Al-AlusiAl‑Qasas · 28:19–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:19–23

28:19Page 387

فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩

And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."

قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ﴾ إلَخْ لِأنَّ تَذَكُّرَ تَسَبُّبِهِ لِما ذَكَرَ باعِثُ الإحْجامِ لا الإقْدامِ. ورَدَّ بِأنَّ التَّذَكُّرَ أمْرٌ مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ والباعِثُ لَهُ عَلى ما ذُكِرَ شَفَقَتُهُ عَلى مَن ظَلَمَ مِن قَوْمِهِ وغَيْرَتُهُ لِنُصْرَةِ الحَقِّ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في لَهُ والخِطابَ في إنَّكَ لِلْقِبْطِيِّ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُبْعِدُهُ الإظْهارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ عَلى ذاكَ بِهِ بَدَلُ الَّذِي والبَطْشُ الأخْذُ بِصَوْلَةٍ وسَطْوَةٍ، والتَّنْوِينُ في ”عَدُوٌّ“ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَدُوٌّ عَظِيمُ العَداوَةِ ولِإرادَةِ ذَلِكَ لَمْ يُضِفْهُ، والمُرادُ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما القِبْطِيُّ، وقَدْ كانَ القِبْطُ أعْظَمَ النّاسِ عَداوَةً لِبَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ: عَداوَتُهُ لَهُما لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ «يَبْطُشُ» بِضَمِّ الطّاءِ.

﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ قالَهُ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي يَسْتَصْرِخُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكَأنَّهُ تَوَهَّمَ إرادَةَ البَطْشِ بِهِ دُونَ القِبْطِيِّ مِن تَسْمِيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُ غَوِيًّا، وقالَ الحَسَنُ: قالَهُ القِبْطِيُّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما كَأنَّهُ تَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ لِلْإسْرائِيلِيِّ إنَّكَ لَغَوِيٌّ أنَّهُ الَّذِي قَتَلَ القِبْطِيَّ بِالأمْسِ لَهُ ولا بُعْدَ فِيهِ لِأنَّ ما ذَكَرَ إمّا إجْمالٌ لِكَلامٍ يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ أوْ لِأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ لِمَظْلُومٍ انْتَصَرَ بِهِ خِلافُ الظّاهِرِ فَلا بُعْدَ لِلِانْتِقالِ مِنهُ لِذَلِكَ، والَّذِي في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ هَذَيْنِ

صفحة 58

الرَّجُلَيْنِ كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأمّا الرَّجُلانِ اللَّذانِ رَآهُما بِالأمْسِ فَأحَدُهُما إسْرائِيلِيٌّ والآخَرُ مِصْرِيٌّ، ووُجِّهَ أمْرُ العَداوَةِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ هَذا الَّذِي أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَبْطِشَ بِهِ كانَ ظالِمًا لِمَنِ اسْتَصْرَخَهُ فَيَكُونُ عَدُوًّا لَهُ وعاصِيًا لِلَّهِ تَعالى فَيَكُونُ عَدُوًّا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ عَداوَتُهُ لَهُما لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِما هُما عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ وإنْ كانَ إسْرائِيلِيًّا وفِيها أيْضًا ما هو صَرِيحٌ في أنَّ الظّالِمَ هو قائِلُ ذَلِكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ التَّوْراةَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْها فِيما يُكَذِّبُ القُرْآنَ أوِ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ وهي فِيما عَدا ذَلِكَ كَسائِرِ أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ لا تُصَدَّقُ ولا تُكَذَّبُ. نَعَمْ قَدْ يُسْتَأْنَسُ بِها لِبَعْضِ الأُمُورِ ثُمَّ إنَّ ما فِيها مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُخالِفٌ لِما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنها هُنا، وفي سائِرِ المَواضِعِ زِيادَةً ونَقْصًا وهو ظاهِرٌ لِمَن وقَفَ عَلَيْها، ولا يَخْفى الحُكْمُ في ذَلِكَ، وقَدْ خَلَتْ هُنا عَنْ ذِكْرِ مَجِيءِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ونُصْحِهِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكَذا عَنْ ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُرِيدُ﴾ أيْ ما تُرِيدُ ﴿إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وهو الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ، وقِيلَ: المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى وأصْلُهُ عَلى ما قِيلَ: النَّخْلَةُ الطَّوِيلَةُ فاسْتُعِيرَ لِما ذُكِرَ إمّا بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ المَعْنَوِيِّ أوْ تَعَظُّمِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: مَن قَتَلَ رَجُلَيْنِ أيْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهو جَبّارٌ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ نَحْوَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ بَيْنَ النّاسِ فَتَدْفَعُ التَّخاصُمَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ولَمّا قالَ هَذا انْتَشَرَ الحَدِيثُ وارْتَقى إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَهَمُّوا بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ هو ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ لِيُخْبِرَهُ بِذَلِكَ ويَنْصَحَهُ

28:20Page 387

وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠

And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."

كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾ الآيَةَ، واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ بْنُ إسْحاقَ، وقِيلَ: حِزْقِيلُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ وكَوْنُ هَذا الرَّجُلِ الجائِي مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ، ويَسْعى بِمَعْنى يُسْرِعُ في المَشْيِ وإنَّما أسْرَعَ لِبُعْدِ مَحَلِّهِ ومَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِإخْبارِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ، وقِيلَ: يَسْعى بِمَعْنى يَقْصِدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسَعى لَها سَعْيَها﴾ وهو وإنْ كانَ مَجازًا يَجُوزُ الحَمْلُ عَلَيْهِ لِشُهْرَتِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ ﴿مِن أقْصى﴾ صِلَةُ (جاءَ) وجُمْلَةُ ﴿يَسْعى﴾ صِفَةُ ﴿رَجُلٌ﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مِن أقْصى﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِ”رَجُلٌ“، وجُمْلَةُ يَسْعى صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”رَجُلٌ“، أمّا إذا جُعِلَ الجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ مِنهُ فَظاهِرٌ لِأنَّهُ وإنْ كانَ نَكِرَةً مُلْحَقًا بِالمَعارِفِ فَيَسُوغُ أنْ يَكُونَ ذا حالٍ، وأمّا إذا كانَ مُتَعَلِّقًا بِجاءَ فَمَنَعَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ وأجازَهُ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ أنْ يُعَلَّقَ الجارُّ والمَجْرُورُ بِيَسْعى وهو كَما تَرى ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ﴾ وهم وُجُوهُ أهْلِ دَوْلَةِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أيْ يَتَشاوَرْنَ بِسَبَبِكَ وإنَّما سُمِّيَ التَّشاوُرُ ائْتِمارًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَشاوِرِينَ يَأْمُرُ الآخَرَ ويَأْتَمِرُ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَظْفَرُوا بِكَ ﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ اللّامُ لِلْبَيانِ كَما في سُقْيًا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أعْنِي- أعْنِي- ولَمْ يُجَوِّزِ الجُمْهُورُ تَعَلُّقَهُ بِالنّاصِحِينَ لِأنَّ ألْ فِيهِ اسْمُ مَوْصُولٍ ومَعْمُولُ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ ولا بِمَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ لِأنَّ ما لا يَعْمَلُ لا يُفَسِّرُ عامِلًا وعِنْدَ مَن جَوَّزَ تَقَدُّمَ مَعْمُولِ الصِّلَةِ إذا كانَ المَوْصُولُ ألْ خاصَّةً لِكَوْنِها عَلى صُورَةِ الحَرْفِ، أوْ إذا كانَ المُتَقَدِّمُ

صفحة 59

ظَرْفًا لِلتَّوَسُّعِ فِيهِ، أوْ قالَ: إنَّ ألْ هُنا حَرْفُ تَعْرِيفٍ لِإرادَةِ الثُّبُوتِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَكَ مُتَعَلِّقًا بِالنّاصِحِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ.

واسْتَدَلَّ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ بِالآيَةِ عَلى جَوازِ النَّمِيمَةِ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ

28:21–22Page 387

فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١

So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢

And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."

﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ مِنَ المَدِينَةِ مُمْتَثِلًا.

﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ولَمّا تَوَجَّهَ﴾ أيْ صَرَفَ وجْهَهُ ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ ما يُقابِلُ جانِبَها، و”تِلْقاءَ“ في الأصْلِ مَصْدَرٌ انْتُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ومَدِينُ قَرْيَةُ شُعَيْبٍ سُمِّيتْ باسِمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَكُنْ في سُلْطانِ فِرْعَوْنَ ولِذا تَوَجَّهَ لِقَرْيَتِهِ، وقِيلَ تَوَجَّهَ إلَيْها لِمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وقِيلَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانٍ.

﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ وسْطَ الطَّرِيقِ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ، وإنَّما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ عَزَّ وجَلَّ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ فَعَنْ ثَلاثِ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى وأخَذَ طالِبُوهُ في الأُخْرَيَيْنِ وقالُوا: المُرِيبُ لا يَأْخُذُ في أعْظَمِ الطُّرُقِ ولا يَسْلُكُ إلّا بِنِيّاتِها فَبَقِيَ ثَمانِيَ لَيالٍ وهو حافٍ لا يُطْعَمُ إلّا ورَقُ الشَّجَرِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَصِلْ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ يَمْشِي مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ فَهَداهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مَدْيَنَ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ في بِنَياتِ الطَّرِيقِ فَجاءَهُ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ بِيَدِهِ عَنْزَةٌ فَلَمّا رَآهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَجَدَ لَهُ أيْ خَضَعَ مِنَ الفَرَقِ، فَقالَ: لا تَسْجُدْ لِي ولَكِنِ اتَّبِعْنِي فَتَبِعَهُ وانْطَلَقَ حَتّى انْتَهى بِهِ إلى مَدْيَنَ.

28:23Page 388

وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣

And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."

﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ ووَرَدَ. الوُرُودُ بِمَعْنى الدُّخُولِ وبِمَعْنى الشُّرْبِ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنهُما مُرادًا والمُرادُ بِماءِ مَدْيَنَ بِئْرٌ كانُوا يَسْقُونَ مِنها، فَهو مَجازٌ مِن إطْلاقِ الحالِ وإرادَةِ المَحَلِّ ﴿وجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ فَوْقَ شَفِيرِهِ ومُسْتَقاهُ ﴿أُمَّةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ جَماعَةً كَثِيرَةً مُخْتَلِفِي الأصْنافِ، ويُشْعِرُ بِالقَيْدِ الأوَّلِ التَّنْوِينُ، وبِالثّانِي مِنَ النّاسِ لِشُمُولِهِ لِلْأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ وهي فائِدَةُ ذَكَرِهِ، وقِيلَ فائِدَتُهُ تَحْقِيرُ أُولَئِكَ الجَماعَةِ وأنَّهم لِئامٌ لا يُعْرَفُونَ بِغَيْرِ جِنْسِهِمْ أوْ مُحْتاجُونَ إلى بَيانٍ أنَّهم مِنَ البَشَرِ ﴿يَسْقُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهم كانُوا يَسْقُونَ مَواشِيَ مُخْتَلِفَةَ الأنْواعِ بِمَعْنى أنَّ مِنهم مَن كانَ يَسْقِي إبِلًا ومِنهم مَن كانَ يَسْقِي غَنَمًا وهَكَذا، وتَخَصُّصُ سَقْيِهِمْ بِنَوْعٍ يَحْتاجُ إلى تَوْقِيفٍ ﴿ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ في مَكانٍ أسْفَلَ مِن مَكانِهِمْ، وقِيلَ مِن قُرْبِهِمْ أوْ مِن سِواهم أوْ مِمّا يَلِي جِهَتَهُ إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ وإلى هَذا الأخِيرِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ حَيْثُ قالَ: المَعْنى ووَجَدَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي وصَلَ إلَيْها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأُمَّةِ ﴿امْرَأتَيْنِ﴾ اسْمُ إحْداهُما قِيلَ: لَيا وقِيلَ: عَبْرا وقِيلَ: شَرْفا، واسْمُ الأُخْرى قِيلَ صَفُورِيّا وقِيلَ صَفُوراءُ وقِيلَ صُفَيْراءُ، وفي الكَشّافِ صُفَيْراءُ اسْمُ الصُّغْرى واسْمُ الكُبْرى صَفْراءُ ﴿تَذُودانِ﴾ كانَتا تَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ الماءِ خَوْفًا مِنَ السُّقاةِ الأقْوِياءِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: تَمْنَعانِ غَنَمَهُما عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ لِئَلّا تَخْتَلِطَ بِغَيْرِها. وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الزَّجّاجِ، وقالَ قَتادَةُ: تَمْنَعانِ النّاسَ عَنْ غَنَمِهِما، وقالَ الفَرّاءُ: تَحْبِسانِ غَنَمَهُما عَنْ أنْ تَتَفَرَّقَ، وفي جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ المُذَوَّدَ كانَ غَنَمًا، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ عَنْ تَوْقِيفٍ، وقِيلَ تَذُودانِ عَنْ وُجُوهِهِما نَظَرَ النّاظِرِينَ لِتَسْتُرَهُما وهَذا كَما تَرى ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ أيْ ما مَخْطُوبُكُما

صفحة 60

ومَطْلُوبُكُما مِمّا أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ ولِمَ لا تُباشِرانِ السَّقْيَ كَغَيْرِكُما؟ وأصْلُ الخَطْبِ مَصْدَرُ خَطَبَ بِمَعْنى طَلَبَ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وفي سُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهُما دَلِيلٌ عَلى جَوازِ مُكالَمَةِ الأجْنَبِيَّةِ فِيما يَعْنِي.

وقَرَأ شَمِرٌ «ما خِطْبُكُما» بِكَسْرِ الخاءِ، قالَ في البَحْرِ: أيْ مَن زَوْجِكُما؟ ولِمَ لا يَسْقِي هُوَ؟ وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ نادِرَةٌ اهـ. ولا يَخْفى ما فِيهِ وإباءُ الجَوابِ عَنْهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: الخَطْبُ فِيها بِمَعْنى المَخْطُوبِ والمَطْلُوبِ كَما في القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ، ونَظِيرُهُ الحِبُّ بِكَسْرِ الحاءِ المُهْمَلَةِ بِمَعْنى المَحْبُوبِ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ أيْ عادَتُنا أنْ لا نَسْقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم بَعْدَ رِيِّها عَنِ الماءِ عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ لا أنّا لا نَسَقِي اليَوْمَ إلى تِلْكَ الغايَةِ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ «لا نُسْقِي» بِضَمِّ النُّونِ مِنَ الإسْقاءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، والعَرَبِيّانِ: ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو «يَصْدُرَ» بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الدّالِ أيْ حَتّى يَصْدُرَ الرُّعاةُ بِأغْنامِهِمْ. وسَألَ بَعْضُ المُلُوكِ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن حَيْثُ المَعْنى. فَأُجِيبَ بِأنَّ قِراءَةَ يَصْدُرُ بِفَتْحِ الياءِ تَدُلُّ عَلى فَرْطِ حَيائِهِما وتُوارِيهِما مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالأجانِبِ، وقِراءَةَ يُصْدُرُ بِضَمِّ الياءِ تَدُلُّ عَلى إصْدارِ الرُّعاةِ المَواشِي ولَمْ يُفْهَمْ مِنها صُدُورُهم عَنِ الماءِ. وقُرِئَ بِزايٍ خالِصَةٍ وبِحَرْفٍ بَيْنَ الصّادِ والزّايِ، وقُرِئَ الرُّعاءُ بِضَمِّ الرّاءِ والمَعْرُوفُ في صِيَغِ الجَمْعِ فِعالٌ بِكَسْرِ الفاءِ كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأمّا فُعالٌ بِالضَّمِّ فَعَلى خِلافِ القِياسِ لِأنَّهُ مِن أبْنِيَةِ المَصادِرِ والمُفْرَداتِ كَنُباحٍ وصُراخٍ، وإذا اسْتُعْمِلَ في مَعْنى الجَمْعِ كَما في القِراءَةِ الشّاذَّةِ فَقِيلَ هو اسْمُ جَمْعٍ لا جَمْعٌ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ أصْلِيٌّ وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ ولَكِنَّ الأصْلَ فِيهِ الكَسْرُ، والضَّمُّ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الكَسْرِ كَما أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الفَتْحِ في نَحْوِ سُكارى، والوارِدُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ ألْفاظٌ مَحْصُورَةٌ ذَكَرَها الخَفاجِيُّ في شَرْحِ دُرَّةِ الغَوّاصِ والمَشْهُورُ مِنها عَلى ما قالَ ثَمانِيَةٌ، وقَدْ نَظَمَها صَدْرُ الأفاضِلِ لا الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الأصَحِّ بِقَوْلِهِ:

ما سَمِعْنا كَلِمًا غَيْرَ ثَمانِ هي جَمْعٌ وهي في الوَزْنِ فِعالِ

فَرِبابٌ وفِرارٌ وتُؤامٌ ∗∗∗ وعِرامٌ وعِراقٌ ورِخالٌ وظُؤارٌ

جَمْعُ ظِئْرٍ وبِساطٌ، جَمْعُ بُسُطٍ هَكَذا فِيما يُقالُ.

وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّ الرِّعاءَ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لَيْسَ بِقِياسٍ أيْضًا قالَ: لِأنَّهُ جَمْعُ راعٍ وقِياسُ فاعِلِ الصِّفَةِ الَّتِي لِلْعاقِلِ أنْ تُكْسَرَ عَلى فِعْلَةٍ كَقاضٍ وقُضاةٍ وما سِوى جَمْعِهِ هَذا فَلَيْسَ بِقِياسٍ، وقَرَأ عَيّاشُ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”الرَّعاءُ“ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الصِّفَةِ فاسْتَوى لَفْظُ الواحِدِ والجَماعَةِ فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المُضافُ أيْ أهْلُ الرِّعاءِ ﴿وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ إبْداءٌ مِنهُما لِلْعُذْرِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَوَلِّيهِما لِلسَّقْيِ بِأنْفُسِهِما كَأنَّهُما قالَتا: إنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ لا نَقْدِرُ عَلى مُساجَلَةِ الرِّجالِ ومُزاحَمَتِهِمْ وما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرُ السِّنِّ قَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ فَلا بُدَّ لَنا مِن تَأْخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَقْضِيَ النّاسُ أوْطارَهم مِنَ الماءِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ السُّؤالَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَرَمُهُ ورَحْمَتُهُ بِالضُّعَفاءِ حَيْثُ سَألَهُما عَنْ مَطْلُوبِهِما مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ قَصْدًا لِأنْ يُجابَ بِطَلَبِ المَعُونَةِ إلّا أنَّهُما لِجَلالَةِ قَدْرِهِما حَمْلَتا قَوْلَهُ عَلى ما يُجابُ عَنْهُ بِالسَّبَبِ

صفحة 61

وفِي ضِمْنِهِ طَلَبُ المَعُونَةِ لِأنَّ إظْهارَهُما العَجْزَ لَيْسَ إلّا لِذَلِكَ، وقِيلَ: لَيْسَ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِما بَلْ فِيهِ أماراتٌ عَلى حَيائِهِما وسَتْرِهِما ولَوْ أرادَتا إظْهارَ العَجْزِ لَقالَتا لا نَقْدِرُ عَلى السَّقْيِ ومَعْنى وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ أنّا مَعَ حَيائِنا إنَّما تَصَدِّينا لِهَذا الأمْرِ لِكِبَرِهِ وضَعْفِهِ وإلّا كانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَوَلّاهُ، ولَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّهُما أرادَتا إظْهارَ العَجْزِ عَنِ المُساجَلَةِ لِلضَّعْفِ ولِما جُبِلا عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ، والكَلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِهِما فِيهِ ما يُشِيرُ إلَيْهِ لِمَن لَهُ قَلْبٌ، ويَفْهَمُ مِن بَيانِ مَعْنى جَوابِهِما المارِّ آنِفًا أنَّ جُمْلَةَ أبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا أيْ نَتْرُكُ السَّقْيَ حَتّى يَصْدُرَ الرِّعاءُ والحالُ أبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ وأبُوهُما عِنْدَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ.

فَإنْ قِيلَ كَيْفَ ساغَ لِنَبِيِّ اللَّهِ تَعالى أنْ يَرْضى لِابْنَتَيْهِ بِسَقْيِ الغَنَمِ؟ فالجَوابُ: أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ لَيْسَ بِمَحْظُورٍ فالدِّينُ لا يَأْباهُ، وأمّا المُرُوءَةُ فالنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في ذَلِكَ والعاداتُ مُتَبايِنَةٌ فِيهِ وأحْوالُ العَرَبِ فِيهِ خِلافُ أحْوالِ العَجَمِ ومَذْهَبُ أهْلِ البَدْوِ فِيهِ غَيْرُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَضَرِ خُصُوصًا إذا كانَتِ الحالُ حالَ ضَرُورَةٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ بِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ كانَ صاحِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أثْرُونَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى هَذا القَوْلَ عَنْهُ أبُو حَيّانَ أيْضًا إلّا أنَّهُ ذَكَرَ هارُونَ بَدَلَ أثْرُونَ وحَكاهُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ بَدَلَهُ مَرْوانَ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنْ وهْبٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ بَلَغَنِي أنَّ أبا الِامْرَأتَيْنِ ابْنُ أخِي شُعَيْبٍ واسْمُهُ رَعاوِيلُ وقَدْ أخْبَرَنِي مَن أُصَدِّقُ أنَّ اسْمَهُ في الكِتابِ يَثْرُونُ كاهِنُ مَدْيَنَ والكاهِنُ حَبْرٌ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَثْرِبُ صاحِبُ مَدْيَنَ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ اسْمَهُ يَثْرُونُ وهو مُوافِقٌ لِما نُقِلَ عَنِ الكِتابِ مِنَ الِاسْمِ ولَمْ يُذْكَرْ في هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْنِ نِسْبَتُهُ إلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَحْتَمِلُ أنَّ المُسَمّى بِما فِيها ابْنُ أخِيهِ ويَحْتَمِلُ أنَّهُ رَجُلٌ أجْنَبِيٌّ عَنْهُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ أباهُما لَيْسَ ذا قَرابَةٍ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنَّما هو رَجُلٌ صالِحٌ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ يَثْرُونَ اسْمُ شُعَيْبٍ وقَدْ أخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّهُ قالَ هو عِنْدَنا يَثْرُو بِدُونِ نُونٍ في آخِرِهِ والَّذِي رَأيْتُهُ أنا في الفَصْلِ الثّانِي مِنَ السِّفْرِ الثّانِي مِن تَوْراتِهِمْ ما تَرْجَمْتُهُ. ولَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ بِهَذا الخَبَرِ أيْ خَبَرِ القَتْلِ طَلَبَ أنْ يَقْتُلَ مُوسى فَهَرَبَ مُوسى مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وصارَ إلى بَلَدِ مَدْيَنَ وجَلَسَ عَلى بِئْرِ ماءٍ وكانَ لِإمامِ مَدْيَنَ سَبْعُ بَناتٍ فَجاءَتْ ودَلَّتْ ومَلَأتِ الأحْواضَ لِسَقْيِ غَنَمِ أبِيهِنَّ فَلِما جاءَ الرُّعاةُ فَطَرَدُوهُنَّ قامَ مُوسى فَأغاثَهُنَّ وسَقى غَنَمَهُنَّ فَلَمّا جِئْنَ إلى رَعَوايِلَ أبِيهِنَّ قالَ ما بالُكُنَّ أسْرَعْتُنَّ المَجِيءَ اليَوْمَ إلَخْ، وفي أوَّلِ الفَصْلِ الثّالِثِ مِنهُ ما تَرْجَمْتُهُ وكانَ مُوسى يَرْعى غَنَمَ يَثْرُو حَمِيَّةَ إمامِ مَدْيَنَ إلَخْ فَلا تَغْفُلْ، وفي البَحْرِ عِنْدَ الكَلامِ في تَفْسِيرِ ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ﴾ قِيلَ: كانَ عَمُّها صاحِبَ الغَنَمِ وهو المُزَوِّجُ عَبَّرَتْ عَنْهُ بِالأبِ إذْ كانَ بِمَثابَتِهِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا القائِلَ يَقُولُ: إنَّهُما عَنَتا بِالأبِ هُنا العَمَّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا وأمْثالَهُ مِمّا تَقَدَّمَ مِمّا لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ فالمَدارُ في قَبُولِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ والأخْبارُ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها في هَذا المَطْلَبِ مُخْتَلِفَةٌ ولَمْ يَتَمَيَّزْ عِنْدَنا ما هو الأرْجَحُ فِيما بَيْنَها وكَأنِّي بِكَ تُعَوِّلُ عَلى المَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وهو أنَّ أباهُما عَلى الحَقِيقَةِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ يَظْهَرَ لَكَ ما يُوجِبُ العُدُولَ عَنْهُ والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском