Al-AlusiAl-'Ankabut · 29:32–40

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:32–40

29:32Page 400

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ ما أشارُوا إلَيْهِ مِن عَدَمِ تَناوُلِ أهْلِ القَرْيَةِ إيّاهُ لَكِنَّهُ أرادَ التَّنْصِيصَ عَلى حالِهِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ لِكَمالِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَعْلَمَ هَلْ يَبْقى في القَرْيَةِ عِنْدَ إهْلاكِهِمْ أوْ يَخْرُجَ مِنها ثُمَّ يُهْلَكُونَ، وكَأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها﴾ دُونَ إنَّ مِنهم إشارَةً إلى ذَلِكَ، وأفْهَمَ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ اعْتِراضٌ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأنَّ في القَرْيَةِ مَن لَمْ يَظْلِمْ بِناءً عَلى أنَّ المُتَبادَرَ مِن إضافَةِ الأهْلِ إلَيْها العُمُومُ، وحَمْلُ الأهْلِ عَلى مَن سَكَنَ فِيها وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوَلُّدُهُ بِها، أوْ مُعارَضَةٌ لِلْمُوجِبِ لِلْهَلاكِ وهو الظُّلْمُ بِالمانِعِ وهو أنَّ لُوطًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ

صفحة 155

وهُوَ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَتِهِمْ، وأنَّ جَوابَ الرُّسُلِ المَحْكِيَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ تَسْلِيمٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في لُوطٍ مَعَ ادِّعاءِ مَزِيدِ العِلْمِ بِهِ بِاعْتِبارِ الكَيْفِيَّةِ وأنَّهم ما كانُوا غافِلِينَ عَنْهُ، وجَوابٌ عَنْهُ بِتَخْصِيصِ الأهْلِ بِمَن عَداهُ وأهْلَهُ عَلى الِاعْتِراضِ، أوْ بَيانُ وقْتِ إهْلاكِهِمْ بِوَقْتٍ لا يَكُونُ لُوطٌ وأهْلُهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ عَلى المُعارَضَةِ، وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ في الجُمْلَةِ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهم أرادُوا بِأهْلِ القَرْيَةِ مَن نَشَأ بِها عَلى ما هو المُتَعارَفُ فَلا يَكُونُ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ داخِلًا في الأهْلِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَأْيِيدًا ما قَوْلُ قَوْمِهِ ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ وفَهِمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أرادُوهُ وعَلِمَ أنَّ لُوطًا لَيْسَ مِنَ المُهْلَكِينَ إلّا أنَّهُ خَشِيَ أنْ يَكُونَ هَلاكُ قَوْمِهِ وهو بَيْنُ ظَهْرانَيْهِمْ في القَرْيَةِ فَيُوحِشُهُ ذَلِكَ ويُفْزِعُهُ.

ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِإخْراجِهِ مِن قَرْيَةِ المُهْلَكِينَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقَرابَتِهِ مِنهُ ومَزِيدِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ عَلى سَبِيلِ التَّحَزُّنِ والتَّفَجُّعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ [آلِ عِمْرانَ: 36] وجُلُّ قَصْدِهِ أنْ لا يَكُونَ فِيها حِينَ الإهْلاكِ فَأخْبَرُوهُ أوَّلًا بِمَزِيدِ عَلِمِهِمْ بِهِ وأفادُوهُ ثانِيًا بِما يَسُرُّهُ ويُسْكِنُ جَأْشَهُ نَظِيرَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آلِ عِمْرانَ: 36] وأكَّدُوا الوَعْدَ بِالتَّنْجِيَةِ إمّا لِلْإشارَةِ إلى مَزِيدِ اعْتِنائِهِمْ بِشَأْنِهِ وإمّا لِتَنْزِيلِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تَنْجِيَتَهُ لِما شاهَدُوا مِنهُ في حَقِّهِ، وتُحْمَلُ التَّنْجِيَةُ عَلى إخْراجِهِ مِن بَيْنِ القَوْمِ وفَصْلِهِ عَنْهم وحِفْظِهِ مِمّا يُصِيبُهم فَإنَّها بِهَذا المَعْنى الفَرْدُ الأكْمَلُ، ويُلائِمُ هَذا ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ مِنَ الباقِينَ في القَرْيَةِ وهو أحَدُ تَفْسِيرَيْنِ، ثانِيهِما ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ وهو تَفْسِيرُهُ الغابِرِينَ بِالباقِينَ في العَذابِ فَتَأمَّلْ، فَكَلامُ اللَّهِ تَعالى ذُو وُجُوهٍ، وفَسَّرَ الأهْلَ هُنا بِأتْباعِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ المُؤْمِنِينَ، وجُمْلَةُ ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ مُسْتَأْنِفَةٌ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ وكَذا في الِاسْتِثْناءِ فارْجِعْ إلَيْهِ

29:33Page 400

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

﴿ولَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا﴾ المَذْكُورُونَ بَعْدَ مُفارَقَتِهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ أيِ اعْتَراهُ المَساءَةُ والغَمُّ بِسَبَبِ الرُّسُلِ مَخافَةَ أنْ يَتَعَرَّضَ لَهم قَوْمُهُ بِسُوءٍ كَما هو عادَتُهم مَعَ الغُرَباءِ، وقَدْ جاؤُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُوَرٍ حَسَنَةٍ إنْسانِيَّةٍ.

وقِيلَ: ضَمِيرُ (بِهِمْ) لِلْقَوْمِ أيْ سِيءَ بِقَوْمِهِ لِما عَلِمَ مِن عَظِيمِ البَلاءِ النّازِلِ بِهِمْ، وكَذا ضَمِيرُ ﴿بِهِمْ﴾ الآتِي ولَيْسَ بِشَيْءٍ، (وأنْ) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الكَلامِ الَّتِي زِيدَتْ فِيهِ فَتُؤَكِّدُ الفِعْلَيْنِ واتِّصالَهُما المُسْتَفادَ مِن لَمّا حَتّى كَأنَّهُما وُجِدا في جُزْءٍ واحِدٍ مِنَ الزَّمانِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا أحَسَّ بِمَجِيئِهِمْ فاجَأتْهُ المَساءَةُ مِن غَيْرِ رَيْثٍ.

﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ وضاقَ بِشَأْنِهِمْ وتَدْبِيرِ أمْرِهِمْ ذَرْعُهُ أيْ طاقَتُهُ كَقَوْلِهِمْ: ضاقَتْ يَدُهُ، ويُقابِلُهُ رَحُبَ ذَرْعُهُ بِكَذا إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ قادِرًا عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ طَوِيلَ الذِّراعِ يَنالُ ما لا يَنالُهُ قَصِيرُ الذِّراعِ.

﴿وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ﴾ عَطْفٌ عَلى سِيءَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مُقَدَّرٍ أيْ قالُوا: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هُودٍ: 81] وقالُوا إلَخْ، وأيًّا ما كانَ فالقَوْلُ كانَ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا فِيهِ مَخايِلَ التَّضَجُّرِ مِن جِهَتِهِمْ وعايَنُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَجَزَ عَنْ مُدافَعَةِ قَوْمِهِ حَتّى آلَتْ بِهِ الحالُ إلى أنْ قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هُودٍ: 80] والخَوْفِ لِلْمُتَوَقَّعِ والحُزْنِ لِلْواقِعِ في الأكْثَرِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى لا تَخَفْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِنّا ولا تَحْزَنْ عَلى قَصْدِهِمْ إيّانا وعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِكَ، ونَهْيِهِمْ عَنِ الخَوْفِ مِنَ التَّمَكُّنِ إنْ كانَ قَبْلَ إعْلامِهِمْ إيّاهُ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ تَعالى فَظاهِرٌ، وإنْ كانَ بَعْدَ الإعْلامِ فَهو لِتَأْنِيسِهِ وتَأْكِيدِ ما أخْبَرُوهُ بِهِ.

صفحة 156

وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: المَعْنى لا تَخَفْ عَلَيْنا وعَلَيْكَ ولا تَحْزَنْ بِما نَفْعَلُهُ بِقَوْمِكَ ﴿إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ﴾ فَلا يُصِيبُكم ما يُصِيبُهم مِنَ العَذابِ ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ إنَّها ﴿كانَتْ﴾ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ «لَنُنَجِيَنَّهُ» و«مُنْجُوكَ» بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ، ووافَقَهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ في الثّانِي.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِشَدِّ نُونِ التَّوْكِيدِ، وفِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِها، وأيًّا ما كانَ فَمَحَلُّ الكافِ مِن مُنَجُّوكَ الجَرُّ بِالإضافَةِ ولِذا حُذِفَتِ النُّونُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ و«أهْلَكَ» مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ أيْ ونُنْجِي أهْلَكَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ وهِشامٌ إلى أنَّ الكافَ في مَحَلِّ النَّصْبِ وأهْلَكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وحُذِفَتِ النُّونُ لِشِدَّةِ طَلَبِ الضَّمِيرِ الِاتِّصالَ بِما قَبْلَهُ لِلْإضافَةِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ هَذا الكافِ مَحَلّانِ الجَرُّ والنَّصْبُ ويَجُوزُ العَطْفُ عَلَيْها بِالِاعْتِبارَيْنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ «سِيءَ» بِإشْمامِ السِّينِ الضَّمَّ، وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ «سُوءَ» بِضَمِّها وهي لُغَةُ بَنِي هُذَيْلٍ وبَنِي دُبَيْرٍ يَقُولُونَ في نَحْوِ قِيلَ وبِيعَ قُولَ وبُوعَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:

حُوكَتْ عَلى نَوْلَيْنِ إذْ تُحاكُ تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ ولا تُشاكُ

29:34Page 400

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِوَعْدِ التَّنْجِيَةِ مِن نُزُولِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، والرِّجْزُ العَذابُ الَّذِي يُقْلِقُ المُعَذَّبَ أيْ يُزْعِجُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ارْتَجَزَ إذا ارْتَجَسَ واضْطَرَبَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «(مُنَزِّلُونَ)» بِالتَّشْدِيدِ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ «رُجْزًا» بِضَمِّ الرّاءِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المَعْهُودِ المُسْتَمِرِّ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ بِكَسْرِ السِّينِ

29:35Page 400

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

﴿ولَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾ أيْ مِنَ القَرْيَةِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي آثارُ دِيارِها الخَرِبَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الماءُ الأسْوَدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وقالَ قَتادَةُ: هي الحِجارَةُ الَّتِي أمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أدْرَكَتْها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هي أنَّ أساسَها أعْلاها وسُقُوفَها أسْفَلُها إلى الآنَ وأنْكَرَ ذَوُو الأبْصارِ ذَلِكَ، وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى تَرَكْناها آيَةً كَما يُقالُ: إنَّ في السَّماءِ آيَةً ويُرادُ أنَّها آيَةٌ. وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى زِيادَةِ (مِن في الواجِبِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

أمَرَهْتُ مِنها جُبَّةً وتَيْسًا يُرِيدُ أمْهَرْتُها. وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنهُ أسَدًا، وقِيلَ: الآيَةُ حِكايَتُها العَجِيبَةُ الشّائِعَةُ، وقِيلَ:

ضَمِيرُ ﴿مِنها﴾ لِلْفَعْلَةِ الَّتِي فُعِلَتْ بِهِمْ والآيَةُ الحِجارَةُ، أوِ الماءُ الأسْوَدُ والظّاهِرُ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ.

ولا يَخْفى مَعْنى (مَن عَلى هَذِهِ الأقْوالِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ يَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَهم في الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، فالفِعْلُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ (ولِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ تَرَكْنا أوْ بِبَيِّنَةٍ، واسْتَظْهَرَ الثّانِي هَذا، وفي الآياتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ذَمِّ اللِّواطَةِ وقُبْحِها ما لا يَخْفى، فَهي كَبِيرَةٌ بِالإجْماعِ، ونَصُّوا عَلى أنَّها أشَدُّ حُرْمَةً مِنَ الزِّنا. وفي شَرْحِ المَشارِقِ لِلْأكْمَلِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عَقْلًا وشَرْعًا وطَبْعًا، وعَدَمُ وُجُوبِ الحَدِّ فِيها عِنْدَ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ عَلى ذَلِكَ لا لِخِفَّتِها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الحَدِّ لِلتَّغْلِيظِ لِأنَّ الحَدَّ مُطَهِّرٌ، وفي جَوازِ وُقُوعِها في الجَنَّةِ خِلافٌ، فَفي الفَتْحِ قِيلَ: إنْ كانَتْ حُرْمَتُها عَقْلًا وسَمْعًا لا تَكُونُ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتْ سَمْعًا فَقَطْ جازَ أنْ تَكُونَ فِيها والصَّحِيحُ أنَّها لا تَكُونُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَبْعَدَها واسْتَقْبَحَها فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ [العَنْكَبُوتِ: 28] وسَمّاها خَبِيثَةً فَقالَ عَزَّ وجَلَّ

صفحة 157

﴿كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ [الأنْبِياءِ: 74] والجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْها. وتَعَقَّبَ هَذا الحَمَوِيُّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ الشَّيْءِ خَبِيثًا في الدُّنْيا أنْ لا يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ في الجَنَّةِ ألا تَرى أنَّ الخَمْرَ أُمُّ الخَبائِثِ في الدُّنْيا ولَها وُجُودٌ في الجَنَّةِ، وفِيهِ بَحْثٌ، لِأنَّ خُبْثَ الخَمْرِ في الدُّنْيا لِإزالَتِها العَقْلَ الَّذِي هو عِقالٌ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ وهَذا الوَصْفُ لا يَبْقى لَها في الجَنَّةِ ولا كَذَلِكَ اللِّواطَةُ. وفي الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ أنَّهم لا أدْبارَ لَهم لِأنَّ الدُّبُرَ إنَّما خُلِقَ في الدُّنْيا لِخُرُوجِ الغائِطِ ولَيْسَتِ الجَنَّةُ مَحَلًّا لِلْقاذُوراتِ، وعَلَيْهِ فَعَدَمُ وُجُودِها في الجَنَّةِ ظاهِرٌ، ولا أظُنُّ ذا غَيْرَةٍ صادِقَةٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ أنْ يُلاطَ بِهِ في الجَنَّةِ سِرًّا أوْ عَلَنًا، وجَوازُ وُقُوعِها فِيها قَدْ يَنْجَرُّ إلى أنْ تَسْمَحَ نَفْسُهُ بِذَلِكَ أوْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ وذَلِكَ إذا اشْتَهى أحَدٌ أنْ يَلُوطَ بِهِ إذْ لا بُدَّ مِن حُصُولِ ما يَشْتَهِيهِ، وهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعِيًّا في عَدَمِ وُقُوعِ اللِّواطَةِ مُطْلَقًا في الجَنَّةِ إلّا أنَّهُ يُقَوِّي القَوْلَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ فَتَأمَّلْ

29:36Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

﴿وإلى مَدْيَنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى أرْسَلْنا في قِصَّةِ نُوحٍ أيْ وأرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ ﴿أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ﴾ لَهم ﴿يا (قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ ﴿وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ﴾ أيْ تَوَقَّعُوهُ وما سَيَقَعُ فِيهِ مِن فُنُونِ الأهْوالِ وافْعَلُوا اليَوْمَ مِنَ الأعْمالِ ما تَأْمَنُونَ بِهِ غائِلَتَهُ، أوِ الأمْرَ بِالرَّجاءِ أمْرٌ بِفِعْلِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الرَّجاءُ إقامَةَ المُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ فالمَعْنى افْعَلُوا ما تَرْجُونَ بِهِ ثَوابَ اليَوْمِ الآخِرِ، وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ، وإرادَةُ الثَّوابِ مِن إطْلاقِ الزَّمانِ عَلى ما فِيهِ، وقِيلَ: الأمْرُ بِرَجاءِ الثَّوابِ أمْرٌ بِسَبَبِهِ اقْتِضاءٌ بِلا تَجَوُّزٍ فِيهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَّجاءُ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ والمَعْنى وخافُوا جَزاءَ اليَوْمِ الآخِرِ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنكم إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ حالٌ مُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ العَثْوَ الفَسادُ

29:37Page 400

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فِيما تَضَمَّنَهُ كَلامُهُ مِن أنَّهم إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ ونَهْيَهُ وقَعَ بِهِمُ العَذابُ وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقِيلَ: مِن أنَّهُ تَعالى مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُعْبَدُ وحْدَهُ سُبْحانَهُ وأنَّ اليَوْمَ الآخِرَ مُتَحَقِّقُ الوُقُوعِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ ﴿الرَّجْفَةُ﴾ أيِ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ وفي سُورَةِ هُودٍ ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هُودٍ: 94] أيْ صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّها المُوجِبَةُ لِلرَّجْفَةِ بِسَبَبِ تَمْوِيجِها لِلْهَواءِ وما يُجاوِرُها مِنَ الأرْضِ، وفَسَّرَ مُجاهِدٌ الرَّجْفَةَ هُنا بِالصَّيْحَةِ، فَقِيلَ: لِذَلِكَ وقِيلَ: لِأنَّها رَجَفَتْ مِنها القُلُوبُ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾ أيْ بَلَدِهِمْ فَإنَّ الدّارَ تُطْلَقُ عَلى البَلَدِ، ولِذا قِيلَ لِلْمَدِينَةِ: دارُ الهِجْرَةِ أوِ المُرادُ مَساكِنُهم وأُقِيمَ فِيهِ الواحِدُ مَقامَ الجَمْعِ لِأمْنِ اللَّبْسِ لِأنَّهم لا يَكُونُونَ في دارٍ واحِدَةٍ ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ الرَّجْفَةَ خَرَّبَتْ مَساكِنَهم وهَدَمَتْ ما بَيْنَها مِنَ الجُدْرانِ فَصارَتْ كَمَسْكَنٍ واحِدٍ ﴿جاثِمِينَ﴾ أيْ بارِكِينَ عَلى الرَّكْبِ، والمُرادُ مَيِّتِينَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ.

وفِي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ هو اسْتِعارَةٌ لِلْمُقِيمِينَ مِن قَوْلِهِمْ: جَثَمَ الطّائِرُ إذا قَعَدَ ولَطِئَ بِالأرْضِ ويَرْجِعُ هَذا إلى مَيِّتِينَ أيْضًا

29:38Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

﴿وعادًا وثَمُودَ﴾ مَنصُوبانِ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أيْ وأهْلَكْنا عادًا وثَمُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ المُضْمَرِ أيْ وقَدْ ظَهَرَ لَكم أتَمَّ ظُهُورٍ إهْلاكُنا إيّاهم مِن جِهَةِ مَساكِنِهِمْ أوْ بِسَبَبِها. وذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ اجْتِيازِكم بِها ذَهابًا إلى الشّامِ وإيابًا مِنهُ، وجُوِّزَ كَوْنُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً، وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ بِإضْمارِ اذْكُرُوا أيْ واذْكُرُوا عادًا وثَمُودَ.

صفحة 158

والمُرادُ ذِكْرُ قِصَّتِهِما أوْ بِإضْمارِ اذْكُرْ خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وجُمْلَةُ (قَدْ تَبَيَّنَ) حِيالِيَّةٌ، وقِيلَ:

هِيَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ وقُلْ: قَدْ تَبَيَّنَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ واقِعَةٍ في حَيِّزِ القَوْلِ أيِ اذْكُرْ عادًا وثَمُودَ قائِلًا قَدْ مَرَرْتُمْ عَلى مَساكِنِهِمْ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم إلَخْ، وفاعِلُ تَبَيَّنَ الإهْلاكُ الدّالُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ مَساكِنُهم عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ في الواجِبِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الأعْمَشِ «مَساكِنُهُمْ» بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ مِن، وكَوْنُ (مِن) هي الفاعِلَ عَلى أنَّها اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ مِمّا لا يَخْفى حالُهُ.

وقِيلَ: هُما مَنصُوبانِ بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ والمَعْنى يَأْباهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: مَنصُوبانِ بِالعَطْفِ عَلى الَّذِينَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهو كَما تَرى، والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ في ناصِبِهِما سِوى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ. وقَرَأ أكْثَرُ السَّبْعَةِ «وثَمُودًا» بِالتَّنْوِينِ بِتَأْوِيلِ الحَيِّ، وهو عَلى قِراءَةِ تَرْكِ التَّنْوِينِ بِتَأْوِيلِ القَبِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «وعادٍ وثَمُودٍ» بِالخَفْضِ فِيهِما والتَّنْوِينِ عَطْفًا عَلى مَدْيَنَ عَلى ما في البَحْرِ أيْ وأرْسَلَنا إلى عادٍ وثَمُودَ ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المَعْهُودِ وهو السَّوِيُّ المُوصِلُ إلى الحَقِّ، وحَمْلُهُ عَلى الِاسْتِغْراقِ حَصْرًا لَهُ في المُوصِلِ إلى النَّجاةِ تَكَلُّفٌ ﴿وكانُوا﴾ أيْ عادٌ وثَمُودُ لا أهْلُ مَكَّةَ كَما تُوُهِّمَ: ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أيْ عُقَلاءَ يُمْكِنُهُمُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِالِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ ولَكِنَّهم أغْفَلُوا ولَمْ يَتَدَبَّرُوا وقِيلَ: عُقَلاءُ يَعْلَمُونَ الحَقَّ ولَكِنَّهم كَفَرُوا عِنادًا وجُحُودًا، وقِيلَ: مُتَبَيِّنِينَ أنَّ العَذابَ لاحِقٌ بِهِمْ بِإخْبارِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَهم ولَكِنَّهم لَجُّوا حَتّى لَقُوا ما لَقُوا.

وعَنْ قَتادَةَ والكَلْبِيِّ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ أنَّ المَعْنى كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ يَحْسَبُونَ أنَّهُ عَلى هُدًى وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أيْ مُعْجَبِينَ بِضَلالَتِهِمْ وهو تَفْسِيرٌ بِحاصِلِ ما ذُكِرَ، وهو مَرْوِيٌّ كَما في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِها

29:39Page 401

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

﴿وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى عادًا، وتَقْدِيمُ قارُونَ لِأنَّ المَقْصُودَ تَسْلِيَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما لَقِيَ مِن قَوْمِهِ لِحَسَدِهِمْ لَهُ، وقارُونُ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ لَقِيَ مِنهُ ما لَقِيَ، أوْ لِأنَّ حالَهُ أوْفَقُ بِحالِ عادٍ وثَمُودَ فَإنَّهُ كانَ مِن أبْصَرِ النّاسِ وأعْلَمِهِمْ بِالتَّوْراةِ ولَمْ يُفْدِهِ الِاسْتِبْصارُ شَيْئًا كَما لَمْ يَفْدِهِمْ كَوْنُهم مُسْتَبْصِرِينَ شَيْئًا، أوْ لِأنَّ هَلاكَهُ كانَ قَبْلَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ وهامانَ فَتَقْدِيمُهُ عَلى وفْقِ الواقِعِ، أوْ لِأنَّهُ أشْرَفُ مِن فِرْعَوْنَ وهامانَ لِإيمانِهِ في الظّاهِرِ وعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ وكَوْنِهِ ذا قَرابَةٍ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ في تَقْدِيمِهِ لِذَلِكَ في مَقامِ الغَضَبِ إشارَةٌ إلى أنَّ نَحْوَ هَذا الشَّرَفِ لا يُفِيدُ شَيْئًا ولا يُنْقِذُ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلى الكُفْرِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ عُقُولِهِمْ لِأنَّ مَن في الأرْضِ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَسْتَكْبِرَ.

﴿وما كانُوا سابِقِينَ﴾ أيْ فائِتِينَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، مِن قَوْلِهِمْ: سَبَقَ طالِبُهُ أيْ فاتَهُ ولَمْ يُدْرِكْهُ، ولَقَدْ أدْرَكَهم أمْرُهُ تَعالى أيْ إدْراكٌ فَتَدارَكُوا نَحْوَ الدَّمارِ والهَلاكِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المَعْنى وما كانُوا سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ أيْ تِلْكَ عادَةُ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَيْسَ بِذاكَ وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ كانُوا لِقارُونَ

صفحة 159

وفِرْعَوْنَ وهامانَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى أهْلَكْنا المُقَدَّرِ سابِقًا وضَمِيرُ- كانُوا- لِجَمِيعِ المُهْلَكِينَ، وفِيهِ تِبْرٌ لِلنَّظْمِ الجَلِيلِ

29:40Page 401

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ كالفَذْلَكَةِ لِلْآياتِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ مَن كَفَرَ ولَمْ يَمْتَثِلْ أمْرَ مَن أُرْسِلَ إلَيْهِ، وقالَ أبُو السُّعُودِ: هَذا تَفْسِيرٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ سَبْقِهِمْ بِطَرِيقِ الإبْهامِ وما بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِلْأخْذِ، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ. وكَأنَّهُ اعْتَبَرَ رُجُوعَ ضَمِيرِ- كانُوا- إلى المُهْلَكِينَ، وقَدْ عُلِمَتْ حالُهُ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِأمْرِ الِاسْتِيعابِ والِاسْتِغْراقِ، وقالَ الفاضِلُ: المَذْكُورُ لِلْحَصْرِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ عاقَبْناهُ بِجِنايَتِهِ لا بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّ (كُلًّا) مُتَكَفِّلَةٌ بِهَذا المَعْنى قُدِّمَتْ أوْ أُخِّرَتْ، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يَفْهَمُ مِنها لا بَعْضًا إذا أخَّرَتْ وإنَّما يَفْهَمُ مِنها بِواسِطَةِ التَّقْدِيمِ فَتَأمَّلْ، والكَلامُ في مَرْجِعِ ضَمِيرٍ بِذَنْبِهِ سُؤالًا وجَوابًا لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ عِلْمًا بِما قِيلَ في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ. وقَوْلُهُمْ: التَّرْتِيبُ جَعْلُ كُلِّ شَيْءٍ في مَرْتَبَتِهِ، وهو شَهِيرٌ بَيْنَ الطَّلَبَةِ ﴿فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾ أيْ رِيحًا عاصِفًا فِيها حَصْباءُ، وقِيلَ:

مَلَكًا رَماهم بِالحَصْباءِ وهم قَوْمُ لُوطٍ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُشْبِهُ أنْ يَدْخُلَ عادٌ في ذَلِكَ لِأنَّ ما أُهْلِكُوا بِهِ مِنَ الرِّيحِ كانَتْ شَدِيدَةً وهي لا تَخْلُو عَنِ الحَصَبِ بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ، والحاصِبُ هو العارِضُ مِن رِيحٍ أوْ سَحابٍ إذا رُمِيَ بِشَيْءٍ ﴿ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ هم مَدْيَنُ وثَمُودُ ولَمْ يَقُلْ أخَذْناهُ بِالصَّيْحَةِ لِيُوافِقَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى الأوْفَقِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ سُبْحانَهُ هو الصّائِحَ ﴿ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾ وهو قارُونُ ﴿ومِنهم مَن أغْرَقْنا﴾ وهو فِرْعَوْنُ ومَن مَعَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم قَوْمَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا. واعْتُرِضَ بِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ المَذْكُورِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم أوَّلُ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ ولَعَلَّ المُعْتَرِضَ أرادَ بِالمَذْكُورِينَ المَذْكُورِينَ مُتَناسِقِينَ أيْ بِلا فَصْلٍ بِأُمَّةٍ لَمْ تُفِدْ قِصَّتُها إهْلاكَها، وقَوْمُ نُوحٍ وإنْ ذُكِرُوا أوَّلًا لَكِنْ فَصَلَ بَيْنَهم وبَيْنَ نَظائِرِهِمْ مِنَ المُهْلَكِينَ بِقِصَّةِ قَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي لَمْ تُفِدْ أنَّهم أُهْلِكُوا، وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا﴾ إلَخْ أمْرَ المُذْنِبِينَ بِإجْمالٍ آخَرَ يُفِيدُ أنَّهم عُذِّبُوا بِالعَناصِرِ الأرْبَعَةِ فَجَعَلَ ما مِنهُ تَرْكِيبُهم سَبَبًا لِعَدَمِهِمْ وما مِنهُ بَقاؤُهم سَبَبًا لِفَنائِهِمْ، فالحاصِبُ وهو حِجارَةٌ مُحْماةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم فَتَنْفُذُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ إشارَةً إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ النّارِ، والصَّيْحَةُ وهي تَمَوُّجٌ شَدِيدٌ في الهَواءِ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ الهَواءِ، والخَسْفُ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ التُّرابِ، والغَرَقُ إشارَةٌ إلى التَّعْذِيبِ بِعُنْصُرِ الماءِ اهـ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ ما كانَ سُبْحانَهُ مُرِيدًا لِظُلْمِهِمْ وذَلِكَ بِأنْ يُعاقِبَهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ لِأنَّهُ خِلافُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ. وفي أنْوارِ التَّنْزِيلِ أيْ ما كانَ سُبْحانَهُ لِيُعامِلَهم مُعامَلَةَ الظّالِمِ فَيُعاقِبَهم بِغَيْرِ جُرْمٍ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُفِيدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ وقَعَ مِنهُ تَعالى تَعْذِيبُهم مِن غَيْرِ جُرْمٍ لا يَكُونُ ظُلْمًا لِأنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ يَتَصَرَّفُ بِهِ كَما يَشاءُ فَلَهُ أنْ يُثِيبَ العاصِيَ ويُعَذِّبَ المُطِيعَ، وهَذا أمْرٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الأشاعِرَةِ والكَلامُ في تَحْقِيقِهِ يُطْلَبُ مِن عِلْمِ الكَلامِ. وقَدْ أسْلَفْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: 23] ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِاخْتِيارِهِمْ، وقالَ مَوْلانا الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ ما حاصِلُهُ: إنَّ ظُلْمَ الكَفَرَةِ أنْفُسَهم

صفحة 160

إنَّما هو لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلْجَعْلِ فِيهِ وبِلِسانِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ طَلَبُوا مِنَ الجَوادِ المُطْلَقِ جَلَّ وعَلا ما صارَ سَبَبًا لِظُهُورِ شَقائِهِمْ اهـ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَلْيُطْلَبْ مِن مَحَلِّهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِرِعايَةِ رُؤُوسِ الآيِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском