Al-AlusiAl‑Qasas · 28:82–85

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:82–85

28:82Page 395

وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٢

And those who had wished for his position the previous day began to say, "Oh, how Allāh extends provision to whom He wills of His servants and restricts it! If not that Allāh had conferred favor on us, He would have caused it to swallow us. Oh, how the disbelievers do not succeed!"

﴿وأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ﴾ أيْ مِثْلَ

صفحة 124

مَكانِهِ ومَنزِلَتِهِ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ مِثْلَ ما أُوتِيَ، وجَوَّزَ كَوْنَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ (ومِثْلَ) هُناكَ مُقْحَمَةٌ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿بِالأمْسِ﴾ مُنْذُ زَمانٍ قَرِيبٍ وهو مَجازٌ شائِعٌ، وجَوَّزَ حَمْلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمَنَّوْا أوْ بِمَكانِهِ، قِيلَ: والعَطْفُ بِالفاءِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ في ﴿فَخَسَفْنا﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

وفِي البَحْرِ دَلَّ أصْبَحَ إذا حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ عَلى أنَّ الخَسْفَ بِهِ وبِدارِهِ كانَ لَيْلًا وهو أفْظَعُ العَذابِ إذِ اللَّيْلُ مَقَرُّ الرّاحَةِ والسُّكُونِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي بِمَعْنى صارَ أيْ صارَ المُتَمَنُّونَ.

﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ أيْ يَفْعَلُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ أيِ التَّضْيِيقِ والقَتْرِ لا لِكَرامَةٍ تُوجِبُ البَسْطَ ولا لِهَوانٍ يُوجِبُ التَّضْيِيقَ، ووَيْ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ اسْمُ فِعْلٍ ومَعْناها أعْجَبُ وتَكُونُ لِلتَّحَسُّرِ والتَّنَدُّمِ أيْضًا كَما صَرَّحُوا بِهِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّ القَوْمَ نَدِمُوا فَقالُوا مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم «ويْ» وكُلُّ مَن نَدِمَ وأرادَ إظْهارَ نَدَمِهِ قالَ «ويْ» ولَعَلَّ الأظْهَرَ إرادَةُ التَّعَجُّبِ بِأنْ يَكُونُوا تَعَجَّبُوا أوَّلًا مِمّا وقَعَ وقالُوا ثانِيًا كَأنَّ إلَخْ وكَأنَّ فِيهِ عارِيَةٌ عَنْ مَعْنى التَّشْبِيهِ جِيءَ بِها لِلتَّحْقِيقِ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هِشامٌ

وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ:

كَأنَّنِي حِينَ أُمْسِي لا تُكَلِّمُنِي ∗∗∗ مُتَيَّمٌ يَشْتَهِي ما لَيْسَ مَوْجُودًا

وقِيلَ: هي غَيْرُ عارِيَةٍ عَنْ ذَلِكَ، والمُرادُ تَشْبِيهُ الحالِ المُطْلَقُ بِما في حَيِّزِها إشارَةً إلى أنَّهُ لِتَحَقُّقِهِ وشُهْرَتِهِ يَصْلُحُ أنْ يُشَبَّهَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ وهو كَما تَرى وزَعَمَ الهَمْدانِيُّ أنَّ الخَلِيلَ ذَهَبَ إلى أنَّ «ويْ» لِلتَّنَدُّمِ وكَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ والمَعْنى نَدِمُوا مُتَعَجِّبِينَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى يَبْسُطُ إلَخْ، وفِيهِ أنَّ كَوْنَ كَأنَّ لِلتَّعَجُّبِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ، وأيًّا ما كانَ فالوَقْفُ كَما في البَحْرِ عَلى (ويْ والقِياسُ كِتابَتُها مَفْصُولَةً وكُتِبَتْ مُتَّصِلَةً بِالكافِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وقَدْ كُتِبَتْ عَلى القِياسِ في قَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:

ويْ كَأنَّ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْ ∗∗∗ بَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضَرِّ

وقالَ الأخْفَشُ: الكافُ مُتَّصِلَةٌ بِها وهي اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أعْجَبُ والكافُ حَرْفُ خِطابٍ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ كَما قالُوا في ذَلِكَ ونَحْوِهِ، والوَقْفُ عَلى ويْكَ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:

ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ قِيلُ الفَوارِسِ ويْكَ عَنْتَرَ أقْدِمِ

و(أنْ عِنْدَهُ مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ العِلْمِ أيْ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ إلَخْ، وذَهَبُ الكِسائِيُّ ويُونُسُ وأبُو حاتِمٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ أصْلَهُ ويْلَكَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ اللّامِ فَبَقِيَ ويْكَ، وهي لِلرَّدْعِ والزَّجْرِ والبَعْثِ عَلى تَرْكِ ما لا يَرْضى، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي كَلِمَةُ تَحَزُّنٍ وأنْشَدَ في التَّحْقِيقِ قَوْلَهُ:

ألا ويْكَ المَضَرَّةُ لا تَدُومُ ∗∗∗ ولا يَبْقى عَلى البُؤْسِ النَّعِيمُ

والكافُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ جَرٍّ بِالإضافَةِ، والعامِلُ في أنَّ فِعْلُ العِلْمِ المُقَدَّرِ كَما سَمِعْتَ أوْ هو بِتَقْدِيرٍ لِأنَّ عَلى أنَّهُ بَيانٌ لِلسَّبَبِ الَّذِي قِيلَ لِأجْلِهِ ويْكَ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَعْنى ويْكَ رَحْمَةٌ لَكَ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقالَ الفَرّاءُ: ويْكَ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: ألا تَرى إلى صُنْعِ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وفِرْقَةٌ

صفحة 125

مَعَهُ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ويْكَأنَّ حَرْفٌ واحِدٌ بِجُمْلَتِهِ وهو بِمَعْنى ألَمْ تَرَ.

﴿لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ بِعَدَمِ إعْطائِهِ تَعالى ما تَمَنَّيْناهُ مِن إعْطائِنا مِثْلَ ما أعْطاهُ قارُونَ ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ أيِ الأرْضَ كَما خُسِفَ بِهِ أوْ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ تَقْصِيرِنا في تَمَنِّينا ذَلِكَ لَخَسَفَ بِنا جَزاءَ ذَلِكَ كَما خَسَفَ بِهِ جَزاءَ ما كانَ عَلَيْهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «لَوْلا (مَنَّ)» بِحَذْفِ (أنْ) وهي مُرادَةٌ، ورُوِيَ عَنْهُ مَنُّ اللَّهِ بِرَفْعِ مَنُّ والإضافَةِ.

وقَرَأ الأكْثَرُ «لَخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ (وبِنا) هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المَصْدَرِ أيْ لَخَسَفَ هو أيِ الخَسْفَ بِنا عَلى مَعْنى لَفَعَلَ الخَسْفَ بِنا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ «لانْخُسِفَ بِنا» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْضًا (وبِنا) أوْ ضَمِيرُ المَصْدَرِ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ، وعَنْهُ أيْضًا «(لَتُخُسِّفَ)» بِتاءٍ وشَدِّ السِّينِ (مَبْنِيًّا) لِلْمَفْعُولِ ﴿ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى أوِ المُكَذِّبُونَ بِرُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبِما وُعِدُوا مِن ثَوابِ الآخِرَةِ، والكَلامُ فِي- ويْكَأنَّ- هُنا كَما تَقَدَّمَ بَيْدَ أنَّهُ جَوَّزَ هُنا أنْ يَكُونَ لِأنَّ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ بِقَرِينَةِ السِّياقِ أيْ لِأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ فِعْلَ ذَلِكَ أيِ الخَسْفَ بِقارُونَ، واعْتِبارُ نَظِيرِهِ فِيما سَبَقَ دُونَ اعْتِبارِ هَذا هُنا، وضَمِيرُ ويْكَأنَّهُ لِلشَّأْنِ.

هَذا وفي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ قِصَّةَ قارُونَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى﴾ [القَصَصِ: 3] عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى﴾، وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ خِزْيُ الكُفّارِ وافْتِضاحُهم يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ تَعالى عَقِيبَهُ أنَّ قارُونَ مِن جُمْلَتِهِمْ وأنَّهُ يَفْتَضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما افْتَضَحَ في الدُّنْيا، ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ قَوْلَ أهْلِ العِلْمِ﴿ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾

28:83Page 395

تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣

That home of the Hereafter We assign to those who do not desire exaltedness upon the earth or corruption. And the [best] outcome is for the righteous.

ذَكَرَ مَحَلَّ ذَلِكَ الثَّوابِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ مُشِيرًا إشارَةَ تَعْظِيمٍ وتَفْخِيمٍ إلى ما نَزَلَ لِشُهْرَتِهِ مَنزِلَةَ المَحْسُوسِ المُشاهَدِ كَأنَّهُ قِيلَ:

تِلْكَ الَّتِي سَمِعْتَ خَبَرَها وبَلَغَكَ وصْفُها، (والدّارُ) صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ الواقِعِ مُبْتَدَأً وهو يُوصَفُ بِالجامِدِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَعِيمُ الدّارِ كَما يُوهِمُهُ كَلامُ البَحْرِ، (والآخِرَةُ) صِفَةٌ لِلدّارِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ﴾ أيْ غَلَبَةً وتَسَلُّطًا ﴿ولا فَسادًا﴾ أيْ ظُلْمًا وعُدْوانًا عَلى العِبادِ كَدَأْبِ فِرْعَوْنَ وقارُونَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ مَخْصُوصًا بِهِما، وفي إعادَةِ لا إشارَةٌ إلى أنَّ كُلًّا مِنَ العُلُوِّ والفَسادِ مَقْصُودٌ بِالنَّفْيِ، وفي تَعْلِيقِ المَوْعِدِ بِتَرْكِ إرادَتِهِما لا بِتَرْكِ أنْفُسِهِما مِن مَزِيدِ تَحْذِيرٍ مِنهُما.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: العُلُوُّ في الأرْضِ التَّكَبُّرُ وطَلَبُ الشَّرَفِ والمَنزِلَةِ عِنْدَ سَلاطِينِها ومُلُوكِها والفَسادُ العَمَلُ بِالمَعاصِي وأخْذُ المالِ بِغَيْرِ حَقِّهِ.

وعَنِ الكَلْبِيِّ العُلُوُّ الِاسْتِكْبارُ عَنِ الإيمانِ والفَسادُ الدُّعاءُ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ تَفْسِيرُ العُلُوِّ بِما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ،

صفحة 126

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَمْشِي في الأسْواقِ وحْدَهُ وهو والٍ يُرْشِدُ الضّالَّ ويُعِينُ الضَّعِيفَ ويَمُرُّ بِالبَقّالِ والبَيّاعِ فَيَفْتَتِحُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ويَقْرَأُ تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ إلى آخِرِها، ويَقُولُ:

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ إلَخْ، في أهْلِ العَدْنِ والتَّواضُعِ مِنَ الوُلاةِ وأهْلِ القُدْرَةِ مِن سائِرِ النّاسِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ أنَّهُ لَمّا دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ألْقى إلَيْهِ وِسادَةً فَجَلَسَ عَلى الأرْضِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشْهَدُ أنَّكَ لا تَبْغِي عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا

فَأسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ،» وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ذَهَبَتِ الأمانِيُّ هاهُنا، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ يُرَدِّدُها حَتّى قُبِضَ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أنْ يَكُونَ شِسْعُ نَعْلِهِ أجْوَدَ مِن شِسْعِ نَعْلِ صاحِبِهِ فَيَدْخُلَ في هَذِهِ الآيَةِ.

ولَعَلَّ هَذا إذا أحَبَّ ذَلِكَ لِيَفْتَخِرَ عَلى صاحِبِهِ ويَسْتَهِينَهُ وإلّا

فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ جَمِيلًا فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ حُبِّبَ (إلَيَّ) الجَمالُ وأُعْطِيتُ مِنهُ ما تَرى حَتّى ما أُحِبُّ أنْ يَفُوقَنِي أحَدٌ إمّا قالَ بِشِراكِ نَعْلٍ وإمّا قالَ بِشِسْعِ نَعْلٍ أفَمِنَ الكِبْرِ ذَلِكَ؟ قالَ لا ولَكِنَّ الكِبْرَ مَن بَطَرَ الحَقَّ وغَمَطَ النّاسَ».

ورَوى مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبِرٍ. فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنًا. قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النّاسِ»».

واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ بِناءً عَلى عُمُومِ العُلُوِّ والفَسادِ فِيها عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ في النّارِ، وفي الكَشّافِ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، والتَزَمَ بَعْضُهم في الجَوابِ تَفْسِيرَ العُلُوِّ والفَسادِ بِما فَسَّرَهُما بِهِ الكَلْبِيُّ وآخَرُ أنَّ المُرادَ بِهِما ما يَكُونُ مِثْلَ العُلُوِّ والفَسادِ اللَّذَيْنِ كانا مِن فِرْعَوْنَ وقارُونَ. ورُدَّ بِأنَّ التَّذْيِيلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هي التَّقْوى ولا يَكْفِي تَرْكُ العُلُوِّ والفَسادِ المُقَيَّدَيْنِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ المُتَّقِيَ هاهُنا هو المُتَّقِي مِن عُلُوِّ فِرْعَوْنَ وفَسادِ قارُونَ أوْ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْلَ فِرْعَوْنَ في الِاسْتِكْبارِ عَلى اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ امْتِثالِ أوامِرِهِ والِارْتِداعِ عَنْ زَواجِرِهِ ولَمْ يَكُنْ مِثْلَ قارُونَ في إرادَةِ الفَسادِ في الأرْضِ وإخْراجِ كُلِّ شَيْءٍ مِن كَوْنِهِ مُنْتَفِعًا بِهِ لا سِيَّما نَفْسَهُ فَإنَّ غايَةَ إفْسادِها الِامْتِناعُ مِن عِبادَةِ رَبِّها لِأنَّها خُلِقَتْ لِلْعِبادَةِ فَإذا امْتَنَعَ عَنْها خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِها مُنْتَفِعًا بِها ولَيْسَ مَعْنى المُتَّقِي إلّا ذَلِكَ. وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ الأوَّلَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ والثّانِي هو الَّذِي يَسْعى لَهُ المُعْتَزِلِيُّ، وقالَ الفاضِلُ الخَفاجِيُّ: إمّا أنْ يُرادَ بِالعاقِبَةِ المَحْمُودَةِ عَلى وجْهِ الكَمالِ أوْ يُرادُ بِالمُتَّقِي المُتَّقِي ما لا يَرْضاهُ اللَّهُ تَعالى مِثْلَ حالِ قارُونَ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ غَيْرَ الكُفّارِ لا يَخْلُدُ في النّارِ فَلا وجْهَ لِلْقَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ مَعَ أنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّخْصِيصِ وهو مَمْنُوعٌ، وقالَ بَعْضٌ في الجَوابِ عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ العُمُومِ في عُلُوًّا وفَسادًا: إنَّ المُرادَ مِن جَعْلِ الجَنَّةِ لِلَّذِينِ لا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنهُما تَمْكِينُهم مِنها أتَمَّ تَمْكِينٍ نَحْوَ قَوْلِكَ: جَعَلَ السُّلْطانُ بَلَدَ كَذا لِفُلانٍ وذَلِكَ لا يُنافِي أنْ يَدْخُلَها غَيْرُهم مِن مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ ويَكُونُ فِيها بِمَنزِلَةٍ دُونَ مَنزِلَتِهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما دَخَلَها بِشَفاعَةِ بَعْضٍ مِنهُمْ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ جَعْلَها لَهم بِاعْتِبارِ أنَّهم أهْلُها الأوَّلُونَ ومُلُوكُها السّابِقُونَ وغَيْرُهم إنَّما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ ويَنْزِلُ بِهِمْ ويُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ نَحْوَ ما مَرَّ آنِفًا عَنِ الخَفاجِيِّ. بَقِيَ في الآيَةِ كَلامٌ آخَرُ، وهو أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَدَلَّ بِها عَلى عَدَمِ وُجُودِ الجَنَّةِ اليَوْمَ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ﴾ إلَخْ نَخْلُقُها في المُسْتَقْبَلِ لِأجْلِهِمْ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ﴾ إلَخْ فَيَصِيرُ المَعْنى نَجْعَلُها كائِنَةً وحاصِلَةً لَهم في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ جَعْلَها كائِنَةً لَهم غَيْرُ حاصِلٍ الآنَ لا جَعْلُها نَفْسِها

صفحة 127

وهُوَ مَحَلُّ النِّزاعِ، ودُفِعَ بِأنَّ المُتَبادِرَ مِن جَعْلِ الدّارِ كائِنَةً لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ وعَدَمُ مَنعِهِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها سَواءٌ حَصَلَ لَهُ التَّمَكُّنُ فِيها أوْ لَمْ يَحْصُلْ، فَمَعْنى ﴿نَجْعَلُها لِلَّذِينَ﴾ إلَخْ تَمَكُّنُهم في الِاسْتِقْبالِ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها، ولا يَخْفى رَكاكَتُهُ لِأنَّ التَّمْكِينَ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لازِمٌ لِوُجُودِها غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ فَلا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ نَفْسُ الجَنَّةِ الآنَ ويَكُونُ جَعَلَها كائِنَةً لَهم في الِاسْتِقْبالِ، وحَمَلَ الجَعْلَ عَلى التَّمَكُّنِ بِالفِعْلِ والتَّمْكِينِ مِنَ التَّمَكُّنِ وإنْ كانَ لازِمًا لِوُجُودِ الجَنَّةِ لَكِنَّ التَّمَكُّنَ فِيها بِالفِعْلِ غَيْرُ لازِمٍ بَلْ يَكُونُ فِيما سَيَجِيءُ عُدُولٌ عَنِ المُتَبادَرِ فَإنَّ المُتَبادَرَ مِن قَوْلِكَ: جَعْلُكَ الدّارَ لِزَيْدٍ تَمْكِينُهُ مِنَ التَّمَكُّنِ فِيها لا جُعِلَ زَيْدٌ مُتَمَكِّنًا فِيها بِالفِعْلِ فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ كُلَّهُ

28:84Page 395

مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٨٤

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have better than it; and whoever comes with an evil deed - then those who did evil deeds will not be recompensed except [as much as] what they used to do.

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ﴾ بِمُقابَلَتِها ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ ذاتًا ووَصْفًا وقَدْرًا عَلى ما قِيلَ، وجَوَّزَ كَوْنَ (خَيْرٌ) واحِدَ الخُيُورِ ولَيْسَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ (ومِن) سَبَبِيَّةٌ أيْ فَلَهُ خَيْرٌ بِسَبَبِ فِعْلِها وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ وضَعَ فِيهِ المَوْصُولَ والظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَهْجِينِ حالِ المُسِيئِينَ بِتَكْرِيرِ إسْنادِ السَّيِّئَةِ إلَيْهِمْ، وفي جَمْعِ السَّيِّئاتِ دُونَ الحَسَنَةِ قِيلَ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ المُحْسِنِينَ وكَثْرَةِ المُسِيئِينَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ ضَمَّ السَّيِّئَةِ إلى السَّيِّئَةِ لا يَزِيدُ جَزاءَها بَلْ جَزاؤُها إذا انْفَرَدَتْ مِثْلُ جَزائِها إذا انْضَمَّ إلَيْها غَيْرُها وأنَّ عَدَمَ ضَمِّ الحَسَنَةِ إلى الحَسَنَةِ لا يُؤَثِّرُ في مُقابَلَتِها بِما هو خَيْرٌ مِنها، ولَعَلَّ قِلَّةَ المُحْسِنِينَ تُفْهَمُ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ في (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ وكَثْرَةُ المُسِيئِينَ تُفْهَمُ مِنِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ فِيها إذِ المَوْصُولُ قائِمٌ مَقامَ ضَمِيرِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ إلّا مِثْلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَحُذِفَ المِثْلُ وأُقِيمَ مَقامَهُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مُبالَغَةً في المُماثَلَةِ، وهَذا لُطْفٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ إذْ ضاعَفَ الحَسَنَةَ ولَمْ يَرْضَ بِزِيادَةِ جَزاءِ السَّيِّئَةِ مِقْدارَ ذَرَّةٍ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ المُضافِ فَإنَّ أعْمالَهم أنْفُسَها تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ ما يُعَذَّبُونَ بِهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وفي ذِكْرِ عَمِلُوا ثانِيًا دُونَ جاؤُوا إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُجْزَوْنَ عَلَيْهِ ما كانَ عَنْ قَصْدٍ لِأنَّ العَمَلَ يَخُصُّهُ كَما قالَ الرّاغِبُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ﴾ [الكَهْفِ

: 9] الآيَةَ أنَّ في التَّعْبِيرِ بِـ جاءَ دُونَ عَمِلَ بِأنْ يُقالَ: مَن عَمِلَ الحَسَنَةَ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها ومَن عَمِلَ السَّيِّئَةَ إلَخْ دَلالَةً عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ أيْ والعِقابُ مُسْتَفادٌ مِنَ الخاتِمَةِ لا مِن أوَّلِ العَمَلِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مَضى عُمْرُهُ في الكُفْرِ ثُمَّ أسْلَمَ في آخِرِ الأمْرِ كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ وبِالضِّدِّ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ التَّعْبِيرِ بِـ عَمِلُوا ثانِيًا تَتَأتّى عَلَيْهِ أيْضًا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُجْزى﴾ إلَخْ دُونَ فَلِلَّذِينِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أوْ فَما لِلَّذِينِ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ العَفْوُ عَنِ العِقابِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ التَّنْزِيلِ ما أكْثَرَ أسْرارَهُ، واسْتَشْكَلَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ مِن أنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ مِثْلُها بِأنَّ مَن كَفَرَ فَماتَ عَلى الكُفْرِ يُعَذَّبُ عَذابَ الأبَدِ، وأيْنَ هو مِن كُفْرِ ساعَةٍ؟ وأُجِيبُ بِأنَّ أمْرَ المُماثَلَةِ مَجْهُولٌ لَنا لا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِنَفْيِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيِّينَ لِلْأفْعالِ، وقُصارى ما نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ ذَنْبٍ جَزاءً أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ مُماثِلٌ لَهُ، وقَدْ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ جَزاءَ الكُفْرِ عَذابُ الأبَدِ فَنُؤْمِنُ بِهِ وبِأنَّهُ مِمّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وما عَلَيْنا إذا لَمْ نَعْلَمْ جِهَةَ المُماثَلَةِ ووَجْهَ الحِكْمَةِ فِيهِ، وكَذا يُقالُ في الذُّنُوبِ الَّتِي شَرَعَ اللَّهُ تَعالى لَها حُدُودًا في الدُّنْيا كالزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ وقَذْفِ المُحْصَنِ وحُدُودَها الَّتِي شَرَعَها جَلَّ شَأْنُهُ لَها

صفحة 128

فَإنّا لا نَعْلَمُ وجْهَ تَخْصِيصِ كُلِّ ذَنْبٍ مِنها بِحَدٍّ مَخْصُوصٍ مِن تِلْكَ الحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ لَكِنّا نُجْزِمُ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنِ الحِكْمَةِ، وأجابَ الإمامُ عَنْ مَسْألَةِ الكُفْرِ وعَذابِ الأبَدِ بِأنَّ ذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ كانَ عازِمًا أنَّهُ لَوْ عاشَ إلى الأبَدِ لَبَقِيَ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ، وقِيلَ: في وجْهِ تَعْذِيبِ الكافِرِ أبَدَ الآبادِ إنَّ جَزاءَ المَعْصِيَةِ يَتَفاوَتُ حَسَبَ تَفاوُتِ عَظَمَةِ المَعْصِيِّ فَكُلَّما كانَ المَعْصِيُّ أعْظَمَ كانَ الجَزاءُ أعْظَمَ، فَحَيْثُ كانَ الكُفْرُ مَعْصِيَةَ مَن لا تَتَناهى عَظَمَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ كانَ جَزاؤُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ، وقِياسُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ جَزاءُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِيما عَدا الكُفْرَ فَضْلًا مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ لِمَكانِ الإيمانِ، وقِيلَ أيْضًا: إنْ كُلَّ كُفْرٍ قَوْلًا كانَ أوْ فِعْلًا يَعُودُ إلى نِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ المُنافِي لِوُجُوبِ الوُجُودِ المُقْتَضِي لِوُجُودِهِ سُبْحانَهُ أزَلًا وأبَدًا وإذا تُوُهِّمَ هُناكَ زَمانٌ مُمْتَدٌّ كانَ غَيْرَ مُتَناهٍ فَحَيْثُ كانَ الكُفْرُ مُسْتَلْزِمًا نَفْيَ وُجُودِهِ تَعالى شَأْنُهُ فِيما لا يَتَناهى كانَ جَزاؤُهُ غَيْرَ مُتَناهٍ ولا كَذَلِكَ سائِرُ المَعاصِي فَتَدَبَّرْ.

28:85Page 396

إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٨٥

Indeed, [O Muḥammad], He who imposed upon you the Qur’ān will take you back to a place of return.1 Say, "My Lord is most knowing of who brings guidance and who is in clear error."

﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ أيْ أوْجَبَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِهِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وعَنْ مُجاهِدٍ أيْ أعْطاكَهُ، وعَنْ مُقاتِلٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ أيْ أنْزَلَهُ عَلَيْكَ والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ.

﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾ أيْ إلى مَحَلٍّ عَظِيمِ القَدْرِ اعْتَدْتَ بِهِ وألِفْتَهُ عَلى أنَّهُ مِنَ العادَةِ لا مِنَ العَوْدِ، وهو كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَكَّةُ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ والضَّحّاكِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ العَوْدِ، والمُرادُ بِهِ مَكَّةُ أيْضًا بِناءً عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ عَنِ القُتَيْبِيِّ أنَّ مَعادَ الرَّجُلِ بَلَدُهُ لِأنَّهُ يَتَصَرَّفُ في البِلادِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ، وقَدْ يُقالُ: أطْلَقَ المَعادَ عَلى مَكَّةَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَعُودُ إلَيْها في كُلِّ سَنَةٍ لِمَكانِ البَيْتِ فِيها، وهَذا وعْدٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُهاجِرُ مِنها ويَعُودُ إلَيْها، ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالجُحْفَةِ بَعْدَ أنْ خَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا واشْتاقَ إلَيْها، ووَجْهُ ارْتِباطِها بِما تَقَدَّمَها تَضَمُّنُها الوَعْدَ بِالعاقِبَةِ الحُسْنى في الدُّنْيا كَما تَضَمَّنَ ما قَبْلَها الوَعْدَ بِالعاقِبَةِ الحُسْنى في الآخِرَةِ.

وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمِهِ مَعَ قارُونَ وبَغْيِهِ واسْتِطالَتِهِ عَلَيْهِمْ وهَلاكِهِ ونُصْرَةِ أهْلِ الحَقِّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هُنا ما يَتَضَمَّنُ قِصَّةَ سَيِّدِنا صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وأصْحابِهِ مَعَ قَوْمِهِ واسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ وإخْراجِهِمْ إيّاهُ مِن مَسْقَطِ رَأْسِهِ ثُمَّ إعْزازِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإعادَةِ إلى مَكَّةَ وفَتْحِهِ إيّاها مَنصُورًا مُكَرَّمًا ووَسَّطَ سُبْحانَهُ بَيْنَهُما ما هو كالتَّخَلُّصِ مِنَ الأوَّلِ إلى الثّانِي.

وأخْرَجَ الحاكِمُ في التّارِيخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ (عَلِيٍّ كَرَّمَ) اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ فَسَّرَ المَعادَ بِالجَنَّةِ، وأخْرَجَ تَفْسِيرَهُ بِها ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتَّنْكِيرُ عَلَيْهِ لِلتَّعْظِيمِ أيْضًا، ووَجْهُ ارْتِباطِ الآيَةِ بِما قَبْلَها أنَّها كالتَّصْرِيحِ بِبَعْضِ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ.

واسْتَشْكَلَ رَدُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الجَنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي سابِقِيَّةِ كَوْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها مَعَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَكُنْ فِيها.

صفحة 129

وأُجِيبُ بِالتِزامِ السّابِقِيَّةِ المَذْكُورَةِ ويَكْفِي فِيها كَوْنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيها بِالقُوَّةِ إذْ كانَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ كانَ فِيها، وقِيلَ: إنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا كانَ مُسْتَعِدًّا لَها مِن قَبْلُ كانَ كَأنَّهُ كانَ فِيها فالسّابِقِيَّةُ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ [الصّافّاتِ: 68] ولا يَخْفى ما في كِلا القَوْلَيْنِ مِنَ البُعْدِ، وقَرِيبٌ مِنهُما ما قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَخَلَها لَيْلَةَ المِعْراجِ، وقَدْ يُقالُ: إنْ تَفْسِيرَهُ بِالجَنَّةِ بَيانٌ لِبَعْضِ ما يُشْعِرُ بِهِ المَعادُ بِأنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَحْشَرِ فَقَدْ صارَ كالحَقِيقَةِ فِيهِ لِأنَّهُ ابْتِداءُ العَوْدِ إلى الحَياةِ الَّتِي كانَ المَعادُ عَلَيْها وجَعْلُهُ عَظِيمًا كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّنْوِينُ لِعَظَمَةِ ما لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ ومِنهُ الجَنَّةُ، فالمَعادُ بِواسِطَةِ تَنْوِينِهِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ يُشْعِرُ بِالجَنَّةِ لِأنَّها الحاوِيَةُ مِمّا أُعِدَّ لَهُ ﷺ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقَرِيبٌ مِن تَفْسِيرِهِ بِالمَحْشَرِ تَفْسِيرُهُ بِالآخِرَةِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وتَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ القِيامَةِ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ إلّا أنَّهُ عَلى ما ذُكِرَ اسْمُ زَمانٍ، وعَلى ما تَقَدَّمَ اسْمُ مَكانٍ. ومِمّا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى المَحْشَرِ أوِ الآخِرَةِ أوْ يَوْمَ القِيامَةِ ما أخْرَجَهُ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّ لَهُ مَعادًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، ويَتَخَرَّجُ عَلى نَحْوِ ما قُلْنا تَفْسِيرُهُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ وهو مَقامُ الشَّفاعَةِ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ.

وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى رَواها عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أيْضًا تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، ورَواها مَعَهُما عَنِ الحَبْرِ الفِرْيابِيِّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وكَوْنُهُ مَعادًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: 28] ولَعَلَّ تَعْظِيمَهُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ بابٌ لِوُصُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَهُ مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ والمَنزِلَةِ العُلْيا في الجَنَّةِ إلى ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وجُلُّ المَقْصُودِ ما أشْعَرَ بِهِ التَّعْظِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ نُعَيْمٍ القارِّيِّ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ. وكَأنَّ إطْلاقَ المَعادِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْرِيَ بِهِ إلَيْهِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، والوَعْدُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِ وعْدٌ لَهُ بِالإسْراءِ إلَيْهِ مَرَّةً أُخْرى أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ أرْضَهُ أرْضُ المَحْشَرِ فالمُرادُ بِالرَّدِّ إلَيْهِ الرَّدُّ إلى المَحْشَرِ، وهَذا غايَةُ ما يُقالُ في تَوْجِيهِ ذَلِكَ. فَإنَّ قُبِلَ فَذاكَ وإلّا فالأمْرُ إلَيْكَ وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ ورَواهُ الجَماعَةُ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّهُ مَكَّةُ. ورُبَّما يَخْطِرُ بِالبالِ أنْ يُرادَ بِالمَعادِ الأمْرُ المَحْبُوبُ بِنَوْعِ تَجَوُّزٍ ويُجْعَلُ بِحَيْثُ يَشْمَلُ مَكَّةَ والجَنَّةَ وغَيْرَهُما مِمّا هو مَحْبُوبٌ لَدَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ويُرادُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الأمْرِ المَحْبُوبِ إيصالُهُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى فالرَّدُّ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبْراهِيمَ: 9] وعَلَيْهِ يَهُونُ أمْرُ اخْتِلافِ الرِّواياتِ الَّتِي سَمِعْتَها في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ مَن جاءَ بِالهُدى﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَعَثَ إلَيْهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ (ومَن) مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أعْلَمُ لا بِأعْلَمُ لِأنَّ أفْعَلُ لا يَنْصِبُ المَفْعُولَ بِهِ في المَشْهُورِ أيْ يَعْلَمُ مَن جاءَ إلَخْ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ

صفحة 130

مَنصُوبًا بِـ أعْلَمُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى عالِمٍ، والمُرادُ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُجازِي كُلًّا مِمَّنْ جاءَ بِالهُدى ومَن هو في ضَلالٍ عَلى عَمَلِهِ، والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ إلَخْ. وفي مَعالِمِ التَّنْزِيلِ هَذا جَوابٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ لِما قالُوا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ (وسَلَّمَ) إنَّكَ في ضَلالٍ، ولَعَلَّهُ لِهَذا وكَوْنُ السَّبَبِ فِيهِ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ بِالهُدى قِيلَ في جانِبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَن جاءَ بِالهُدى وفي جانِبِهِمْ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ، ولَمْ يُؤْتَ بِهِما عَلى طَرْزٍ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском