Al-AlusiAl‑Qasas · 28:30–36

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:30–36

28:30Page 389

فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٠

But when he came to it, he was called from the right side of the valley in a blessed spot - from the tree,1 "O Moses, indeed I am Allāh, Lord of the worlds."

﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ النّارَ الَّتِي آنَسَها.

﴿نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ﴾ أيْ أتاهُ النِّداءُ مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَسِيرِهِ فالأيْمَنُ صِفَةُ الشّاطِئِ وهو ضِدُّ الأيْسَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأيْمَنُ بِمَعْنى المُتَّصِفِ بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ ضِدَّ الأشْأمِ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ صِفَةً لِلشّاطِئِ أوِ الوادِي، (ومِن) عَلى ما اخْتارَهُ جَمْعٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِما عِنْدَها، وجُوِّزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَتِرِ في نُودِيَ أيْ نُودِيَ قَرِيبًا مِن شاطِئِ الوادِي، وجُوِّزَ عَلى الحالِيَّةِ أنْ تَكُونَ – مِن - بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [الأحْقافِ: 4] أيْ نُودِيَ كائِنًا في شاطِئِ الوادِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الشّاطِئِ أوْ صِلَةٌ لِـ نُودِيَ، والبُقْعَةُ القِطْعَةُ مِنَ الأرْضِ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الَّتِي إلى جَنْبِها وتُفْتَحُ باؤُها كَما في القامُوسِ، وبِذَلِكَ قَرَأ الأشْهَبُ العَقِيلِيُّ. ومَسْلَمَةُ، ووُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِما خُصَّتْ بِهِ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنْوارِهِ.

وقِيلَ: لِما حَوَتْ مِنَ الأرْزاقِ والثِّمارِ الطَّيِّبَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن شاطِئِ﴾ أوِ الشَّجَرَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِن شاطِئِ وأُعِيدَ الجارُّ لِأنَّ البَدَلَ عَلى تَكْرارِ العامِلِ وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ فَإنَّ الشّاطِئَ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الشَّجَرَةِ إذْ كانَتْ نابِتَةً فِيهِ، (ومِن) هُنا لا تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى في كَما سَمِعْتَ في (مِن) الأُولى، نَعَمْ جُوِّزَ فِيها أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نُوحٍ: 25] مُتَعَلِّقَةً بِالمُبارَكَةِ أيِ البُقْعَةُ المُبارَكَةُ لِأجْلِ الشَّجَرَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِالمُبارَكَةِ مَعَ بَقائِها لِلِابْتِداءِ عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ بَرَكَتِها مِنَ الشَّجَرَةِ، وكانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عُنّابًا، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَمُرَةً، وعَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والكَلْبِيِّ ووَهْبٍ عَوْسَجَةً. وعَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ عُلَّيْقَةً وهو المَذْكُورُ في التَّوْراةِ اليَوْمَ، وأنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يا مُوسى﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والأصْلُ بِأنَّهُ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِنُودِيَ، والنِّداءُ قَدْ يُوصَلُ بِحَرْفِ الجَرِّ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:

نادَيْتُ بِاسْمِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكْدَمٍ أنَّ المُنَوِّهَ بِاسْمِهِ المَوْثُوقِ

والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وفُسِّرَ الشَّأْنُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ «أنِّي» بِفَتْحِ الهَمْزِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ أنْ إنْ كانَتْ تَفْسِيرِيَّةً يَنْبَغِي كَسْرُ إنَّ وهو ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ مَصْدَرِيَّةً واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، فَكَذَلِكَ إذْ عَلى الفَتْحِ تُسْبَكُ مَعَ ما بَعْدَها بِمُفْرَدٍ وهو لا يَكُونُ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وخَرَجَتْ عَلى أنَّ أنْ تَفْسِيرِيَّةٌ وأنِّي إلَخْ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْمُولٍ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ أيْ يا مُوسى اعْلَمْ أنِّي أنا اللَّهُ إلَخْ، وجاءَ في سُورَةِ [طه: 11] (نُودِيَ يا مُوسى إنِّي أنا رَبُّكَ) وفي سُورَةِ [النَّمْلِ: 8] ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ وما هُنا غَيْرُ ذَلِكَ بَلْ ما في كُلِّ غَيْرِ ما في الآخَرِ فاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ.

صفحة 74

وأُجِيبُ بِأنَّ المُغايَرَةَ إنَّما هي في اللَّفْظِ، وأمّا في المَعْنى المُرادِ فَلا مُغايَرَةَ، وذَهَبَ الإمامُ إلى أنَّهُ تَعالى حَكى في كُلٍّ مِن هَذِهِ السُّوَرِ بَعْضَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النِّداءُ لِما أنَّ المُطابَقَةَ بَيْنَ ما في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ تَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ ما والظّاهِرُ أنَّ النِّداءَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ تَوْسِيطِ مَلَكٍ، وقَدْ سَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ كَلامًا لَفْظِيًّا قِيلَ:

خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى في الشَّجَرَةِ بِلا اتِّحادٍ وحُلُولٍ، وقِيلَ: خَلَقَهُ في الهَواءِ كَذَلِكَ وسَمِعَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَةِ الجانِبِ الأيْمَنِ أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وأنا وإنْ كانَ كُلُّ أحَدٍ يُشِيرُ بِهِ إلى نَفْسِهِ فَلَيْسَ المَعْنى بِهِ مَحَلَّ لَفْظِهِ.

وذَهَبَ الشَّيْخُ الأشْعَرِيُّ، والإمامُ الغَزالِيُّ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى النَّفْسِيَّ القَدِيمَ بِلا صَوْتٍ ولا حَرْفٍ، وهَذا كَما تُرى ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ بِلا كَيْفٍ ولا كَمٍّ، وذَكَرَ بَعْضُ العارِفِينَ أنَّهُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتٍ وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما شاءَ مِنَ المَظاهِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ وهو سُبْحانَهُ مَعَ ظُهُورِهِ تَعالى كَذَلِكَ باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ،

وقَدْ جاءَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ تَعالى يَتَجَلّى لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةٍ، فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيُنْكِرُونَهُ ثُمَّ يَتَجَلّى لَهم بِأُخْرى فَيَعْرِفُونَهُ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مِن وراءِ حُجُبِ العِزَّةِ والعَظَمَةِ والجَلالِ فَلا يُحَدِّثَنَّ الفِكْرُ نَفْسَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهُ وُقُوفٌ عَلى الحَقِيقَةِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ.

مَرامٌ شَطَّ مَرْمى العَقْلِ فِيهِ ∗∗∗ ودُونَ مَداهُ بِيدٌ لا تَبِيدُ

وذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِيِّينَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى اللَّفْظِيَّ بِصَوْتِ مُنْكِرِ الظُّهُورِ في المَظاهِرِ عادًّا القَوْلَ بِهِ مِن أعْظَمِ المَناكِرِ، ولِابْنِ القِيَمِ كَلامٌ طَوِيلٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الأفْهامِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ نادى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نِداءَ الوَحْيِ لا نِداءَ الكَلامِ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ العُلَماءُ الأعْلامُ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ الظّاهِرِ وأنَّهُ لا يَظْهَرُ عَلَيْهِ وجْهُ اخْتِصاصِهِ باسِمِ الكَلِيمِ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ووَجْهُ الِاخْتِصاصِ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ سَمِعَ كَلامَهُ تَعالى الأزَلِيَّ بِلا حَرْفٍ ولا صَوْتٍ ظاهِرٍ، وكَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَمِعَ صَوْتًا دالًّا عَلى كَلامِهِ تَعالى بِلا واسِطَةِ مَلَكٍ أوْ كِتابٍ سَواءٌ كانَ مِن جانِبٍ واحِدٍ لَكِنْ بِصَوْتٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ لِلْعِبادِ عَلى ما هو شَأْنُ سَماعِنا أوْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لِما في كُلٍّ مِن خَرْقِ العادَةِ، وأمّا وجْهُهُ عِنْدَ القائِلِينَ بِأنَّ السَّماعَ كانَ بَعْدَ التَّجَلِّي في المَظْهَرِ فَكَذَلِكَ أيْضًا إنْ قالُوا بِأنَّ هَذا التَّجَلِّيَ لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى مُوسى، ثُمَّ إنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ الَّذِي ناداهُ هو اللَّهُ تَعالى حَصَلَ لَهُ بِالضَّرُورَةِ خَلْقًا مِنهُ سُبْحانَهُ فِيهِ وقِيلَ: بِالمُعْجِزَةِ، وأوْجَبَ المُعْتَزِلَةُ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِها فَمِنهم مَن عَيَّنَها ومِنهم مَن لَمْ يُعَيِّنْها زَعْمًا مِنهم أنَّ حُصُولَ العِلْمِ الضَّرُورِيِّ يُنافِي التَّكْلِيفَ، وفِيهِ بَحْثٌ.

28:31Page 389

وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ ٣١

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it was a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, approach and fear not. Indeed, you are of the secure.

﴿وأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنْ يا مُوسى﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ جُمَلٍ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ عَلَيْها وإشْعارًا بِغايَةِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ مَدْلُولاتِها أيْ فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً فاهْتَزَّتْ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ وتَتَحَرَّكُ ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ هي حَيَّةٌ كَحْلاءُ العَيْنِ لا تُؤْذِي كَثِيرَةٌ في الدَّوْرِ، والتَّشْبِيهُ بِها بِاعْتِبارِ سُرْعَةِ حَرَكَتِها وخِفَّتِها لا في هَيْئَتِها وجُثَّتِها. فَلا يُقالُ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فَكَيْفَ يَصِحُّ تَشْبِيهُها بِالجانِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَها بِها في الهَيْئَةِ والجُثَّةِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِأنَّ

صفحة 75

لَها أحْوالًا مُخْتَلِفَةً تَدِقُّ فِيها وتَغْلُظُ، وقِيلَ: الجانُّ يُطْلَقُ عَلى ما عَظُمَ مِنَ الحَيّاتِ فَيُرادُ عِنْدَ تَشْبِيهِها بِها في ذَلِكَ والأوْلى ما ذُكِرَ أوَّلًا ﴿ولّى مُدْبِرًا﴾ مُنْهَزِمًا مِنَ الخَوْفِ ﴿ولَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ ولَمْ يَرْجِعْ ﴿يا (مُوسى﴾ أيْ نُودِيَ أوْ قِيلَ: يا مُوسى ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِنَ المَخاوِفِ فَإنَّهُ لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ:

28:32Page 389

ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢

Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ أيْ أدْخِلْها ﴿فِي جَيْبِكَ﴾ هو فَتْحُ الجُبَّةِ مِن حَيْثُ يَخْرُجُ الرَّأْسُ ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ عَيْبٍ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ أيْ مِن أجْلِ المَخافَةِ، قالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِضَمِّ عَضُدِهِ وذِراعِهِ وهو الجَناحُ إلى جَنْبِهِ لِيَخِفَّ بِذَلِكَ فَزَعُهُ ومِن شَأْنِ الإنْسانِ إذا فَعَلَ ذَلِكَ في وقْتِ فَزَعِهِ أنْ يَقْوى قَلْبُهُ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: خافَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ حَدَثَ بِهِ سُوءٌ فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُعِيدَ يَدَهُ إلى جَنْبِهِ لِتَعُودَ إلى حالَتِها الأُولى فَيَعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُوءًا بَلْ آيَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: المَعْنى إذا هالَكَ أمْرٌ لِما يَغْلِبُ مِن شُعاعِها فاضْمُمْها إلَيْكَ يَسْكُنْ خَوْفُكَ. وفي الكَشّافِ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَلَبَ اللَّهُ تَعالى العَصا حَيَّةً فَزِعَ واضْطَرَبَ فاتَّقاها بِيَدِهِ كَما يَفْعَلُ الخائِفُ مِنَ الشَّيْءِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اتِّقاءَكَ بِيَدِكَ فِيهِ غَضاضَةٌ عِنْدَ الأعْداءِ فَإذا ألْقَيْتَها فَكَما تَنْقَلِبُ حَيَّةً فَأدْخِلْ يَدَكَ تَحْتَ عَضُدِكَ مَكانَ اتِّقائِكَ بِها ثُمَّ أخْرِجْها بَيْضاءَ لِيَحْصُلَ الأمْرانِ:

اجْتِنابُ ما هو غَضاضَةٌ عَلَيْكَ، وإظْهارُ مُعْجِزَةٍ أُخْرى، والمُرادُ بِالجَناحِ اليَدُ لِأنَّ يَدَيِ الإنْسانِ بِمَنزِلَةِ جَناحَيِ الطّائِرِ وإذا أدْخَلَ يَدَهُ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِهِ اليُسْرى فَقَدْ ضَمَّ جَناحَهُ إلَيْهِ، والثّانِي أنْ يُرادَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ وتَشَدُّدُهُ عِنْدَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً حَتّى لا يَضْطَرِبَ ولا يَرْهَبَ اسْتِعارَةً مِن فِعْلِ الطّائِرِ لِأنَّهُ إذا خافَ نَشَرَ جَناحَيْهِ وأرْخاهُما وإلّا فَجَناحاهُ مَضْمُومانِ إلَيْهِ مُشَمَّرانِ. ومَعْنى مِنَ الرَّهْبِ مِن أجْلِ الرَّهْبِ أيْ إذا أصابَكَ الرَّهْبُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الحَيَّةِ فاضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ، جَعَلَ الرَّهْبَ الَّذِي كانَ يُصِيبُهُ سَبَبًا وعِلَّةً فِيما أمَرَ بِهِ مِن ضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ، ومَعْنى ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ واحِدٌ ولَكِنْ خُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ لِاخْتِلافِ الغَرَضَيْنِ وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ في أحَدِهِما خُرُوجُ اليَدِ بَيْضاءَ وفي الثّانِي إخْفاءُ الرُّعْبِ اهـ، وضَمُّ الجَناحِ عَلى الثّانِي كِنايَةٌ عَنِ التَّجَلُّدِ والضَّبْطِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

اشْدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوْتِ فَإنَّ المَوْتَ لاقِيكَ

وهُوَ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ الأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ، وهو في الأصْلِ مُسْتَعارٌ مِن فِعْلِ الطّائِرِ عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في التَّجَلُّدِ وضَبْطِ النَّفْسِ حَتّى صارَ مَثَلًا فِيهِ وكِنايَةً عَنْهُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَتْمِيمًا لِمَعْنى ﴿إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ وهَذا مَأْخُوذٌ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ فَإنَّهُ قالَ: هَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالعَزْمِ عَلى ما أرادَهُ مِنهُ وحَضٌّ عَلى الجِدِّ فِيهِ لِئَلّا يَمْنَعَهُ الجِدُّ الَّذِي يَغْشاهُ في بَعْضِ الأحْوالِ عَمّا أُمِرَ بِالمُضِيِّ فِيهِ. ولَيْسَ المُرادُ بِالضَّمِّ الضَّمَّ المُزِيلَ لِلْفُرْجَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو أبْعَدُ عَنِ المُناقَشَةِ مِمّا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ومِثْلُهُ في البُعْدِ عَنِ المُناقَشَةِ ما قالَهُ البِقاعِيُّ: مِن أنَّهُ أُرِيدَ بِضَمِّ جَناحِهِ إلَيْهِ تَجَلُّدُهُ وضَبْطُهُ نَفْسَهُ عِنْدَ خُرُوجِ يَدِهِ بَيْضاءَ حَتّى لا يَحْذَرَ ولا يَضْطَرِبَ مِنَ الخَوْفِ. وأرادَ بِأحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ الوَجْهَ الأوَّلَ لِأنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أدْخِلْ يَدَكَ اليُمْنى تَحْتَ عَضُدِكَ اليُسْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المَعْنى اضْمُمْ يَدَيْكَ المَبْسُوطَتَيْنِ بِإدْخالِ اليُمْنى تَحْتَ العَضُدِ الأيْسَرِ واليُسْرى تَحْتَ الأيْمَنِ أوْ بِإدْخالِهِما في

صفحة 76

الجَيْبِ. وظاهِرُهُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالجَناحِ الجَناحانِ، وقَدْ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ بِذَلِكَ في نَحْوِ ما ذَكَرَ وقالَ: إنَّهُ قَدْ جاءَ المُفْرَدُ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ كَما في قَوْلِهِ:

يَداكَ يَدٌ إحْداهُما الجُودُ كُلُّهُ ∗∗∗ وراحَتُكَ اليُسْرى

طِعانٌ تُغامِرُهُ فَإنَّ المَعْنى يَداكَ يَدانِ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ إحْداهُما. وفي الكَشّافِ أيْضًا مِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الرَّهْبَ الكُمُّ بِلُغَةِ حَمِيرٍ وأنَّهم يَقُولُونَ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ صِحَّتُهُ في اللُّغَةِ وهَلْ سُمِعَ مِنَ الأثْباتِ الثِّقاتِ الَّتِي تُرْضى عَرَبِيَّتُهُمْ؟ ثُمَّ لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ مَوْقِعُهُ في الآيَةِ وكَيْفَ تَطْبِيقُهُ المُفَصَّلُ كَسائِرِ كَلِماتِ التَّنْزِيلِ؟ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كانَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ المُناجاةِ إلّا زُرْمانَقَةٌ مِن صُوفٍ لا كُمَّيْنِ لَها اهـ. وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ ذاكَ لا يُطابِقُ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ فَإنَّ الذّاهِبِينَ إلَيْهِ قالُوا: المَعْنى عَلَيْهِ واضْمُمْ إلَيْكَ يَدَكَ مُخْرَجَةً مِنَ الكُمِّ لِأنَّ يَدَهُ كانَتْ في الكُمِّ وهو مَعْنًى كَما تَرى ولَفْظُهُ أقْصَرُ مِنهُ في الإفادَةِ. وأمّا أمْرُ سَماعِهِ عَنِ الأثْباتِ فَقَدْ تَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنِ الأصْمَعِيِّ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. وقالَ الطَّيِّبِيُّ: قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: قالَ الأصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأعْرابِ يَقُولُ: أعْطِنِي ما في رَهْبِكَ أيْ ما في كُمِّكَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ اسْتِعْمالَ الرَّهَبِ في الكُمِّ لُغَةُ بَنِي حَنِيفَةَ أيْضًا وهو عِنْدَهم وكَذا عِنْدَ حِمْيَرَ بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ والحُزَمِ عِنْدِي عَدَمُ الجَزْمِ بِثُبُوتِ هَذِهِ اللُّغَةِ. وعَلى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ لا يَنْبَغِي حَمْلُ ما في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ عَلَيْها. والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الرَّهْبِ مُتَعَلِّقٌ بِاضْمُمْ وقالَ أبُو البَقاءِ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ ولّى، وقِيلَ بِـ مُدْبِرًا، وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ: أيْ تَسْكُنُ مِنَ الرَّهْبِ، وقِيلَ بِـ اضْمُمْ، ولا يَخْفى ما في تَعَلُّقِهِ بِـ سِوى اضْمُمْ وإنْ أشارَ إلى تَعَلُّقِهِ بِـ ولّى أوْ مُدْبِرًا كَلامُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَلى ما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ حَيْثُ جَعَلَ الآيَةَ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. والمُرادُ ولّى مُدْبِرًا مِنَ الرَّهْبِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: «مِنَ (الرَّهَبِ)» بِفَتْحِ الرّاءِ والهاءِ، وأكْثَرُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ وقَرَأ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وعِيسى، والجَحْدَرِيُّ بِضَمِّهِما والكُلُّ لُغاتٌ ﴿فَذانِكَ﴾ أيِ العَصا واليَدُ والتَّذْكِيرُ لِمُراعاةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بُرْهانانِ﴾ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى انْقِلابِ العَصا حَيَّةً بَعْدَ إلْقائِها وخُرُوجِ اليَدِ بَيْضاءَ بَعْدَ إدْخالِها في الجَيْبِ فَأمْرُ التَّذْكِيرِ ظاهِرٌ، والبُرْهانُ الحُجَّةُ النَّيِّرَةُ وهو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ: أبَرَّهُ الرَّجُلُ إذا جاءَ بِالبُرْهانِ مِن بَرَّهُ الرَّجُلُ إذا ابْيَضَّ ويُقالُ لِلْمَرْأةِ البَيْضاءِ: بُرْهاءُ وبُرْهَرَهَةٌ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو فُعْلانٌ مِنَ البَرْهِ بِمَعْنى القَطْعِ فَيُفَسَّرُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وقِيلَ: هو فُعْلانٌ لِقَوْلِهِمْ بَرْهَنَ ونُقِلَ عَنِ الأكْثَرِ أنَّ بَرْهَنَ مُوَلَّدٌ بَنَوْهُ مِن لَفْظِ البُرْهانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ «(فَذانِّكَ)» بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ عِوَضٌ مِنَ الألِفِ المَحْذُوفَةِ مِن ذا حالَ التَّثْنِيَةِ لِألِفِها نُونٌ وأُدْغِمَتْ، وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن لامِ ذَلِكَ كَأنَّهم أدْخَلُوها بَعْدَ نُونِ التَّثْنِيَةِ، ثُمَّ قُلِبَتِ اللّامُ نُونًا لِقُرْبِ المَخْرَجِ وأُدْغِمَتْ وكانَ القِياسُ قَلْبَ الأُولى لَكِنَّهُ حُوفِظَ عَلى عَلامَةِ التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى وأبُو نَوْفَلٍ وابْنُ هُرْمُزَ وشِبْلٌ. «فَذانِيكَ» بِياءٍ بَعْدَ النُّونِ المَكْسُورَةِ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقِيلَ: بَلْ لُغَةُ تَمِيمٍ، ورَواها شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وعَنْهُ أيْضًا «فَذانَيْكَ» بِفَتْحِ النُّونِ قَبْلَ الياءِ عَلى لُغَةِ مَن فَتَحَ نُونَ التَّثْنِيَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

عَلى أحْوَذِيَّيْنِ اسْتَقَلَّتْ عَشِيَّةً ∗∗∗ فَما هي إلّا لَمْحَةٌ وتَغِيبُ

صفحة 77

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً بَعْدَها ياءٌ، قِيلَ وهي لُغَةُ هُذَيْلٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَلْ لُغَتُهم تَخْفِيفُها (ومِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ بُرْهانانِ أيْ كائِنانِ مِن رَبِّكَ (وإلى) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْضًا هو عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ بَعْضِهِمْ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ لَهُ أيْ واصِلانِ إلَيْهِمْ، وعَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ آخَرِينَ حالٌ مِنهُ أيْ مُرْسَلًا أنْتَ بِهِما إلَيْهِمْ.

وفِي البَحْرِ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ ﴿كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ أيْ خارِجِينَ عَنْ حُدُودِ الظُّلْمِ والعُدْوانِ فَكانُوا أحِقّاءَ بِأنْ نُرْسِلَكَ بِهاتَيْنِ المُعْجِزَتَيْنِ الباهِرَتَيْنِ إلَيْهِمْ، والكَلامُ في كانُوا يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ

28:33–34Page 389

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣

He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.

وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤

And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."

﴿قالَ رَبِّ إنِّي قَتَلْتُ مِنهم نَفْسًا فَأخافُ﴾ لِذَلِكَ ﴿أنْ يَقْتُلُونِ﴾ بِمُقابَلَتِها، والمُرادُ بِهَذا الخَبَرِ طَلَبُ الحِفْظِ والتَّأْيِيدِ لِإبْلاغِ الرِّسالَةِ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ لا الِاسْتِعْفاءُ مِنَ الإرْسالِ، وزَعَمَتِ اليَهُودُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَعْفى رَبَّهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ. وفي التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمُ اليَوْمَ أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ ابْعَثْ مَن أنْتَ باعِثُهُ وأكَّدَ طَلَبَ التَّأْيِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخِي هارُونُ هو أفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أيْ عَوْنًا كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ وقالَ: يُقالُ: رَدَأْتُهُ عَلى عَدُوِّهِ أعَنْتُهُ. وقالَ أبُو حَيّانَ: الرِّدْءُ المُعِينُ الَّذِي يَشْتَدُّ بِهِ الأمْرُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَهو اسْمٌ لِما يُعانُ بِهِ كَما أنَّ الدِّفْءَ اسْمٌ لِما يُتَدَفَّأُ بِهِ قالَ سَلامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ:

ورِدْئِي كُلُّ أبْيَضَ مُشْرِفِيٍّ شَدِيدِ الحَدِّ عَضْبٍ ذِي فُلُولِ

ويُقالُ: رَدَأْتُ الحائِطَ أرْدَؤُهُ إذا دَعَّمْتَهُ بِخَشَبَةٍ لِئَلّا يَسْقُطَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أفْصَحُ مِنِّي﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصاحَةً ولَكِنَّ فَصاحَةَ أخِيهِ أزْيَدُ مِن فَصاحَتِهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ونافِعٌ والمَدَنِيّانِ رِدًا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ حَرَكَتِها إلى الدّالِ، والمَشْهُورُ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ بِالنَّقْلِ ولا هَمْزَ ولا تَنْوِينَ. ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ. وجُوِّزَ في رِدًا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ كَوْنُهُ مَنقُوصًا بِمَعْنى زِيادَةٍ مِن رَدَيْتُ عَلَيْهِ إذا زِدْتُ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ أيْ يُلَخِّصُ بِلِسانِهِ الحَقَّ ويُبَسِّطُ القَوْلَ فِيهِ ويُجادِلُ بِهِ الكُفّارَ، فالتَّصْدِيقُ مَجازٌ عَنِ التَّلْخِيصِ المَذْكُورِ الجالِبِ لِلتَّصْدِيقِ لِأنَّهُ كالشّاهِدِ لِقَوْلِهِ، وإسْنادُهُ إلى هارُونَ حَقِيقَةٌ، ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ وأخِي هارُونُ إلَخْ لِأنَّ فَضْلَ الفَصاحَةِ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لِمِثْلِ ما ذُكِرَ لا لِقَوْلِهِ صَدَقْتَ أوْ أخِي مُوسى صادِقٌ فَإنَّ سَحْبانَ وباقِلًا فِيهِ سَواءٌ، أوْ يَصِلُ جَناحُ كَلامِي بِالبَيانِ حَتّى يُصَدِّقَنِي القَوْمُ الَّذِينَ أخافُ تَكْذِيبَهم فالتَّصْدِيقُ عَلى حَقِيقَتِهِ وإنَّما أُسْنِدَ إلى هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ بِبَيانِهِ جَلَبَ تَصْدِيقَ القَوْمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ التَّصْدِيقَ عَلى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: تَصْدِيقُ الغَيْرِ بِمَعْنى إظْهارِ صِدْقِهِ، وهو كَما يَكُونُ بِقَوْلِ: هو صادِقٌ يَكُونُ بِتَأْيِيدِهِ بِالحُجَجِ ونَحْوِها كَتَصْدِيقِ اللَّهِ تَعالى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالمُعْجِزاتِ، والمُرادُ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالتَّأْيِيدِ بِالحُجَجِ، فالمَعْنى يَظْهَرُ صِدْقِي بِتَقْرِيرِ الحُجَجِ وتَزْيِيفِ الشَّبَهِ إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ ولِسانِي لا يُطاوِعُنِي عِنْدَ المُحاجَّةِ، وعَلَيْهِ لا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ التَّجَوُّزِ في الطَّرَفِ أوْ في الإسْنادِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ صِدْقَهُ مَعْناهُ إمّا قالَ: إنَّهُ صادِقٌ أوْ قالَ لَهُ: صَدَقْتَ، فَإطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ الظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ، وجُمْلَةُ

صفحة 78

يُصَدِّقُنِي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِـ رِدْءًا، وأنْ تَكُونَ حالًا، وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «يُصَدِّقْنِي» بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الجَوابَ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ مَحْذُوفٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الأمْرَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لَهُ جَوابٌ فَلا حاجَةَ إلى دَعْوى الحَذْفِ، وقَرَأ أُبَيٌّ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم «يُصَدِّقُونِي» بِضَمِيرِ الجَمْعِ وهو عائِدٌ عَلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ لا عَلى هارُونَ والجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ كَما قِيلَ، والفِعْلُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ خالَوَيْهِ مَجْزُومٌ فَقَدْ جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ شاهِدًا لِمَن جَزَمَ مِنَ السَّبْعَةِ يُصَدِّقُنِي وقالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ رَفْعًا لَقِيلَ: يُصَدِّقُونَنِي، وذَكَرَ أبُو حَيّانَ بَعْدَ نَقْلِهِ أنَّ الجَزْمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ والمَعْنى في يُصَدِّقُونِ أرْجُ تَصْدِيقَهم إيّايَ فَتَأمَّلْ

28:35Page 389

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥

[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."

﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾ إجابَةٌ لِمَطْلُوبِهِ وهو عَلى ما قِيلَ راجِعٌ لِقَوْلِهِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ﴾ إلَخْ والمَعْنى سَنُقَوِّيكَ بِهِ ونُعِينُكَ عَلى أنَّ شَدَّ عَضُدِهِ كِنايَةٌ تَلْوِيحِيَّةٌ عَنْ تَقْوِيَتِهِ لِأنَّ اليَدَ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ العَضُدِ وهو ما بَيْنَ المِرْفَقِ إلى الكَتِفِ والجُمْلَةُ تَشْتَدُّ بِشِدَّةِ اليَدِ ولا مانِعَ مِنَ الحَقِيقَةِ لِعَدَمِ دُخُولٍ بِأخِيكَ فِيما جُعِلَ كِنايَةً أوْ عَلى أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ مَخْرَجَ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ شَبَّهَ حالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَقْوِيَتِهِ بِأخِيهِ بِحالِ اليَدِ في تَقْوِيَتِها بِعَضُدٍ شَدِيدٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن بابِ إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ بِمَرْتَبَتَيْنِ بِأنْ يَكُونَ الأصْلُ سَنُقَوِّيكَ بِهِ ثُمَّ سَنُؤَيِّدُكَ ثُمَّ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ عُضُدَكَ بِضَمَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ العَيْنِ وإسْكانِ الضّادِ، وقَرَأ عِيسى بِفَتْحِهِما، وبَعْضُهم بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِ الضّادِ، ويُقالُ فِيهِ: عَضْدٌ بِفَتْحِ العَيْنِ وسُكُونِ الضّادِ ولَمْ أعْلَمْ أحَدًا قَرَأ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾ أيْ تَسَلُّطًا عَظِيمًا وغَلَبَةً راجِعٌ عَلى ما قِيلَ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يُكَذِّبُونِ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما﴾ تَفْرِيعٌ عَلى ما حَصَلَ مِن مُرادِهِ أيْ لا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِاسْتِيلاءٍ أوْ مُحاجَّةٍ ﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدْ صَرَّحَ بِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ أيِ اذْهَبا بِآياتِنا أوْ بِـ نَجْعَلُ أيْ نُسَلِّطُكُما بِآياتِنا أوْ بِـ سُلْطانًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّسَلُّطِ والغَلَبَةِ أوْ بِمَعْنى لا يَصِلُونَ أيْ تَمْتَنِعُونَ مِنهم بِها أوْ بِحَرْفِ النَّفْيِ عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ بِجَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسَمًا جَوابُهُ لا يَصِلُونَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ أوْ هو مِنَ القَسَمِ الَّذِي يَتَوَسَّطُ الكَلامَ ويُقْحَمُ فِيهِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ فَلا يَحْتاجُ إلى جَوابٍ أصْلًا، ويُرَدُّ عَلى الأوَّلِ أنَّ جَوابَ القَسَمِ لا يَتَقَدَّمُهُ ولا يَقْتَرِنُ بِالفاءِ أيْضًا فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ وأمّا هو فَمَحْذُوفٌ إلّا أنَّهُ تَساهَلَ في التَّعْبِيرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِلَةً لِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ الغالِبُونَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ أوْ صِلَةٌ لَهُ واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ لا بِمَعْنى الَّذِي أوْ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ إمّا مُطْلَقًا أوْ إذا كانَ المُقَدَّمُ ظَرْفًا وتَقْدِيمُهُ إمّا لِلْفاصِلَةِ أوْ لِلْحَصْرِ

28:36Page 390

فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦

But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."

﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾ أيْ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ العَصا واليَدُ إذْ هُما اللَّتانِ أظْهَرَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذاكَ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طه سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ (قالُوا) ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ ﴿إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أيْ سِحْرٌ تَخْتَلِقُهُ لَمْ يُفْعَلْ قَبْلَهُ مِثْلُهُ فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ لا بِمَعْنى الكَذِبِ أوْ سِحْرٌ تَتَعَلَّمُهُ مِن غَيْرِكَ ثُمَّ تَنْسُبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَذِبًا فالِافْتِراءُ بِمَعْنى الكَذِبِ لا بِمَعْنى الِاخْتِلاقِ والصِّفَةُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مُخَصَّصَةٌ، وقِيلَ:

المُرادُ بِالِافْتِراءِ

صفحة 79

التَّمْوِيهُ أيْ هو سِحْرٌ مُمَوِّهٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ كَسائِرِ أنْواعِ السِّحْرِ. وعَلَيْهِ تَكُونُ الصِّفَةُ مُؤَكِّدَةً والِافْتِراءُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ. والحَقُّ أنَّ مِن أنْواعِ السِّحْرِ ما لَهُ حَقِيقَةٌ فَتَكُونُ الصِّفَةُ مُخَصَّصَةً أيْضًا ﴿وما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ نَوْعِ السِّحْرِ أوْ ما صَدَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ بِمِثْلِ هَذا أوِ الإشارَةِ إلى ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ ونَفْيِهِمُ السَّماعَ بِذَلِكَ تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ فَقَدْ جاءَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ. ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا نَفْيَ سَماعِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ عِنْدَهم وكانُوا يُنْكِرُونَ أصْلَ النُّبُوّاتِ ولا يَقُولُونَ بِصِحَّةِ شَيْءٍ مِنها كالبَراهِمَةِ وكَكَثِيرٍ مِنَ الإفْرِنْجِ ومَن لَحِسَ مِن فَضَلاتِهِمُ اليَوْمَ. والباءُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ إمّا عَلى أصْلِها أوْ زائِدَةٌ أيْ ما سَمِعْنا هَذا ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ أيْ واقِعًا في أيّامِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن هَذا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ والعامِلُ فِيهِ سَمِعْنا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِهَذا عَلى تَقْدِيرٍ بِوُقُوعِ هَذا، ويَكُونُ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ المُقَدَّرِ، وأشارُوا بِوَصْفِ آبائِهِمْ بِالأوَّلِينَ إلى انْتِفاءِ ذَلِكَ مُنْذُ زَمانٍ طَوِيلٍ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском