Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:49–57
28:49Page 391
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾ أيْ مِمّا أُوتِياهُ مِنَ القُرْآنِ والتَّوْراةِ ﴿أتَّبِعْهُ﴾ أيْ إنْ تَأْتُوا بِهِ أتَّبِعْهُ فالفِعْلُ مَجْزُومٌ بِجَوابِ الأمْرِ ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ يَأْتِي بِهِ مَن يَدُلُّ بِوُضُوحِ حُجَّتِهِ لِأنَّ الإتْيانَ بِما هو أهْدى مِنَ الكِتابَيْنِ أمْرٌ بَيِّنُ الِاسْتِحالَةِ فَيُوَسِّعُ دائِرَةَ الكَلامِ لِلتَّبْكِيتِ والإلْزامِ وإيرادُ كَلِمَةِ (إنْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّهُما سِحْرانِ مُخْتَلَقانِ مَعَ امْتِناعِ صِدْقِهِمْ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ أتَّبِعُهُ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ أنا أتَّبِعُهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الحَقُّ الرَّسُولُ المُصَدَّقُ بِالكِتابِ المُعْجِزِ مَعَ سائِرِ المُعْجِزاتِ يَعْنِي أنَّ المَقامَ مَقامُ أنْ يُقالَ فَلَمّا جاءَهم أيِ الرَّسُولُ أوْ فَلَمّا جاءَهُمُ الرَّسُولُ لَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِإفادَةِ تِلْكَ المَعانِي وما أُوتِيَ مُوسى بِما هو أعَمُّ مِنَ الكِتابِ المُنَزَّلِ جُمْلَةً واحِدَةً واليَدُ والعَصا وغَيْرُهُما مِن آياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِلْمُعْجِزاتِ مِنَ اليَدِ ونَحْوِها بِالمَقامِ وكَذا لا تَعَلُّقَ لِغَيْرِ القُرْآنِ مِن مُعْجِزاتِ نَبِيِّنا ﷺ بِهِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ إلَخْ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرا (جاءَهُمُ وقالُوا) راجِعَيْنِ إلى أهْلِ مَكَّةَ المَوْجُودِينَ وضَمِيرُ (يَكْفُرُوا) وكَذا ضَمِيرُ (قالُوا) في المَوْضِعَيْنِ راجِعٌ إلى جِنْسِ الكَفَرَةِ المَعْلُومِ مِنَ السِّياقِ والمُرادُ بِهِمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ (ومِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ يَكْفُرُوا لا بِـ أُوتِيَ لِعَدَمِ ظُهُورِ الفائِدَةِ والمُرادُ بِسِحْرَيْنِ أوْ ساحِرانِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وإطْلاقُ سِحْرَيْنِ عَلَيْهِما لِلْمُبالَغَةِ أوْ هو بِتَقْدِيرِ ذَوا سِحْرَيْنِ، والمَعْنى أوَ لَمْ يَكْفُرْ أبْناءُ جِنْسِهِمْ مِن قَبْلِهِمْ بِما أُوتِيَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما كَفَرُوا هم بِما أُوتِيتَهُ وقالَ أُولَئِكَ الكَفَرَةُ هُما أيْ مُوسى وهارُونُ سِحْرانِ أوْ ساحِرانِ تَظاهَرا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ راجِعَةً إلى المَوْجُودِينَ والكُفْرُ والقَوْلُ المَذْكُورُ لِأُولَئِكَ السّابِقِينَ حَقِيقَةٌ وإسْنادُهُما إلى المَوْجُودِينَ مَجازِيٌّ لِما بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ المُلابَسَةِ.
وقِيلَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: مِن أنَّهُ كانَ لِلْعَرَبِ أصْلٌ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ المَعْنى أوَ لَمْ يَكْفُرْ آباؤُهم مِن قَبْلِ أنْ يُرْسَلَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما أُوتِيَ مُوسى قالُوا هُما أيْ مُوسى وهارُونُ سِحْرانِ أوْ ساحِرانِ تَظاهَرا فَهو عَلى أُسْلُوبِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البَقَرَةِ: 49] ونَحْوِهِ ويُفِيدُ الكَلامُ عَلَيْهِ أنَّ قَدَمَهم في الكُفْرِ مِنَ الرُّسُوخِ بِمَكانٍ، ولَهم في العِنادِ عِرْقٌ أصِيلٌ وكَوْنُ العَرَبِ لَهم أصْلٌ في أيّامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا لا شُبْهَةَ فِيهِ حَتّى قِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ عَرَبِيًّا مِن أوْلادِ عادٍ لَكِنْ في حُسْنِ تَخْرِيجِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ كَلامٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأوْجُهِ لَيْسَتْ مِمّا يَنْشَرِحُ لَهُ الصَّدْرُ وفِيها مِنَ التَّكَلُّفِ ما فِيها.
وادَّعى أبُو حَيّانَ ظُهُورَ رُجُوعِ ضَمِيرِ يَكْفُرُوا وكَذا ضَمِيرُ قالُوا إلى قُرَيْشٍ الَّذِينَ قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى وأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ لِما أنَّ تَكْذِيبَهم لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَكْذِيبٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتَهُمُ السِّحْرَ لِلرَّسُولِ نِسْبَتُهم إيّاهُ لِمُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ إذِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن
صفحة 93
وادٍ واحِدٍ فَمَن نَسَبَ إلى أحَدٍ مِنهم ما لا يَلِيقُ كانَ ناسِبًا ذَلِكَ إلى جَمِيعِهِمْ فَلا يُحْتاجُ إلى تَوْسِيطِ حِكايَةِ الرَّهْطِ في أمْرِ النِّسْبَةِ، وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلٍّ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّ ما ادَّعاهُ مِن ظُهُورِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى ما ذَكَرَ أمْرٌ مَقْبُولٌ عِنْدَ مُنْصِفِي ذَوِي العُقُولِ، لَكِنَّ تَوْجِيهَ نِسْبَةِ الكُفْرِ والقَوْلِ المُبَيِّنِ لِكَيْفِيَّتِهِ مِمّا ذُكِرَ مِمّا يَبْعُدُ قَبُولُهُ، وكَأنَّهُ إنَّما احْتاجَ إلَيْهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ حِكايَةِ الرَّهْطِ عِنْدَهُ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ فَسَّرَ السِّحْرانِ بِالقُرْآنِ والإنْجِيلِ والسّاحِرانِ بِمُحَمَّدٍ وعِيسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَعَلَ ذَلِكَ القَوْلَ قَوْلَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى اليَهُودِ، وتَفْسِيرُ السّاحِرَيْنِ بِذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِالحَسَنِ، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ فَسَّرَهُما بِمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ والكُلُّ كَما تَرى، وتَفْسِيرُهُما بِمُحَمَّدٍ ومُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا رَواهُ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ سِحْرانِ ويَقُولُ هُما كِتابانِ الفُرْقانُ والتَّوْراةُ ألا تَراهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾
28:50Page 391
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا ما كَلَّفْتَهم بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِكِتابٍ أهْدى مِنهُما، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاسْتِجابَةِ إيذانًا بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى كَمالِ أمْنٍ مِن أمْرِهِ، كانَ أمْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم بِالإتْيانِ بِما ذَكَرَ دُعاءٌ لَهم إلى أمْرٍ يُرِيدُ وُقُوعَهُ.
وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا دُعاءَكَ إيّاهم إلى الإيمانِ بَعْدَ ما وضَحَ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَضَمَّنَها كِتابُكَ الَّذِي جاءَهم فالِاسْتِجابَةُ عَلى ظاهِرِها لِأنَّ الإيمانَ أمْرٌ يُرِيدُ ﷺ حَقِيقَةَ وُقُوعِهِ مِنهم وهي كَما في البَحْرِ بِمَعْنى الإجابَةِ وتَتَعَدّى إلى الدّاعِي بِاللّامِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ [يُوسُفَ: 34]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ:
(فاسْتَجَبْنا لَهُ) [الأنْبِياءِ: 76، 84، 88، 90] وبِنَفْسِها كَما في بَيْتِ الكِتابِ:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هَذا الفِعْلُ يَتَعَدّى إلى الدُّعاءِ بِنَفْسِهِ وإلى الدّاعِي بِاللّامِ وبِحَذْفِ الدُّعاءِ إذا عُدِّيَ إلى الدّاعِي في الغالِبِ فَيُقالُ: اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ أوِ اسْتَجابَ لَهُ ولا يَكادُ يُقالُ: اسْتَجابَ لَهُ دُعاءَهُ، وقَوْلُهُ في البَيْتِ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَلَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ انْتَهى، ولَوْ جَعَلَ ضَمِيرَ يَسْتَجِبْهُ لِلدُّعاءِ المَفْهُومِ مِن داعٍ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرٍ، وجَعَلَ المَفْعُولَ هُنا مَحْذُوفًا لِذِكْرِ الدّاعِي، ووَجَّهَهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ مَعَ ذِكْرِ الدّاعِي والِاسْتِجابَةِ يَتَعَيَّنُ أنَّ المَفْعُولَ الدُّعاءُ فَيَصِيرُ ذِكْرُهُ عَبَثًا، وجَوَّزَ كَوْنَ الحَذْفِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِن فِعْلِهِ لا لِأنَّهُ ذَكَرَ الدّاعِيَ، وهَذا حُكْمُ الِاسْتِجابَةِ دُونَ الإجابَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحْقافِ: 31] ﴿فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم مُتَمَسَّكٌ ما أصْلًا إذْ لَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ لَأتَوْا بِهِ ﴿ومَن أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ لِلنَّفْيِ أيْ لا أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ ﴿بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ هو أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ لِنَفْيِ الأضَلِّ لا لِنَفْيِ المُساوِي كَما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ هُدًى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ اتَّبَعَ، وتَقْيِيدُ الِاتِّباعِ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإشْباعِ في التَّشْنِيعِ والتَّضْلِيلِ وإلّا فَمُقارَنَتُهُ لِهِدايَتِهِ تَعالى بَيِّنَةُ الِاسْتِحالَةِ، وقِيلَ: لِلِاحْتِرازِ عَمّا يَكُونُ فِيهِ هُدًى مِنهُ تَعالى فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَّبِعُ هَواهُ ويُوافِقُ الحَقَّ، وفِيهِ بَحْثٌ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فانْهَمَكُوا في اتِّباعِ الهَوى والإعْراضِ
صفحة 94
عَنِ الآياتِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ المُبِينِ
28:51Page 392
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.
﴿ولَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾ الضَّمِيرُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وأصْلُ التَّوْصِيلِ ضَمُّ قِطَعَ الحَبْلِ بَعْضِها بِبَعْضٍ قالَ الشّاعِرُ:
فَقُلْ لِبَنِي مَرْوانَ ما نالَ ذِمَّتِي بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ لا يَزالُ يُوصَلُ
والمَعْنى ولَقَدْ أنْزَلَنا القُرْآنَ عَلَيْهِمْ مُتَواصِلًا بَعْضُهُ إثْرَ بَعْضٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ أوْ مُتَتابِعًا وعْدًا ووَعِيدًا وقَصَصًا وعِبَرًا ومَواعِظَ ونَصائِحَ، وقِيلَ: جَعَلْناهُ أوْصالًا أيْ أنْواعًا مُخْتَلِفَةً وعْدًا ووَعِيدًا إلَخْ، وقِيلَ: المَعْنى وصَّلْنا لَهم خَبَرَ الآخِرَةِ بِخَبَرِ الدُّنْيا حَتّى كَأنَّهم عايَنُوا الآخِرَةَ وعَنِ الأخْفَشِ أتْمَمْنا لَهُمُ القَوْلَ، وقَرَأ الحَسَنُ (وصَلْنا) بِتَخْفِيفِ الصّادِ والتَّضْعِيفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِلتَّكْثِيرِ ومِن هُنا قالَ الرّاغِبُ في تَفْسِيرِ ما في الآيَةِ عَلَيْها أيْ أكْثَرْنا لَهُمُ القَوْلَ مَوْصُولًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ فَيُؤْمِنُونَ بِما فِيهِ.
28:52Page 392
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ قَبْلَ القُرْآنِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْلِ مُرادًا بِهِ القُرْآنُ أوْ لِلْقُرْآنِ المَفْهُومِ مِنهُ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ مِن قَبْلِ إيتائِهِ ﴿هُمْ﴾ لا هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أحْوالُهم ﴿بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرانِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِالمَوْصُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: هم أبُو رِفاعَةَ في عَشَرَةٍ مِنَ اليَهُودِ آمَنُوا فَأُوذُوا، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وجَماعَةٌ عَنْ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ ما يُؤَيِّدُهُ وقِيلَ: أرْبَعُونَ مِن أهْلِ الإنْجِيلِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ مَبْعَثِهِ اثْنانِ وثَلاثُونَ مِنَ الحَبَشَةِ أقْبَلُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وثَمانِيَةٌ قَدِمُوا مِنَ الشّامِ بَحِيرا وأبْرَهَةُ وأشْرَفُ وعامِرٌ وأيْمَنُ وإدْرِيسُ ونافِعٌ وتَمِيمٌ، وقِيلَ: ابْنُ سَلامٍ وتَمِيمٌ الدّارِيُّ والجارُودُ العَبْدِيُّ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ ونُسِبَ إلى قَتادَةَ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ الإطْلاقَ وأنَّ ما ذُكِرَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
28:53Page 392
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."
﴿وإذا يُتْلى﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ أيْ بِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا﴾ أيِ الحَقُّ الَّذِي كُنّا نَعْرِفُ حَقِّيَّتَهُ، وهو اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أوْجَبَ إيمانَهم بِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِما قَبْلَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِهِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ إيمانِهِمْ بِهِ أمْرًا مُتَقادِمَ العَهْدِ لِما شاهَدُوا ذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وأنَّهم عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ ويَكْفِي في كَوْنِهِمْ عَلى دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِهِ إيمانُهم بِهِ إجْمالًا. وفي الكَشّافِ والبَحْرِ أنَّ الإسْلامَ صِفَةُ كُلِّ مُوَحِّدٍ مُصَدِّقٍ بِالوَحْيِ والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ مِن خُصُوصِيّاتِ هَذِهِ الأُمَّةِ مِن بَيْنِ الأُمَمِ، وذَهَبَ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ إلى كَوْنِهِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ وألَّفَ في ذَلِكَ كُرّاسَةً وقالَ في ذَيْلِها: لَمّا فَرَغْتُ مِن تَأْلِيفِ هَذِهِ الكُرّاسَةِ واضْطَجَعْتُ عَلى الفِراشِ لِلنَّوْمِ ورَدَ (عَلَيَّ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ﴾ الآيَةَ فَكَأنَّما أُلْقِيَ عَلَيَّ جَبَلٌ لِما أنَّ ظاهِرَها الدَّلالَةُ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ الخُصُوصِيَّةِ وقَدْ فَكَّرْتُ فِيها ساعَةً ولَمْ يَتَّجِهْ لِي فِيها شَيْءٌ فَلَجَأْتُ إلى اللَّهِ تَعالى ورَجَوْتُ أنْ يَفْتَحَ بِالجَوابِ عَنْها فَلَمّا اسْتَيْقَظْتُ وقْتَ السَّحَرِ إذا بِالجَوابِ قَدْ فُتِحَ فَظَهَرَ عَنْها ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: الأوَّلُ أنَّ مُسْلِمِينَ اسْمُ فاعِلٍ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِقْبالُ كَما هو حَقِيقَةٌ فِيهِ دُونَ الحالِ والماضِي والتَّمَسُّكُ بِالحَقِيقَةِ هو الأصْلُ وتَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ عازِمِينَ عَلى الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ لِما كُنّا نَجِدُهُ في كُتُبِنا مِن بَعْثِهِ ووَصْفِهِ ويُرَشِّحُ هَذا أنَّ السِّياقَ يُرْشِدُ إلى أنَّ قَصْدَهُمُ الإخْبارُ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهم كانُوا عَلى قَصْدِ الإسْلامِ بِهِ إذا جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ولَيْسَ
صفحة 95
قَصْدُهُمُ الثَّناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ في حَدِّ ذاتِهِمْ بِأنَّهم كانُوا بِصِفَةِ الإسْلامِ أوَّلًا لِنُبُوِّ المَقامِ عَنْهُ كَما لا يَخْفى، الثّانِي أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ بِهِ فَوَصْفُ الإسْلامِ سَبَبُهُ القُرْآنُ لا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ويُرَشِّحُ ذَلِكَ ذِكْرُ الصِّلَةِ فِيما قَبْلُ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مُرادَةٌ هُنا أيْضًا إلّا أنَّها حُذِفَتْ كَراهَةَ التَّكْرارِ. الثّالِثُ أنَّ هَذا الوَصْفَ مِنهم بِناءً عَلى ما هو مَذْهَبُ الأشْعَرِيِّ مِن أنَّ مِن كُتُبِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَمُوتَ مُؤْمِنًا فَهو يُسَمّى عِنْدَهُ تَعالى مُؤْمِنًا ولَوْ كانَ في حالِ الكُفْرِ وإنَّما لَمْ نُطْلِقْ نَحْنُ هَذا الوَصْفَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ عِلْمِنا بِما عِنْدَهُ تَعالى، فَهَؤُلاءِ لَمّا خَتَمَ اللَّهُ تَعالى لَهم بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلُ لِأنَّ العِبْرَةَ في هَذا الوَصْفِ بِالخاتِمَةِ ووَصْفُهم بِذَلِكَ أوْلى مِن وصْفِ الكافِرِ الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الإسْلامِ بِهِ لِأنَّهم كانُوا عَلى دِينٍ حَقٍّ وهَذا مَعْنًى دَقِيقٌ اسْتَفَدْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَواعِدِ عِلْمِ الكَلامِ انْتَهى.
ولا يَخْفى ضَعْفُ هَذا الجَوابِ وكَذا الجَوابُ الأوَّلُ وأمّا الجَوابُ الثّانِي فَهو بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ وقَدْ ذَكَرَهُالبَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ وجَوَّزَ أنْ يُرادَ بِالإسْلامِ الِانْقِيادُ أيْ إنّا كُنّا مِن قَبْلِ نُزُولِهِ مُنْقادِينَ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقِ بِها كِتابُهُ المُنَزَّلُ إلَيْنا ومِنها وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ فَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ
28:54Page 392
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ ﴿يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ مَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِكِتابِهِمْ ومَرَّةً عَلى إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أيْ بِصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلى الإيمانَيْنِ أوْ عَلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ قَبْلَ النُّزُولِ وبَعْدَهُ أوْ عَلى أذى مَن هاجَرَهم وعاداهم مِن أهْلِ دِينِهِمْ ومِنَ المُشْرِكِينَ ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ بِالطّاعَةِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ أيِ المَعْصِيَةَ فَإنَّ الحَسَنَةَ تَمْحُو السَّيِّئَةَ
«قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ: أتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها». وقِيلَ: أيْ يَدْفَعُونَ بِالحِلْمِ الأذى وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: بِالمَعْرُوفِ المُنْكَرَ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بِالخَيْرِ الشَّرَّ وقالَ ابْنُ سَلامٍ: بِالعِلْمِ الجَهْلَ وبِالكَظْمِ الغَيْظَ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الشِّرْكَ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ في سَبِيلِ الخَيْرِ كَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ المَدْحِ
28:55Page 392
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."
﴿وإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ سَقَطَ القَوْلِ وقالَ مُجاهِدٌ: الأذى والسَّبُّ وقالَ الضَّحّاكُ: الشِّرْكُ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما غَيَّرَتْهُ اليَهُودُ مِن وصْفِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ عَنِ اللَّغْوِ تَكَرُّمًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: 72] ﴿وقالُوا﴾ لَهم أيْ لِلّاغِينَ المَفْهُومَ مِن ذِكْرِ اللَّغْوِ ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ مُتارَكَةً لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾ [الكافِرُونَ: 6] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ قالُوهُ تَوْدِيعًا لَهم لا تَحِيَّةً أوْ هو لِلْمُتارَكَةِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفُرْقانِ: 63] وأيًّا ما كانَ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ ابْتِداءِ الكافِرِ بِالسَّلامِ كَما زَعَمَ الجَصّاصُ إذْ لَيْسَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ إلّا المُتارَكَةَ أوِ التَّوْدِيعَ.
ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الكُفّارِ: ««لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ وإذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ»». نَعَمْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ ابْتِداءُ السَّلامِ عَلَيْكَ عَلى مَعْنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ فَيَكُونُ دُعاءً عَلَيْهِ وهو ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ بَيانٌ لِلدّاعِي لِلْمُتارَكَةِ والتَّوْدِيعِ أيْ لا نَطْلُبُ صُحْبَةَ الجاهِلِينَ ولا نُرِيدُ مُخالَطَتَهُمْ
28:56Page 392
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.
﴿إنَّكَ لا تَهْدِي﴾ هِدايَةً مُوَصِّلَةً إلى
صفحة 96
البُغْيَةِ لا مَحالَةَ ﴿مَن أحْبَبْتَ﴾ أيْ كُلَّ مَن أحْبَبْتَهُ طَبْعًا مِنَ النّاسِ قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ ولا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَهُ في الإسْلامِ وإنْ بَذَلْتَ فِيهِ غايَةَ المَجْهُودِ وجاوَزْتَ في السَّعْيِ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، وقِيلَ: مَن أحْبَبْتَ هِدايَتَهُ.
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ فَيُدْخِلُهُ في الإسْلامِ ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ بِالمُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ وهُمُ الَّذِينَ يَشاءُ سُبْحانَهُ هِدايَتَهم ومِنهُمُ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم مِن أهْلِ الكِتابِ، وأفْعَلُ لِلْمُبالَغَةِ في عِلْمِهِ تَعالى.
وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ، وأفادَ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِي دُونَ غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، وحَيْثُ قُرِنَتْ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِالمُهْتَدِي وأنَّهُ جَلَّ وعَلا العالِمُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُهْتَدِي المُسْتَعِدُّ دُونَ المُتَّصِفِ بِالفِعْلِ فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ إيّاهُ بِمَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها، وحَيْثُ كانَتْ هِدايَتُهُ تَعالى لِذَلِكَ بِهَذا المَعْنى، وجِيءَ بِـ لَكِنَّ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَها وبَيْنَ الهِدايَةِ المَنفِيَّةِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَزِمَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الهِدايَةُ أيْضًا بِمَعْنى القُدْرَةِ عَلَيْها لِتَقَعَ لَكِنَّ في مَوْضِعِها، ولِذا قِيلَ: المَعْنى إنَّكَ لا تَقْدِرُ أنْ تُدْخِلَ في الإسْلامِ كُلَّ مَن أحْبَبْتَ لِأنَّكَ عَبْدٌ لا تَعْلَمُ المَطْبُوعَ عَلى قَلْبِهِ مِن غَيْرِهِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْدِرُ عَلى أنْ يُدْخِلَ مَن يَشاءُ إدْخالَهُ وهو الَّذِي عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوعٍ عَلى قَلْبِهِ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ، وظاهِرُ عِبارَةِ الكَشّافِ حَمْلُ نَفْيِ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَلى الإدْخالِ في الإسْلامِ وإثْباتِها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى وُقُوعِ الإدْخالِ في الإسْلامِ بِالفِعْلِ، وهَذا ما اعْتَمَدْناهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ووَجْهُهُ أنَّ مَساقَ الآيَةِ لِتَسْلِيَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ لَمْ يَنْجَعْ في قَوْمِهِ الَّذِينَ يُحِبُّهم ويَحْرِصُ عَلَيْهِمْ أشَدَّ الحِرْصِ إنْذارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم وما جاءَ بِهِ إلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ بَلْ أصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ، وقالُوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القَصَصِ: 48] ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ وبِمُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانُوا عَلى عَكْسِ قَوْمٍ هم أجانِبُ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ آمَنُوا بِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ وقالُوا: إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا ثُمَّ صَرَّحُوا بِتَقادُمِ إيمانِهِمْ بِهِ وأشارُوا بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ وبِما جاءَهم بِهِ أيْضًا فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَلى إدْخالِ مَن أحَبَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإسْلامِ بَلْ حُمِلَ عَلى نَفْيِ وُقُوعِ إدْخالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيّاهُ فِيهِ لِبُعْدِ الكَلامِ عَنِ التَّسْلِيَةِ وقُرْبٍ إلى العِتابِ فَإنَّهُ عَلى طَرْزِ قَوْلِكَ لِمَن لَهُ أحْبابٌ لا يَنْفَعُهم إنَّكَ لا تَنْفَعُ أحْبابَكَ وهو إذًا لَمْ يُؤَوَّلْ بِأنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى نَفْعِ أحْبابِكَ فَإنَّما يُقالُ عَلى سَبِيلِ العِتابِ أوِ التَّوْبِيخِ أوْ نَحْوِهِ دُونَ سَبِيلِ التَّسْلِيَةِ، ولَمّا كانَ لِهِدايَتِهِ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مَدْخَلًا فِيما يَسْتَدْعِي التَّسْلِيَةَ كانَ المُناسِبُ إبْقاءَ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى ظاهِرِهِ مِن وُقُوعِ الهِدايَةِ بِالفِعْلِ دُونَ القُدْرَةِ عَلى الهِدايَةِ، وإثْباتِ ذَلِكَ لَهُ تَعالى فَرْعُ إثْباتِ القُدْرَةِ فَفي إثْباتِهِ إثْباتُها لا مَحالَةَ فَيُصادِفُ الِاسْتِدْراكُ المَحَزَّ، وحَمْلُ المُهْتَدِينَ عَلى المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ لا يَسْتَدْعِي حَمْلَ يَهْدِي عَلى يَقْدِرُ عَلى الهِدايَةِ فَما ذُكِرَ مِنِ اللُّزُومِ مَمْنُوعٌ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمُهْتَدِينَ المُتَّصِفُونَ بِالهِدايَةِ بِالفِعْلِ، والمُرادُ بِعِلْمِهِ تَعالى بِهِمْ مُجازاتُهُ سُبْحانَهُ عَلى اهْتِدائِهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهو تَعالى أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ كَأُولَئِكَ الَّذِينَ ذُكِرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ فَيُجازِيهِمْ عَلى اهْتِدائِهِمْ بِأجْرٍ أوْ بِأجْرَيْنِ فَتَأمَّلْ، والآيَةُ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ وفاةُ أبِي طالِبٍ أتاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا عَمّاهُ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ
صفحة 97
أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. فَقالَ: لَوْلا أنْ يُعَيِّرُونِي قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: ما حَمَلَهُ عَلَيْها إلّا جَزَعُهُ مِنَ المَوْتِ لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ الآيَةَ».
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهُمْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِيهِ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ أبُو سَهْلٍ السَّرِيُّ بْنُ سَهْلٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ القُدُّوسِ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ إلَخْ نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ ألَحَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُسْلِمَ فَأبى فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وقَدْ رَوى نُزُولَها فِيهِ عَنْهُ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ومَسْألَةُ إسْلامِهِ خِلافِيَّةٌ، وحِكايَةُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ أوِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لا تَصِحُّ فَقَدْ ذَهَبالشِّيعَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن مُفَسِّرِيهِمْ إلى إسْلامِهِ وادَّعَوْا إجْماعَ أئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ عَلى ذَلِكَ وأنَّ أكْثَرَ قَصائِدِهِ تَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ وكَأنَّ مَن يَدَّعِي إجْماعَ المُسْلِمِينَ لا يَعْتَدُّ بِخِلافِ الشِّيعَةِ ولا يُعَوِّلُ عَلى رِواياتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ إسْلامِهِ لا يَنْبَغِي سَبُّهُ والتَّكَلُّمُ فِيهِ بِفُضُولِ الكَلامِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَتَأذّى بِهِ العَلَوِيُّونَ بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَتَأذّى بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي نَطَقَتِ الآيَةُ بِناءً عَلى هَذِهِ الرِّواياتِ بِحُبِّهِ إيّاهُ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى عَلى ذِي فَهْمٍ.
ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ
28:57Page 392
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
﴿وقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾ أيْ نُخْرَجْ مِن بِلادِنا ومَقَرِّنا، وأصْلُ الخَطْفِ الِاخْتِلاسُ بِسُرْعَةٍ فاسْتُعِيرَ لِما ذُكِرَ، «والآيَةُ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عُثْمانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ حَيْثُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ أنَّكَ عَلى الحَقِّ ولَكُنّا نَخافُ إنِ اتَّبَعْناكَ وخالَفْنا العَرَبَ وإنَّما نَحْنُ أكَلَةُ رَأسٍ أنْ يَتَخَطَّفُونا مِن أرْضِنا فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ خَوْفَ التَّخَطُّفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهم حَرَمًا آمِنًا﴾» أيْ ألَمْ نَعْصِمْهم ونَجْعَلْ مَكانَهم حَرَمًا ذا أمْنٍ بِحُرْمَةِ البَيْتِ الَّذِي فِيهِ تُتاجِرُ العَرَبُ حَوْلَهُ وهم آمِنُونَ فِيهِ، فالعَطْفُ عَلى مَحْذُوفٍ (ونُمَكِّنْ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الجَعْلِ، ولِذا نَصَبَ حَرَمًا وآمِنًا لِلنَّسَبِ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وجَعَلَ أبُو حَيّانَ الإسْنادَ فِيهِ مَجازِيًّا لِأنَّ الآمِنَ حَقِيقَةً ساكِنُوهُ فَيُسْتَغْنى عَنْ جَعْلِهِ لِلنَّسَبِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ ﴿يُجْبى إلَيْهِ﴾ أيْ يُحْمَلُ إلَيْهِ ويُجْمَعُ فِيهِ مِن كُلِّ جانِبٍ وجِهَةٍ ﴿ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ ثَمَراتُ أشْياءَ كَثِيرَةٍ عَلى أنَّ كُلَّ لِلتَّكْثِيرِ وأصْلُ مَعْناهُ الإحاطَةُ ولَيْسَتْ بِمُرادَّةٍ قَطْعًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِحَرَمًا دافِعَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَضَرُّرِهِمْ إنِ اتَّبَعُوا الهُدى بِانْقِطاعِ المِيرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ نُصِبَ عَنِ المَصْدَرِ مِن مَعْنى يُجْبى لِأنَّ مَآلَهُ يُرْزَقُونَ، أوِ الحالِ مِن ثَمَراتٍ بِمَعْنى مَرْزُوقًا وصَحَّ مَجِيءُ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ عِنْدَ مَن لا يَراهُ لِتَخَصُّصِها بِالإضافَةِ هُنا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ نَسُوقُ إلَيْهِ ذَلِكَ رِزْقًا. وحاصِلُ الرَّدِّ أنَّهُ لا وجْهَ لِخَوْفٍ مِنَ التَّخَطُّفِ إنْ أمِنُوا فَإنَّهم لا يَخافُونَ مِنهُ وهم عَبَدَةُ أصْنامٍ فَكَيْفَ يَخافُونَ إذا أمِنُوا وضَمُّوا حُرْمَةَ الإيمانِ إلى حُرْمَةِ المَقامِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ جَهَلَةٌ لا يَتَفَطَّنُونَ ولا يَتَفَكَّرُونَ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ نُمَكِّنْ﴾ إلَخْ.
وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: مِن لَدُنّا أيْ قَلِيلٌ مِنهم يَتَدَبَّرُونَ فَيَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لَوْ عَلِمُوا لَما خافُوا غَيْرَهُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والكَلامُ عَلَيْهِ أبْلَغُ في الذَّمِّ، وقَرَأ المُنْقُرِيُّ «نُتَخَطَّفُ» بِالرَّفْعِ كَما قُرِئَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ [النِّساءِ: 78] بِرَفْعِ يُدْرِكُ وخُرِّجَ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ فَنَحْنُ نُتَخَطَّفُ وهو تَخْرِيجُ شُذُوذٍ.
صفحة 98
وقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ عَنْ يَعْقُوبَ وأبُو حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ «تُجْبى» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ «تَجْنِي» بِالنُّونِ مِنَ الجَنْيِ وهو قَطْعُ الثَّمَرَةِ وتَعْدِيَتُهُ بِـ إلى كَقَوْلِكَ يَجْنِي إلَيَّ فِيهِ ويَجْنِي إلى الخافَّةِ وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغِلِبَ عَنْ عاصِمٍ «ثُمُراتُ» بِضَمِّ الثّاءِ والمِيمِ، وقَرَأ بَعْضُهم «ثَمْراتُ» بِفَتْحِ الثّاءِ وإسْكانِ المِيمِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences