Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:24–26
28:24Page 388
فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤
So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."
﴿فَسَقى لَهُما﴾ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ
صفحة 62
سارَعَ إلى السَّقْيِ لَهُما رَحْمَةً عَلَيْهِما ومَنشَأُ التَّرَحُّمِ كَوْنُهُما عَلى الذَّوْدِ وكَوْنُ الأُمَّةِ مِنَ النّاسِ عَلى السَّقْيِ ولِهَذا ذَهَبَ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ وصاحِبُ الكَشّافِ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ وتَنْزِيلُهُ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أيْ يَصْدُرُ مِنهُمُ السَّقْيُ ومِنهُما الذَّوْدُ وقالَ: إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا خارِجٌ عَنِ المَقْصُودِ بَلْ يُوهِمُ خِلافَهُ إذْ لَوْ قِيلَ: أوْ قُدِّرَ يَسْقُونَ إبِلَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما لَتُوُهِّمَ أنَّ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِما لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّهُما عَلى الذَّوْدِ والنّاسِ عَلى السَّقْيِ بَلْ مِن جِهَةِ أنَّ مَذْوَدَهُما غَنَمٌ ومَسْقِيَهم إبِلٌ بِناءً عَلى أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ في الكَلامِ البَلِيغِ هو القَيْدُ الأخِيرُ وخالَفَهُما في ذَلِكَ السَّكّاكِيُّ فَذَهَبَ إلى أنَّ حَذْفَ المَفْعُولِ مِن يَسْقُونَ وتَذُودانِ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصارِ والمُرادُ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وتَذُودانِ غَنَمَهُما وكَذا سائِرُ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي فَقالَ: إنَّ هَذا أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ لِأنَّ التَّرَحُّمَ لَمْ يَكُنْ مِن جِهَةِ صُدُورِ الذَّوْدِ عَنْهُما وصُدُورِ السَّقْيِ مِنَ النّاسِ بَلْ مِن جِهَةِ ذَوْدِهِما غَنَمَهُما وسَقْيِ النّاسِ مَواشِيَهم حَتّى لَوْ كانَتا تَذُودانِ غَيْرَ غَنَمِهِما بَلْ مَواشِيَهم وكانَ النّاسُ يَسْقُونَ غَيْرَ مَواشِيهِمْ بَلْ غَنَمَهُما مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ التَّرَحُّمُ ووافَقَهُ في ذَلِكَ السَّيِّدُ السَّنَدُ وقالَ في تَحْقِيقِ المَذْهَبَيْنِ: إنَّ الشَّيْخَيْنِ اعْتَبَرا المَفْعُولَ الَّذِي نَزَلَ الفِعْلانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ هو الإبِلُ والغَنَمُ مَثَلًا أيِ النَّوْعَيْنِ مِنَ المَواشِي بِدُونِ الإضافَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُما إنَّ كَوْنَ المَسْقِي والمُذَوَّدِ إبِلًا أوْ غَنَمًا إلَخْ وكُلٌّ مِنهُما مُقابِلٌ لِلْآخَرِ في نَفْسِهِ وجُعِلا ما يُضافُ إلَيْهِ كُلٌّ في القَوْلِ أوِ التَّقْدِيرِ المَفْرُوضِ خارِجًا عَنِ المَفْعُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَفْعُولٌ غَيْرُ مَلْحُوظٍ مَعَهُ فالمَفْعُولُ عِنْدَهُما لَيْسَ إلّا مُطْلَقَ الإبِلِ والغَنَمِ فَلَوْ قُدِّرَ المَفْعُولُ لَأدّى إلى فَسادِ المَعْنى فَإنَّهُما لَوْ كانَتا تَذُودانِ إبِلًا لَهُما عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ لَكانَ التَّرَحُّمُ باقِيًا بِحالِهِ لِأنَّهُ إنَّما كانَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِما عَلى السَّقْيِ، والسَّكّاكِيُّ نَظَرَ إلى أنَّ المَفْعُولَ هو الغَنَمُ المُضافَةُ إلَيْهِما والمَواشِي المُضافَةُ إلَيْهِمْ وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقابِلُ الآخَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُضافٌ فَلَوْ لَمْ يُقَدَّرِ المَفْعُولُ يَفْسُدِ المَعْنى وهَذا أدَقُّ نَظَرًا وأصَحُّ مَعْنًى انْتَهى، وتَعَقَّبَهُ المَوْلى عَبْدُ الحَكِيمِ السّالَكُونِي بِقَوْلِهِ: وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّ عَدَمَ التَّقْدِيرِ إنْ قُصِدَ بِهِ التَّعْمِيمُ أيْ يَسْقُونَ مَواشِيَهم وغَيْرَ مَواشِيهِمْ وتَذُودانِ غَنَمَهُما وغَيْرَ غَنَمِهِما يَلْزَمُ الفَسادُ أمّا إذا قُصِدَ بِهِ مُجَرَّدُ السَّقْيِ والذَّوْدِ مِن غَيْرِ مُلاحِظَةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلا لِأنَّ كَوْنَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ مَنشَأ التَّرَحُّمِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولٍ مَخْصُوصٍ كَذَلِكَ حَتّى يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ سَقْيُ غَيْرِ مَواشِيهِمْ وذَوْدُ غَيْرِ غَنَمِهِمْ مَحَلًّا لِلتَّرَحُّمِ فَتَدَبَّرْ، فَإنَّ مَنشَأ ما ذَكَرَهُ السَّكّاكِيُّ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ الإطْلاقِ والعُمُومِ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُضُمَّ إلى طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ بَعْضُ الحَيْثِيّاتِ كَحَيْثِيَّةِ تَحَقُّقِ طَبِيعَةِ السَّقْيِ مِن أقْوِياءَ مُتَغَلِّبِينَ. وتَحَقُّقُ طَبِيعَةِ الذَّوْدِ مِنِ امْرَأتَيْنِ ضَعِيفَتَيْنِ مَسْتُورَتَيْنِ في مَوْضِعٍ هو مُجْتَمَعُ النّاسِ لِلسَّقْيِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّ مُجَرَّدَ طَبِيعَةِ السَّقْيِ والذَّوْدِ لا تَصْلُحُ مَنشَأ التَّرَحُّمِ.
وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: تَرْكُ المَفْعُولِ في يَسْقُونَ ويَذُودانِ لِأنَّ الغَرَضَ هو الفِعْلُ لا المَفْعُولُ إذْ هو يَكْفِي في البَعْثِ عَلى سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما زادَ عَلى المَقْصُودِ لُكْنَةٌ وفُضُولٌ، وأمّا البَعْثُ عَلى المَرْحَمَةِ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعَهُ فَإنَّ لَهُ قَوْلَهُما: لا ﴿نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ومَن لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ البَعْثَيْنِ قالَ ما قالَ ورَدَّ بِأنَّ مَنشَأ السُّؤالِ هو المَرْحَمَةُ لِحالِهِما كَما صَرَّحُوا بِهِ فَسُؤالُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّوَسُّلِ إلى إعانَتِهِما وبِرِّهِما لَتَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّكَلُّمِ مَعَ الأجْنَبِيَّةِ داعٍ، وقَوْلُهُما: لا ﴿نَسْقِي﴾ إلَخْ باعِثٌ لِمَزِيدِ المَرْحَمَةِ لِقَبُولِها لِلزِّيادَةِ والنَّقْصِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ لَوْ سُلِّمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَفَرَّسَ ضَعْفَهُما وعَجْزَهُما لِأُمُورٍ شاهَدَها،
صفحة 63
وإلّا فالذَّوْدُ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ إذْ يَتَحَقَّقُ لِلضَّعْفِ ولِغَيْرِهِ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ كَلامَ جَمْعٍ مِنَ الفُضَلاءِ في هَذا المَقامِ مِنهُ ما ذَكَرْنا عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ ورَدَّهُ واعْتَرَضَ بِما اعْتَرَضَ، ثُمَّ قالَ: وأمّا ما اعْتَرَضَ بِهِ عَلى المَرْحَمَةِ فَخَيالٌ فاسِدٌ ومَحَطُّ كَلامِهِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الِانْتِصارُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخانِ وقَدِ انْتَصَرَ لَهُما، وقالَ بِقَوْلِهِما غَيْرُ واحِدٍ.
واعْتَرَضَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ المَفْعُولِ مُضافًا بِأنَّ الإضافَةَ تُشْعِرُ بِالمِلْكِ ولا مِلْكَ لِأحَدٍ مِنَ الأُمَّةِ والِامْرَأتَيْنِ فَإنَّ الظّاهِرَ في الأُمَّةِ أنَّهم كانُوا رِعاءً والأغْلَبُ أنَّ الرِّعاءَ لا يَمْلِكُونَ، والظّاهِرُ أنَّ ما في يَدِ الِامْرَأتَيْنِ كانَ مِلْكًا لِأبِيهِما، ولا يَخْفى أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، هَذا والظّاهِرُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِنَ البِئْرِ الَّتِي عَلَيْها النّاسُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَفَعَهم عَنِ الماءِ إلى أنْ سَقى لَهُما وكَذا ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْها أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ ولا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ فَإذا هو بِامْرَأتَيْنِ قالَ ما خَطْبُكُما فَحَدَّثْناهُ فَأتى الصَّخْرَةَ فَرَفَعَها وحْدَهُ ثُمَّ اسْتَسْقى فَلَمْ يَسْتَسْقِ إلّا دَلْوًا واحِدًا حَتّى رُوِيَتِ الغَنَمُ لَكِنَّ هَذا مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ مِن أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ الأُمَّةَ يَسْقُونَ ووَجَدَ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وهَذا ظاهِرٌ في مُقارَنَةِ وِجْدانِهِما لِوِجْدانِهِمْ وذَوْدِهِما لِسَقْيِهِمْ ولا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ وِجْدانَهُما بَعْدَ فَراغِهِمْ مِنَ السَّقْيِ كَما يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ فَلَعَلَّ الخَبَرَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وتَصْحِيحُ الحاكِمِ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الِاعْتِبارِ وكَأنَّ مَن يَقُولُ بِصِحَّتِهِ يَمْنَعُ اقْتِضاءَ الآيَةِ كَوْنَ وِجْدانِ الأُمَّةِ يَسْقُونَ ووِجْدانِ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَإنَّهُ يُقالُ: لَمّا ورَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ وجَبَ الصِّيامُ ووَجَبَتِ الزَّكاةُ مَثَلًا مَعَ أنَّ وُجُوبَ كُلٍّ لَيْسَ في أوَّلِ وقْتِ الوُرُودِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وجَدَ أُمَّةً يَسْقُونَ أوَّلَ وقْتِ وُرُودِهِ وبَعْدَ أنْ فَرَغُوا مِنَ السَّقْيِ ووَضَعُوا الصَّخْرَةَ عَلى البِئْرِ وجَدَ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَخاطَبَهُما بِما خَطَبَكُما فَكانَ ما كانَ ويُحْمَلُ ذَوْدُهُما عَلى مَنعِ غَنَمِهِما عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ لِعِلْمِهِما أنَّها قَدْ أطْبَقَ عَلَيْها صَخْرَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى رَفْعِها ويَتَكَلَّفُ في تَوْجِيهِ الجَوابِ ما يَتَكَلَّفُ أوْ يَقُولُ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها ويُسَلِّمُ اقْتِضاءَهُ اتِّحادَ الوِجْدانَيْنِ والذَّوْدِ والسَّقْيِ بِالزَّمانِ ويَمْنَعُ أنْ يَكُونَ في الخَبَرِ ما يُنافِي ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ فَلَمّا فَرَغُوا أعادُوا الصَّخْرَةَ فَإذا بِالِامْرَأتَيْنِ حاضِرَتانِ عِنْدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَألَهُما فَحَدَّثْناهُ إلَخْ فَما بَعْدَ الفَراغِ مِنَ السَّقْيِ لَيْسَ وِجْدانُ الِامْرَأتَيْنِ تَذُودانِ وإنَّما هو حُضُورُهُما بَيْنَ يَدَيْهِ والكُلُّ كَما تَرى وكَأنِّي بِكَ تَعْتَمِدُ عَدَمَ صِحَّةِ الخَبَرِ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَقى لَهُما مِن بِئْرٍ أُخْرى،
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في خَبَرٍ طَوِيلٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَألَ الِامْرَأتَيْنِ وأجابَتا قالَ: فَهَلْ قُرْبَكُما ماءٌ؟ قالَتا: لا إلّا بِئْرٌ عَلَيْها صَخْرَةٌ قَدْ غُطِّيَتْ بِها لا يُطِيقُها نَفَرٌ. قالَ: فانْطَلِقا فَأرَيانِيها. فانْطَلَقا مَعَهُ فَقالَ بِالصَّخْرَةِ بِيَدِهِ فَنَحّاها ثُمَّ اسْتَقى لَهُما سِجِلًّا واحِدًا فَسَقى الغَنَمَ ثُمَّ أعادَ الصَّخْرَةَ إلى مَكانِها
﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾ الَّذِي كانَ هُناكَ وهو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ظِلُّ شَجَرَةٍ قِيلَ: كانَتْ سُمْرَةً، وقِيلَ: هو ظِلُّ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ.
وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ ظَهْرَهُ يَلِي ما كانَ يَلِي وجْهَهُ مِنَ الشَّمْسِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾
صفحة 64
وهُوَ كَما تَرى ﴿فَقالَ رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ﴾ أيْ لِأيِّ شَيْءٍ تُنْزِلُهُ مِن خَزائِنِ كَرَمِكَ إلَيَّ.
﴿مِن خَيْرٍ﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ ﴿فَقِيرٌ﴾ أيْ مُحْتاجٌ وهو خَبَرُ إنَّ وبِهِ يَتَعَلَّقُ لِما، ولَمّا أشَرْنا إلَيْهِ مِن تَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاحْتِياجِ عُدِّيَ بِاللّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُضَمَّنًا مَعْنى الطَّلَبِ واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْبَيانِ فَتَتَعَلَّقُ بِأعْنِي مَحْذُوفًا، و(ما عَلى جَمِيعِ الأوْجَهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَها صِفَتُها، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، ومِن خَيْرٌ بَيانٍ لَها، والتَّنْوِينُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ، والكَلامُ تَعْرِيضٌ لِما يُطْعِمُهُ لِما نالَهُ مِن شِدَّةِ الجُوعِ والتَّعْبِيرُ بِالماضِي بَدَلُ المُضارِعِ في أنْزَلْتَ لِلِاسْتِعْطافِ كالِافْتِتاحِ بِرَبٍّ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاعْتِناءِ، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَمّا سَقى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْجارِيَتَيْنِ ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ فَقالَ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ إنَّهُ يَوْمَئِذٍ فَقِيرٌ إلى كَفٍّ مِن تَمْرٍ»».
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَقَدْ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ وهو أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ ولَقَدِ افْتَقَرَ إلى شِقِّ تَمْرَةٍ ولَقَدْ لَصِقَ بَطْنَهُ بِظَهْرِهِ مِن شِدَّةٍ الجُوعِ».
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ فَلَقًا مِنَ الخُبْزِ يَشُدُّ بِها صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ» وأنَّهُ كَما رَوى أحْمَدُ في الزُّهْدِ وغَيْرُهُ عَنِ الحَبْرِ لِيَتَراءى خُضْرَةُ البَقْلِ مِن بَطْنِهِ مِنَ الهُزالِ وإلى كَوْنِ الكَلامِ تَعْرِيضًا لِذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ وكانَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَقُولُ: واللَّهِ ما سَألَ إلّا خُبْزًا يَأْكُلُهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وما مَوْصُولَةً، ومِن لِلْبَيانِ والتَّنْكِيرِ في خَيْرٍ لِإفادَةِ النَّوْعِ والتَّعْظِيمِ، وصِلَةُ فَقِيرٍ مُقَدَّرَةٌ أيْ إنِّي فَقِيرٌ إلى الطَّعامِ أوْ مِنَ الدُّنْيا لِأجْلِ الَّذِي أنْزَلْتَهُ إلَيَّ مِن خَيْرِ الدِّينِ وهو النَّجاةُ مِنَ الظّالِمِينَ فَقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ في مُلْكٍ وثَرْوَةٍ ولَيْسَ الغَرَضُ عَلَيْهِ التَّعْرِيضَ لِما يُطْعَمُهُ ولا التَّشَكِّي والتَّضَجُّرِ بَلْ إظْهارُ التَّبَجُّحِ والشُّكْرِ عَلى ذَلِكَ، ووَجْهُ التَّعْبِيرِ بِالماضِي عَلَيْهِ ظاهِرٌ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا خِلافُ المَأْثُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ الزِّيادَةَ في العِلْمِ والحِكْمَةِ ولا يَخْلُو أيْضًا عَنْ بُعْدٍ. وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الِامْرَأتَيْنِ سَمِعَتا ما قالَ فَرَجَعَتا إلى أبِيهِما فاسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ مَجِيئِهِما فَسَألَهُما فَأخْبَرَتاهُ فَقالَ لِإحْداهُما: انْطَلِقِي فادْعِيهِ
28:25Page 388
فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥
Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."
﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾ قِيلَ هي الكُبْرى مِنهُما وقِيلَ الصُّغْرى وكانَتا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ تَوْأمَتَيْنِ وُلِدَتْ إحْداهُما قَبْلَ الأُخْرى بِنِصْفِ نَهارٍ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصَنٍ «حِداهُما» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ مِثْلَ: ويْلُمِّهِ في ويْلِ أُمِّهِ ﴿تَمْشِي﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جاءَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اسْتِحْياءٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ تَمْشِي أيْ جاءَتْهُ ماشِيَةً كائِنَةً عَلى اسْتِحْياءٍ فَمَعْناهُ أنَّها كانَتْ عَلى اسْتِحْياءٍ حالَتَيِ المَشْيِ والمَجِيءِ مَعًا لا عِنْدَ المَجِيءِ فَقَطْ، وتَنْكِيرُ اسْتِحْياءٍ لِلتَّفْخِيمِ. ومِن هُنا قِيلَ جاءَتْ مُتَخَفِّرَةً أيْ شَدِيدَةَ الحَياءِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي الهُذَيْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ جاءَتْ مُسْتَتِرَةً بِكُمِّ دِرْعِها عَلى وجْهِها وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وفي رَفْعِهِ إلى عُمَرَ رِوايَةً أُخْرى صَحَّحَها الحاكِمُ بِلَفْظِ ”واضِعَةً ثَوْبَها عَلى وجْهِها“ ﴿قالَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيئِها إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ؟
صفحة 65
فَقِيلَ: قالَتْ: ﴿إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ أيْ جَزاءَ سَقْيِكَ عَلى أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لِأنَّ ما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الأجْرُ فِعْلُهُ لا ما سَقاهُ إذْ هو الماءُ المُباحُ وأسْنَدَتِ الدَّعْوَةُ إلى أبِيها وعَلَّلَتْها بِالجَزاءِ لِئَلّا يُوهِمَ كَلامُها رِيبَةً. وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العَقْلِ والحَياءِ والعِفَّةِ ما لا يَخْفى.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أجابَها فَقامَ مَعَها فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعُتِي لِي الطَّرِيقَ فَإنِّي أكْرَهُ أنْ تُصِيبَ الرِّيحُ ثِيابَكِ فَتَصِفَ لِي جَسَدَكِ فَفَعَلَتْ.
وفِي رِوايَةٍ أنْ قالَ لَها: كُونِي ورائِي فَإنِّي رَجُلٌ لا أنْظُرُ إلى أدْبارِ النِّساءِ ودُلِّينِي عَلى الطَّرِيقِ يَمِينًا أوْ يَسارًا.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِمْ أنَّها مَشَتْ أوَّلًا أمامَهُ فَألْزَقَتِ الرِّيحُ ثَوْبَها بِجَسَدِها فَوَصَفَتْهُ فَقالَ لَها: امْشِي خَلْفِي وانْعُتِي لِي الطَّرِيقَ فَفَعَلَتْ حَتّى أتَيا دارَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾ أيْ ما جَرى عَلَيْهِ مِنَ الخَبَرِ المَقْصُوصِ، فَإنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ كالعِلَلِ ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ يُرِيدُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وقالَ ذَلِكَ لِما أنَّهُ لا سُلْطانَ لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قالَهُ عَنْ إلْهامٍ أوْ نَحْوِهِ، واخْتُلِفَ في الدّاعِي لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإجابَةِ فَقِيلَ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ المُسْتَدْعِيَةَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ لِيَتَبَرَّكَ بِرُؤْيَةِ الشَّيْخِ ويَسْتَظْهِرَ بِرَأْيِهِ لا طَمَعًا بِما صَرَّحَتْ بِهِ مِنَ الأجْرِ، ألا تَرى إلى ما
أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ مُوسى عَلى شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ إذا هو بِالعَشاءِ فَقالَ لَهُ شُعَيْبٌ: كُلْ. قالَ مُوسى. أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى. قالَ: ولِمَ ألَسْتَ بِجائِعٍ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنْ أخافُ أنْ يَكُونَ هَذا عِوَضًا لِما سَقَيْتُ لَهُما وإنّا مِن أهْلِ بَيْتٍ لا نَبِيعُ شَيْئًا مِن عَمَلِ الآخِرَةِ بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا قالَ: لا واللَّهِ، ولَكِنَّها عادَتِي وعادَةُ آبائِي نَقْرِي الضَّيْفَ ونُطْعِمُ الطَّعامَ فَجَلَسَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأكَلَ،
وقِيلَ: الدّاعِي لَهُ ما بِهِ مِنَ الحاجَةِ ولَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقْبَلَ الأجْرَ لِإضْرارِ الفَقْرِ والفاقَةِ.
فَقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مِطْرَفِ بْنِ الشَّخِيرِ قالَ: أما واللَّهِ لَوْ كانَ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ما تَبِعَ مَذْقَتَها ولَكِنْ حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الجَهْدُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ ذَهابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَغْبَةٌ بِالجَزاءِ بِما رُوِيَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ لِيَسْمَعَهُما، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ لِيَجْزِيَكَ إلَخْ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ لِاحْتِمالِ أنَّهُ إنَّما فَعَلَهُ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى اسْتِدْعائِهِ لا إلى اسْتِيفاءِ الأجْرِ، ولا ضَيْرَ فِيما أرى أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ذَهَبَ رَغْبَةً في سَدِّ جَوْعَتِهِ وفي الِاسْتِظْهارِ بِرَأْيِ الشَّيْخِ ومَعْرِفَتِهِ، ولا أقُولُ إنَّ الرَّغْبَةَ في سَدِّ الجَوْعَةِ رَغْبَةٌ في اسْتِيفاءِ الأجْرِ عَلى عَمَلِ الآخِرَةِ أوْ مُسْتَلْزِمَةٌ لَها، ودَعْوى أنَّ الَّذِي يَلُوحُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أجابَ لِلتَّبَرُّكِ والِاسْتِظْهارِ بِالرَّأْيِ لا تَخْلُو عَنْ خَفاءٍ، وعَمَلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِ امْرَأةٍ لِأنَّهُ مِن بابِ الرِّوايَةِ، ويَعْمَلُ بِقَوْلِ الواحِدِ حُرًّا كانَ أوْ عَبْدًا ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إذا كانَ كَذَلِكَ، ومُماشاتُهُ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِمّا لا بَأْسَ بِهِ في نَظائِرِ تِلْكَ الحالِ مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِياطِ والتَّوَرُّعِ
28:26Page 388
قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦
One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."
﴿قالَتْ إحْداهُما﴾ وهي الَّتِي اسْتَدْعَتْهُ إلى أبِيها وهي الَّتِي زَوَّجَها مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ يا ﴿أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ أيْ لِرَعْيِ الأغْنامِ والقِيامِ بِأمْرِها، وأصْلُ الِاسْتِئْجارِ كَما قالَ الرّاغِبُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِالأُجْرَةِ ثُمَّ عَبَّرَ بِهِ عَنْ تَناوُلِهِ بِها وهو المُرادُ هُنا. وكَذا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ وهو تَعْلِيلٌ جارٍ مَجْرى الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ
صفحة 66
السَّلامُ حَقِيقٌ بِالِاسْتِئْجارِ المَفْهُومِ مِن طَلَبِ اسْتِئْجارِهِ، وبَعْضُهم رَتَّبَ مِنَ الآيَةِ قِياسًا مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ هَكَذا هو قَوِيٌّ أمِينٌ وكُلُّ قَوِيٍّ أمِينٍ لائِقٌ بِالِاسْتِئْجارِ يَنْتِجُ هو لائِقٌ بِالِاسْتِئْجارِ وهو المُدَّعى المَفْهُومُ مِنَ الطَّلَبِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا ظاهِرٌ لَوْ كانَ خَيْرٌ خَبَرًا ولَيْسَ هو كَذَلِكَ، وأُجِيبُ بِأنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الخَيْرِيَّةِ لِأنَّها أُمُّ الكَمالِ المَبْنِيِّ عَلَيْها غَيْرُها. وفي الكَشّافِ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جُعِلَ خَيْرُ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ اسْمًا لَإنَّ والقَوِيُّ الأمِينُ خَبَرًا؟ قُلْتُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ:
ألا إنَّ خَيْرَ النّاسِ (حَيًّا) وهالِكًا أسِيرُ ثَقِيفٍ عِنْدَهم في السَّلاسِلِ
فِي أنَّ العِنايَةَ هي سَبَبُ التَّقْدِيمِ وقَدْ صَدَقَتْ حَتّى جُعِلَ لَها ما هو أحَقُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا اسْمًا وأرادَ بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ: أحَقِّيَّةَ كَوْنِ خَيْرَ خَبَرًا مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ، ووُجِّهَ بِأنَّ خَيْرًا مُضافٌ إلى مَن وهي نَكِرَةٌ فَكَذا هو والإخْبارُ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وإنْ جَوَّزُوهُ في اسْمِي التَّفْضِيلِ والِاسْتِفْهامِ، ولَوْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَإضافَةُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَفْظِيَّةً لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا كَما هو أحَدُ قَوْلَيْنِ لِلنُّحاةِ فِيها، وعَلى القَوْلِ بِإفادَتِها التَّعْرِيفَ يُقالُ: المُعَرَّفُ بِاللّامِ أعْرَفُ مِنَ المَوْصُولِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَعْرِيفَ القَوِيِّ الأمِينِ لِلْجِنْسِ وما فِيهِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ قَدْ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ النَّكِرَةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ المَوْصُولَ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ كَذَلِكَ وهُنا تَصِحُّ هَذِهِ الإرادَةُ لِيَجِيءَ التَّعَدُّدُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ (خَيْرَ)، وحَيْثُ كانَ المُضافُ إلى شَيْءٍ دُونَهُ يَكُونُ القَوِيُّ الأمِينُ أحَقَّ بِالِاسْمِيَّةِ وخَيْرُ أحَقَّ بِالخَبَرِيَّةِ. وإذْ قُلْتَ بِأنَّ أحَقِّيَّةَ الخَبَرِيَّةِ لِأنَّ سَوْقَ التَّعْلِيلِ يَقْتَضِيها إلّا أنَّهُ عَدَلَ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلِاهْتِمامِ خَلُصْتُ مِن كَثِيرٍ مِنَ المُناقَشاتِ. وقالَ لِي الشَّيْخُ خَلِيلُ أفَنْدِيٍّ الآمِدِيُّ يَوْمَ اجْتَمَعْتُ بِهِ وأنا شابٌّ عِنْدَ وُرُودِهِ إلى بَغْدادَ فَجَرى بَحْثٌ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: إنَّ القِياسَ المَأْخُوذَ مِنها مِنَ الشَّكْلِ الثّانِي هَكَذا مُوسى القَوِيُّ الأمِينُ وخَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ يَنْتِجُ مُوسى خَيْرُ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ. فَقُلْتُ: أظْهَرَ ما يَرُدُّ عَلى هَذا أنَّ شَرْطَ إنْتاجِ الشَّكْلِ الثّانِي بِحَسَبِ الكَيْفِيَّةِ اخْتِلافُ مُقَدِّمَتَيْهِ بِالإيجابِ والسَّلْبِ بِأنْ تَكُونَ إحْداهُما مُوجَبَةً والأُخْرى سالِبَةً وهو مُنْتَفٍ فِيما ذَكَرْتُ فَسَكَتَ وأعْرَضَ عَنِ البَحْثِ حَذَرًا مِنَ الفَضِيحَةِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أدِلَّةَ القُرْآنِ لا يَلْزَمُ فِيها التَّرْتِيبُ الَّذِي وضَعَهُ المَنطِقِيُّونَ فَذَلِكَ صِناعَةُ أغْنى اللَّهُ تَعالى العَرَبَ عَنْها، وما ذَكَرَ مِن أنَّ جَعْلَ (خَيْرَ) اسْمًا لِلِاهْتِمامِ هو ما اخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ وجَعْلُهُ اسْمًا مِن بابِ القَلْبِ لِلْمُبالَغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ ألْ في القَوِيِّ الأمِينِ لِلْجِنْسِ فَيَنْدَرِجُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ. وذَكَرَ الِاسْتِئْجارَ بِلَفْظِ الماضِي مَعَ أنَّ الظّاهِرَ ذِكْرُهُ بِلَفْظِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ جُرِّبَ وعُرِفَ. وجَوَّزَ الطَّيِّبِيُّ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَوِيِّ الأمِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَأنَّها قالَتْ: إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ مُوسى، والأوَّلُ أوْلى. ثُمَّ إنَّ كَلامَها هَذا كَلامٌ حَكِيمٌ جامِعٌ لا يُزادُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الخَصْلَتانِ أعْنِي الكِفايَةَ والأمانَةَ في القائِمِ بِأمْرِكَ فَقَدْ فَرَغَ بالُكَ وتَمَّ مُرادُكَ. وقَدِ اسْتَغْنَتْ بِإرْسالِ هَذا الكَلامِ الَّذِي سِياقُهُ سِياقُ المَثَلِ والحِكْمَةِ أنْ تَقُولَ: اسْتَأْجِرْهُ لِقُوَّتِهِ وأمانَتِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ مِثْلَ هَذا المَدْحِ مِنَ المَرْأةِ لِلرَّجُلِ أجْمَلُ مِنَ المَدْحِ الخاصِّ وأبْقى لِلْحِشْمَةِ وخُصُوصًا إنْ كانَتْ فَهِمَتْ أنَّ غَرَضَ أبِيها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ، ومَعْرِفَتُها قُوَّتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما رَأتْ مِن دَفْعِهِ النّاسَ عَنِ الماءِ وحْدَهُ حَتّى سَقى لَهُما، ومَعْرِفَتُها أمانَتَهُ مِن عَدَمِ تَعَرُّضِهِ لَها بِقَبِيحٍ ما مَعَ وحْدَتِها وضَعْفِها.
ورُوِيَ أنَّها لَمّا قالَتْ ما قالَتْ قالَ لَها أبُوها: ما أعْلَمَكِ بِقُوَّتِهِ؟
صفحة 67
فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أقَلَّ صَخْرَةً عَلى البِئْرِ لا يُقِلُّها كَذا وكَذا وقَدْ مَرَّ في حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لا يُطِيقُ رَفْعَها إلّا عَشَرَةُ رِجالٍ والنَّقْلُ في عَدَدِ مَن يُقِلُّها مُضْطَرِبٌ فَأقَلُّ ما قالُوا فِيهِ سَبْعَةٌ وأكْثَرُهُ مِائَةٌ، وقَدْ مَرَّ ما يُعْلَمُ مِنهُ حالُ الخَبَرِ في أصْلِ الإقْلالِ، وذَكَرَتْ أنَّهُ نَزَعَ وحْدَهُ بِدَلْوٍ لا يَنْزِعُ بِها إلّا أرْبَعُونَ. وقالَ: ما أعْلَمَكِ بِأمانَتِهِ؟ فَذَكَرَتْ ما كانَ مِن أمْرِهِ إيّاها بِالمَشْيِ وراءَهُ وأنَّهُ صَوَّبَ رَأْسَهُ حَتّى بَلَّغَتْهُ الرِّسالَةَ، وقَدَّمَتْ وصْفَ القُوَّةِ مَعَ أنَّ أمانَةَ الأجِيرِ لِحِفْظِ المالِ أهَمُّ في نَظَرِ المُسْتَأْجِرِ لِتَقَدُّمِ عِلْمِها بِقُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى عِلْمِها بِأمانَتِهِ أوْ لِيَكُونَ ذِكْرُ وصْفِ الأمانَةِ بَعْدَهُ مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ المُهِمِّ إلى الأهَمِّ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِها اسْتَأْجِرْهُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الإجارَةِ عِنْدَهم وكَذا كانَتْ في كُلِّ مِلَّةٍ وهي مِن ضَرُورِيّاتِ النّاسِ ومَصْلَحَةِ الخُلْطَةِ خِلافًا لِابْنِ عَلِيَّةَ والأصَمِّ حَيْثُ كانا لا يُجِيزانِها وهَذا ما انْعَقَدَ عَلَيْهِ الإجْماعُ وخِلافُهُما خَرْقٌ لَهُ فَلا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وهَذا لَعَمْرِي غَرِيبٌ مِنهُما إنْ كانا لا يُجِيزانِ الإجارَةَ مُطْلَقًا، ورَأيْتُ في الإكْلِيلِ أنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي﴾ إلَخْ رَدًّا عَلى مَن مَنَعَ الإجارَةَ المُتَعَلِّقَةَ بِالحَيَوانِ عَشْرَ سِنِينَ لِأنَّهُ يَتَغَيَّرُ غالِبًا فَلَعَلَّ الإجارَةَ الَّتِي لا يُجِيزانِها نَحْوَ هَذِهِ الإجارَةِ والأمْرُ في ذَلِكَ أهْوَنُ مِن عَدَمِ إجارَةِ الإجارَةِ مُطْلَقًا كَما لا يَخْفى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences