِ، عَنْ

صفحة 54

سِيبَوَيْهِ وأبُو القاسِمِ يُوسُفُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ جُبارَةَ عَنِ ابْنِ مِقْسَمٍ والزَّعْفَرانِيِّ، وقَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّهُ ذَكَرَها الأخْفَشُ وهو تَصْحِيفٌ لا قِراءَةٌ مِمّا لا ثَبْتَ لَهُ فِيهِ، وقَدْ حُذِفَ مِن جُمْلَةِ الصِّلَةِ صَدْرُها أيِ الَّذِي هو مِن شِيعَتِهِ والَّذِي هو مِن عَدُوِّهِ ولَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ حَذْفُ ذَلِكَ صَحَّ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أيْ ضَرَبَ القِبْطِيَّ بِجَمْعِ كَفِّهِ أيْ بِكَفِّهِ المَضْمُومَةِ أصابِعُها عَلى ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الوَكْزُ الضَّرْبُ بِاليَدِ مَجْمُوعَةً أصابِعُها كَعَقْدِ ثَلاثَةٍ وسَبْعِينَ وعَلى القَوْلَيْنِ يَكُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ضَرَبَهُ بِاليَدِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَهُ بِعَصاهُ فَكَأنَّهُ يُفَسِّرُ الوَكْزَ بِالدَّفْعِ أوِ الطَّعْنِ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ مَعانِيهِ كَما في القامُوسِ ولَعَلَّهُ أرادَ بِعَصاهُ عَصًا كانَتْ لَهُ فَإنَّ عَصاهُ المَشْهُورَةَ أعْطاهُ إيّاها شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَذِهِ الحادِثَةِ كَما هو مَشْهُورٌ، وفي كُتُبِ التَّفاسِيرِ مَسْطُورٌ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ فَلَكَزَهُ بِاللّامِ وعَنْهُ فَنَكَزَهُ بِالنُّونِ واللَّكْزُ عَلى ما في القامُوسِ الوَكْزُ والوَجْءُ في الصَّدْرِ والحَنَكِ والنَّكْزُ عَلى ما فِيهِ أيْضًا الضَّرْبُ والدَّفْعُ، وقِيلَ: الوَكْزُ والنَّكْزُ واللَّكْزُ الدَّفْعُ بِأطْرافِ الأصابِعِ، وقِيلَ: الوَكْزُ عَلى القَلْبِ واللَّكْزُ عَلى اللِّحى. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا اشْتَدَّ التَّناكُرُ قالَ القِبْطِيُّ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنَّهُ أحْمِلُهُ يَعْنِي الحَطَبَ عَلَيْكَ فاشْتَدَّ غَضَبُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ قُوَّةً فَوَكَزَهُ ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أيْ فَقَتَلَهُ مُوسى وأصْلُهُ أنْهى حَياتَهُ أيْ جَعَلَها مُنْتَهِيَةً مُتَقَضِّيَةً وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى بِعَلى كَما في الأساسِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ بِأوْقَعَ القَضاءَ عَلَيْهِ، وقَدْ يَتَعَدّى الفِعْلُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإيحاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ وعَوْدُ ضَمِيرِ الفاعِلِ في قَضى عَلى مُوسى هو الظّاهِرُ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى أيْ فَقَضى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِالمَوْتِ فَقَضى بِمَعْنى حَكَمَ، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن وكَزَهُ أيْ فَقَضى الوَكْزُ عَلَيْهِ أيْ أنْهى حَياتَهُ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ مِن تَزْيِينِهِ.

وقِيلَ: مِن جِنْسِ عَمَلِهِ والأوَّلُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ عَلى أنَّ ”مُبِينٌ“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِعَدُوٍّ، وقِيلَ: ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ، ووُجِّهَ بِأنَّهُ صِفَةٌ لِعَدُوٍّ المُلاحِظُ مَعَهُ وصْفُ الإضْلالِ أوْ بِأنَّهُ مُتَنازِعٌ فِيهِ لِعَدُوٍّ ومُضِلٍّ كُلٌّ يَطْلُبُهُ صِفَةً لَهُ وأيًّا ما كانَ فَمُبِينٌ مِن أبانَ اللّازِمِ

28:16Page 387

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦

He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.

﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بِوَكْزٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ ذَنْبِي وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ لِأنَّهُ فَعَلَ ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِهِ ولَيْسَ مِن سُنَنِ آبائِهِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مِثْلِ هَذِهِ الحادِثَةِ الَّتِي شاهَدَها وقَدْ أفْضى إلى قَتْلِ نَفْسٍ لَمْ يُشْرَعْ في شَرِيعَةٍ مِنَ الشَّرائِعِ قَتْلُها، ولا يُشْكِلُ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَنِ الكَبائِرِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ وقَبْلَها لِأنَّ أصْلَ الوَكْزِ مِنَ الصَّغائِرِ، وما وقَعَ مِنَ القَتْلِ كانَ خَطَأً كَما قالَهُ كَعْبٌ وغَيْرُهُ، والخَطَأُ وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنِ الإثْمِ، ولِذا شُرِعَتْ فِيهِ الكَفّارَةُ إلّا أنَّهُ صَغِيرَةٌ أيْضًا بَلْ قِيلَ: لا يُشْكِلُ أيْضًا عَلى القَوْلِ بِعِصْمَتِهِمْ عَنِ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ مُطْلَقًا لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رَأى أنَّ في الوَكْزِ دَفْعَ ظالِمٍ عَنْ مَظْلُومٍ فَفَعَلَهُ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ القَتْلَ، وإنَّما وقَعَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا عَنْ قَصْدٍ وكَوْنُ الخَطَأِ لا يَخْلُو عَنْ إثْمٍ في شَرائِعِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما في شَرِيعَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ مَعْلُومٍ وكَذا مَشْرُوعِيَّةُ الكَفّارَةِ فِيهِ وكَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ وقَعَ مِنهُ ما وقَعَ تَأمَّلَ فَظَهَرَ لَهُ إمْكانُ الدَّفْعِ بِغَيْرِ الوَكْزِ وأنَّهُ لَمْ يَتَثَبَّتْ في رَأْيِهِ لِما

صفحة 55

اعْتَراهُ مِنَ الغَضَبِ فَعَلِمَ أنَّهُ فَعَلَ خِلافَ الأوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى أمْثالِهِ فَقالَ ما قالَ عَلى عادَةِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِهِمْ خِلافَ الأوْلى، ثُمَّ إنَّ هَذا الفِعْلَ وقَعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكم لَمّا خِفْتُكم فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وجَعَلَنِي مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ وبِذَلِكَ قالَ النِّقّاشُ وغَيْرُهُ ورُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ومَن فَسَّرَ الِاسْتِواءَ بِبُلُوغِ أرْبَعِينَ سَنَةً وجَعَلَ ما ذُكِرَ بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ والِاسْتِواءِ وإيتاءِ الحُكْمِ والعِلْمِ بِالمَعْنى الَّذِي لا يَقْتَضِي النُّبُوَّةَ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ ابْنَ أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ ما فَوْقَها بِقَلِيلٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ إنِّي عَرَّضْتُها لِلتَّلَفِ بِقَتْلِ هَذا الكافِرِ إذْ لَوْ عَرَفَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ لَقَتَلَنِي بِهِ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاغْفِرْ لِي﴾ فاسْتُرْ عَلَيَّ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ لِما فِيهِ مِنَ الوُقُوعِ في الوَسْوَسَةِ وتَرَقُّبِ المَحْذُورِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ويَأْبى عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وتَرْتِيبُ غَفَرَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالفاءِ يُشْعِرُ بِأنَّ المُرادَ غَفَرَ لَهُ لِاسْتِغْفارِهِ وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ﴾ إلَخْ كالتَّعْلِيلِ لِلْعَلِيَّةِ أيْ إنَّهُ تَعالى هو المُبالِغُ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ عِبادِهِ ورَحْمَتِهِمْ، ولِذا كانَ اسْتِغْفارُهُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ لَهُ وتَوْسِيطُ قالَ بَيْنَ كَلامَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِي مُناجاةٌ ودُعاءٌ بِخِلافِ الأوَّلِ،

28:17Page 387

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧

He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."

وأمّا تَوْسِيطُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ فَوَجْهُهُ ظاهِرٌ، والباءُ في بِما لِلْقَسَمِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ أيْ أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأمْتَنِعَنَّ عَنْ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ.

وقِيلَ: لَأتُوبَنَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجَوابِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِإنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِ حِفْظُهُ إيّاهُ مِن شَرِّ فِرْعَوْنَ ورَدُّهُ إلى أُمِّهِ وتَمْيِيزُهُ عَلى سائِرِ بَنِي إسْرائِيلَ ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مَغْفِرَتُهُ لَهُ وهو غَيْرُ بَعِيدٍ، ومَعْرِفَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَفَرَ لَهُ إذا كانَ هَذا القَوْلُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِإلْهامٍ أوْ رُؤْيا، والظَّهِيرُ المُعِينُ، ”والمُجْرِمِينَ“ جَمْعُ مُجْرِمٍ والمُرادُ بِهِ مَن أوْقَعَ غَيْرَهُ في الجُرْمِ أوْ مَن أدَّتْ مُعاوَنَتُهُ إلى جُرْمٍ كالإسْرائِيلِيِّ الَّذِي خاصَمَهُ القِبْطِيُّ فَأدَّتْ مُعاوَنَتُهُ إلى جُرْمٍ في نَظَرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَكُونُ في المُجْرِمِينَ مَجازٌ في النِّسْبَةِ لِلْإسْنادِ إلى السَّبَبِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ الكَفّارُ وعَنى بِهِمْ مَنِ اسْتَغاثَهُ ونَحْوَهُ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أسْلَمَ، وقِيلَ: أرادَ بِالمُجْرِمِينَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، والمَعْنى أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ لَأتُوبَنَّ فَلَنْ أكُونَ مُعْيِنًا لِلْكُفّارِ بِأنْ أصْحَبَهم وأُكْثِرَ سَوادَهَمْ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَصْحَبُ فِرْعَوْنَ ويَرْكَبُ بِرُكُوبِهِ كالوَلَدِ مَعَ الوالِدِ وكانَ يُسَمّى ابْنَ فِرْعَوْنَ ولا يَخْفى أنَّ ما تَقَدَّمَ أنْسَبُ بِالمَقامِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ الِاسْتِعْطافِي عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ دُعاءٍ مَحْذُوفٍ، وجُمْلَةُ فَلَنْ أكُونَ إلَخْ مُتَفَرِّعَةٌ عَلَيْهِ، والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ الدُّعاءِ أوِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ أيْ بِحَقِّ إنْعامِكَ عَلَيَّ اعْصِمْنِي فَلَمْ أكُونُ إلَخْ أوْ إنْ عَصَمْتَنِي فَلَنْ أكُونَ إلَخْ والقَسَمُ الِاسْتِعْطافِيُّ ما أُكِّدَ بِهِ جُمْلَةٌ طَلَبِيَّةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ بِاللَّهِ تَعالى زُرْنِي وغَيْرُ الِاسْتِعْطافِي ما أُكِّدَ بِهِ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ نَحْوَ واللَّهِ تَعالى لَأقُومَنَّ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ الحاجِبِ، وقِيلَ: القَسَمُ الِاسْتِعْطافِيُّ ما كانَ المُقْسَمُ بِهِ مُشْعِرًا بِعَطْفٍ وحُنُوٍّ نَحْوَ بِكَرَمِكَ الشّامِلِ أنْعِمْ عَلَيَّ وهو صادِقٌ عَلى ما هُنا، وغَيْرُ الِاسْتِعْطافِي ما كانَ المُقْسَمُ بِهِ أعَمَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى القَوْلَيْنِ هُما قَسَمانِ مِن مُطْلَقِ القَسَمِ، وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ القَسَمِ ما يُؤَكَّدُ بِهِ الكَلامُ الخَبَرِيِّ ويَنْعَقِدُ مِنهُ يَمِينٌ فَما يَكُونُ المُرادُ بِهِ الِاسْتِعْطافَ

صفحة 56

قَسِيمٌ لَهُ وجَعَلَ بَعْضُهم إطْلاقَ القَسَمِ عَلى الِاسْتِعْطافِيِّ تَجَوُّزًا، ويُبْعِدُ إرادَةَ الِاسْتِعْطافِ هُنا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْتَثْنِ أيْ لَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى فابْتُلِيَ بِهِ أيْ بِالكَوْنِ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ مَرَّةً أُخْرى وهو ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾ إلَخْ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يُناسِبُ الِاسْتِعْطافَ لِكَوْنِ النَّفْيِ مُعَلَّقًا بِعِصْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ سَبَبِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يُعْطَفُ عَلَيْهِ لَنْ أكُونَ إلَخْ وما مَوْصُولَةٌ، والمَعْنى بِسَبَبِ الَّذِي أنْعَمْتَهُ عَلَيَّ مِنَ القُوَّةِ أشْكُرُكَ فَلَنْ أسْتَعْمِلَها إلّا في مُظاهَرَةِ أوْلِيائِكَ ولا أدْعُ قِبْطِيًّا يَغْلِبُ إسْرائِيلِيًّا وهو إلْزامٌ لِنَفْسِهِ بِنُصْرَةِ أوْلِيائِهِ عَزَّ وجَلَّ كالنَّذْرِ ولَيْسَ هُناكَ قَسَمٌ بِوَجْهٍ خِلافًا لِمَن تَوَّهَمَ ذَلِكَ ولا يَخْفى أنَّ هَذا وإنْ لَمْ يُبْعِدْهُ الأثَرُ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدِ نَظَرٍ إلى السِّباقِ، و(لَنْ) عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ لِلنَّفْيِ وفي البَحْرِ قِيلَ: إنَّها لِلدُّعاءِ وحَكى ابْنُ هِشامٍ رَدَّهُ بِأنَّ فِعْلَ الدُّعاءِ لا يُسْنَدُ إلى المُتَكَلِّمِ بَلْ إلى المُخاطَبِ أوِ الغائِبِ نَحْوَ يا رَبِّ عَذَّبْتَ فُلانًا، ويَجُوزُ لا عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى عَمْرًا ثُمَّ قالَ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ:

ثُمَّ لا زِلْتُ لَكم خالِدًا خُلُودُ الجِبالِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ كَوْنَها لِلدُّعاءِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ في الآيَةِ غَيْرُ ظاهِرٍ وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ خَفاءٍ فَلَعَلَّ مَن جَعَلَها لِلدُّعاءِ حَمَلَ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ عَلى الِاسْتِعْطافِ وعَلَّقَ الجارَّ والمَجْرُورِ بِنَحْوِ اعْصِمْنِي وجَعَلَ الفاءَ تَفْسِيرِيَّةً ولَنْ أكُونَ إلَخْ تَفْسِيرًا لِذَلِكَ المَحْذُوفِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا﴾ فَلْيُتَدَبَّرْ، واحْتَجَّ أهْلُ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى المَنعِ مِن مَعُونَةِ الظَّلَمَةِ وخِدْمَتِهِمْ.

أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الوَلِيدِ الرَّصافِيِّ أنَّهُ سَألَ عَطاءَ بْنَ أبِي رَباحٍ عَنْ أخٍ لَهُ كاتِبٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ أخِي لَيْسَ لَهُ مِن أُمُورِ السُّلْطانِ شَيْءٌ إلّا أنَّهُ يَكْتُبُ لَهُ بِقَلَمٍ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ فَإنْ تَرَكَ قَلَمَهُ صارَ عَلَيْهِ دَيْنٌ واحْتاجَ وإنْ أخَذَ بِهِ كانَ لَهُ فِيهِ غِنًى قالَ: لِمَن يَكْتُبُ؟ قالَ: لِخالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى ما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ فَلا يَهْتَمُّ أخُوكَ بِشَيْءٍ ولْيَرْمِ بِقَلَمِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَيَأْتِيهِ بِرِزْقٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حَنْظَلَةَ جابِرِ بْنِ حَنْظَلَةَ الضَّبِّيِّ الكاتِبِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِعامِرٍ يا أبا عَمْرٍو إنِّي رَجُلٌ كاتِبٌ أكْتُبُ ما يَدْخُلُ وما يَخْرُجُ آخُذٌ رِزْقًا أسْتَغْنِي بِهِ أنا وعِيالِي قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في دَمٍ يُسْفَكُ قالَ: لا. قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في مالٍ يُؤْخَذُ قالَ: لا. قالَ: فَلَعَلَّكَ تَكْتُبُ في دارٍ تُهْدَمُ قالَ: لا. قالَ: أسَمِعْتَ بِما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قالَ: أبْلَغْتَ إلَيَّ يا أبا عَمْرٍو واللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا أخُطُّ لَهم بِقَلَمٍ أبَدًا قالَ: واللَّهِ تَعالى لا يَدَعُكَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ رِزْقٍ أبَدًا. وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَجْتَنِبُونَ كُلَّ الِاجْتِنابِ عَنْ خِدْمَتِهِمْ، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ قالَ: بَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ إلى الضَّحّاكِ فَقالَ: اذْهَبْ بِعَطاءِ أهْلِ بُخارى فَأعْطِهِمْ فَقالَ: أعْفِنِي فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْفِيهِ حَتّى أعْفاهُ فَقالَ لَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ: ما عَلَيْكَ أنْ تَذْهَبَ فَتُعْطِيَهم وأنْتَ لا تَرْزُؤُهم شَيْئًا فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُعِينَ الظَّلَمَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ. وإذا صَحَّ حَدِيثُ «يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ أيْنَ الظَّلَمَةُ وأشْباهُ الظَّلَمَةِ وأعْوانُ الظَّلَمَةِ حَتّى مَن لاقَ لَهم دَواةً أوْ بَرى لَهم قَلَمًا فَيُجْمَعُونَ في تابُوتٍ مِن حَدِيدٍ فَيُرْمى بِهِمْ في جَهَنَّمَ». فَلْيَبْكِ مَن عَلِمَ أنَّهُ مِن أعْوانِهِمْ عَلى نَفْسِهِ ولْيُقْلِعْ عَمّا هو عَلَيْهِ قَبْلَ حُلُولِ رَمْسِهِ، ومِمّا يَقْصِمُ الظَّهْرَ ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ الأكابِرِ أنَّ خَيّاطًا سَألَهُ فَقالَ: أنا مِمَّنْ يَخِيطُ لِلظَّلَمَةِ فَهَلْ أُعَدُّ مِن أعْوانِهِمْ؟ فَقالَ: لا. أنْتَ مِنهم والَّذِي يَبِيعُكَ الإبْرَةَ مِن أعْوانِهِمْ فَلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ تَعالى العَلِيِّ العَظِيمِ، ويا حَسْرَتا عَلى مَن باعَ

صفحة 57

دِينَهُ بِدُنْياهُ واشْتَرى رِضا الظَّلَمَةِ بِغَضَبِ مَوْلاهُ. هَذا وقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى وجَرى الوادِي فَطَمَّ عَلى القُرى.

28:18Page 387

فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨

And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."

﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا﴾ وُقُوعَ المَكْرُوهِ بِهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يَتَرَصَّدُ ذَلِكَ أوِ الأخْبارَ هَلْ وقَفُوا عَلى ما كانَ مِنهُ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما يُرْوى قَدْ دَفَنَ القِبْطِيَّ بَعْدَ أنْ ماتَ في الرَّمْلِ، وقِيلَ: خائِفًا وُقُوعَ المَكْرُوهِ مِن فِرْعَوْنَ يَتَرَقَّبُ نُصْرَةَ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: يَتَرَقَّبُ أنْ يُسَلِّمَهُ قَوْمُهُ، وقِيلَ: يَتَرَقَّبُ هِدايَةَ قَوْمِهِ، وقِيلَ: خائِفًا مِن رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ يَتَرَقَّبُ المَغْفِرَةَ، والكُلُّ كَما تَرى، والمُتَبادِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ في المَدِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِأصْبَحَ واسْمُ أصْبَحَ ضَمِيرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وخائِفًا خَبَرُها وجُمْلَةُ يَتَرَقَّبُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خائِفًا وقالَ أبُو البَقاءِ: يَتَرَقَّبُ حالٌ مُبْدَلَةٌ مِنَ الحالِ الأُولى أوْ تَأْكِيدٌ لَها أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خائِفًا اهـ. وفِيهِ احْتِمالُ كَوْنِ أصْبَحَ تامَّةً واحْتِمالُ كَوْنِها ناقِصَةً، والخَبَرُ في المَدِينَةِ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الأوْلى مِن ذَلِكَ ﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ﴾ وهو الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي قَتَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ القِبْطِيَّ بِسَبَبِهِ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ يَسْتَغِيثُهُ مِن قِبْطِيٍّ آخَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مِنَ الصُّراخِ وهو في الأصْلِ الصِّياحُ ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ الِاسْتِغاثَةِ لِعَدَمِ خُلُوِّها مِنهُ غالِبًا وشاعَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وقِيلَ: مَعْنى يَسْتَصْرِخُهُ يَطْلُبُ إزالَةَ صُراخِهِ، وإذا لِلْمُفاجَأةِ وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ يَسْتَصْرِخُهُ الخَبَرُ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا والخَبَرِ إذا، والمُرادُ بِالأمْسِ اليَوْمُ الَّذِي قَبْلَ يَوْمِ الِاسْتِصْراخِ، وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنْ كانَ دُخُولُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المَدِينَةَ بَيْنِ العِشاءَيْنِ فالأمْسُ مَجازٌ عَنْ قُرْبِ الزَّمانِ وهو مُعْرَبٌ لِدُخُولِ ألْ عَلَيْهِ وذَلِكَ الشّائِعُ فِيهِ عِنْدَ دُخُولِها، وقَدْ بُنِيَ مَعَها عَلى سَبِيلِ النُّدْرَةِ كَما في قَوْلِهِ:

وإنِّي حُبِسْتُ اليَوْمَ والأمْسَ قَبْلَهُ إلى الشَّمْسِ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَهُ مُوسى﴾ أيْ لِلْإسْرائِيلِيِّ الَّذِي يَسْتَصْرِخُهُ ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ ضالٌّ ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الغِوايَةِ لِأنَّكَ تَسَبَّبْتَ لِقَتْلِ رَجُلٍ وتُقاتِلُ آخَرَ أوْ لِأنَّ عادَتَكَ الجِدالُ، واخْتارَ هَذا بَعْضُ الأجِلَّةِ قالَ: إنَّ الأوَّلَ لا يُناسِبُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском