Al-AlusiAl‑Qasas · 28:43–45

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:43–45

28:43Page 390

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣

And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.

﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ وهو عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ أوَّلُ كِتابٍ فُصِّلَتْ فِيهِ الأحْكامُ ﴿مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾ أقْوامَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والتَّعَرُّضُ لِبَيانِ كَوْنِ إيتائِها بَعْدَ إهْلاكِهِمْ لِلْإشْعارِ بِأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْها تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن بَيانِ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى إنْزالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّ إهْلاكَ القُرُونِ الأُولى مِن مُوجِباتِ انْدِراسِ مَعالِمِ الشَّرائِعِ وانْطِماسِ آثارِها المُؤَدِّيَيْنِ إلى اخْتِلالِ نِظامِ العالَمِ وفَسادِ أحْوالِ الأُمَمِ المُسْتَدْعِيَيْنِ لِلتَّشْرِيعِ الجَدِيدِ بِتَقْرِيرِ الأُصُولِ الباقِيَةِ عَلى مَمَرِّ الدُّهُورِ وتَرْتِيبِ الفُرُوعِ المُتَبَدِّلَةِ بِتَبَدُّلِ العُصُورِ وتَذْكِيرِ أحْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ المُوجِبَةِ لِلِاعْتِبارِ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا قالَ:

الأوْلى أنْ تُفَسَّرَ القُرُونُ الأوْلى بِمَن لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُقابِلُها الثّانِيَةُ وهي مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ:

المُرادُ بِها ما يَعُمُّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِمُوسى مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ والأُمَمِ المُهْلَكَةِ مِن قَبْلُ، ولَيْسَ بِذاكَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ آتَيْناهُ ذَلِكَ بَعْدَ إهْلاكِنا القُرُونَ الأُولى ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ أيْ أنْوارًا لِقُلُوبِهِمْ تُبْصِرُ بِها الحَقائِقَ وتُمَيِّزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ حَيْثُ كانَتْ عُمْيًا عَنِ الفَهْمِ والإدْراكِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ البَصِيرَةَ نُورُ القَلْبِ الَّذِي بِهِ يَسْتَبْصِرُ كَما أنَّ البَصَرَ نُورُ العَيْنِ الَّذِي بِهِ تُبْصِرُ ويُطْلَقُ عَلى نَفْسِ العَيْنِ ويُجْمَعُ عَلى أبْصارٍ والأوَّلُ يُجْمَعُ عَلى بَصائِرَ، والمُرادُ بِالنّاسِ قِيلَ (أُمَّتُهُ) عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ ما يَعُمُّهم ومَن بَعْدَهُمْ، وكَوْنُ التَّوْراةِ بَصائِرَ لِمَن بُعِثَ إلَيْهِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِتَضَمُّنِها ما يُرْشِدُهم إلى حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ يَزِيدُهم عِلْمًا إلى عِلْمِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الحَضُّ عَلى مُطالَعَةِ التَّوْراةِ والعِلْمِ بِما فِيها،

وقَدْ صَحَّ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَوامِعَ كَتَبَها مِنَ التَّوْراةِ لِيَقْرَأها ويَزْدادَ عِلْمًا إلى عِلْمِهِ فَغَضِبَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى عُرِفَ في وجْهِهِ ثُمَّ قالَ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» فَرَمى بِها عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن يَدِهِ ونَدِمَ عَلى ذَلِكَ».

وأُجِيبُ بِأنَّ غَضَبَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذَلِكَ لِما أنَّ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ إذْ ذاكَ كانَتْ مُحَرَّفَةً وفِيها الزِّيادَةُ والنَّقْصُ ولَيْسَتْ عَيْنَ التَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ النّاسُ حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ فَلَوْ فُتِحَ بابُ المُراجَعَةِ إلى التَّوْراةِ ومُطالَعَتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ لَأدّى إلى فَسادٍ عَظِيمٍ فالنَّهْيُ عَنْ قِراءَتِها حَيْثُ الإسْلامُ حَدِيثٌ والخُرُوجُ عَنِ الكُفْرِ جَدِيدٌ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ في نَفْسِها بَصائِرَ مُشْتَمِلَةً عَلى ما يُرْشِدُ إلى حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ

صفحة 85

صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَزِيدُ عِلْمًا بِصِحَّةِ ما جاءَ بِهِ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى حَلِّ الرُّجُوعِ إلَيْها في الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: 93] وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ يَنْقُلُونَ مِنها ما يَنْقُلُونَ مِنَ الأخْبارِ ولَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ولا سَماعَهُ أحَدٌ مِن أساطِينِ الإسْلامِ ولا فَرْقَ بَيْنَ سَماعِ ما يَنْقُلُونَهُ مِنهم وبَيْنَ قِراءَتِهِ فِيها وأخْذِهِ مِنها وقَدْ رَجَعَ إلَيْها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ العُلَماءِ في إلْزامِ اليَهُودِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِبَعْضِ عِباراتِها في إثْباتِ حَقِّيَّةِ بَعْثَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَوْنُ المُرادِ بِالنّاسِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ.

وأمّا مُطالَعَةُ التَّوْراةِ فالبَحْثُ فِيها طَوِيلٌ، وفي تُحْفَةِ المُحْتاجِ لِلْمَوْلى العَلّامَةِ ابْنِ حَجْرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ يَحْرُمُ عَلى غَيْرِ عالِمٍ مُتَبَحِّرٍ مُطالَعَةُ نَحْوِ تَوْراةٍ عَلِمَ تَبَدُّلَها أوْ شَكَّ فِيهِ وهو أقْرَبُ إلى التَّحْقِيقِ ومَن سَبَرَ التَّوْراةَ الَّتِي بِأيْدِي اليَهُودِ اليَوْمَ رَأى أكْثَرَها مُبَدَّلًا لا تَوافُقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ العَظِيمِ أصْلًا وهو المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿وهُدًى﴾ أيْ إلى الشَّرائِعِ الَّتِي هي الطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ورَحْمَةً﴾ حَيْثُ يَنالُ مَن عَمِلَ بِهِ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى: بِمُقْتَضى وعْدِهِ سُبْحانَهُ فَعُمُومُ رَحْمَتِهِ بِهَذا المَعْنى لا يُنافِي أنَّ مِنَ النّاسِ مَن هو كافِرٌ بِها وهو غَيْرُ مَرْحُومٍ، وانْتِصابُ المُتَعاطِفاتِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ عَلى أنَّهُ نَفْسُ البَصائِرِ والهُدى والرَّحْمَةِ أوْ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ ذا بَصائِرَ إلَخْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ انْتِصابَها عَلى العِلَّةِ أيْ آتَيْناهُ الكِتابَ لِبَصائِرَ وهُدًى ورَحْمَةً ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ كَيْ يَتَذَكَّرُوا بِناءً عَلى أنَّ لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَعَلَّ في القُرْآنِ بِمَعْنى كَيْ غَيْرَ آيَةٍ في [الشُّعَراءِ: 129] ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ وحَكى الواقِدِيُّ عَنِ (البَغَوِيِّ) أنَّهُ قالَ: جَمِيعَ ما في القُرْآنِ مِن لَعَلَّ لِلتَّعْلِيلِ إلّا ﴿لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ فَإنَّها فِيهِ لِلتَّشْبِيهِ، والمَشْهُورُ أنَّها لِلتَّرَجِّي. ولَمّا كانَ مُحالًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ والمُرادُ آتَيْناهُ ذَلِكَ لِيَكُونُوا عَلى حالَةٍ قابِلَةٍ لِلتَّذَكُّرِ كَحالِ مَن يُرْجى مِنهُ الخَيْرُ، وبَعْضٌ آخَرُ صَرَفَ التَّرَجِّيَ إلى المُخاطَبِينَ فَهو مِنهم لا مِنهُ تَعالى، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ذَلِكَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَيْثُ شَبَّهَ الإرادَةَ بِالتَّرَجِّي لِكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما طَلَبَ الوُقُوعَ، ورُدَّ بِأنَّ فِيهِ لُزُومَ تَخَلُّفِ مُرادِ اللَّهِ تَعالى عَنْ إرادَتِهِ لِعَدَمِ تَذَكُّرِ الكُلِّ إلّا أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الإرادَةَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ قِسْمانِ: تَفْوِيضِيَّةٌ، وهي قَدْ يَتَخَلَّفُ المُرادُ عَنْها، وقَسْرِيَّةٌ وهي لا يَتَخَلَّفُ المُرادُ عَنْها أصْلًا، فَمَتى أُرِيدَ القِسْمُ الأوَّلُ مِنها هُنا زالَ الإشْكالُ إلّا أنَّ التَّقْسِيمَ المَذْكُورَ خِلافُ المَذْهَبِ الحَقِّ

28:44Page 391

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤

And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].

﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ إنْزالَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أيْضًا واقِعٌ زَمانَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ البَتَّةَ مُتَضَمِّنًا تَحْقِيقَ كَوْنِهِ وحْيًا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِبَيانِ أنَّ الوُقُوفَ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ لا يَتَسَنّى إلّا بِالمُشاهَدَةِ أوِ التَّعَلُّمِ مِمَّنْ شاهَدَها وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما تَبَيَّنَ أنَّهُ بِوَحْيٍ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ لا مَحالَةَ كَذا قِيلَ:

ولا يَخْفى أنْ تَعَيُّنَ كَوْنِهِ بِوَحْيٍ لا يَتِمُّ إلّا بِنَفْيِ كَوْنِهِ بِالِاسْتِفاضَةِ وكَوْنِهِ بِالتَّعَلُّمِ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ المُعاصِرِينَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) كَما قالَ المُشْرِكُونَ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النَّحْلِ: 103] ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ ذَلِكَ وتَعَرَّضَ لِنَفْيِ ما هو أظْهَرُ انْتِفاءً مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى ظُهُورِ انْتِفاءِ ذَلِكَ والمُبالَغَةِ في دَعْوى ذَلِكَ حَيْثُ آذَنَ بِأنَّ المُحْتاجَ إلى الإخْبارِ بِانْتِفائِهِ ذانِكَ الأمْرانِ دُونَهُ عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ نَفى في

صفحة 86

مَوْضِعٍ آخَرَ كَوْنَهُ بِالتَّعَلُّمِ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ ولَعَلَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ انْتِفاءُ كَوْنِهِ بِالِاسْتِفاضَةِ وإنْ قُلْنا: إنَّهُ لا يُعْلَمُ فَدَلِيلُهُ ظاهِرٌ جِدًّا، ولِذا لَمْ يَتَشَبَّثُ بِكَوْنِ الوُقُوفِ بِها أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَتَدَبَّرْ، والمَعْنى عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم وما كُنْتَ حاضِرًا بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ أوِ المَكانِ الغَرْبِيِّ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المِيقاتُ وأعْطى اللَّهُ تَعالى فِيهِ ألْواحَ التَّوْراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والكَلامُ عَلى هَذا مِن بابِ حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ صِفَتِهِ مَقامَهُ وهو عِنْدُ قَوْمٍ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ الَّتِي جَوَّزَها الكُوفِيُّونَ كَما في مَسْجِدِ الجامِعِ، والأصْلُ في الجانِبِ الغَرْبِيِّ فَيَتَّحِدُ الجانِبُ والغَرْبِيُّ عَلى هَذا الوَجْهِ وهو بَعْضٌ مِنَ الغَرْبِيِّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

﴿إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ أيْ عَهْدِنا إلَيْهِ وأحْكَمْنا أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ وإيتاءِ التَّوْراةِ.

﴿وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ مِن جُمْلَةِ الحاضِرِينَ لِلْوَحْيِ إلَيْهِ أوِ الشّاهِدِينَ عَلى الوَحْيِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِلْمِيقاتِ حَتّى تُشاهِدَ ما جَرى مِن أمْرِ مُوسى في مِيقاتِهِ فَتُخْبِرَ بِهِ النّاسَ، فالشّاهِدُ مِنَ الشَّهادَةِ إمّا بِمَعْنى الحُضُورِ أوْ بِمَعْناها المَعْرُوفِ واسْتَشْكَلَ إرادَةُ المَعْنى الأوَّلِ بِلُزُومِ التَّكْرارِ فَإنَّهُ قَدْ نَفى الحُضُورَ أوَّلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ وكَذا إرادَةُ المَعْنى الثّانِي بِلُزُومِ نَحْوَ ذَلِكَ لِما أنَّ نَفْيَ الحُضُورِ يَسْتَدْعِي نَفْيَ كَوْنِهِ مِنَ الشّاهِدِينَ بِذَلِكَ المَعْنى، ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ مِنَ الأوَّلِ نَفْيُ كَوْنِهِ ﷺ حاضِرًا بِنَفْسِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، ومِنَ الثّانِي نَفْيُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جَماعَةٍ جِيءَ بِهِمْ لِيَحْضُرُوا فَيَطَّلِعُوا عَلى ما يَقَعُ هُناكَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ المُرادَ بِالشّاهِدِينَ جَماعَةٌ مَعْهُودُونَ كانَ حالُهم ذَلِكَ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالشّاهِدِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَقَدْ جاءَ الشّاهِدُ اسْمًا لِلْمَلَكِ كَما في القامُوسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كُنْتَ حاضِرًا بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى أمْرَ نُبُوَّتِهِ بِالوَحْيِ وما كُنْتَ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ ويَصْعَدُونَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ إلى أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَهم مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الحَوادِثِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ البَشَرِ حَتّى يَكُونَ لَكَ عِلْمٌ بِما وقَعَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَتُخْبِرَ بِهِ النّاسَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ كَما في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ والبَحْرِ: التَّقْدِيرُ لَمْ تَحْضُرْ ذَلِكَ المَوْضِعَ ولَوْ حَضَرَتْ لَما شاهَدْتَ تِلْكَ الوَقائِعَ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ ولا يَشْهَدُ ولا يَرى، وقِيلَ: وهو مُخْتارُ أبِي حَيّانَ إنَّ المَعْنى وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدَيْنِ بِجَمِيعِ ما أعْلَمْناكَ بِهِ فَهو نَفْيٌ لِشَهادَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَمِيعَ ما جَرى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ عُمُومًا بَعْدَ خُصُوصٍ، وقِيلَ: المُرادُ وما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ ذَلِكَ الزَّمانَ فَيَكُونُ نَفْيًا لِحُضُورِهِ، ومُشاهَدَتُهُ ذَلِكَ الزَّمانَ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ أوْ بِغَيْرِهِ، وحاصِلُهُ نَفْيُ الوُجُودِ العَيْنِيِّ إذْ ذاكَ فَيَكُونُ تَرَقِّيًا في النَّفْيِ.

وقِيلَ: المُرادُ ﴿وما كُنْتَ﴾ إذْ ذاكَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مَن يَتَّصِفُ بِالشَّهادَةِ وهُمُ المَوْجُودُونَ بِالوُجُودِ العَيْنِيِّ أيْنَما كانُوا ومَآلُهُ كَمَآلِ ما قَبْلَهُ وإنِ اخْتَلَفا في طَرِيقِ الإرادَةِ وتَعَيَّنَ كَوْنُ الشَّهادَةِ فِيما قَبْلَهُ بِمَعْنى الحُضُورِ، ولَعَلَّ ما قَبْلَهُ أظْهَرُ مِنهُ بَلْ إذا ادَّعى مُدَّعٍ كَوْنَهُ أظْهَرَ مِن جَمِيعِ ما قِيلَ لَمْ يَبْعُدْ هَذا ولا يَخْفى عَلَيْكَ حالُ تِلْكَ الأقْوالِ وما فِيها مِنَ القِيلِ والقالِ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ نِسْبَةِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلَيْهِ ما فِيهِ فَتَدَبَّرْ جَمِيعَ ذاكَ، واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ

28:45Page 391

وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥

But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2

﴿ولَكِنّا أنْشَأْنا قُرُونًا﴾ أيْ ولَكِنّا خَلَقْنا بَيْنَ زَمانِكَ وزَمانِ مُوسى قُرُونًا كَثِيرَةً ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ وتَمادى الأمَدُ فَتَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ والأحْكامُ وعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ

صفحة 87

لا سِيَّما عَلى آخِرِهِمُ الَّذِينَ أنْتِ فِيهِمْ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعَ الجَدِيدَ وقَصَّ الأنْباءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ فَأوْحَيْنا إلَيْكَ وقَصَصْنا الأنْباءَ عَلَيْكَ فَحَذَفَ المُسْتَدْرَكَ أعْنِي أوْحَيْنا اكْتِفاءً بِذِكْرِ ما يُوجِبُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن إنْشاءِ القُرُونِ وتَطاوُلِ الأمَدِ وخُلاصَةُ المَعْنى لَمْ تَكُنْ حاضِرًا لِتَعَلُّمِ ذَلِكَ ولَكِنْ عَلِمْتَهُ بِالوَحْيِ والسَّبَبُ فِيهِ تَطاوُلُ الزَّمَنِ حَتّى تَغَيَّرَتِ الشَّرائِعُ وعَمِيَتِ الأنْباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ ثاوِيًا﴾ أيْ مُقِيمًا ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ وهم شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُؤْمِنُونَ نَفْيٌ لِاحْتِمالِ كَوْنِ مَعْرِفَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ القِصَّةِ بِالسَّماعِ مِمَّنْ شاهَدَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ أيْ تَقْرَأُ عَلى أهْلِ مَدْيَنَ بِطَرِيقِ التَّعَلُّمِ مِنهم كَما يَقْرَأُ المُتَعَلِّمُ الدَّرْسَ عَلى مُعَلِّمِهِ ﴿آياتِنا﴾ النّاطِقَةَ بِما كانَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَهم وبِما كانَ لَهم مَعَهُ إمّا حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في ثاوِيًا أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِكُنْتَ ﴿ولَكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ لَكَ ومُوحِينَ إلَيْكَ تِلْكَ الآياتِ ونَظائِرَها والِاسْتِدْراكُ كالِاسْتِدْراكِ السّابِقِ إلّا أنَّهُ لا حَذْفَ فِيهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском