Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:104–106
3:104Page 63
وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤
And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.
﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَكْمِيلِ الغَيْرِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِتَكْمِيلِ النَّفْسِ لِيَكُونُوا هادِينَ مَهْدِيِّينَ عَلى ضِدِّ أعْدائِهِمْ، فَإنَّ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِمْ فِيما سَبَقَ بَدُلُّ عَلى أنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ لامِ الأمْرِ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ، وتَكُنْ إمّا مِن كانَ التّامَّةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) فاعِلًا، وجُمْلَةُ ( يَدْعُونَ ) صِفَتُهُ، و( مِنكم ) مُتَعَلِّقٌ بِتَكُنْ أوْ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنْ يَكُونَ صِفَةً - لِأُمَّةٍ - قُدِّمَ
صفحة 21
عَلَيْها فَصارَ حالًا، وإمّا مِن كانَ النّاقِصَةِ فَتَكُونُ ( أُمَّةٌ ) اسْمَها و( يَدْعُونَ ) خَبَرَها، و( مِنكم ) إمّا حالٌ مِن أُمَّةٍ أوْ مُتَعَلِّقٌ بَكانَ النّاقِصَةِ، والأُمَّةُ الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّ أيْ تَقْصِدُ لِأمْرٍ ما، وتُطْلَقُ عَلى أتْباعِ الأنْبِياءِ لِاجْتِماعِهِمْ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ وعَلى القُدْوَةِ، ومِنهُ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ وعَلى الدِّينِ والمِلَّةِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وعَلى الزَّمانِ، ومِنهُ ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعانِيها، والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى ما فِيهِ صَلاحٌ دِينِيٌّ أوْ دُنْيَوِيٌّ، فَعَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إيذانًا بِمَزِيدِ فَضْلِهِما عَلى سائِرِ الخَيْراتِ كَذا قِيلَ، قالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ هَذا لَيْسَ مِن تِلْكَ البابِ لِأنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ العامِّ جَمِيعَ ما يَتَناوَلُهُ إذِ الخَيْرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ إمّا فِعْلٌ مَأْمُورٌ أوْ تَرْكٌ مَنهِيٌّ لا يَعْدُو واحِدًا مِن هَذَيْنِ حَتّى يَكُونَ تَخْصِيصُهُما بِتَمَيُّزِهِما عَنْ بَقِيَّةِ المُتَناوِلاتِ، فالأوْلى أنْ يُقالَ فائِدَةُ هَذا التَّخْصِيصِ ذِكْرُ الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ عامًّا ثُمَّ مُفَصَّلًا، وفي تَثْنِيَةِ الذِّكْرِ عَلى وجْهَيْنِ ما لا يَخْفى مِنَ العِنايَةِ إلّا إنْ ثَبَتَ عُرْفٌ يَخُصُّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ بِبَعْضِ أنْواعِ الخَيْرِ وحِينَئِذٍ يَتَّمُ ما ذَكَرَ، وما أرى هَذا العُرْفَ ثابِتًا انْتَهى، ولَهُ وجْهٌ وجِيهٌ لِأنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لَوْ فُسِّرَ بِما يَشْمَلُ أُمُورَ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها أمْرٌ أوْ نَهْيٌ كانَ أعَمَّ مِن فَرْضِ الكِفايَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ ثُمَّ قالَ: الخَيْرُ اتِّباعُ القُرْآنِ وسُنَّتِي» وهَذا يَدُلُّ أنَّ الدُّعاءَ إلى الخَيْرِ لا يَشْمَلُ الدُّعاءَ إلى أُمُورِ الدُّنْيا.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الخَيْرَ بِمَعْرُوفٍ خاصٍّ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وجَعَلَ المَعْرُوفَ في الآيَةِ ما عَداهُ مِنَ الطّاعاتِ، فَحِينَئِذٍ لا يَتَأتّى ما قالَهُ ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الخَيْرَ الإسْلامُ، والمَعْرُوفَ طاعَةُ اللَّهِ، والمُنْكَرَ مَعْصِيَتُهُ، وحَذْفُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْإعْلامِ بِظُهُورِهِ، أيْ يَدْعُونَ النّاسَ ولَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ ويَأْمُرُونَهم ويَنْهَوْنَهم، وإمّا لِلْقَصْدِ إلى إيجادِ نَفْسِ الفِعْلِ عَلى حَدِّ: فُلانٌ يُعْطِي، أيْ يَفْعَلُونَ الدُّعاءَ والأمْرَ والنَّهْيَ ويُوقِعُونَها، والخِطابُ قِيلَ مُتَوَجِّهٌ إلى مَن تُوَجِّهَ الخِطابُ الأوَّلُ إلَيْهِ في رَأْيٍ وهُمُ الأوْسُ والخَزْرَجُ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خاصَّةً وهُمُ الرُّواةُ، والأكْثَرُونَ عَلى جَعْلِهِ عامًّا، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذَكَرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و( مِن ) هُنا قِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلتَّبْيِينِ، وهي تَجْرِيدِيَّةٌ كَما يُقالُ لِفُلانٍ مِن أوْلادِهِ جُنْدٌ، ولِلْأمِيرِ مِن غِلْمانِهِ عَسْكَرٌ، يُرادُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأوْلادِ والغِلْمانِ.
ومَنشَأُ الخِلافِ في ذَلِكَ أنَّ العُلَماءَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، ولَمْ يُخالِفْ في ذَلِكَ إلّا النَّزْرُ، ومِنهُمُ الشَّيْخُ أبُو جَعْفَرٍ مِنَ الإمامِيَّةِ قالُوا: إنَّها مِن فُرُوضِ الأعْيانِ، واخْتَلَفُوا في أنَّ الواجِبَ عَلى الكِفايَةِ هَلْ هو واجِبٌ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، ويَسْقُطُ عَنْهم بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ أوْ هو واجِبٌ عَلى البَعْضِ، ذَهَبَ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ إلى الثّانِي لِلِاكْتِفاءِ بِحُصُولِهِ مِنَ البَعْضِ، ولَوْ وجَبَ عَلى الكُلِّ لَمْ يَكْتَفِ بِفِعْلِ البَعْضِ، إذْ يُسْتَبْعَدُ سُقُوطُ الواجِبِ عَلى المُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وذَهَبَ إلى الأوَّلِ الجُمْهُورُ وهو ظاهِرُ نَصِّ الإمامِ الشّافِعِيِّ في الأُمِّ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِإثْمِ الجَمِيعِ بِتَرْكِهِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ لَما أثِمُوا بِالتَّرْكِ.
وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ إثْمَهم بِالتَّرْكِ لِتَفْوِيتِهِمْ ما قُصِدَ حُصُولُهُ مِن جِهَتِهِمْ في الجُمْلَةِ لا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ أعْنِي إثْمَ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ.
صفحة 22
والجَوابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ الإسْقاطُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِفِعْلِهِمْ أوْلى مِن تَأْثِيمِ غَيْرِهِمْ بِتَرْكِهِمْ يُقالُ فِيهِ: بَلْ هو أوْلى لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَظِيرُهُ شَرْعًا مِن إسْقاطِ ما عَلى زَيْدٍ بِأداءِ عَمْرٍو، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ آخَرَ فَيَتِمُّ ما قالَهُ الجُمْهُورُ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ بِأنَّ هَذا هو الحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعادِ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى لَوِ ارْتَبَطَ التَّكْلِيفُ في الظّاهِرِ بِتِلْكَ الطّائِفَةِ الأُخْرى بِعَيْنِها وحْدَها لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ الأمْرِ لَهُما وتَعَلُّقِهِ بِهِما مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِإحْداهُما عَلى الأُخْرى، فَلَيْسَ في التَّأْثِيمِ المَذْكُورِ تَأْثِيمُ طائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ، إذْ كَوْنُ الأُخْرى كُلِّفَتْ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ مُتَساوِيَتانِ في احْتِمالِ كُلٍّ أنْ تَكُونَ مُكَلَّفَةً بِهِ، فالِاسْتِبْعادُ المَذْكُورُ لَيْسَ في مَحَلِّهِ، عَلى أنَّهُ إذا قُلْنا بِما اخْتارَهُ جَماعَةٌ مِن أصْحابِ المَذْهَبِ الثّانِي مِن أنَّ البَعْضَ مُبْهَمُ آلَ الحالُ إلى أنَّ المُكَلَّفَ طائِفَةٌ لا بِعَيْنِها، فَيَكُونُ المُكَلَّفُ القَدْرُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ الطَّوائِفِ، الصّادِقُ بِكُلِّ طائِفَةٍ، فَجَمِيعُ الطَّوائِفِ مُسْتَوِيَةٌ في تَعَلُّقِ الخِطابِ بِها بِواسِطَةِ تَعَلُّقِهِ بِالقَدْرِ المُشْتَرِكِ المُسْتَوِي فِيها فَلا إشْكالَ في اسْمِ الجَمِيعِ، ولا يَصِيرُ النِّزاعُ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ لَفْظِيًّا حَيْثُ إنَّ الخِطابَ حِينَئِذٍ عَمَّ الجَمِيعَ عَلى القَوْلَيْنِ، وكَذا الإثْمُ عِنْدَ التَّرْكِ لِما أنَّ في أحَدِهِما دَعْوى التَّعْلِيقِ بِكُلِّ واحِدٍ بِعَيْنِهِ، وفي الآخَرِ دَعْوى تَعَلُّقِهِ بِكُلٍّ بِطْرِيقِ السِّرايَةِ مَن تُعَلِّقِهِ بِالمُشْتَرِكِ، وثَمَرَةُ ذَلِكَ أنَّ مَن شَكَّ أنَّ غَيْرَهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ الواجِبَ لا يَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالسِّرايَةِ، ويَلْزَمُهُ عَلى القَوْلِ بِالابْتِداءِ، ولا يَسْقُطُ عَنْهُ إلّا إذا ظَنَّ فِعْلَ الغَيْرِ، ومِن هُنا يَسْتَغْنِي عَنِ الجَوابِ عَمّا اعْتُرِضَ بِهِ مِن طَرَفِ الجُمْهُورِ، فَلا يَضُرُّنا ما قِيلَ فِيهِ، عَلى أنَّهُ يُقالُ عَلى ما قِيلَ: لَيْسَ الدَّيْنُ نَظِيرَ ما نَحْنُ فِيهِ كُلِّيًّا؛ لِأنَّ دَيْنَ زَيْدٍ واجِبٌ عَلَيْهِ وحْدَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَيْرِهِ؛ فَلِذا صَحَّ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ بِأداءِ غَيْرِهِ ولَمْ يَصِحَّ أنْ يَأْثَمَ غَيْرُهُ بِتَرْكِ أدائِهِ، بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ فَإنَّ نِسْبَةَ الواجِبِ في الظّاهِرِ إلى كِلْتا الطّائِفَتَيْنِ عَلى السَّواءِ فِيهِ، فَجازَ أنْ يَأْثَمَ كُلُّ طائِفَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِها لِتَعَلُّقِ الوُجُوبِ بِها بِحَسَبِ الظّاهِرِ واسْتِوائِها مَعَ غَيْرِها في التَّعَلُّقِ.
وأمّا قَوْلُهم: ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِأداءِ آخَرَ فَهو لا يُطابِقُ البَحْثَ إذْ لَيْسَ المُدَّعى تَأْثِيمَ أحَدٍ بِأداءِ غَيْرِهِ، بَلْ تَأْثِيمُهُ بِتَرْكٍ، فالمُطابِقُ، ولَمْ يَثْبُتْ تَأْثِيمُ إنْسانٍ بِتَرْكِ أداءِ آخَرَ، ويُتَخَلَّصُ مِنهُ حِينَئِذٍ بِأنَّ التَّعَلُّقَ في الظّاهِرِ مُشْتَرِكٌ في سائِرِ الطَّوائِفِ، فَيَتِمُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الرّازِيُّ وأتْباعُهُ - وهو مُخْتارُ ابْنِ السُّبْكِيِّ - خِلافًا لِأبِيهِ، إذا تَحَقَّقَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ البَعْضُ قالُوا: إنَّ مِن لِلتَّبْعِيضِ، وأنَّ القائِلِينَ بِأنَّ المُكَلَّفَ الكُلُّ قالُوا: إنَّها لِلتَّبْيِينِ، وأيَّدُوا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أثْبَتَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لِكُلِّ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَوْنَ الدُّعاءِ فَرْضَ عَيْنٍ، فَإنَّ الجِهادَ مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ بِالإجْماعِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالخِطاباتِ العامَّةِ فَتَأمَّلْ. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ الكامِلَةِ.
﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (104) أيِ الكامِلُونَ في الفَلاحِ، وبِهَذا صَحَّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الطَّرَفَيْنِ، أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى عَنْ دُرَّةَ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ قالَتْ: ”«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن خَيْرُ النّاسِ ؟ قالَ: آمَرُهم بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ وأتْقاهم لِلَّهِ تَعالى وأوْصَلَهم لِلرَّحِمِ“».
ورَوى الحَسَنُ: مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ فَهو خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى وخَلِيفَةُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَلِيفَةُ كِتابِهِ، - ورُوِيَ -: «لَتَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُّنَ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم سُلْطانًا ظالِمًا لا يُجِلُّ كَبِيرَكم ولا يَرْحَمُ صَغِيرَكم، ويَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهم، وتَسْتَنْصِرُونَ فَلا تُنْصَرُونَ».
والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ يَكُونُ واجِبًا ومَندُوبًا عَلى حَسَبِ ما يُؤْمَرُ بِهِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ كَذَلِكَ أيْضًا إنْ قُلْنا: إنَّ المَكْرُوهَ مُنْكَرٌ شَرْعًا، وأمّا إنْ فُسِّرَ
صفحة 23
بِما يَسْتَحِقُّ العِقابَ عَلَيْهِ كَما أنَّ المَعْرُوفَ ما يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ إلّا واجِبًا، وبِهِ قالَ بَعْضُهم إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّهُما لَيْسا عَلى طَرَفَيْ نَقِيضٍ، والأظْهَرُ أنَّ العاصِيَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُنْهى عَمّا يَرْتَكِبُهُ؛ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ نَهْيُ كُلِّ فاعِلٍ، وتَرْكُ نَهْيِ بَعْضٍ وهو نَفْسُهُ لا يُسْقِطُ عَنْهُ وُجُوبَ نَهْيِ الباقِي، وكَذا يُقالُ في جانِبِ الأمْرِ ولا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِأنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَنْ عَدَمِ الفِعْلِ لا عَنِ القَوْلِ، ولا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّ التَّوْبِيخَ إنَّما هو عَلى نِسْيانِ أنْفُسِهِمْ لا عَلى أمْرِهِمْ بِالبِرِّ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: مُرُوا بِالخَيْرِ وإنْ لَمْ تَفْعَلُوا. نَعَمْ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مَعْرُوفَةٌ مَحَلُّها، والأصْلُ فِيهِما افْعَلْ كَذا ولا تَفْعَلْ كَذا، والقِتالُ لِيَمْتَثِلَ المَأْمُورُ والمَنهِيُّ أمْرَ وراءِ ذَلِكَ، ولَيْسَ داخِلًا في حَقِيقَتِهِما، وإنْ وجَبَ عَلى بَعْضٍ كالأُمَراءِ في بَعْضِ الأحْيانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ آخَرُ كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهم أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ، واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرِ سِنِينَ، وفَرِّقُوا بَيْنَهم في المَضاجِعِ» .
3:105Page 63
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥
And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ الحَسَنُ والرَّبِيعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وسَبْعُونَ في النّارِ، وافْتَرَقَتِ النَّصارى عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً فَإحْدى وسَبْعُونَ في النّارِ وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَواحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ في النّارِ. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مِن هم ؟ قالَ: الجَماعَةُ».
وفِي رِوايَةِ أحْمَدَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ أهْلَ الكِتابِ تَفَرَّقُوا في دِينِهِمْ عَلى ثِنْتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، وتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ كُلُّها في النّارِ إلّا واحِدَةً».
وفِي رِوايَةٍ لَهُ أُخْرى عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا أيْضًا: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَفَرَّقَتْ إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَهَلَكَتْ سَبْعُونَ فِرْقَةً، وخَلَصَتْ فِرْقَةٌ واحِدَةٌ، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً تَهْلِكُ إحْدى وسَبْعُونَ فِرْقَةً وتَخْلُصُ فِرْقَةٌ» .
ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ؛ لِأنَّ الِافْتِراقَ حَصَلَ لِمَن حَصَلَ عَلى طِبْقِ ما وقَعَ فِيها في بَعْضِ الأوْقاتِ وهو يَكْفِي لِلصِّدْقِ وإنْ زادَ العَدَدُ أوْ نَقَصَ في وقْتٍ آخَرَ.
( ﴿واخْتَلَفُوا﴾ ) في التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ وأحْوالِ المَعادِ، قِيلَ: وهَذا مَعْنى تَفَرَّقُوا وكَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: التَّفَرُّقُ بِالعَداوَةِ، والِاخْتِلافُ بِالدِّيانَةِ.
﴿مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الآياتُ والحُجَجُ المُبَيِّنَةُ لِلْحَقِّ المُوجِبَةُ لِاتِّحادِ الكَلِمَةِ، وقالَ الحَسَنُ: التَّوْراةُ، وقالَ قَتادَةُ وأبُو أُمامَةَ: القُرْآنُ. ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ ﴿لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (501) لا يَكْتَنِهُ عَلى تَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمُ المَذْكُورُ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ لَهم وتَهْدِيدٌ لِلْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ لِأنَّ التَّشْبِيهَ بِالمَغْضُوبِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي الغَضَبَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ مَحْمُولٌ كَما قِيلَ عَلى الِاخْتِلافِ في الأُصُولِ دُونَ الفُرُوعِ، ويُؤْخَذُ هَذا التَّخْصِيصُ مِنَ التَّشْبِيهِ، وقِيلَ: إنَّهُ شامِلٌ لِلْأُصُولِ والفُرُوعِ لِما نَرى مِنِ اخْتِلافِ أهْلِ السُّنَّةِ فِيها - كالماتُرِيدِيِّ والأشْعَرِيِّ - فالمُرادُ حِينَئِذٍ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاخْتِلافِ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِلافِ فِيما ورَدَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الشّارِعِ أوْ أجْمَعَ عَلَيْهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.
واسْتُدِلَّ عَلى عَدَمِ المَنعِ مِنَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»، وبِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَهْما أُوتِيتُمْ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى فالعَمَلُ بِهِ لا عُذْرَ لِأحَدٍ في تَرْكِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في كِتابِ
صفحة 24
اللَّهِ تَعالى فَسُنَّةٌ مِنِّي ماضِيَةٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ مِنِّي فَما قالَ أصْحابِي بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، فَأيُّما أخَذْتُمْ بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، واخْتَلافُ أصْحابِي لَكم رَحْمَةٌ». وأرادَ بِهِمْ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَواصَّهُمُ البالِغِينَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ، والمَقْصُودُ بِالخِطابِ مَن دُونَهم فَلا إشْكالَ فِيهِ خِلافًا لِمَن وهِمَ، والرِّواياتُ عَنِ السَّلَفِ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ.
فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةٌ لِعِبادِ اللَّهِ تَعالى، وأخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقاتِهِ بِلَفْظِ: كانَ اخْتِلافُ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً لِلنّاسِ، وفي المَدْخَلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: ما سَرَّنِي لَوْ أنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَخْتَلِفُوا لَمْ تَكُنْ رُخْصَةٌ. واعْتَرَضَ الإمامُ السُّبْكِيُّ بِأنَّ: «اخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ ولَمْ أقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ ولا مَوْضُوعٍ، ولا أظُنُّ لَهُ أصْلًا إلّا أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ النّاسِ، بِأنْ يَكُونَ أحَدٌ قالَ: ”اخْتِلافُ الأُمَّةِ رَحْمَةٌ“ فَأخَذَهُ بَعْضُهم فَظَنَّهُ حَدِيثًا فَجَعَلَهُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ، وما زِلْتُ أعْتَقِدُ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا أصْلَ لَهُ، واسْتَدِلَّ عَلى بُطْلانِهِ بِالآياتِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ النّاطِقَةِ بِأنَّ الرَّحْمَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاخْتِلافِ، والآياتُ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ومِنَ الأحادِيثِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّما هَلَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكم“» وهو وإنْ كانَ وارِدًا في تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، ثُمَّ قالَ: والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، وأنَّ الِاخْتِلافَ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: أحَدُها في الأُصُولِ ولا شَكَّ أنَّهُ ضَلالٌ وسَبَبُ كُلِّ فَسادٍ وهو المُشارُ إلَيْهِ في القُرْآنِ، والثّانِي في الآراءِ والحُرُوبِ، ويُشِيرُ إلَيْهِ «قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى لَمّا بَعَثَهُما إلى اليَمَنِ: ”تَطاوَعا ولا تَخْتَلِفا“»، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّهُ حَرامٌ لِما فِيهِ مِن تَضْيِيعِ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، والثّالِثُ في الفُرُوعِ كالِاخْتِلافِ في الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِهِما، والَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنهُ أيْضًا لَكِنْ هَلْ هو ضَلالٌ كالقِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ أمْ لا ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَكَلامُ ابْنِ حَزْمٍ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهُ مِمَّنْ يَمْنَعُ التَّقْلِيدَ يَقْتَضِي الأوَّلَ، وأمّا نَحْنُ فَإنّا نُجَوِّزُ التَّقْلِيدَ لِلْجاهِلِ والأخْذَ عِنْدَ الحاجَةِ بِالرُّخْصَةِ مِن أقْوالِ بَعْضِ العُلَماءِ مِن غَيْرِ تَتَبُّعِ الرُّخَصِ وهو يَقْتَضِي الثّانِي، ومِن هَذا الوَجْهِ قَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الِاخْتِلافُ رَحْمَةٌ، فَإنَّ الرُّخَصَ مِنها بِلا شُبْهَةٍ، وهَذا لا يُنافِي قَطْعًا القَطْعَ بِأنَّ الِاتِّفاقَ خَيْرٌ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ لِأنَّ جِهَةَ الخَيْرِيَّةِ تَخْتَلِفُ، وجِهَةَ الرَّحْمَةِ تَخْتَلِفُ، فالخَيْرِيَّةُ في العِلْمِ بِالدِّينِ الحَقِّ الَّذِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ وهو الصَّوابُ عِنْدَهُ، والرَّحْمَةُ في الرُّخْصَةِ لَهُ وإباحَةُ الإقْدامِ بِالتَّقْلِيدِ عَلى ذَلِكَ، ورَحْمَةٌ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ لا تَقْتَضِي العُمُومُ فَيَكْتَفِي في صِحَّتِهِ أنْ يَحْصُلَ في الِاخْتِلافِ رَحْمَةٌ ما في وقْتٍ ما في حالَةٍ ما عَلى وجْهٍ ما، فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَدِيثًا فَيُخَرَّجُ عَلى هَذا، وكَذا إنْ لَمْ يَكُنْهُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لا نَقُولُ إنَّ الِاخْتِلافَ مَأْمُورٌ بِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ الِاتِّفاقَ مَأْمُورٌ بِهِ يَلْتَفِتُ إلى أنَّ المُصِيبَ واحِدٌ أمْ لا ؟ فَإنْ قُلْنا: إنَّ المُصِيبَ واحِدٌ وهو الصَّحِيحُ فالحَقُّ في نَفْسِ الأمْرِ واحِدٌ، والنّاسُ كُلُّهم مَأْمُورُونَ بِطَلَبِهِ واتِّفاقِهِمْ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ، والِاخْتِلافُ حِينَئِذٍ مَنهِيٌّ عَنْهُ، وإنْ عُذِرَ المُخْطِئُ وأُثِيبَ عَلى اجْتِهادِهِ وصَرْفِ وُسْعِهِ لِطَلَبِ الحَقِّ.
فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنِّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ”«إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ وأصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ فَأخْطَأ فَلَهُ أجْرٌ“» وكَذَلِكَ إذا قُلْنا بِالشَّبَهِ كَما هو قَوْلُ بَعْضِ الأُصُولِيِّينَ، وأمّا إذا قُلْنا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، فَكُلُّ أحَدٍ مَأْمُورٌ بِالِاجْتِهادِ، وبِاتِّباعِ ما غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ فَلا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا كُلَّهم مَأْمُورِينَ بِالِاتِّفاقِ ولا أنْ لا يَكُونَ اخْتِلافُهم مَنهِيًّا عَنْهُ، وإطْلاقُ الرَّحْمَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ
صفحة 25
فِي الِاخْتِلافِ أقْوى مِن إطْلاقِها عَلى قَوْلِنا: المُصِيبُ واحِدٌ، هَذا كُلُّهُ إذا حَمَلْنا الِاخْتِلافَ في الخَبَرِ عَلى الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ، وأمّا إذا قُلْنا المُرادُ الِاخْتِلافُ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ فَلا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي يُطْلَبُ مِنَ العَبْدِ شُكْرُها كَما قالَ الحَلِيمِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، لَكِنْ كانَ المُناسِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ اخْتِلافُ النّاسِ رَحْمَةٌ إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِلْأُمَّةِ بِذَلِكَ، فَإنَّ كُلَّ الأُمَمِ مُخْتَلِفُونَ في الصَّنائِعِ والحِرَفِ لا هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَطْ، فَلا بُدَّ لِتَخْصِيصِ الأُمَّةِ مِن وجْهٍ، ووَجَّهَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ بِأنَّ المَراتِبَ والمَناصِبَ الَّتِي أُعْطِيَتْها أُمَّتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ تُعْطَها أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ، فَهي مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم وفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، لَكِنَّهُ لا يَسْبِقُ مِن لَفْظِ الِاخْتِلافِ إلى ذَلِكَ ولا إلى الصَّنائِعِ والحِرَفِ، فالحِرْفَةُ الإبْقاءُ عَلى الظّاهِرِ المُتَبادَرِ، وتَأْوِيلُ الخَبَرِ بِما تَقَدَّمَ.
هَذِهِ خُلاصَةُ كَلامِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، نَعَمْ كَوْنُ الحَدِيثِ لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُحَدِّثِينَ أصْلًا لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَقَدْ عَزاهُ الزَّرْكَشِيُّ في الأحادِيثِ المُشْتَهِرَةِ إلى كِتابِ الحُجَّةِ لِنَصْرٍ المَقْدِسِيِّ، ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدَهُ ولا صِحَّتَهَ، لَكِنْ ورَدَ ما يُقَوِّيهِ في الجُمْلَةِ مِمّا نُقِلَ مِن كَلامِ السَّلَفِ، والحَدِيثُ الَّذِي أوْرَدْناهُ قَبْلُ وإنْ رَواهُ الطَّبَرِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى أنَّهُ يَكْفِي في هَذا البابِ الحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما، فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ المُرادَ اخْتِلافُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومَن شارَكَهم في الِاجْتِهادِ كالمُجْتَهِدِينَ المُعْتَدُّ بِهِمْ مِن عُلَماءِ الدِّينِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِمُبْتَدِعِينَ وكَوْنُ ذَلِكَ رَحْمَةً لِضُعَفاءِ الأُمَّةِ، ومَن لَيْسَ في دَرَجَتِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ ولا يَتَنازَعَ فِيهِ اثْنانِ فَلْيُفْهَمْ.
3:106Page 63
يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦
On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ نُصِبَ بِما في لَهم مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أوْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ عَذابٌ، وضُعِّفَ بِأنَّ المَصْدَرَ المَوْصُوفَ لا يَعْمَلُ وقِيلَ: عَظِيمٌ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ عَظَمَتِهِ بِهَذا ولا مَعْنى لَهُ، ورُدَّ بِأنَّهُ إذا عَظُمَ فِيهِ، وفِيهِ كُلُّ عَظِيمٍ، فَفي غَيْرِهِ أوْلى إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِمُرادٍ، والمُرادُ بِالبَياضِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ أوْ لازِمُهُ مِنَ السُّرُورِ والفَرَحِ، وكَذا يُقالُ في السَّوادِ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ قالُوا: يُوسَمُ أهْلُ الحَقِّ بِبَياضِ الوَجْهِ وإشْراقِ البَشَرَةِ تَشْرِيفًا لَهم وإظْهارًا لِآثارِ أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ويُوسَمُ أهْلُ الباطِلِ بِضِدِّ ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنَّ الِابْيِضاضَ والِاسْوِدادَ يَكُونُ لِجَمِيعِ الجَسَدِ إلّا أنَّهُما أُسْنِدا لِلْوُجُوهِ لِأنَّ الوَجْهَ أوَّلُ ما يَلْقاكَ مِنَ الشَّخْصِ وتَراهُ وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ.
واخْتُلِفَ في وقْتِ ذَلِكَ فَقِيلَ: وقْتُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقِيلَ: وقْتُ قِراءَةِ الصُّحُفِ، وقِيلَ: وقْتُ رُجْحانِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ في المِيزانِ، وقِيلَ: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ وقِيلَ: وقْتَ أنْ يُؤْمَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأنْ يَتْبَعَ مَعْبُودَهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ في كُلِّ مَوْقِفٍ مِن هَذِهِ المَواقِفِ يَحْصُلُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلى أنْ يَصِلَ إلى حَدٍّ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِ، إذِ البَياضُ والسَّوادُ مِنَ المُشَكَّكِ دُونَ المُتَواطِئِ، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ - تَبْيِضُّ وتَسْوِدُّ - بِكَسْرِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وهي لُغَةٌ - وتَبْياضُّ وتَسْوادُّ.
﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ تَفْصِيلٌ لِأحْوالِ الفَرِيقَيْنِ وابْتَدَأ بِحالِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِمُجاوَرَتِهِ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ ولِيَكُونَ الِابْتِداءُ والِاخْتِتامُ بِما يَسُرُّ الطَّبْعَ ويَشْرَحُ الصَّدْرَ.
﴿أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ المَقْرُونِ بِالفاءِ أيْ فَيُقالُ لَهم ذَلِكَ، وحَذْفُ القَوْلِ واسْتِتْباعُ الفاءِ لَهُ في الحَذْفِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، وإنَّما المَمْنُوعُ حَذْفُها وحْدَها في جَوابِ أمّا، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، والكَلامُ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم فَلا التِفاتَ فِيهِ خِلافًا لِلسَّمِينِ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ والسِّباقِ أنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ، وكُفْرَهم بَعْدَ إيمانِهِمْ
صفحة 26
كُفْرُهم بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الإيمانِ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ - وإلَيْهِ ذَهَبَ عِكْرِمَةُ - واخْتارَهُ الزَّجّاجُ والجُبّائِيُّ.
وقِيلَ: هم جَمِيعُ الكُفّارِ لِإعْراضِهِمْ عَمّا وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالإيمانِ الإيمانُ بِالقُوَّةِ والفِطْرَةِ، وكُفْرُ جَمِيعِ الكُفّارِ كانَ بَعْدَ هَذا الإيمانِ لِتَمَكُّنِهِمْ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ والدَّلائِلِ الواضِحَةِ والآياتِ البَيِّنَةِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ أُعْطُوا كَلِمَةَ الإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ وأنْكَرُوها بِقُلُوبِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فالإيمانُ عَلى هَذا مَجازِيٌّ، وقِيلَ: إنَّهم أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وأبِي أُمامَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيِ المَعْهُودَ المَوْصُوفَ بِالعِظَمِ، والأمْرُ لِلْإهانَةِ لِتُقَرُّرِ المَأْمُورِ بِهِ وتَحَقُّقِهِ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أمْرَ تَسْخِيرٍ بِأنْ يَذُوقَ العَذابَ كُلُّ شَعَرَةٍ مِن أعْضائِهِمْ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن غَضَبِهِ، والفاءُ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأمْرَ بِذَوْقِ العَذابِ مُتَرَتِّبٌ عَلى كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقِيلَ: لِلْمُقابَلَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّسَبُّبِ ولَيْسَتْ بِمَعْنى اللّامِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ ( بَعْدَ إيمانِكم ) والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ أوْ عَلى مُضِيِّهِ في الدُّنْيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences