Al-AlusiAl‑Qasas · 28:78

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:78

28:78Page 395

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لِمَن نَصَحَهُ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ كَأنَّهُ يُرِيدُ الرَّدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ لِإنْبائِهِ عَنْ أنَّهُ تَعالى أنْعَمَ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ واسْتِحْقاقٍ مِن قِبَلِهِ، وحاصِلُهُ دَعْوى اسْتِحْقاقِهِ لِما أُوتِيَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، وقَوْلُهُ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ عِنْدَ أكْثَرِ المُعْرِبِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَرْفُوعِ أُوتِيتُهُ قُيِّدَ بِهِ العامِلُ إشارَةً إلى عِلَّةِ الإيتاءِ ووَجْهِ اسْتِحْقاقِهِ لَهُ أيْ إنَّما أُوتِيتُهُ كائِنًا عَلى عِلْمٍ، وجُوِّزَ كَوْنُ عَلى تَعْلِيلِيَّةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ أُوتِيتُ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ كَأنَّهُ قِيلَ أُوتِيتُهُ لِأجْلِ عِلْمٍ، (وعِنْدِي) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِعِلْمٍ والمُرادُ لِعِلْمٍ مُخْتَصٍّ بِي دُونَكُمْ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقًا بِـ أُوتِيتُ، ومَعْناهُ في ظَنِّي ورَأْيِي كَما في قَوْلِكَ: حُكْمُ كَذا الحَلِّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ عِنْدِي إذا كانَ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي كانَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو في ظَنِّي ورَأْيِي هَكَذا، والجُمْلَةُ عَلَيْهِ مُسْتَأْنِفَةٌ تُقَرِّرُ أنَّ ما ذَكَرَهُ رَأْيٌ مُسْتَقِرٌّ هو عَلَيْهِ، قالَ في الكَشْفِ: وهَذا هو الوَجْهُ، والمُرادُ بِهَذا العِلْمِ قِيلَ عِلْمُ التَّوْراةِ فَإنَّهُ كانَ أعْلَمَ بَنِي إسْرائِيلَ بِها، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: عِلْمُ التِّجارَةِ ووُجُوهُ المَكاسِبِ، وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: عِلْمُ الكِيمْياءِ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَأفادَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ثُلُثَهُ وكالَبُ بْنُ يُوفِنا ثُلُثَهُ وقارُونُ ثُلُثَهُ فَخَدَعَهُما قارُونُ حَتّى أضافَ عِلْمَهُما إلى عِلْمِهِ فَكانَ يَأْخُذُ الرَّصاصَ والنُّحاسَ فَيَجْعَلُهُما ذَهَبًا، وقِيلَ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِلْمَ الكِيمْياءِ فَعَلَّمَهُ مُوسى أُخْتَهُ فَعَلَّمَتْهُ أُخْتُهُ قارُونَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِعِلْمِ صَنْعَةِ الذَّهَبِ، وقِيلَ: عِلْمُ اسْتِخْراجِ الكُنُوزِ والدَّفائِنِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِالعِلْمِ عِلْمُ اللَّهِ تَعالى وأنَّ المَعْنى أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ سُبْحانَهُ قَصَدَنِي بِهِ، (وعِنْدِي) عَلَيْهِ بِمَعْنى في ظَنِّي ورَأْيِي، وقِيلَ: العِلْمُ بِمَعْنى المَعْلُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البَقَرَةِ: 255] وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: أيْ عَلى خَيْرٍ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدِي وتَفْسِيرُهُ بِعِلْمِ الكِيمْياءِ شائِعٌ فِيما بَيْنَ أهْلِها، وفي مَجْمَعِ البَيانِ حِكايَتُهُ عَنِ الكَلْبِيِّ أيْضًا، وأنْكَرَهُ الزَّجّاجُ وقالَ: إنَّهُ لا يَصِحُّ لِأنَّ عِلْمَ الكِيمْياءِ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وتَعَقَّبَهُ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ وإلّا لَما تَمَكَّنَ قارُونُ مِنهُ، وإنْكارُ الكِيمْياءِ وهو لَفْظٌ يُونانِيٌّ مَعْناهُ الحِيلَةُ أوْ عِبْرانِيٌّ وأصْلُهُ كِيمْ يَهْ بِمَعْنى أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ فارِسِيٌّ وأصْلُهُ كِي مِيا بِمَعْنى مَتى يَجِيءُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ غَلَبَ عَلى تَحْصِيلِ النَّقْدَيْنِ

صفحة 114

بِطَرِيقٍ مَخْصُوصٍ مِمّا لَمْ يَخْتَصَّ بِالزَّجّاجِ بَلْ أنْكَرَها جَماعَةٌ أجِلَّةٌ وقالُوا بِعَدَمِ إمْكانِها، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى خِلافِ ذَلِكَ. وإذا أرَدْتَ نُبْذَةً مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ فاسْتَمِعْ لِما يُتْلى عَلَيْكَ. ذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ مَبْنى الكَلامِ في هَذِهِ الصِّناعَةِ عِنْدَ الحُكَماءِ عَلى حالِ المَعادِنِ السَّبْعَةِ المُنْطَرِقَةِ وهي الذَّهَبُ والفِضَّةُ والرَّصاصُ والقَزْدِيرُ والنُّحاسُ والحَدِيدُ والخارْصِينِيُّ هَلْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالفُصُولِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنها نَوْعًا غَيْرَ النَّوْعِ الآخَرِ أوْ هي مُخْتَلِفاتٌ بِالخَواصِّ والكَيْفِيّاتِ فَقَطْ فَتَكُونُ كُلُّها أصْنافًا لِنَوْعٍ واحِدٍ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُعَلِّمُ أبُو نَصْرٍ الفارابِيُّ وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ الأنْدَلُسِ أنَّها نَوْعٌ واحِدٌ وأنَّ اخْتِلافَها بِالكَيْفِيّاتِ مِنَ الرُّطُوبَةِ واليُبُوسَةِ واللِّينِ والصَّلابَةِ والألْوانِ نَحْوَ الصُّفْرَةِ والبَياضِ والسَّوادِ وهي كُلُّها أصْنافٌ لِذَلِكَ النَّوْعِ الواحِدِ وبُنِيَ عَلى ذَلِكَ إمْكانُ انْقِلابِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِتَبَدُّلِ الأعْراضِ بِفِعْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالصَّنْعَةِ. وقَدْ حَكى أبُو بَكْرِ بْنُ الصّائِغِ المَعْرُوفُ بِابْنِ باجَةَ في بَعْضِ تَصانِيفِهِ عَنِ المُعَلِّمِ المَذْكُورِ أنَّهُ قالَ: قَدْ بَيَّنَ أرِسْطُو في كُتُبِهِ في المَعادِنِ أنَّ صِناعَةَ الكِيمْياءِ داخِلَةٌ تَحْتَ الإمْكانِ إلّا أنَّها مِنَ المُمْكِنِ الَّذِي يَعْسُرُ وجُودُهُ بِالفِعْلِ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَتَّفِقَ قَرائِنُ يَسْهُلُ بِها الوُجُودُ وذَلِكَ أنَّهُ فَحَصَ عَنْها أوَّلًا عَلى طَرِيقِ الجَدَلِ فَأثْبَتَها بِقِياسٍ وأبْطَلَها بِقِياسٍ عَلى عادَتِهِ فِيما يَكْثُرُ عِنادُهُ مِنَ الأوْضاعِ ثُمَّ أثْبَتَها أخِيرًا بِقِياسٍ ألَّفَهُ مِن مُقَدِّمَتَيْنِ بَيْنَهُما في أوَّلِ الكِتابِ، الأُولى أنَّ الفِلِزّاتِ واحِدَةٌ بِالنَّوْعِ والِاخْتِلافَ الَّذِي بَيْنَها لَيْسَ في ماهِيّاتِها وإنَّما هو في أعْراضِها فَبَعْضُهُ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ وبَعْضُهُ في أعْراضِها العَرَضِيَّةِ، والثّانِيَةُ أنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ تَحْتَ نَوْعٍ واحِدٍ اخْتَلَفا بِعَرَضٍ فَإنَّهُ يُمْكِنُ انْتِقالُ كُلٍّ مِنهُما إلى الآخَرِ فَإنْ كانَ العَرَضُ ذاتِيًّا عَسُرَ الِانْتِقالُ وإنْ كانَ مُفارِقًا سَهُلَ الِانْتِقالُ والعُسْرُ في هَذِهِ الصِّناعَةِ إنَّما هو لِاخْتِلافِ أكْثَرِ هَذِهِ الجَواهِرِ في أعْراضِها الذّاتِيَّةِ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ الَّذِي بَيْنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ يَسِيرًا جِدًّا اهـ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبُو عَلِيِّ بْنُ سِينا وتابَعُهُ عَلَيْهِ حُكَماءُ المَشْرِقِ أنَّها مُخْتَلِفَةٌ بِالفُصُولِ وأنَّها أنْواعٌ مُتَبايِنَةٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ إنْكارَ هَذِهِ الصِّناعَةِ واسْتِحالَةَ وُجُودِها لِأنَّ الفَصْلَ لا سَبِيلَ بِالصِّناعَةِ إلَيْهِ وإنَّما يَخْلُقُهُ خالِقُ الأشْياءِ ومُقَدِّرُها وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا ما حَكاهُ ابْنُ خَلْدُونٍ عَنْهُ، وقالَ الإمامُ في المَباحِثِ المَشْرِقِيَّةِ في الفَصْلِ الثّامِنِ مِنَ القِسْمِ الرّابِعِ مِنها: الشَّيْخُ سَلَّمَ إمْكانَ أنْ يُصْبَغَ النُّحاسُ بِصَبْغِ الفِضَّةِ والفِضَّةُ بِصَبْغِ الذَّهَبِ وأنْ يُزالَ عَنِ الرَّصاصِ أكْثَرُ ما فِيهِ مِنَ النَّقْصِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الفَصْلُ المُنَوَّعُ يُسْلَبُ أوْ يُكْسى، قالَ: فَلَمْ يَظْهَرْ لِي إمْكانُهُ بَعْدُ، إذْ هَذِهِ الأُمُورُ المَحْسُوسَةُ تُشْبِهُ أنْ لا تَكُونَ الفُصُولَ الَّتِي بِها تَصِيرُ هَذِهِ الأجْسادُ أنْواعًا بَلْ هي أعْراضٌ ولَوازِمُ وفُصُولُها مَجْهُولَةٌ وإذا كانَ الشَّيْءُ مَجْهُولًا كَيْفَ يُمْكِنُ قَصْدُ إيجادِهِ وإفْنائِهِ اهـ.

وغَلَّطَهُ الطُّغْرائِيُّ وهو مِن أكابِرِ أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ ولَهُ فِيها عِدَّةُ كُتُبٍ ورَدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّدْبِيرَ والعِلاجَ لَيْسَ في تَخْلِيقِ الفَصْلِ وإبْداعِهِ وإنَّما هو في إعْدادِ المادَّةِ لِقَبُولِ خاصَّةٍ والفَصْلُ يَأْتِي مِن بَعْدِ الإعْدادِ مِن لَدُنْ خالِقِهِ وبارِئِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَتْ قُدْرَتُهُ كَما يَفِيضُ سُبْحانَهُ النُّورَ عَلى الأجْسامِ بِالصَّقْلِ ولا حاجَةَ بِنا في ذَلِكَ إلى تَصَوُّرِهِ ومَعْرِفَتِهِ، وإذا كُنّا قَدْ عَثَرْنا عَلى تَخْلِيقِ بَعْضِ الحَيَواناتِ مِثْلَ العَقْرَبِ مِنِ التُّرابِ والتِّبْنِ، والحَيَّةِ مِنَ الشَّعْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَما المانِعُ مِنَ العُثُورِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَعادِنِ وهَذا كُلُّهُ بِالصِّناعَةِ وهي إنَّما مَوْضُوعُها المادَّةُ فَيُعِدُّها التَّدْبِيرُ

صفحة 115

والعِلاجُ إلى قَبُولِ تِلْكَ الفُصُولِ لا أكْثَرَ، فَنَحْنُ نُحاوِلُ مِثْلَ ذَلِكَ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ فَنَتَّخِذُ مادَّةً نَصِفُها لِلتَّدْبِيرِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ فِيها اسْتِعْدادٌ أوَّلُ لِقَبُولِ صُورَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ثُمَّ نُحاوِلُها بِالعِلاجِ إلى أنْ يَتِمَّ فِيها الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِ فَصِلْهِما اهـ بِمَعْناهُ وهو رَدٌّ صَحِيحٌ فِيما يَظْهَرُ، وقالَ الإمامُ بَعْدَ ذِكْرِهِ ما سَمِعْتَ مِن كَلامِ الشَّيْخِ: هو لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِأنّا نُشاهِدُ مِنَ التِّرْياقِ آثارًا وأفْعالًا مَخْصُوصَةً فَإمّا أنْ لا نُثْبِتَ لَهُ صُورَةً تِرْياقِيَّةً بَلْ نَقُولُ إنَّ الأفْعالَ التِّرْياقِيَّةَ حاصِلَةٌ مِن ذَلِكَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ أُخْرى جازَ أيْضًا أنْ يُقالَ: صُفْرَةُ الذَّهَبِ ورَزانَتُهُ حاصِلَتانِ مِمّا فِيهِ مِنَ المِزاجِ لا مِن صُورَةٍ مُقَوَّمَةٍ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لِلذَّهَبِ فَصْلٌ مُنَوَّعٌ إلّا مُجَرَّدَ الصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ ولَكِنَّهُما مَعْلُومَتانِ فَأمْكَنَ أنْ تَقْصِدَ إزالَتَهُما واتِّخاذَهُما فَبَطَلَ ما قالَهُ الشَّيْخُ. وأمّا إذا أثْبَتْنا صُورَةً مُقَوَّمَةً لَهُ فَنَقُولُ: لا شَكَّ بِأنّا لا نَعْقِلُ مِن تِلْكَ الصُّورَةِ إلّا أنَّها حَقِيقَةٌ تَقْتَضِي الأفْعالَ المَخْصُوصَةَ الصّادِرَةَ عَنِ التِّرْياقِ فَإمّا أنْ يَكُونَ هَذا القَدْرُ مِنَ العِلْمُ يَكْفِي في قَصْدِ الإيجادِ والإبْطالِ أوْ لا يَكْفِي فَإنْ لَمْ يَكْفِ وجَبَ أنْ لا يُمْكِنَنا اتِّخاذُ التِّرْياقِ وإنْ كَفى فَهو في مَسْألَتِنا أيْضًا حاصِلٌ لِأنّا نَعْلَمُ مِنَ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ أنَّها ماهِيَّةٌ تَقْتَضِي الذَّوْبَ والصُّفْرَةَ والرَّزانَةَ ويُجابُ أيْضًا بِأنّا وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ الصُّورَةَ المُقَوَّمَةَ عَلى التَّفْصِيلِ إلّا أنا نَعْلَمُ الأعْراضَ الَّتِي تُلائِمُها والَّتِي لا تُلائِمُها ونَعْلَمُ أنَّ العَرْضَ الغَيْرُ المُلائِمِ إذا اشْتَدَّ في المادَّةِ بَطَلَتِ الصُّورَةُ مِثْلَ الصُّورَةِ المائِيَّةِ فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ الحَرارَةَ لا تُلائِمُها وإنْ كُنّا لا نَعْلَمُ ماهِيَّتَها عَلى التَّفْصِيلِ فَلِذَلِكَ يُمْكِنُنا أنْ نُبْطِلَ الصُّورَةَ المائِيَّةَ وأنْ نَكْسِبَها، أمّا الإبْطالُ فَبِتَسْخِينِ الماءِ وأمّا الِاكْتِسابُ فَبِتَبْرِيدِ الهَواءِ فَكَذَلِكَ في مَسْألَتِنا واحْتَجَّ قَوْمٌ مِنَ الفَلاسِفَةِ عَلى امْتِناعِها بِأُمُورٍ: أوَّلُها، أنَّ الطَّبِيعَةَ إنَّما تَعْمَلُ هَذِهِ الأجْسادُ مِن عَناصِرَ مَجْهُولَةٍ عِنْدَنا ولِتِلْكَ العَناصِرِ مَقادِيرُ مُعَيَّنَةٌ مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا أيْضًا ولِكَيْفِيّاتِ تِلْكَ العَناصِرِ مَراتِبُ مَعْلُومَةٌ وهي مَجْهُولَةٌ عِنْدَنا ولِتَمامِ الفِعْلِ والِانْفِعالِ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مَجْهُولٌ عِنْدَنا، ومَعَ الجَهْلِ بِكُلِّ ذَلِكَ كَيْفَ يُمْكِنُنا عَمَلُ هَذِهِ الأجْسادِ، وثانِيها: أنَّ الجَوْهَرَ الصّابِغَ إمّا أنْ يَكُونَ أصْبَرَ عَلى النّارِ مِنَ المَصْبُوغِ أوْ يَكُونَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ أوْ يَتَساوَيانِ فَإنْ كانَ الصّابِغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَفْنى المَصْبُوغُ ويَبْقى الصّابِغُ بَعْدَ فِنائِهِ وإنْ كانَ المَصْبُوغُ أصْبَرَ وجَبَ أنْ يَبْقى بَعْدَ فَناءِ الصّابِغِ وإنْ تَساوَيا في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَهُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ لِاسْتِوائِهِما في الصَّبْرِ عَلى النّارِ فَلَيْسَ أحَدُهُما بِالصّابِغِيَّةِ والآخَرُ بِالمَصْبُوغِيَّةِ أوْلى مِنَ العَكْسِ، وثالِثُها: أنَّهُ لَوْ كانَ بِالصِّناعَةِ مَثَلًا لَما كانَ بِالطَّبِيعَةِ لَكِنَّ التّالِيَ باطِلٌ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنّا لَمْ نَجِدْ لَهُ شَبِيهًا، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يُوجَدَ بِالصِّناعَةِ ما يَحْصُلُ بِالطَّبِيعَةِ لَجازَ أنْ يَحْصُلَ بِالطَّبِيعَةِ ما يَحْصُلُ بِالصِّناعَةِ حَتّى يُوجَدَ سَيْفٌ أوْ سَرِيرٌ بِالطَّبِيعَةِ، ولَمّا ثَبَتَ امْتِناعُ التّالِي ثَبَتَ امْتِناعُ المُقَدَّمِ، ورابِعُها: أنَّ لِهَذِهِ الأجْسادِ أماكِنَ طَبِيعِيَّةً هي مَعادِنُها وهي لَها بِمَنزِلَةِ الأرْحامِ لِلْحَيَوانِ فَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَها في غَيْرِ تِلْكَ المَعادِنِ كانَ كَمَن جَوَّزَ تَوَلُّدَ الحَيَواناتِ في غَيْرِ الأرْحامِ. وأجابَ الإمامُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِصِناعَةِ الطِّبِّ.

وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِواءِ الصّابِغِ والمَصْبُوغِ في الصَّبْرِ عَلى النّارِ اسْتِواؤُهُما في الماهِيَّةِ لِأنَّ المُخْتَلِفَيْنِ قَدْ يَشْتَرِكانِ في بَعْضِ الصِّفاتِ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِالصِّناعَةِ مِثْلَ ما يُوجَدُ بِالطَّبِيعَةِ مِثْلَ النّارِ الحاصِلَةِ بِالقَدَحِ، والنُّوشادِرُ قَدْ يُتَّخَذُ مِنَ الشَّعِيرِ وكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الزّاجّاتِ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أنْ لا نَجِدَ لَهُ مِثالًا لا يَلْزَمُ الجَزْمُ بِنَفْيهِ ولا يَلْزَمُ مِن إمْكانِ حُصُولِ الأمْرِ الطَّبِيعِيِّ بِالصِّناعَةِ إمْكانُ عَكْسِهِ بَلِ الأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.

وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ مَن أرادَ أنْ يَقْلِبَ النُّحاسَ فِضَّةً فَهو لا يَكُونُ كالمُحْدِثِ لِلشَّيْءِ بَلْ كالمُعالِجِ لِلْمَرِيضِ، فَإنَّ

صفحة 116

النُّحاسَ مِن جَوْهَرِ الفِضَّةِ إلّا أنَّ فِيهِ عِلَلًا وأمْراضًا وكَما يُمْكِنُ المُعالَجَةُ لا في مَوْضِعِ التَّكَوُّنِ فَكَذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ، عَلى أنَّ حاصِلَ الدَّلِيلِ أنَّ الَّذِي يَتَكَوَّنُ في الجِبالِ لا يُمْكِنُ تَكَوُّنُهُ بِالصِّناعَةِ، وفِيهِ وقَعَ النِّزاعُ، وابْنُ خَلْدُونٍ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ كَلامَ ابْنِ سِينا ورَدَّ الطُّغْرائِيُّ عَلَيْهِ قالَ: لَنا في الرَّدِّ عَلى أهْلِ هَذِهِ الصِّناعَةِ مَأْخَذٌ آخَرُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ اسْتِحالَةُ وجُودِها وبُطْلانُ زَعْمِهِمْ أجْمَعِينَ، وذَلِكَ أنَّ حاصِلَ عِلاجِهِمْ أنَّهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى المادَّةِ المُسْتَعِدَّةِ بِالِاسْتِعْدادِ الأوَّلِ يَجْعَلُونَها مَوْضُوعًا ويُحاذُونَ في تَدْبِيرِها وعِلاجِها تَدْبِيرَ الطَّبِيعَةِ لِلْجِسْمِ في المَعْدِنِ حَتّى أحالَتْهُ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً ويُضاعِفُونَ القُوى الفاعِلَةَ والمُنْفَعِلَةَ لِيَتِمَّ في زَمانٍ أقْصَرَ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ مُضاعَفَةَ قُوَّةِ الفاعِلِ تَنْقُصُ مِن زَمَنِ فِعْلِهِ وتَبَيَّنَ أنَّ الذَّهَبَ إنَّما يَتِمُّ كَوْنُهُ في مَعْدِنِهِ بَعْدَ ألْفٍ وثَمانِينَ مِنَ السِّنِينَ دَوْرَةَ الشَّمْسِ الكُبْرى فَإذا تَضاعَفَتِ القُوى والكَيْفِيّاتُ في العِلاجِ كانَ زَمانُ كَوْنِهِ أقْصَرَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً عَلى ما قُلْناهُ أوْ يَتَحَرَّوْنَ بِعِلاجِهِمْ ذَلِكَ حُصُولَ صُورَةٍ مِزاجِيَّةٍ لِتِلْكَ المادَّةِ تُصَيِّرُها كالخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ تَقْلِبُ العَجِينَ إلى ذاتِها وتَعْمَلُ فِيهِ ما حَصَلَ لَها مِنَ الِانْتِفاشِ والهَشاشَةِ لِيَحْسُنَ هَضْمُهُ في المَعِدَةِ ويَسْتَحِيلَ سَرِيعًا إلى الغِذاءِ فَتَفْعَلَ تِلْكَ الصُّورَةُ الأفاعِيلَ المَطْلُوبَةَ، وذَلِكَ هو الإكْسِيرُ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ مُتَكَوِّنٍ مِنَ المُوَلِّداتِ العُنْصُرِيَّةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنِ اجْتِماعِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ عَلى نِسْبَةٍ مُتَفاوِتَةٍ إذْ لَوْ كانَتْ مُتَكافِئَةً في النِّسْبَةِ لَما حَصَلَ امْتِزاجُها فَلا بُدَّ مِنَ الجُزْءِ الغالِبِ عَلى الكُلِّ، ولا بُدَّ في كُلِّ مُمْتَزِجٍ مِنَ المُوَلِّداتِ مِن حَرارَةٍ غَرِيزِيَّةٍ هي الفاعِلَةُ لِكَوْنِها الحافِظَةَ لِصُورَتِهِ ثُمَّ كُلُّ مُتَكَوِّنٍ في زَمانٍ لا بُدَّ مِنِ اخْتِلافِ أطْوارِهِ وانْتِقالِهِ في زَمَنِ التَّكْوِينِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى غايَتِهِ، وانْظُرْ شَأْنَ الإنْسانِ في تَطَوُّرِهِ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ وثُمَّ إلى نِهايَتِهِ ونِسَبُ الأجْزاءِ في كُلِّ طَوْرٍ مُخْتَلِفٌ مَقادِيرُها وكَيْفِيّاتُها وإلّا لَكانَ الطَّوْرُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ هو الآخَرَ، وكَذا الحَرارَةُ المُقَدَّرَةُ الغَرِيزِيَّةُ في كُلِّ طَوْرٍ مُخالِفَةٌ لِما في الطَّوْرِ الآخَرِ، فانْظُرْ إلى الذَّهَبِ ما يَكُونُ في مَعْدِنِهِ مِنَ الأطْوارِ مُنْذُ ألْفِ سَنَةٍ وثَمانِينَ، وما يَنْتَقِلُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ فَيَحْتاجُ صاحِبُ الكِيمْياءِ أنْ يُساوِقَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ ويُحاذِيهِ بِتَدْبِيرِهِ وعِلاجِهِ إلى أنْ يَتِمَّ، ومِن شَرْطِ الصِّناعَةِ مُطْلَقًا تَصَوُّرُ ما يُقْصَدُ إلَيْهِ بِها، فَمِنَ الأمْثالِ السّائِرَةِ في ذَلِكَ لِلْحُكَماءِ أوَّلُ العَمَلِ آخِرُ الفِكْرَةِ وآخِرُ الفِكْرَةِ أوَّلُ العَمَلِ فَلا بُدَّ مِن تَصَوُّرِ هَذِهِ الحالاتِ لِلذَّهَبِ في أحْوالِهِ المُتَعَدِّدَةِ ونِسَبِها المُتَفاوِتَةِ في كُلِّ طَوْرٍ وما يَنُوبُ عَنْهُ مِن مِقْدارِ القُوى المُتَضاعِفَةِ ويَقُومُ مَقامَهُ حَتّى يُحاذِيَ بِذَلِكَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ في المَعْدِنِ أوْ يُعِدَّ لِبَعْضِ المَوادِّ صُورَةً مِزاجِيَّةً تَكُونُ كَصُورَةِ الخَمِيرَةِ لِلْخُبْزِ وتَفْعَلُ في هَذِهِ المادَّةِ بِالمُناسِبَةِ لِقُواها ومَقادِيرِها.

وهَذِهِ كُلُّها إنَّما يَحْصُرُها العِلْمُ المُحِيطُ وهو عِلْمُهُ عَزَّ وجَلَّ، والعُلُومُ البَشَرِيَّةُ قاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما حالُ مَن يَدَّعِي حُصُولَهُ عَلى الذَّهَبِ بِهَذِهِ الصِّناعَةِ بِمَثابَةِ مَن يَدَّعِي صَنْعَةَ تَخْلِيقِ الإنْسانِ مِنَ المَنِيِّ ونَحْنُ إذا سَلَّمْنا الإحاطَةَ بِأجْزائِهِ ونِسَبِهِ وأطْوارِهِ وكَيْفِيَّةِ تَخْلِيقِهِ في رَحِمِهِ وعُلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا مُحَصِّلًا لِتَفاصِيلِهِ حَتّى لا يَشِذَّ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ سَلَّمْنا لَهُ تَخْلِيقَ هَذا الإنْسانِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ. والحاصِلُ أنَّ الفِعْلَ الصِّناعِيَّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُهم مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّراتِ أحْوالِ الطَّبِيعَةِ المَعْدِنِيَّةِ الَّتِي تُقْصَدُ مُساواتُها ومُحاذاتُها، وفِعْلُ المادَّةِ ذاتِ القُوى فِيها عَلى التَّفْصِيلِ وتِلْكَ الأحْوالُ لا نِهايَةَ لَها والعِلْمُ البَشَرِيُّ عاجِزٌ عَمّا دُونَها، فَقَصْدُ تَصْيِيرِ النُّحاسِ ذَهَبًا كَقَصْدِ تَخْلِيقِ إنْسانٍ أوْ حَيَوانٍ أوْ نَباتٍ، وهَذا أوْثَقُ ما عَلِمْتُهُ مِنَ البَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحالَةِ، ولَيْسَتِ

صفحة 117

الِاسْتِحالَةُ فِيهِ مِن جِهَةِ الفُصُولِ ولا مِن جِهَةِ الطَّبِيعَةِ وإنَّما هي مِن تَعَذُّرِ الإحاطَةِ وقُصُورِ البَشَرِ عَنْها، وما ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ وجْهٌ آخَرُ في الِاسْتِحالَةِ مِن جِهَةِ غايَتِهِ وهو أنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ تَعالى في الحَجَرَيْنِ ونُدْرَتَهُما أنَّهُما عُمْدَتا مَكاسِبِ النّاسِ ومُتَمَوِّلاتِهِمْ فَلَوْ حَصَلَ عَلَيْها بِالصَّنْعَةِ لَبَطَلَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ إذْ يَكْثُرُ وُجُودُهُما حَتّى لا يَحْصُلَ أحَدٌ مِنِ اقْتِنائِهِما عَلى شَيْءٍ، وآخَرُ أيْضًا وهو أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ فَلَوْ كانَ هَذا الطَّرِيقَ الصِّناعِيَّ الَّذِي يَزْعُمُونَ صِحَّتَهُ وأنَّهُ أقْرَبُ مِن طَرِيقِ الطَّبِيعَةِ في مَعْدِنِها وأقَلُّ زَمانًا صَحِيحًا لَما تَرَكَتْهُ الطَّبِيعَةُ إلى طَرِيقِها الَّذِي سَلَكَتْهُ في تَكْوِينِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ وتَخْلِيصِهِما، وأمّا تَشْبِيهُ الطُّغْرائِيِّ هَذا التَّدْبِيرَ بِما عَثَرَ عَلَيْهِ مِن مُفْرَداتٍ لِأمْثالِهِ في الطَّبِيعَةِ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ وتَخْلِيقِهِما فَأمْرٌ صَحِيحٌ في ذَلِكَ أدّى عَلَيْهِ العُثُورُ كَما زَعَمَ، وأمّا الكِيمْياءُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ عَثَرَ عَلَيْها ولا عَلى طَرِيقِها وما زالَ مُنْتَحِلُوها يَخْبِطُونَ فِيها خَبْطَ عَشْواءَ ولا يَظْفَرُونَ إلّا بِالحِكاياتِ الكاذِبَةِ ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنهم لَحَفِظَهُ عَنْهُ ولَدُهُ أوْ تِلْمِيذُهُ وأصْحابُهُ وتُنُوقِلَ في الأصْدِقاءِ وضَمِنَ تَصْدِيقُهُ صِحَّةَ العَمَلِ بَعْدَهُ إلى أنْ يَنْتَشِرَ ويَبْلُغَ إلَيْنا أوْ إلى غَيْرِنا، وأمّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الإكْسِيرَ بِمَثابَةِ الخَمِيرَةِ وإنَّهُ مُرَكَّبٌ يُحِيلُ ما حَصَلَ فِيهِ ويُقَلِّبُهُ إلى ذاتِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الخَمِيرَةَ إنَّما تَقْلِبُ العَجِينَ وتُعِدُّهُ لِلْهَضْمِ وهو فَسادٌ والفَسادُ في المَوادِّ سَهْلٌ يَقَعُ بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ والطَّبائِعِ، والمَطْلُوبُ مِنَ الإكْسِيرِ قَلْبُ المَعْدِنِ إلى ما هو أشْرَفُ مِنهُ وأعْلى فَهو تَكْوِينٌ والتَّكْوِينُ أصْعَبُ مِنَ الفَسادِ فَلا يُقاسُ الإكْسِيرُ عَلى الخَمِيرَةِ ثُمَّ قالَ: وتَحْقِيقُ الأمْرِ في ذَلِكَ أنَّ الكِيمْياءَ إنْ صَحَّ وُجُودُها كَما يَزْعُمُ الحُكَماءُ المُتَكَلِّمُونَ فِيها فَلَيْسَ مِن بابِ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ ولا يَتِمُّ بِأمْرٍ صِناعِيٍّ ولَيْسَ كَلامُهم فِيها مِن مَنحى الطَّبِيعِيّاتِ إنَّما هو مِن مَنحى كَلامِهِمْ في الأُمُورِ السِّحْرِيَّةِ وسائِرِ الخَوارِقِ، وقَدْ ذَكَرَ مَسْلَمَةُ المَجْرِيطِيُّ في كِتابِهِ (الغايَةُ) ما يُشْبِهُ ذَلِكَ وكَلامُهُ فِيها في كِتابِ رُتْبَةِ الحَكِيمِ مِن هَذا المَنحى، وكَذا كَلامُ جابِرٍ في رَسائِلِهِ.

وبِالجُمْلَةِ أنَّ نَيْلَها إنْ كانَ صَحِيحًا فَهو واقِعٌ مِمّا وراءَ الصَّنائِعِ والطَّبائِعِ فَهي إنَّما تَكُونُ بِتَأْثِيراتِ النَّفْسِ وخَوارِقِ العادَةِ كالمَشْيِ عَلى الماءِ وتَخْلِيقِ الطَّيْرِ فَلَيْسَتْ إلّا مُعْجِزَةً أوْ كَرامَةً أوْ سِحْرًا، ولِهَذا كانَ كَلامُ الحُكَماءِ فِيها ألْغازًا لا يَظْفَرُ بِتَحْقِيقِهِ إلّا مَن خاضَ لُجَّةً مِن عُلُومِ السِّحْرِ واطَّلَعَ عَلى تَصَرُّفاتِ النَّفْسِ في عالَمِ الطَّبِيعَةِ، وأُمُورُ خَرْقِ العادَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ ولا يَقْصِدُ أحَدٌ إلى تَحْصِيلِها اهـ. وإلى إمْكانِها ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ فَقالَ: الحَقُّ إمْكانُها لِأنَّ الأجْسادَ السَّبْعَةَ مُشْتَرِكَةٌ في أنَّها أجْسادٌ ذائِبَةٌ صابِرَةٌ عَلى النّارِ مُنْطَرِقَةٌ وأنَّ الذَّهَبَ لَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ غَيْرِهِ إلّا بِالصُّفْرَةِ والرَّزانَةِ أوِ الصُّورَةِ الذَّهَبِيَّةِ المُفِيدَةِ لِهَذَيْنِ العَرَضَيْنِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ، وما بِهِ الِاخْتِلافُ لا يَكُونُ لازِمًا لِما بِهِ الِاشْتِراكُ، فَإذَنْ يُمْكِنُ أنْ تَتَّصِفَ جِسْمِيَّةُ النُّحاسِ بِصُفْرَةِ الذَّهَبِ ورَزانَتِهِ وذَلِكَ هو المَطْلُوبُ، والحَقُّ أنَّ الكِيمْياءَ مُمْكِنَةٌ وأنَّها مِنَ الصَّنائِعِ الطَّبِيعِيَّةِ لَكِنَّ العِلْمَ بِها مِن أقاصِي العُلُومِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا مَن أهَّلَهُ اللَّهُ تَعالى لَها واخْتَصَّهُ سُبْحانَهُ مِن عِبادِهِ وأوْلِيائِهِ بِها وهو عِلْمٌ تاهَتْ في طَلَبِهِ العُقُولُ وطاشَتِ الأحْلامُ، وأصْلُهُ مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ وحَصَلَ لِبَعْضٍ بِالتَّصْفِيَةِ وكَثْرَةِ النَّظَرِ مَعَ التَّجْرِبَةِ ووَصَلَ إلى مَن لَيْسَ أهْلًا لِلْوَحْيِ ولَمْ يَتَعاطَ ما تَعاطاهُ البَعْضُ بِالتَّعَلُّمِ مِمَّنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ، وقالَ أرْسٌ: وهو مِن أجِلَّةِ أهْلِ هَذا العِلْمِ كانَ أوَّلُهُ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ دَرَسَ وبادَ فاسْتَخْرَجَهُ مَنِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الكُتُبِ وقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى فِيمَن ظَفِرَ بِهِ بِكَتْمِهِ إلّا عَلى مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى وتَواصَتِ الحُكَماءُ عَلى كَتْمِهِ عَنْ غَيْرِ أهْلِهِ بَلْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ عَلى العُقُولِ في فِطْرَتِها المَواثِيقَ

صفحة 118

بِكِتْمانِهِ وصِيانَتِهِ والِاحْتِراسِ مِن إذاعَتِهِ وإضاعَتِهِ ولِذا تَرى الحُكَماءَ قَدْ ألْغَزُوهُ نِهايَةَ الألْغازِ وأغْمَضُوهُ غايَةَ الإغْماضِ حَتّى عَدَّ كَلامَهم مَن لَمْ يَعْرِفْ مَرامَهم حَدِيثَ خُرافَةٍ وحَكَمَ عَلى قائِلِهِ بِالسَّفَهِ والسَّخافَةِ وبِهَذا الكَتْمِ حَفِظَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي زَعَمَها ابْنُ خَلْدُونٍ في النَّقْدَيْنِ وسَقَطَ اسْتِدْلالُهُ الَّذِي سَمِعْتَهُ فِيما مَرَّ.

وقَدْ نَصَّ جابِرُ بْنُ حَيّانَ وهو إمامٌ في هَذِهِ الصَّنْعَةِ وإنْكارُ أنَّهُ كانَ مَوْجُودًا حُمْقٌ في كِتابِهِ سِرُّ الأسْرارِ عَلى ما قُلْنا حَيْثُ قالَ: كُلُّ حَكِيمٍ وضَعَ رَمْزَهُ وكِتابَهُ عَلى مَعْنًى مُبْهَمٍ مِن وضْعِ الحَلِّ والإصْعادِ والغَسْلِ عَلى أرْبَعِ طَبائِعَ وسَمّاها الأجْسادَ الثِّقالَ ووَصَفَ التَّدابِيرَ عَلى لَفْظٍ ومَعْنًى مُشْتَبِهٍ، فَهو عِنْدَ الحَكِيمِ مَفْتُوحٌ، وعِنْدَ الجَهَلَةِ مُغْلَقٌ، ورُبَّما تَعَدَّوْا إلى أخْذِ تِلْكَ الأجْسادِ بِعَيْنِها واخْتَبَرُوها ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِها، وشَتَمُوا الحُكَماءَ عَلى كِتْمانِهِمْ هَذا العَمَلَ وإنَّما عِمارَةُ الدُّنْيا بِالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ وإنَّ النّاسَ الصُّنّاعَ والمُقاتِلَةَ لا يَعْمَلُونَ إلّا لِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ فَعَلِمُوا أنَّهم إنْ أفْشَوْا هَذا السِّرَّ حَتّى يَعْلَمَهُ كُلُّ أحَدٍ لَمْ يَتِمَّ أمْرُ الدُّنْيا وخَرِبَتْ، ولَمْ يَعْمَلْ أحَدٌ لِأحَدٍ فَخَرَجُوا مِن ذَلِكَ وكَتَمُوهُ اهـ. ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ما ذَكَّرَهُ ابْنُ خَلْدُونٍ أوَّلًا مِن أنَّ الِاسْتِحالَةَ لِعَدَمِ الإحاطَةِ إذا ثَبَتَ أنَّها كانَتْ عَنْ وحْيٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ عَلى أنَّ فِيهِ ما فِيهِ وإنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، ومِثْلُ ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الطَّبِيعَةَ لا تَتْرُكُ أقْرَبَ الطُّرُقِ في أفْعالِها وتَرْتَكِبُ الأبْعَدَ، لِأنّا نَقُولُ ما يَحْصُلُ مِنَ الطَّبائِعِ أيْضًا، فَيَكُونُ لَها طَرِيقانِ بِعِيدٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ تَسْلُكَهُ غالِبًا وقَرِيبٌ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أيْضًا أنْ تَسْلُكَهُ نادِرًا بِواسِطَةِ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ، وكَوْنُ المُنْتَحِلِينَ لَمْ يَزالُوا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْواءَ إنْ أرادَ بِهِمْ أئِمَّةُ هَذِهِ الصِّناعَةَ كَهُرْمُسَ وسُقْراطَ وأفْلاطُونَ وأغارِيمُونَ وفِيثاغُورْسَ، وهِرَقْلَ، وفَرْفُورِيُوسَ، ومارِيَةَ، وذُوسِيمُوسَ، وأرْسٍ، وذُو مِقْراطَ، وسَفِيدُوسَ، وبَلِيناسَ، ومَهْرارِيسَ، وجابِرِ بْنِ حَيّانَ، والمَجْرِيطِيِّ، وأبُو بَكْرِ بْنُ وحْشِيَّةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيّا الرّازِيِّ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً فَهم لَمْ يَخْبِطُوا، ودُونَ إثْباتِ خَبْطِهِمْ خَرْطَ القَتادِ، وإلْغازِهِمْ لِنُكْتَةٍ صَرَّحُوا بِها لا يَدُلُّ عَلى خَبْطِهِمْ، وإنْ أرادَ بِهِمْ مَن يَتَعاطاها مِنَ المَشّاقِينَ في عَصْرِهِ وفي هَذِهِ الأعْصارِ فَما ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ في أكْثَرِهِمْ وهو لا يَطْعَنُ في إمْكانِها. وقَدْ ذَمَّ الطُّغْرائِيُّ هَذا الصِّنْفَ مِنَ النّاسِ فَقالَ في كِتابِهِ تَراكِيبُ الأنْوارِ: إنَّ المُعَلِّمَ النّاصِحَ مَوْجُودٌ في كُلِّ صَنْعَةٍ إلّا في هَذا الفَنِّ، وكَيْفَ يُرْجى النُّصْحُ عِنْدَ قَوْمٍ يُسَمَّوْنَ فِيما بَيْنَهم بِالحَسَدَةِ وتَحالَفُوا فِيما بَيْنَهم أنْ لا يُوَضِّحُوا هَذِهِ السَّرائِرَ أبَدًا لا سِيَّما في هَذا الزَّمانِ الَّذِي قَدْ بادَ فِيهِ هَذا العِلْمُ جُمْلَةً وصارَ المُتَعَرِّضُ لَهُ والباحِثُ عَنْهُ عِنْدَ النّاسِ مَسْخَرَةً وقَدْ عُنِيتُ بُرْهَةً مِنَ الزَّمانِ أبْحَثُ عَنْ كُلِّ مَن يَظُنُّ أنَّ عِنْدَهُ طَرَفًا مِن هَذا العِلْمِ فَما وجَدْتُ أحَدًا شُمَّ لَهُ رائِحَةٌ ولا عُرِفَ مِنهُ شَطْرُ كَلِمَةٍ، ووَجَدْتُ مُنْتَحِلِي هَذِهِ الصَّنْعَةِ الشَّرِيفَةِ بَيْنَ خادِعٍ يَبِيعُ دِينَهُ ومُرُوءَتُهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيا قَلِيلٍ ويُتْلِفُ أمْوالَ النّاسِ بِالتَّجارِبِ الصّادِرَةِ عَنِ الجَهْلِ، وبَيْنَ مَخْدُوعٍ مَأْخُوذٍ عَنْ رُشْدِهِ بِالأمَلِ الخائِبِ والطَّمَعِ الكاذِبِ والتَّشاغُلِ بِالباطِلِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ الجَمِيلِ والتَّعْوِيلِ عَلى الأمانِيِّ والأكاذِيبِ. قُصارى أحَدِهِمْ أنْ يَنْظُرَ في كُتُبِ جابِرٍ وأضْرابِهِ فَيَأْخُذُ بِظَواهِرِ كَلامِهِمْ، ويَغْتَرُّ بِجَلايا دَعاوِيهِمْ دُونَ حَقائِقِ مَعانِيهِمْ وهم وجَمِيعُ مَن مَضى مِن حُكَماءِ هَذِهِ الصَّنْعَةِ يُحَذِّرُونَ النّاسَ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظَواهِرِ كُتُبِهِمْ، ويُنادُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم يَرْمُزُونَ ويُلْغِزُونَ ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِهِمْ ولا يُصَدَّقُونَ إلى آخِرِ ما قالَ. وقَدْ تَفاقَمَ الأمْرُ في زَمانِنا إلى ما لا تَتَّسِعُ العِبارَةُ لِشَرْحِهِ، وكَوْنُ الكِيمْياءِ مِن تَأْثِيراتِ النُّفُوسِ وخَوارِقِ العاداتِ فَلا تَكُونُ إلّا مُعْجِزَةً أوْ

صفحة 119

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском