Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:52–64
29:52Page 402
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢
Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."
﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا﴾ أيْ عالِمًا بِما صَدَرَ عَنِّي مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وبِما صَدَرَ عَنْكم مِن مُقابَلَتِي بِالتَّكْذِيبِ والإنْكارِ، فَيُجازِي سُبْحانَهُ كُلًّا بِما يَلِيقُ بِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَأْنِي وشَأْنُكُمْ، فَهو تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كِفايَتِهِ تَعالى شَهِيدًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كَفى بِهِ عَزَّ وجَلَّ شاهِدًا بِصِدْقِي أيْ مُصَدِّقًا لِي فِيما ادَّعَيْتُهُ بِالمُعْجِزاتِ تَصْدِيقَ الشّاهِدِ لِدَعْوى المُدَّعِي، وجُمْلَةُ ( يَعْلَمُ ) إمّا صِفَةُ ( شَهِيدًا ) أوْ حالٌ، أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ كِفايَتِهِ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ هَذا الوَجْهَ لا يُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( بَيْنِي وبَيْنَكم ) سَواءٌ تَعَلَّقَ بِكَفى، أوْ بِـ(شَهِيدًا)، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ ) إلَخْ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
وقَدْ يُؤَيَّدُ ذَلِكَ بِما رُوِيَ «أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وأصْحابَهُ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، مَن يَشْهَدُ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ كَفى﴾ الآيَةَ»
إلّا أنَّ في القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذِهِ الرِّوايَةِ شَيْئًا، لِما أنَّ السِّياقَ والسِّباقَ مَعَ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ فَلا تَغْفُلْ.
وأيًّا ما كانَ، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَةُ: 23] بِناءً عَلى أنَّ المَعْنى: لا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ تَعالى، ولا تَقُولُوا اللَّهُ تَعالى يَشْهَدُ أنَّ ما نَدَّعِيهِ حَقٌّ، كَما يَقُولُهُ العاجِزُ عَنْ إقامَةِ البَيِّنَةِ، إمّا لِأنَّ الشَّهِيدَ ها هُنا بِمَعْنى العالِمِ، والكَلامُ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وإمّا بِمَعْنى المُصَدِّقِ بِالمُعْجِزاتِ ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ هُناكَ، والباءُ في ( بِاللَّهِ ) زائِدَةٌ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلُ ( كَفى )، وقالَ الزَّجّاجُ: «إنَّ الباءَ دَخَلَتْ لِتُضَمِّنَ كَفى مَعْنى اكْتَفِ، فالباءُ كَما قالَ اللَّقّانِيُّ مُعَدِّيَةٌ لا زائِدَةٌ، قالَ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي: وهو مِنَ الحُسْنِ بِمَكانٍ، ويُصَحِّحُهُ قَوْلُهُمُ: اتَّقى اللَّهَ تَعالى امْرُؤٌ فَعَلَ خَيْرًا يُثَبْ عَلَيْهِ، أيْ لِيَتَّقِ، بِدَلِيلِ جَزْمِ يُثَبْ، ويُوجِبُهُ قَوْلُهُمْ: «كَفى بِهِنْدٍ» بِتَرْكِ التّاءِ
صفحة 8
فَإنِ احْتُجَّ بِالفاصِلِ، فَهو مُجَوَّزٌ لا مُوجِبٌ، بِدَلِيلِ: ﴿وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ﴾ فَإنْ عُورِضَ بِأحْسَنَ بِهِنْدٍ، فالتّاءُ لا تَلْحَقُ صِيَغَ الأمْرِ، وإنْ كانَ مَعْناها الخَبَرَ اهـ» .
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشَّيْخُ يس الحِمْصِيُّ في حَواشِيهِ عَلى التَّصْرِيحِ فَقالَ: «أقُولُ: تَفْسِيرُ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ بِاكْتَفِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ فاعِلُ ( كَفى ) حِينَئِذٍ ضَمِيرُ المُخاطَبِ، ( وكَفى ) ماضٍ، وهو لا يَرْفَعُ ضَمِيرَ المُخاطَبِ المُسْتَتِرِ اهـ، وفِيهِ بُعْدُ بَحْثٍ لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ» .
وظَنَّ بَعْضُ النّاسِ أنَّ ( كَفى ) عَلى هَذا القَوْلِ اسْمُ فِعْلِ أمْرٍ يُخاطَبُ بِهِ المُفْرَدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ نَحْوُ: حَيَّ، في حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، فالمَعْنى هُنا اكْتَفُوا بِاللَّهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا بَعِيدُ الإرادَةِ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ ويَأْباهُ كَلامُ ابْنِ هِشامٍ، وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: الفاعِلُ ضَمِيرُ الِاكْتِفاءِ، قالَ ابْنُ هِشامٍ: وصِحَّةُ قَوْلِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلى جَوازِ تَعَلُّقِ الجارِّ بِضَمِيرِ المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الفارِسِيِّ، والرُّمّانِيِّ أجازُوا: مُرُورِي بِزَيْدٍ حَسَنٌ، وهو بِعَمْرٍو قَبِيحٌ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ إعْمالَهُ في الظَّرْفِ وغَيْرِهِ، ومَنَعَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ إعْمالَهُ مُطْلَقًا اهـ.
وتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الصّائِغِ، فَقالَ: لا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ الصِّحَّةِ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْحالِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المَعْنى ( كَفى ) هو أيِ الِاكْتِفاءُ حالَ كَوْنِهِ مُلْتَبِسًا بِاللَّهِ تَعالى، ولا يَخْفى أنَّهُ ما لَمْ يَبْطُلْ هَذا القَوْلُ لا يَتِمُّ ما ادَّعاهُ ابْنُ هِشامٍ مِن أنَّ تَرْكَ التّاءِ فِي: كَفى بِهِنْدٍ، يُوجِبُ كَوْنَ (كَفى) مُضَمَّنًا مَعْنى اكْتَفِ، فَتَدَبَّرْ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أيْ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهو شامِلٌ لِنَحْوِ عِيسى والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والباطِلُ في الحَقِيقَةِ عِبادَتُهُمْ، ولَيْسَ الباطِلُ هُنا مِثْلَهُ في قَوْلِ حَسّانَ:
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ
وقالَ مُقاتِلٌ:
أيْ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ، وقِيلَ: أيْ بِالصَّنَمِ، ﴿وكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ مَعَ تَعاضُدِ مُوجِباتِ الإيمانِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ المَغْبُونُونَ في صَفْقَتِهِمْ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ فاسْتَوْجَبُوا العِقابَ يَوْمَ الحِسابِ، وفي الكَلامِ عَلى ما قِيلَ: اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ اسْتِبْدالَ الكُفْرِ بِالإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعِقابِ بِاشْتِراءِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْخُسْرانِ، وفي الخُسْرانِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ هي قَرِينَتُها، لِأنَّ الخُسْرانَ مُتَعارَفٌ في التِّجاراتِ، وهَذا الكَلامُ ورَدَ مَوْرِدَ الإنْصافِ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ بِالباطِلِ الكافِرُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَلْ أبْرَزَهُ في مَعْرِضِ العُمُومِ، لِيَهْجُمَ بِهِ التَّأمُّلُ عَلى المَطْلُوبِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأٌ: 24]، وكَقَوْلِ حَسّانَ:
فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ
وهَذا مِن قَبِيلِ المُجادَلَةِ بِالَّتِي هي أحْسَنُ.
29:53Page 403
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣
And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.
﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيْ ويَسْتَعْجِلُكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿بِالعَذابِ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّعْجِيزِ والتَّكْذِيبِ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ( مَتى هَذا الوَعْدُ ) وقَوْلِهِمْ: أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، ﴿ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى﴾ قَدْ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَذابِهِمْ وسَمّاهُ، وأثْبَتَهُ في اللَّوْحِ ﴿لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ المُعَيَّنُ لَهم حَسْبَما اسْتَعْجَلُوا بِهِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ بِالأجَلِ يَوْمُ القِيامَةِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى وعَدَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ لا يُعَذِّبَ قَوْمَهُ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وأنْ يُؤَخِّرَ عَذابَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: المُرادُ بِهِ أجْلُ ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ، وقِيلَ: وقْتُ فَنائِهِمْ بِآجالِهِمْ، وفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ لِما أنَّهم ما كانُوا يُوعَدُونَ بِفَنائِهِمُ الطَّبِيعِيِّ، ولا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ﴿ولَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مِن مَجِيءِ العَذابِ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ، أيْ وبِاللَّهِ تَعالى لَيَأْتِيَنَّهم العَذابُ الَّذِي عُيِّنَ لَهم عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ ﴿بَغْتَةً﴾
صفحة 9
أيْ فَجْأةً ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ بِإتْيانِهِ، ولَعَلَّ المُرادَ بِإتْيانِهِ كَذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيلِ عِنْدَ اسْتِعْجالِهِمْ، والإجابَةِ إلى مَسْؤُولِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ إتْيانٌ بِرَأْيِهِمْ وشُعُورِهِمْ، لا أنَّهُ يَأْتِيهِمْ وهم قارُّونَ آمِنُونَ لا يَحْظَرُونَهُ بِالبالِ كَدَأْبِ بَعْضِ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلى بَعْضِ الأُمَمِ بَياتًا، وهم نائِمُونَ، أوْ ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ، لِما أنَّ إتْيانَ عَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ، قالَهُ بَعْضُهُمْ، وقالَ آخَرُونَ: إتْيانُهُ كَذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ لَهُمْ، وإتْيانُ عَذابِ الآخِرَةِ ونَحْوُهُ كَذَلِكَ، لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، وكَذا عَذابُ القَبْرِ أوِ اعْتِقادُهم شَفاعَةَ آلِهَتِهِمْ لَهم في دَفْعِ العَذابِ عَنْهُمْ، وكَذا إتْيانُ عَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ لِأنَّهم لِغُرُورِهِمْ كانُوا لا يَتَوَقَّعُونَ غَلَبَةَ المُسْلِمِينَ، ولا تَخْطُرُ لَهم بِبالٍ عَلى ما بُيِّنَ في السِّيَرِ. / 50
29:54Page 403
يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤
They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِغايَةِ تَجْهِيلِهِمْ، ورَكاكَةِ رَأْيِهِمْ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ ما اسْتَعْجَلُوهُ عَذابُ الآخِرَةِ، وجُمْلَةُ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، والحالُ أنَّ مَحَلَّ العَذابِ الَّذِي لا عَذابَ فَوْقَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ، وأنَّ العَذابَ لَمُحِيطٌ بِهِمْ، أيْ سَيُحِيطُ بِهِمْ عَلى إرادَةِ المُسْتَقْبَلِ مِنَ اسْمِ الفاعِلِ، أوْ كالمُحِيطِ بِهِمُ الآنَ لِإحاطَةِ الكُفْرِ والمَعاصِي المُوجِبَةِ إيّاهُ بِهِمْ عَلى أنَّ في الكَلامِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا، أوِ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا، أوْ تَجَوُّزًا في الإسْنادِ، وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ هي النّارُ في الحَقِيقَةِ، لَكِنَّها ظَهَرَتْ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ المُسْتَعْجِلُونَ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أوْ جِنْسِ الكَفَرَةِ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
29:55Page 403
يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥
On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ قَدْ طُوِيَ ذِكْرُهُ إيذانًا بِغايَةِ كَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ويُجَلِّلُهُمُ العَذابُ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِإحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: ظَرْفٌ (لِمُحِيطَةٍ) عَلى مَعْنى: وإنَّ جَهَنَّمَ سَتُحِيطُ بِالكافِرِينَ يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ ﴿مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَما ذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ كَما في الغُدُوِّ والآصالِ، قِيلَ: وذَكَرَ الأرْجُلَ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَقَرُّونَ، ولا يَجْلِسُونَ، وذَلِكَ أشَدُّ العَذابِ ﴿ويَقُولُ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِمْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والبَصْرِيُّونَ «ونَقُولُ» بِنُونِ العَظَمَةِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ القائِلَ هو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ «وتَقُولُ» بِالتّاءِ عَلى أنَّ القائِلَ جَهَنَّمُ، ونُسِبَ القَوْلُ إلَيْها هُنا كَما نُسِبَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «ويُقالُ» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ.
29:56Page 403
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦
O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾
نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، والكَلْبِيِّ في المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ عَنْها، وعَلى هَذا أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وعَمَّمَ بَعْضُهُمُ الحُكْمَ في كُلِّ مَن لا يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما يَنْبَغِي في أرْضٍ لِمُمانَعَةٍ مِن جِهَةِ الكَفَرَةِ، أوْ غَيْرِهِمْ فَقالَ: تَلْزَمُهُ الهِجْرَةُ إلى أرْضٍ يَتَمَكَّنُ فِيها مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: إنَّ الآيَةَ عِدَةٌ مِنهُ تَعالى بِسَعَةِ الرِّزْقِ في جَمِيعِ الأرْضِ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالمُرادُ بِالأرْضِ
صفحة 10
الأرْضُ المَعْرُوفَةُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ الآيَةَ عِدَةٌ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِإدْخالِ الجَنَّةِ لِمَن أخْلَصَ لَهُ سُبْحانَهُ العِبادَةَ وفَسَّرَ الأرْضَ بِأرْضِ الجَنَّةِ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، والفاءُ في ( فَإيّايَ ) فاءُ التَّسَبُّبِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾
كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا أخُوكَ فَأكْرِمْهُ، وكَذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: إنَّهُ أخُوكَ فَإنْ أمْكَنَكَ فَأكْرِمْهُ، و(إيّايَ) مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لَهُ لِاشْتِغالِهِ بِضَمِيرِهِ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ جَزاءٌ لِشَرْطٍ حُذِفَ وعَوَّضَ عَنْهُ هَذا المَعْمُولُ، والفاءُ في ( فاعْبُدُونِ ) هي الفاءُ الواقِعَةُ في الجَزاءِ، إلّا أنَّهُ لَمّا وجَبَ حَذْفُهُ جَعَلَ المُفَسِّرَ المُؤَكِّدُ لَهُ قائِمًا مَقامَهُ لَفْظًا، وأدْخَلَ الفاءَ عَلَيْهِ، إذْ لا بُدَّ مِنها لِلدِّلالَةِ عَلى الجَزاءِ، ولا تَدْخُلُ عَلى مَعْمُولِ المَحْذُوفِ، أعْنِي إيّايَ، وإنْ فُرِضَ خُلُوُّهُ عَنْ فاءٍ لِتَمَحُّضِهِ عِوَضًا عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ الدُّخُولُ عَلى المُفَسِّرِ، وأيْضًا لِيُطابِقَ المَذْكُورَ المَحْذُوفَ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَزِمَ أنْ يُقَدَّرَ الفِعْلُ المَحْذُوفُ العامِلِ في (إيّايَ) مُؤَخَّرًا لِئَلّا يَفُوتَ التَّعْوِيضُ عَنْ فِعْلِ الشَّرْطِ مَعَ إفادَةِ ذَلِكَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ والإخْلاصِ، فالمَعْنى: إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ، فَإنْ لَمْ تُخْلِصُوا إلَيَّ العِبادَةَ في أرْضٍ فَأخْلِصُوها لِي في غَيْرِها، وجَعَلَ الشَّرْطَ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا، لِدِلالَةِ الجَوابِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ، ولا مَنعَ مِن أنْ تَكُونَ الفاءُ الأُولى واقِعَةً في جَوابِ شَرْطٍ آخَرَ تَرْشِيحًا لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى مَعْنى أنَّ أرْضِي واسِعَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإنْ لَمْ تُخْلِصُوا لِي إلَخْ، وقِيلَ: الفاءُ الأُولى جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وأمّا الثّانِي فَتَكْرِيرٌ لِيُوافِقَ المُفَسِّرُ المُفَسَّرَ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: المَعْنى إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ إنْ لَمْ تُخْلِصُوا لِي العِبادَةَ في أرْضٍ فَأخْلِصُوها لِي في غَيْرِها، وتَكُونُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ المُقَدَّرَةُ أعْنِي إنْ لَمْ تُخْلِصُوا إلَخْ، مُسْتَأْنَفَةً عَرِيَّةً عَنِ الفاءِ، وما تَقَدَّمَ أبْعَدُ مَغْزًى. وجَعَلَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الفاءَ الثّانِيَةَ لِعَطْفِ ما بَعْدَها عَلى المُقَدَّرِ العامِلِ في (إيّايَ) قَصْدًا لِنَحْوِ الِاسْتِيعابِ كَما فِي: خُذِ الأحْسَنَ فالأحْسَنَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ المَذْكُورُ مُفَسِّرًا لِعَدَمِ جَوازِ تَخَلُّلِ العاطِفِ بَيْنَ مُفَسِّرٍ ومُفَسَّرٍ البَتَّةَ، وأمّا ما ذَكَرَهُ الإمامُ السَّكّاكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [النَّحْلُ: 51] مِن أنَّ الفاءَ عاطِفَةٌ والتَّقْدِيرُ: فَإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ، فَإنَّهُ أرادَ بِهِ أنَّها في الأصْلِ كَذَلِكَ لا في الحالِ، عَلى ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، هَذا وقَدْ أطالُوا الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وقَدْ ذَكَرْنا جُمْلَةً مِنهُ في أوائِلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَراجِعْهُ مَعَ ما هُنا، وتَأمَّلْ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
29:57Page 403
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧
Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جِيءَ بِها حَثًّا عَلى إخْلاصِ العِبادَةِ والهِجْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، حَيْثُ أفادَتْ أنَّ الدُّنْيا لَيْسَتْ دارَ بَقاءٍ، وأنَّ وراءَها دارَ الجَزاءِ، أيْ: كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ واجِدَةٌ مَرارَةَ المَوْتِ، ومُفارِقَةٌ البَدَنَ البَتَّةَ، فَلا بُدَّ أنْ تَذُوقُوهُ، ثُمَّ تُرْجَعُونَ إلى حُكْمِنا، وجَزائِنا بِحَسَبِ أعْمالِكُمْ، فَمَن كانَتْ هَذِهِ عاقِبَتَهُ، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّزَوُّدِ والِاسْتِعْدادِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ذائِقَةُ المَوْتِ ) اسْتِعارَةٌ لِتَشْبِيهِ المَوْتِ بِأمْرٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ مُرِّهِ، والعُدُولُ عَنْ تَذَوُّقِ المَوْتِ لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ( وثُمَّ ) لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوِ الرُّتَبِيِّ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ «ذائِقَةٌ» بِالتَّنْوِينِ «المَوْتَ» بِالنَّصْبِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «تَرْجِعُونَ» مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ورَوى عاصِمٌ «يَرْجِعُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
29:58Page 403
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨
And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أيْ لِنُنْزِلَنَّهم عَلى وجْهِ الإقامَةِ، وجُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ خَبَرُ المُبْتَدَإ أعْنِي ( الَّذِينَ )، ورُدَّ بِهِ وبِأمْثالِهِ عَلى ثَعْلَبٍ المانِعِ مِن وُقُوعِ جُمْلَةِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾ أيْ عَلالِيَ وقُصُورًا جَلِيلَةً لا قُصُورَ فِيها، وهي عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِنَ الدُّرِّ، والزَّبَرْجَدِ، والياقُوتِ، مَفْعُولٌ ثانٍ لِلتَّبْوِئَةِ.
صفحة 11
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وعَبْدُ اللَّهِ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ «لَنُثَوِّيَنَّهُمْ» بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ السّاكِنَةِ بَعْدَ النُّونِ، وإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً مِنَ الثَّواءِ بِمَعْنى الإقامَةِ، فانْتِصابُ ﴿غُرَفًا﴾ حِينَئِذٍ إمّا بِإجْرائِهِ مَجْرى لَنُنْزِلَنَّهُمْ، فَهو مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ، أوْ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى أنَّ أصْلَهُ بِغُرَفٍ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ انْتَصَبَ، أوْ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، والظَّرْفُ المَكانِيُّ إذا كانَ مَحْدُودًا كالدّارِ والغُرْفَةِ لا يَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ إلّا أنَّهُ أُجْرِيَ هُنا مَجْرى المُبْهَمِ تَوَسُّعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافُ: 16]، عَلى ما فُصِّلَ في النَّحْوِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ «غُرُفًا» بِضَمِّ الرّاءِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ صِفَةٌ لِـ ( غُرَفًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في الغُرَفِ، وقِيلَ: في الجَنَّةِ ﴿نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ أيِ الأعْمالَ الصّالِحَةَ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ الغُرَفُ أوْ أجْرُهُمْ، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّمْيِيزِ مَحْذُوفًا، أيْ نِعْمَ أجْرًا أجْرُ العامِلِينَ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ «فَنِعْمَ» بِفاءِ التَّرْتِيبِ.
29:59Page 403
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩
Who have been patient and upon their Lord rely.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ صِفَةٌ لِلْعامِلِينَ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ صَبَرُوا عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ وشَدائِدِ المُهاجَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ والمَشاقِّ، ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ ولَمْ يَتَوَكَّلُوا فِيما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ إلّا عَلى اللَّهِ تَعالى.
29:60Page 403
وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠
And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.
﴿وكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾ لِما رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ بِالمُهاجَرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالُوا: كَيْفَ نَقْدَمُ بَلْدَةً لَيْسَ لَنا فِيها مَعِيشَةٌ؟ فَنَزَلَتْ».
أيْ وكَمْ مِن دابَّةٍ لا تُطِيقُ حَمْلَ رِزْقَها لِضَعْفِها، أوْ لا تَدَّخِرُهُ، وإنَّما تُصْبِحُ ولا مَعِيشَةَ عِنْدَها. عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ يُخَبِّئُ إلّا الإنْسانَ والنَّمْلَةَ والفَأْرَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَدَّخِرُ إلّا الآدَمِيُّ والنَّمْلُ والفَأْرَةُ والعَقْعَقُ، ويُقالُ لِلْعَقْعَقِ مُخابِي، إلّا أنَّهُ يَنْساها، وعَنْ بَعْضِهِمْ: رَأيْتُ البُلْبُلَ يَحْتَكِرُ في حِضْنَيْهِ، والظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ، وذَكَرَ لِي بَعْضُهم أنَّ أغْلَبَ الكَوامِنِ مِنَ الطَّيْرِ يَدَّخِرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ ثُمَّ إنَّها مَعَ ضَعْفِها وتَوَكُّلِها، وإيّاكم مَعَ قُوَّتِكم واجْتِهادِكم سَواءٌ في أنَّهُ لا يَرْزُقُها وإيّاكم إلّا اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ رِزْقَ الكُلِّ بِأسْبابٍ هو عَزَّ وجَلَّ المُسَبِّبُ لَها وحْدَهُ، فَلا تَخافُوا عَلى مَعاشِكم بِالمُهاجَرَةِ، ولَمّا كانَ المُرادُ إزالَةَ ما في أوْهامِهِمْ مِنَ الهِجْرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قِيلَ: ﴿يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ دُونَ يَرْزُقُكم وإيّاها ﴿وهُوَ السَّمِيعُ﴾ البالِغُ في السَّمْعِ فَيَسْمَعُ قَوْلَكم هَذا، ﴿العَلِيمُ﴾ البالِغُ في العِلْمِ فَيَعْلَمُ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ ضَمائِرُكم.
29:61Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١
If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?
﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ أيْ أهْلَ مَكَّةَ ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ، ولا التَّرَدُّدِ فِيهِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ السُّؤالِ عَلَيْهِ، أوْ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ لِذَلِكَ أيْضًا، ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِمُوجَبِهِ، والفاءُ لِلتَّرْتِيبِ أوْ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الإقْرارِ بِتَفَرُّدِهِ عَزَّ وجَلَّ في الأُلُوهِيَّةِ، مَعَ إقْرارِهِمْ بِتَفَرُّدِهِ سُبْحانَهُ فِيما ذَكَرَ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْخِيرِ.
وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ الشَّرْطَ، فَإنْ صَرَفَهُمُ الهَوى والشَّيْطانُ، لِمَكانِ بِناءِ ( يُؤْفَكُونَ ) لِلْمَفْعُولِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى.
29:62Page 403
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢
Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَبْسُطَهُ لَهُ لا غَيْرُهُ ﴿مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، والضَّمِيرُ
صفحة 12
عائِدٌ عَلى ( مَن يَشاءُ ) الَّذِي يَبْسُطُ لَهُ الرِّزْقَ أيْ عائِدٌ عَلَيْهِ مَعَ مُلاحَظَةِ مُتَعَلِّقِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ يُوَسِّعُ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ رِزْقَهُ تارَةً ويُضَيِّقُهُ عَلَيْهِ أُخْرى، والواوُ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، فَقَدْ يَتَقَدَّمُ التَّضْيِيقُ عَلى التَّوْسِيعِ، أوْ عائِدٌ عَلى ( مَن يَشاءُ ) بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، فالمُرادُ مَن يَشاءُ آخَرُ غَيْرُ المَذْكُورِ، فَهو نَظِيرُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، أيْ نِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ، فالمَعْنى أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ يُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ النّاسِ ويُضَيِّقُ عَلى بَعْضٍ آخَرَ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ «ويُقَدِّرُ» بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ القافِ، وشَدِّ الدّالِ، ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِنَ البَسْطِ والقَدْرِ في أيِّ وقْتٍ يُوافِقُ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ، فَيَفْعَلُ كُلًّا مِنهُما في وقْتِهِ، أوْ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِبَسْطِ الرِّزْقِ فَيَبْسُطُهُ لَهُ، ومَن يَلِيقُ بِقَدْرِهِ لَهُ فَيَقْدُرُ لَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ إلَخْ، تَكْمِيلٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُها وإيّاكُمْ﴾ لِأنَّ الأوَّلَ كَلامٌ في المَرْزُوقِ وعُمُومِهِ، وهَذا كَلامٌ في الرِّزْقِ وبَسْطِهِ وقَتَرَتِهِ.
29:63Page 403
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٦٣
And if you asked them, "Who sends down rain from the sky and gives life thereby to the earth after its lifelessness?" they would surely say, "Allāh." Say, "Praise to Allāh"; but most of them do not reason.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ إلَخْ، مُعْتَرِضٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الآيَتَيْنِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ مُقِرُّونَ بِقُدْرَتِنا وبِقُوَّتِنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذّارِياتُ: 58] قالَهُ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ.
وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اعْتُرِضَ لِيُفِيدَ أنَّ الخالِقَ هو الرَّزّاقُ، وأنَّ مَن أفاضَ ابْتِداءً وأوْجَدَ أوْلى أنْ يَقْدِرَ عَلى الإبْقاءِ، وأكَّدَ بِهِ ما ضُمِّنَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن نَزَّلَ مَن السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ مَن بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُوجِدُ لِلْمُمْكِناتِ بِأسْرِها أُصُولِها وفَرْعِها، ثُمَّ إنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ الَّذِي لا يَكادُ يُتَوَهَّمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلى شَيْءٍ ما أصْلًا ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى إظْهارِ الحُجَّةِ واعْتِرافِهِمْ بِما يَلْزَمُهُمْ، وقِيلَ: حَمِدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى العِصْمَةِ مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ حَيْثُ أشْرَكُوا مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ أُصُولَ النِّعَمِ وفُرُوعَهُما مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ، فَيَكُونُ كالحَمْدِ عِنْدَ رُؤْيَةِ المُبْتَلى، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَمْدًا عَلى هَذا وذاكَ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ما يَقُولُونَ، وما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وصِحَّةِ التَّوْحِيدِ، أوْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِمْ هَذا، فَيُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، قِيلَ: إضْرابٌ عَنْ جَهْلِهِمُ الخاصِّ في الإتْيانِ بِما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم مَسْلُوبُو العُقُولِ، فَلا يَبْعُدُ عَنْهم مِثْلُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ ) مُعْتَرِضٌ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ لُقْمانَ إلْزامًا وتَقْرِيرًا لِاسْتِحْقاقِهِ تَعالى العِبادَةَ، وقِيلَ: ( لا يَعْقِلُونَ ) ما تُرِيدُ بِتَحْمِيدِكَ عِنْدَ مَقالِهِمْ ذَلِكَ، ولَمْ يَرْتَضِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِخَفائِهِ وقِلَّةِ جَدْواهُ، وتَكَلُّفِ تَوْجِيهِ الإضْرابِ فِيهِ.
29:64Page 404
وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٦٤
And this worldly life is not but diversion and amusement. And indeed, the home of the Hereafter - that is the [eternal] life, if only they knew.
﴿وما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةُ تَحْقِيرٍ، وكَيْفَ لا، والدُّنْيا لا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ.
فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ»» .
وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: (الدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْها كَلْبٌ بِيَدِ مَجْذُومٍ)، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ حَقارَةُ ما فِيها مِنَ الحَياةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى ﴿إلا لَهْوٌ ولَعِبٌ﴾ أيْ إلّا كَما يَلْهُو ويَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ، يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ويَبْتَهِجُونَ بِهِ ساعَةً ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ ﴿وإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ﴾ أيْ لَهي دارُ الحَياةِ الحَقِيقِيَّةِ إذْ لا يَعْرِضُ المَوْتُ والفَناءُ لِمَن فِيها، أوْ هي ذاتُها حَياةٌ لِلْمُبالَغَةِ، ( والحَيَوانُ ) مَصْدَرُ حَيِيَ سُمِّيَ بِهِ ذُو الحَياةِ في غَيْرِ
صفحة 13
هَذا المَحَلِّ، وأصْلُهُ حَيَيانٌ فَقُلِبَتِ الياءُ الثّانِيَةُ واوًا عَلى خِلافِ القِياسِ فَلامَهُ ياءٌ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ.
وقِيلَ: إنَّ لامَهُ واوٌ نَظَرًا إلى ظاهِرِ الكَلِمَةِ، وإلى حَياةٍ عَلَمِ رَجُلٍ، ولا حُجَّةَ عَلى كَوْنِهِ ياءً في حَيٍّ، لِأنَّ الواوَ في مِثْلِهِ تُبْدَلُ ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلَها، نَحْوُ: شَقِيٍّ مِنَ الشِّقْوَةِ، وهو أبْلَغُ مِنَ الحَياةِ لِما في بِناءِ فَعْلانٍ مِن مَعْنى الحَرَكَةِ والِاضْطِرابِ اللّازِمِ لِلْحَياةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ عَلَيْها في هَذا المَقامِ المُقْتَضِي لِلْمُبالَغَةِ، وقَدْ عَلِمْتَها في وصْفِ الحَياةِ الدُّنْيا المُقابِلَةِ لِلدّارِ الآخِرَةِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ لَما آثَرُوا عَلَيْها الدُّنْيا الَّتِي أصْلُها عَدَمُ الحَياةِ، ثُمَّ ما يَحْدُثُ فِيها مِنَ الحَياةِ فِيها عارِضَةٌ سَرِيعَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِاضْمِحْلالِ، وكَوْنُ ( لَوْ ) لِلتَّمَنِّي بَعِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences