Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:37–42
28:37Page 390
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
﴿وقالَ مُوسى رَبِّي أعْلَمُ بِمَن جاءَ بِالهُدى مِن عِنْدِهِ﴾ يُرِيدُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَوْصُولِ نَفْسَهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ «قالَ» يُغَيِّرُوا ولِأنَّهُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ والجَوابُ لا يُعْطَفُ بِواوٍ ولا غَيْرِها، ووَجْهُ العَطْفِ في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ أنَّ المُرادَ حِكايَةُ القَوْلَيْنِ لِيُوازِنَ النّاظِرُ المَحْكِيُّ لَهُ بَيْنَهُما فَيُمَيِّزَ صَحِيحَهُما مِنَ الفاسِدِ ﴿ومَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ في الدّارِ وهي الدُّنْيا، وعاقِبَتُها أنْ يُخْتَمَ لِلْإنْسانِ بِها بِما يُفْضِي بِهِ إلى الجَنَّةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى وكَرَمِهِ ووَجْهُ إرادَةِ العاقِبَةِ المَحْمُودَةِ مِن مُطْلَقِ العاقِبَةِ أنَّها هي الَّتِي دَعا اللَّهُ تَعالى إلَيْها عِبادَهُ، ورَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولًا لا تُرْشِدُهم إلَيْها ومَكَّنَهم مِنها وأزاحَ عِلَلَهم ووَفَّرَ دَواعِيَهم وحَضَّهم عَلَيْها فَكَأنَّها لِذَلِكَ هي المُرادَّةُ مِن جَمِيعِ العِبادِ والغَرَضُ مِن خَلْقِهِمْ، وهَذا ما اخْتارَهُ ابْنُ المُنِيرِ مُوافِقًا لِما عَلَيْهِ الجَماعَةُ، وحَكى أنَّ بَعْضَهم قالَ لَهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تَقُولَ فَهم عاقِبَةُ الخَيْرِ مِن إضافَةِ العاقِبَةِ إلى ذَوِيِها بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ [الرَّعْدِ: 42]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعْرافِ: 128، القَصَصِ: 83] إذْ عاقِبَةُ الخَيْرِ هي الَّتِي تَكُونُ لَهُمْ، وأمّا عاقِبَةُ السُّوءِ فَعَلَيْهِمْ لا لَهم فَقالَ لَهُ: لَقَدْ كانَ لِي في ذَلِكَ مَقالٌ لَوْلا وُرُودُهُ مِثْلَ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ، ولَمْ يَقُلْ وعَلَيْهِمْ فاسْتِعْمالُ اللّامِ مَكانٌ عَلى دَلِيلٍ عَلى إلْغاءِ الِاسْتِدْلالِ بِاللّامِ عَلى إرادَةِ عاقِبَةِ الخَيْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ اللّامَ ظاهِرَةٌ في النَّفْعِ ويَكْفِي ذَلِكَ في انْفِهامِ كَوْنِ المُرادِ بِالعاقِبَةِ عاقِبَةَ الخَيْرِ، ويَلْتَزِمُ في نَحْوِ الآيَةِ الَّتِي أوْرَدَها ابْنُ المُنِيرِ كَوْنُها مِن بابِ التَّهَكُّمِ، وهَذا نَظِيرُ ما قالُوا: إنَّ البِشارَةَ في الخَيْرِ، وبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ مِن بابِ التَّهَكُّمِ.
وقالَ الطَّيِّبِيُّ انْتِصارًا لِلْبَعْضِ أيْضًا: قُلْتُ: الآيَةُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّ قَرِينَةَ اللَّعْنَةِ والسُّوءِ مانِعَةٌ عَنْ إرادَةِ الخَيْرِ وإنَّما أتى بِلَهم لِيُؤْذِنَ بِأنَّهُما حَقّانِ ثابِتانِ لَهم لازِمانِ إيّاهُمْ، ويُعَضِّدُهُ التَّقْدِيمُ المُفِيدُ لِلِاخْتِصاصِ فَتَدَبَّرْ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ. «يَكُونُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، لِأنَّ المَرْفُوعَ مَجازِيُّ التَّأْنِيثِ ومَفْصُولٌ عَنْ رافِعِهِ.
﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ لا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ ولا يَنْجُونَ عَنْ مَحْذُورٍ، وحاصِلُ كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبِّي أعْلَمُ مِنكم بِحالِ مَن أهَّلَهُ سُبْحانَهُ لِلْفَلاحِ الأعْظَمِ حَيْثُ جَعَلَهُ نَبِيًّا وبَعَثَهُ بِالهُدى ووَعَدَهُ حُسْنَ العُقْبى، ولَوْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ كاذِبًا ساحِرًا مُفْتَرِيًا لَما أهَّلَهُ لِذَلِكَ لِأنَّهُ غَنِيٌّ حَكِيمٌ لا يُرْسِلُ الكاذِبِينَ ولا يُنَبِّئُ السّاحِرِينَ
صفحة 80
ولا يُفْلِحُ عِنْدَهُ الظّالِمُونَ
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
﴿وقالَ فِرْعَوْنُ يا أيُّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قالَهُ اللَّعِينُ بَعْدَ ما جَمَعَ السَّحَرَةَ وتَصَدّى لِلْمُعارَضَةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أرادَ حَقِيقَةَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُهُ وهو نَفْيُ عِلْمِهِ بِإلَهِ غَيْرِهِ دُونَ وُجُودِهِ فَإنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، ولَمْ يَجْزِمْ بِالعَدَمِ بِأنْ يَقُولَ: لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي مَعَ أنَّ كُلًّا مِن هَذا وما قالَهُ كَذِبٌ، لِأنَّ ظاهِرَ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّ إلَهَهم غَيْرُهُ، وما تَرَكَهُ أوْفَقُ ظاهِرًا بِما قَصَدَهُ مِن تَبْعِيدِ قَوْمِهِ عَنِ اتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتِيارًا لِدَسِيسَةٍ شَيْطانِيَّةٍ وهو إظْهارٌ أنَّهُ مُنْصِفٌ في الجُمْلَةِ لِيَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى قَبُولِهِمْ ما يَقُولُهُ لَهم بَعْدُ في أمْرِ الإلَهِ وتَسْلِيمِهِمْ إيّاهُ لَهُ اعْتِمادًا عَلى ما رَأوْا مِن إنْصافِهِ فَكَأنَّهُ قالَ ما عَلِمْتُ في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ لَكم إلَهًا غَيْرِي كَما يَقُولُ مُوسى، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ وسَأُحَقِّقُ لَكم ذَلِكَ.
﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾ أيِ اصْنَعْ لِي آجُرًّا ﴿فاجْعَلْ لِي﴾ مِنهُ ﴿صَرْحًا﴾ أيْ بِناءً مَكْشُوفًا عالِيًا مِن صَرَحَ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ أيْ أطَّلِعُ وأصْعَدُ فافْتَعَلَ بِمَعْنى الفِعْلِ المُجَرَّدِ كَما في البَحْرِ وغَيْرِهِ.
﴿إلى إلَهِ مُوسى﴾ الَّذِي ذَكَرَ أنَّهُ إلَهُهُ وإلَهُ العالَمِينَ، كَأنَّهُ يُوهِمُ قَوْمَهُ أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ كَما يَقُولُ مُوسى لَكانَ جِسْمًا في السَّماءِ كَوْنَ الأجْسامِ فِيها يُمْكِنُ الرُّقِيُّ إلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿وإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ فِيما يَذْكُرُ تَأْكِيدًا لِما أرادَ وإعْلامًا بِأنَّ تَرَجِّيَهُ الصُّعُودَ إلى إلَهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لِأنَّهُ جازِمٌ بِأنَّهُ هُناكَ، والأمْرُ بِجَعْلِ الصَّرْحِ وبِنائِهِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بُنِيَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: بَناهُ وذُكِرَ مِن وصْفِهِ ما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِهِ، وقِيلَكَ لَمْ يَبْنِ وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ وأمْرُهُ لِلتَّلْبِيسِ عَلى قَوْمِهِ وإيهامِهِ إيّاهم أنَّهُ بِصَدَدِ تَحْقِيقِ الأمْرِ، ويَكُونُ ما ذَكَرَ ذِكْرًا لِأحَدِ طُرُقِ التَّحْقِيقِ فَيَتَمَكَّنُ مِن أنْ يَقُولَ بَعْدَهُ حَقَّقْتُ الأمْرَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي وأنَّ مُوسى كاذِبٌ فِيما يَقُولُ، وعَلى الأوَّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صَعِدَ الصَّرْحَ وحْدَهُ أوْ مَعَ مَن يَأْمَنُهُ عَلى سِرِّهِ وبَقِيَ ما بَقِيَ ثُمَّ نَزَلَ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهُمْ: صَعِدْتُ إلى إلَهِ مُوسى وحَقَّقْتُ أنْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُ وعَلِمْتُ أنْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ غَيْرِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا بُنِيَ لَهُ الصَّرْحُ ارْتَقى فَوْقَهُ فَأمَرَ بِنَشّابَةٍ فَرَمى بِها نَحْوَ السَّماءِ فَرُدَّتْ إلَيْهِ وهي مُتَلَطِّخَةٌ دَمًا فَقالَ: قَتَلْتُ إلَهَ مُوسى. وهَذا إنْ صَحَّ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِالفِعْلِ ولا أظُنُّهُ يَصِحُّ، وأيًّا ما كانَ فالقَوْمُ كانُوا في غايَةِ الغَباوَةِ والجَهْلِ وإفْراطِ العِمايَةِ والبَلادَةِ وإلّا لَما نَفَقَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ هَذا الهَذَيانِ. ولِلَّهِ تَعالى خَواصُّ في الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ والأشْخاصِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: كانَ فِيهِمْ مِن ذَوِي العُقُولِ مَن يَعْلَمُ تَمْوِيهَهُ وتَلْبِيسَهُ ويَعْتَقِدُ هَذَيانَهُ فِيما يَقُولُ إلّا أنَّهُ نَظَمَ نَفْسَهُ في سِلْكِ الجُهّالِ ولَمْ يُظْهِرْ خِلافًا لِما عَلَيْهِ اللَّعِينُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ وذَلِكَ إمّا لِلرَّغْبَةِ فِيما لَدَيْهِ أوْ لِلرَّهْبَةِ مِن سَطْوَتِهِ واعْتِدائِهِ عَلَيْهِ وكَمْ رَأيْنا عاقِلًا وعالِمًا فاضِلًا يُوافِقُ لِذَلِكَ الظَّلَمَةَ الجَبابِرَةَ ويُصَدِّقُهم فِيما يَقُولُونَ وإنْ كانَ مُسْتَحِيلًا أوْ كُفْرًا بِالآخِرَةِ. وكانَ قَوْلُ اللَّعِينِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لِأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ المَحْكِيِّ هاهُنا بِأنْ يَكُونَ قالَهُ وأرْدَفَهُ بِإخْبارِهِمْ عَلى البَتِّ أنْ لا إلَهَ لَهم غَيْرُهُ، ثُمَّ هَدَّدَ مُوسى بِالسَّجْنِ إنْ بَدا مِنهُ ما يُشْعِرُ بِخِلافِهِ، وهَذا وجْهٌ في الآيَةِ لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ وفِيها أوْجُهٌ أُخَرُ. الأوَّلُ أنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ: ما ﴿عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ نَفْيَ العِلْمِ دُونَ الوُجُودِ كَما في ذَلِكَ الوَجْهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْفِ الوُجُودَ لِأنَّهُ لَمْ
صفحة 81
يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَقْتَضِي الجَزْمَ بِالعَدَمِ وأرادَ بِقَوْلِهِ إنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ إنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأرادَ بِقَوْلِهِ: يا هامانُ أوْقِدْ لِي عَلى الطِّينِ إلَخْ إعْلامَ النّاسِ بِفَسادِ دَعْواهُ تِلْكَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِهِ أنَّهُ تَعالى إنْ كانَ كانَ في السَّماءِ بِأنَّهُ لَوْ كانَ رَسُولًا مِنهُ تَعالى فَهو مِمَّنْ يَصِلُ إلَيْهِ، وذَلِكَ بِالصُّعُودِ إلَيْهِ وهو مِمّا لا يَقْوى عَلَيْهِ الإنْسانُ فَيَكُونُ مِن نَوْعِ المُحالِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَما بَنى عَلَيْهِ وهي الرِّسالَةُ مِنهُ تَعالى مِثْلُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ لِإظْهارِ عَدَمِ إمْكانِ الصُّعُودِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ دَعْوى الرِّسالَةِ في زَعْمِهِ ولَعَلَّ لِلتَّهَكُّمِ.
الثّانِي أنَّهُ أرادَ أيْضًا نَفْيَ العِلْمِ بِالوُجُودِ دُونَ الوُجُودِ نَفْسِهِ لَكِنَّهُ كانَ في نَفْيِ العِلْمِ مُلْبِسًا عَلى قَوْمِهِ كاذِبًا فِيهِ حَيْثُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَهُ هو إلَهُ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي﴾ إلَخْ إنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا في دَعْوى الرِّسالَةِ كَما في سابِقِهِ، وأرادَ بِقَوْلِهِ: يا هامانُ إلَخْ طَلَبَ أنْ يَجْعَلَ لَهُ ما يُزِيلُ بِهِ شَكَّهُ في الرِّسالَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَبْنِيَ لَهُ رَصْدًا في مَوْضِعٍ عالٍ يَرْصُدُ مِنهُ أحْوالَ الكَواكِبِ الدّالَّةِ عَلى الحَوادِثِ الكَوْنِيَّةِ بِزَعْمِهِ فَيَرى هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: ﴿فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ إلّا أنْ يُرادَ فَأطَّلِعَ عَلى حُكْمِ إلَهِ مُوسى بِأوْضاعِ الكَواكِبِ والنَّظَرِ فِيها هَلْ أرْسَلَ مُوسى كَما يَقُولُ أمْ لا؟ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ (وإلى) فِيهِ بِمَعْنى عَلى، وجُوِّزَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَدْ أرادَ بِإلَهِ مُوسى الكَواكِبَ فَكَأنَّهُ قالَ: لَعَلِّي أصْعَدُ إلى الكَواكِبِ الَّتِي هي إلَهُ مُوسى فَأنْظُرَ هَلْ فِيها ما يَدُلُّ عَلى إرْسالِها إيّاهُ أوْ لَعَلِّي أطَّلِعُ عَلى حُكْمِ الكَواكِبِ الَّتِي هي إلَهُ مُوسى في أمْرِ رِسالَتِهِ وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ هَذا الوَجْهُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ. الثّالِثُ أنَّهُ أرادَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهِ غَيْرِهِ نَفْيَ وُجُودِهِ وبِظَنِّهِ كاذِبًا ظَنَّهُ كاذِبًا في إثْباتِهِ إلَهًا غَيْرَهُ ويُفَسِّرُ الظَّنَّ بِاليَقِينِ كَما في قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سُراتِهِمْ في الفارِسِيِّ المَسْرَدِ
فَإثْباتُ الظَّنِّ المَذْكُورِ لا يَدْفَعُ إرادَةَ ذَلِكَ النَّفْيِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقالَ في دَفْعِ المُنافاةِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الظّاهِرُ أنَّ كَلامَهُ الأوَّلَ كانَ تَمْوِيهًا وتَلْبِيسًا عَلى القَوْمِ، والثّانِي كانَ مُواضَعَةً مَعَ صاحِبِ سِرِّهِ هامانَ فَإثْباتُ الظَّنِّ في الثّانِي لا يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ العِلْمُ في الأوَّلِ لِنَفْيِ المَعْلُومِ، وفِيهِ أنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ سَوْقُ الآيَةِ، والفاءُ في فَأوْقِدْ لِي وطَلَبَهُ بِناءَ الصَّرْحِ راجِيًا الصُّعُودَ إلى إلَهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ بِهِ التَّهَكُّمَ كَأنَّهُ نَسَبَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ القَوْلَ بِأنَّ إلَهَهُ في السَّماءِ فَقالَ: ﴿يا (هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافِرٍ: 36] لِأصْعَدَ إلى إلَهِ مُوسى مُتَهَكِّمًا بِهِ، وهَذا نَظِيرُ ما إذا أخْبَرَكَ شَخْصٌ بِحَياةِ زَيْدٍ وأنَّهُ في دارِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ خِلافَ ذَلِكَ فَتَقُولُ لِغُلامِكَ بَعْدَ أنْ تَذْكُرَ عِلْمَكَ بِما يُخالِفُ قَوْلَهُ مُتَهَكِّمًا بِهِ: يا غُلامُ أسْرِجْ لِي الدّابَّةَ لَعَلِّي أذْهَبُ إلى فُلانٍ وأسْتَأْنِسُ بِهِ بَلْ ما قالَهُ فِرْعَوْنُ أظْهَرُ في التَّهَكُّمِ مِمّا ذَكَرَ فَطَلَبَهُ بِناءَ الصَّرْحِ بِناءً عَلى هَذا لا يَكُونُ مُنافِيًا لِما ادَّعاهُ أوَّلًا وآخِرًا مِنَ العِلْمِ واليَقِينِ.
وقالَ بَعْضُهم في دَفْعِ ما قِيلَ: مِنَ المُنافاةِ: إنَّها إنَّما تَكُونُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ: لَعَلِّي أطَّلِعُ إلَخْ عَلى طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والتَّنَزُّلِ، وقالَ آخَرُ في ذَلِكَ: إنَّ اللَّعِينَ كانَ مُشْرِكًا يَعْتَقِدُ أنَّ مَن مَلَكَ قُطْرًا كانَ إلَهَهُ ومَعْبُودَ أهْلِهِ فَما أثْبَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ﴾ إلَخْ الإلَهَ لِغَيْرِ مَمْلَكَتِهِ وما نَفاهُ إلَهُها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: لَكم ولا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ.
وفِي الكَشّافِ القَوْلُ بِالمُناقَضَةِ بَيْنَ بِناءِ الصَّرْحِ وما ادَّعاهُ مِنَ العِلْمِ واليَقِينِ إلّا أنَّهُ قالَ: قَدْ خَفِيَتْ عَلى قَوْمِهِ
صفحة 82
لِغَباوَتِهِمْ وبَلَهِهِمْ أوْ لَمْ تَخَفْ عَلَيْهِمْ ولَكِنْ كُلًّا كانَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ سَوْطَهُ وسَيْفَهُ وإذا فُتِحَ هَذا البابُ جازَ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى دَفْعِ التَّناقُضِ، والأوْلى عِنْدِي السَّعْيُ في دَفْعِ التَّناقُضِ فَإذا لَمْ يُمْكِنِ اسْتَنَدَ في ارْتِكابِ المَخْذُولِ إيّاهُ إلى جَهْلِهِ أوْ سَفَهِهِ وعَدَمِ مُبالاتِهِ بِالقَوْمِ لِغَباوَتِهِمْ أوْ خَوْفِهِمْ مِنهُ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّهُ أرادَ بِنَفْيِ عِلْمِهِ بِإلَهٍ غَيْرِهِ نَفْيَ وُجُودِهِ فَقالَ في التَّحْقِيقِ وذَكَرَهُ غَيْرُهُ أيْضًا: إنَّهُ غَيْرُ سَدِيدٍ فَإنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِالشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ لا سِيَّما عَدَمَ عِلْمِ شَخْصٍ واحِدٍ. وقالَ القاضِي البَيْضاوِيُّ: هَذا في العُلُومِ الفِعْلِيَّةِ صَحِيحٌ لِأنَّها لازِمَةٌ لِتَحَقُّقِ مَعْلُوماتِها فَيَلْزَمُ مِنِ انْتِفائِها انْتِفاؤُها ولا كَذَلِكَ العُلُومُ الِانْفِعالِيَّةُ ورُدَّ بِأنَّ غَرَضَ قائِلِ ذَلِكَ أنَّ عَدَمَ الوُجُودِ سَبَبٌ لِعَدَمِ العِلْمِ بِالوُجُودِ في الجُمْلَةِ ولا شَكَّ أنَّهُ كَذَلِكَ فَأُطْلِقَ المُسَبِّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ لا أنَّ بَيْنَهُما مُلازَمَةً كُلِّيَّةً عَلى أنَّهُ لَمّا كانَ مِن أقْوى أسْبابِ عَدَمِ العِلْمِ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ جازَ أنْ يُطْلَقَ ويُرادَ بِهِ الوُجُودُ إذْ لا يُشْتَرَطُ في فَنِّ البَلاغَةِ اللُّزُومُ العَقْلِيُّ بَلِ العادِيُّ والعُرْفِيُّ كافٍ أيْضًا وقَدْ يَقُولُ أحَدٌ مِنّا: لا أعْلَمُ ذَلِكَ أيْ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعَلِمْتُهُ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ وهَذا الِاسْتِعْمالُ شائِعٌ في عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ عِنْدَ العامَّةِ والخاصَّةِ ومِنهُ قَوْلُ المُزَكِّي إذا سُئِلَ عَنْ عَدالَةِ الشُّهُودِ: لا أعْلَمُ كَيْفَ، وكانَ المَخْذُولُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ نَفْيِ الوُجُودِ كِنايَةٌ لا مَجازٌ، وبِالجُمْلَةِ ما ذُكِرَ وجْهٌ وجِيهٌ وتَعْيِينُ الأوْجَهِ مُفَوَّضٌ إلى ذِهْنِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
واسْتَدَلَّ بَعْضُ مَن يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى في السَّماءِ بِالمَعْنى الَّذِي أرادَهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [المُلْكِ: 16] حَسْبَما يَقُولُ السَّلَفُ بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ فِرْعَوْنَ لَوْ لَمْ يَسْمَعْ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ إلَهَهُ في السَّماءِ لَما قالَ: فاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى. فَقَوْلُهُ ذَلِكَ دَلِيلُ السَّماعِ إلّا أنَّهُ أخْطَأ في فَهْمِ المُرادِ مِمّا سَمِعَهُ فَزَعَمَ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى في السَّماءِ بِطَرِيقِ المَظْرُوفِيَّةِ والتَّمَكُّنِ ونَحْوِهِما مِمّا يَكُونُ لِلْأجْسامِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ في غايَةِ الضَّعْفِ وإثْباتُ مَذْهَبِ السَّلَفِ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَمَسَّكَ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وفي قَوْلِ المَخْذُولِ:
أوْقِدْ لِي عَلى الطِّينِ. والمُرادُ بِهِ اللَّبِنُ دُونَ اصْنَعْ لِي آجُرًّا إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِهامانَ عِلْمٌ بِصَنْعَةِ الآجُرِّ فَأمَرَهُ بِاتِّخاذِهِ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ التَّعْلِيمُ، وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن أمَرَ بِصَنْعَةِ الآجُرِّ وبِنائِهِ، وأخْرَجَ هو وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ فِرْعَوْنَ أوَّلُ مَن طَبَخَ الآجُرَّ وصَنَعَ لَهُ الصَّرْحَ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ ورَأى القُصُورَ المُشَيَّدَةَ بِالآجُرِّ قالَ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا بَنى بِالآجُرِّ غَيْرَ فِرْعَوْنَ وفي أمْرِهِ إيّاهُ وهو وزِيرُهُ ورَدِيفُهُ بِعَمَلِ السَّفِلَةِ مِنَ الإيقادِ عَلى الطِّينِ مُنادِيًا لَهُ بِاسْمِهِ دُونَ تَكْنِيَةٍ وتَلْقِيبٍ بِيا دُونَ ما يَدُلُّ عَلى القُرْبِ في وسَطِ الكَلامِ دُونَ أوَّلِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَجَبُّرِهِ وتَعَظُّمِهِ ما لا يَخْفى.
28:39Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
﴿واسْتَكْبَرَ هو وجُنُودُهُ﴾ أيْ رَأوْا كُلَّ مِن سِواهم حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ ولَمْ يَرَوُا العَظَمَةَ والكِبْرِياءَ إلّا لِأنْفُسِهِمْ فَنَظَرُوا إلى غَيْرِهِمْ نَظَرَ المُلُوكِ إلى العَبِيدِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ الأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ في أرْضِ مِصْرَ، وقِيلَ: المُرادُ بِها الجُرْمُ المَعْرُوفُ المُقابِلُ لِلسَّماءِ، وفي التَّقْيِيدِ بِها تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ حَيْثُ اسْتَكْبَرُوا فِيما هو أسْفَلَ الأجْرامِ وكانَ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَنْظُرُوا إلى مَحَلِّهِمْ وتَسَفُّلِهِ فَلا يَسْتَكْبِرُوا ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِغَيْرِ الِاسْتِحْقاقِ لِما أنَّ رُؤْيَتَهم تِلْكَ باطِلَةٌ ولا تَكُونُ رُؤْيَةُ الكُلِّ حَقِيرًا بِالإضافَةِ إلى الرّائِي ورُؤْيَةُ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ لِنَفْسِهِ عَلى الخُصُوصِ دُونَ غَيْرِهِ حَقًّا إلّا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن هُنا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الِاسْتِكْبارُ بِالحَقِّ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى وكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ سِواهُ
صفحة 83
عَزَّ وجَلَّ فاسْتِكْبارُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، وفي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««الكِبْرِياءُ رِدائِي والعَظْمَةُ إزارِي فَمَن نازَعَنِي واحِدًا مِنهُما ألْقَيْتُهُ في النّارِ»»
﴿وظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ، والظَّنُّ قِيلَ: إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ عَبَّرَ عَنِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ تَحْقِيرًا لَهم وتَمْهِيلًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ لا (يَرْجِعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.
28:40Page 390
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ أيْ ألْقَيْناهم وأغْرَقْناهم فِيهِ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ ذَلِكَ، وفي التَّعْبِيرِ بِالنَّبْذِ وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ الحَقِيرِ وطَرْحُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِدادِ بِهِ ولِذَلِكَ قالَ الشّاعِرُ:
نَظَرْتُ إلى عُنْوانِهِ فَنَبَذْتُهُ كَنَبْذِكَ نَعْلًا مِن نِعالِكَ بالِيا
اسْتِحْقارٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ وذَلِكَ أنَّهم شُبِّهُوا في الحَقارَةِ بِنِعالٍ بالِيَةٍ واسْتُعِيرَ لَهُمُ اسْمُ النِّعالِ ثُمَّ حُذِفَ المُسْتَعارُ وبَقِيَ المُسْتَعارُ لَهُ وجُعِلَ النَّبْذُ قَرِينَةً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ والمَجازُ في التَّعَلُّقِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في أظْفارِ المَنِيَّةِ نَشِبَتْ بِفُلانٍ، وقالَ بَعْضُهُمُ: الأخْذُ وهو حَقِيقَةٌ في التَّناوُلِ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى السَّيْرِ إلى البَحْرِ، والنَّبْذُ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى دُخُولِهِ، وفي البَحْرِ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ إدْخالِهِمْ فِيهِ والأوْلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيما فَعَلَ بِهِمْ أخَذَهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ في كَفٍّ وطَرْحَهم في اليَمِّ، والظّاهِرُ أنَّ الفاءَ الأُولى سَبَبِيَّةٌ ولَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ وأمّا الثّانِيَةُ فَلِلتَّعْقِيبِ إذا أبْقى الأخْذَ عَلى مَعْنى التَّناوُلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ خَلْقُ الدّاعِيَةِ إلى السَّيْرِ أوْ نَحْوِهِ أمّا إذا أُرِيدَ بِهِ الإهْلاكُ فَهي لِلتَّفْسِيرِ كَما في فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ ونَحْوَهُ ﴿فانْظُرْ﴾ يا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ وبَيَّنَها لِلنّاسِ لِيَعْتَبِرُوا بِها
28:41Page 390
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
﴿وجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ خَلَقْناهم ﴿أئِمَّةً﴾ قُدْوَةً لِلضَّلالِ بِسَبَبِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلى الضَّلالِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيْ إلى مُوجِباتِها مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي عَلى أنَّ النّارَ مَجازٌ عَنْ ذَلِكَ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ والمُرادُ جَعْلُهم ضالِّينَ مُضِلِّينَ والجَعْلُ هُنا مَثَّلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: 1] والآيَةُ ظاهِرَةٌ في مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ مَخْلُوقانِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأوَّلَها المُعْتَزِلَةُ تارَةً بِأنَّ الجَعْلَ فِيها بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ مِثْلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: 19] أيْ وسَمَّيْناهم فِيما بَيْنَ الأُمَمِ بَعْدَهم دُعاةً إلى النّارِ، وتارَةً بِأنَّ جَعْلَهم كَذَلِكَ بِمَعْنى خِذْلانِهِمْ ومَنعِهِمْ مِنَ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ لِلْهِدايَةِ والأوَّلُ مَحْكِيٌّ عَنِ الجِبائِيِّ والثّانِي عَنِ الكَعْبِيِّ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ صَيَّرْناهم بِتَعْجِيلِ العَذابِ لَهم أئِمَّةً أيْ مُتَقَدِّمِينَ لِمَن وراءَهم مِنَ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وهَذا في غايَةِ التَّعَسُّفِ كَما لا يَخْفى ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ
28:42Page 390
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
﴿وأتْبَعْناهم في هَذِهِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي فَتَنَتْهم ﴿لَعْنَةً﴾ طَرْدًا وإبْعادًا أوْ لَعْنًا مِنَ اللّاعِنِينَ حَيْثُ لا تَزالُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَلْعَنُهم وكَذا المُؤْمِنُونَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وذَلِكَ إمّا بِدُخُولِهِمْ في عُمُومِ مَن يَلْعَنُونَهم مِنَ الظّالِمِينَ وإمّا بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِمْ نَحْوَ لَعْنِ اللَّهِ تَعالى فِرْعَوْنَ وجُنُودَهُ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ هم مِنَ المَقْبُوحِينَ﴾ مِنَ المَطْرُودِينَ المُبْعَدِينَ يُقالُ: قَبَحَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّخْفِيفِ أيْ نَحّاهُ وأبْعَدَهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ كَما قالَ اللَّيْثُ، ولا يَتَكَرَّرُ مَعَ اللَّعْنَةِ المَذْكُورَةِ قِيلَ: لِأنَّ مَعْناها الطَّرْدُ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا وهَذا في الآخِرَةِ أوْ ذاكَ طَرْدٌ عَنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي في الدُّنْيا وهَذا طَرْدٌ عَنِ الجَنَّةِ أوْ عَلى هَذا يُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِيما تَقَدَّمَ ما تَأخَّرَ مَعَ أنَّ مِنَ المَطْرُودِينَ مَعْناهُ أنَّهم مِنَ الزُّمْرَةِ المَعْرُوفِينَ بِذَلِكَ وهو أبْلَغُ وأخَصُّ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ مِنَ المَقْبُوحِينَ أيْ مِنَ المُهْلَكِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْ مِنَ المُشَوَّهِينَ في
صفحة 84
الخِلْقَةِ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ وهَذا المَعْنى هو المُتَبادَرُ إلّا أنَّ فِيهِ أنَّ فِعْلَ قَبَحَ عَلَيْهِ لازِمٌ فَبِناءُ اسْمِ المَفْعُولِ مِنهُ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقَدْ يُقالُ: إذا صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ التَزَمَ القَوْلُ بِأنَّهُ سَمِعَ أيْضًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا بِما هو لازِمٌ في الجُمْلَةِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالمَقْبُوحِينَ أوْ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ذَلِكَ عَلى ما عَلِمْتَ آنِفًا في نَظِيرِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ما هو ظاهِرٌ في أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى هَذِهِ الدُّنْيا وهو عَطْفٌ عَلى المَحَلِّ والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أظْهَرُ في ذَلِكَ وكِلاهُما في الدُّرِّ المَنثُورِ، والظّاهِرُ ما سَمِعْتَهُ أوَّلًا. وهَذِهِ الآيَةُ أظْهَرُ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ نَجاةِ فِرْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّهُ مَلْعُونٌ مُبْعَدٌ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَإنَّ ضَمائِرَ جَمْعِ الغائِبِ فِيها راجِعَةٌ إلى فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ ويَكادُ يَنْتَظِمُ مَنِ التَزَمَ إرْجاعَها إلى الجُنُودِ في الجُنُودِ،
وفِي الفَتاوى الحَدِيثِيَّةِ لِلْعَلّامَةِ ابْنِ حَجَرٍ رَوى عَدِيٌّ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا وخَلَقَ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا»».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences