Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:115–119
3:115Page 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.
﴿وما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ طاعَةٍ مُتَعَدِّيَةٍ أوْ سارِيَةٍ ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أيْ لَنْ يُحْرَمُوا ثَوابَهُ البَتَّةَ، وأصِلُ الكُفْرِ السَّتْرُ، ولِتَفْسِيرِهِ بِما ذَكَرْنا تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، والخِطابُ قِيلَ: لِهَذِهِ الأُمَّةِ وهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وجَمِيعُ ما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ، وقِيلَ: لِأُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ وفِيهِ التِفاتٌ؛ ونُكْتَتُهُ الخاصَّةُ هُنا الإشارَةُ إلى أنَّهم لِاتِّصافِهِمْ بِهَذِهِ المَزايا أهْلٌ لِأنَّ يُخاطَبُوا، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا أبا بَكْرٍ بِالياءِ في الفِعْلَيْنِ، والباقُونَ بِالتّاءِ فِيهِما غَيْرُ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِهِما، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الضَّمِيرِ ما أُرِيدَ مِن نَظائِرِهِ فِيما قَبْلُ، ويَكُونُ الكَلامُ حِينَئِذٍ عَلى وتِيرَةٍ واحِدَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ لِلْأُمَّةِ، ويَكُونُ العُدُولُ إلى الغَيْبَةِ مُراعاةً لِلْأُمَّةِ كَما رُوعِيَتْ أوَّلًا في التَّعْبِيرِ –بِأُخْرِجَتْ - دُونَ أُخْرِجْتُمْ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ لِلْعَرَبِ في مِثْلِ ذَلِكَ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ( 511 ) أيْ بِأحْوالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ وهَذا تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا عامٌّ ويَدْخُلُ المُخاطَبُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا خاصٌّ بِالمُتَقَدِّمِينَ، وفي وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانٌ بِالعِلَّةِ، وأنَّهُ لا يَفُوزُ عِنْدَهُ إلّا أهْلُ التَّقْوى، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى:
3:116Page 65
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ ولِهَذا فَصْلٌ.
والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا سائِرُ الكُفّارِ فَإنَّهم فاخَرُوا بِالأمْوالِ والأوْلادِ حَيْثُ قالُوا: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما تَرى عَلَيْهِمْ، وإمّا بَنُو قُرَيْظَةَ وبَنُو النَّضِيرِ حَيْثُ كانَتْ مُعالَجَتُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ( وقِيلَ: وقِيلَ: ) ولَعَلَّ مِن أدْعى العُمُومِ - وهو الظّاهِرُ - قالَ: بِدُخُولِ المَذْكُورِينَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنَ الإغْناءِ الدَّفْعُ، ويُقالُ: أغْنى عَنْهُ إذا دَفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا لَوْلاهُ لَنَزَلَ بِهِ، أيْ لَنْ تَدْفَعَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْوالُهُمُ الَّتِي عَوَّلُوا عَلَيْها في المُهِمّاتِ ولا مَن هو أرْجى مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ عِنْدَهم وهم أوْلادُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى لَهم شَيْئًا يَسِيرًا مِنهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِالإغْناءِ الإجْزاءُ، ويُقالُ: ما يُغْنِي عَنْكَ هَذا أيْ ما يُجْزِي عَنْكَ وما يَنْفَعُكَ، و( مِن ) لِلْبَدَلِ أوِ الِابْتِداءِ، و( شَيْئًا ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أيْ لَنْ يُجْزِيَ عَنْهم ذَلِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإجْزاءِ، وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلْإغْناءِ وجَعْلِ هَذا مَعْنًى حَقِيقِيًّا لَهُ دُونَهُ يُقالُ بِالتَّضْمِينِ، وأمْرُ المَفْعُولِيَّةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لِتَعَدِّيهِ حِينَئِذٍ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) أيِ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمُوها وهو مَعْنى الأصْحابِ عُرْفًا.
﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ ( 611 ) تَأْكِيدٌ لِما يُرادُ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلى، واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِالدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ،
صفحة 36
وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُحافَظَةً عَلى رُؤْسِ الآيِ.
3:117Page 65
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧
The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كالدَّلِيلِ لِعَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ، ولَعَلَّ عَدَمَ بَيانِ إغْناءِ الأوْلادِ ظاهِرٌ لِأنَّهم إنْ كانُوا كُفّارًا - وهو الظّاهِرُ - كانَ حُكْمُهم حُكْمَهم وإنْ كانُوا مُسْلِمِينَ كانُوا عَلَيْهِمْ لا لَهم في الدُّنْيا، وبُغْضُهم لَهم في الآخِرَةِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾، و﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ وتَبِرِّيهِمْ مِنهم حِينَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أُمِّهِ وأبِيهِ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، و( ما ) مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يُنْفِقُونَهُ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ تَمْثِيلُ جَمِيعِ صَدَقاتِ الكُفّارِ ونَفَقاتِهِمْ كَيْفَ كانَتْ - وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ - وقِيلَ: مَثَلٌ لِما يُنْفِقُهُ الكُفّارُ مُطْلَقًا في عَداوَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ قُرَيْشٌ يَوْمَ بَدْرٍ وأُحُدٍ لَمّا تَظاهَرُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: لِما أنْفَقَهُ سِفْلَةُ اليَهُودِ عَلى عُلَمائِهِمُ المُحَرِّفِينَ أيْ حالَ ذَلِكَ وقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ أيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجَماعَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: الصِّرُّ صَوْتُ لَهِيبِ النّارِ وقَدْ كانَتْ في تِلْكَ الرِّيحِ، وقِيلَ: أصْلُ الصِّرُّ كالصَّرْصَرِ؛ الرِّيحُ البارِدَةُ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مَعْنى النَّظْمِ رِيحٌ فِيها رِيحٌ بارِدَةٌ، وهو كَما تَرى مُحْتاجٌ إلى التَّوْجِيهِ، وقَدْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهُ وارِدٌ عَلى التَّجْرِيدِ كَقَوْلِهِ:
ولَوْلا ذاكَ قَدْ سَوَّمْتُ مُهْرِي وفي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفاءِ كافِ
أيْ هو كافٍ، ومَنَعَ بَعْضُهم كَوْنَهُ في الأصْلِ الرِّيحَ البارِدَةَ وإنَّما هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى البَرْدِ كَما قالَ الحَبْرُ، واسْتِعْمالُهُ فِيما ذُكِرَ مَجازٌ ولَيْسَ بِمُرادٍ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى بارِدٍ إلّا أنَّ مَوْصُوفَهُ مَحْذُوفٌ أيْ بَرْدٌ بارِدٌ فَهو مِنَ الإسْنادِ المَجازِيِّ كَظِلٍّ ظَلِيلٍ - وفِيهِ بُعْدٌ - لَأنَّ المَعْرُوفَ في مِثْلِهِ ذِكْرُ المَوْصُوفِ، وأمّا حَذْفُهُ وتَقْدِيرُهُ فَلَمْ يُعْهَدْ، وقِيلَ: هو في الأصْلِ صَوْتُ الرِّيحِ البارِدَةِ مِن صَرِّ القَلَمِ والبابِ صَرِيرًا إذا صَوَّتَ، أوْ مِنَ الصَّرَّةِ الضَّجَّةِ والصَّيْحَةِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا عَلى أصْلِهِ، وفِيهِ أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا لَمْ يُعْهَدْ في الِاسْتِعْمالِ، والرِّيحُ واحِدَةُ الرِّياحِ، وفي الصِّحاحِ والأرْياحِ، وقَدْ تُجْمَعُ عَلى أرْواحٍ لِأنَّ أصْلَها الواوُ، وإنَّما جاءَتْ بِالياءِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَإذا رَجَعُوا إلى الفَتْحِ عادَتْ إلى الواوِ كَقَوْلِكَ: أرْوَحَ الماءُ وتَرَوَّحَتْ بِالمِرْوَحَةِ، ويُقالُ أيْضًا: رِيحٌ ورِيحَةٌ كَما قالُوا: دارٌ ودارَةٌ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لِلْعُلَماءِ مِنَ الكَلامِ في هَذا المُقامِ، وأفْرَدَ الرِّيحَ لِما في البَحْرِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالعَذابِ، والجَمْعُ مُخْتَصٌّ بِالرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ رُوِيَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا.
﴿أصابَتْ حَرْثَ﴾ أيْ زَرْعَ.
﴿قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي فَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِما قِيلَ: إنَّ الإهْلاكَ عَنْ سُخْطٍ أشَدُّ وأفْظَعُ أوْ لِأنَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو إنَّما يَكُونُ في هَلاكِ مالِ الكافِرِ، وأمّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُثابُ عَلى ما هَلَكَ لَهُ لِصَبْرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ زَرَعُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ الزِّراعَةِ وفي غَيْرِ وقْتِها ( ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾ ) عَنْ آخِرِهِ ولَمْ تَدَعْ لَهُ عَيْنًا ولا أثَرًا عُقُوبَةً لَهم عَلى مَعاصِيهِمْ، وقِيلَ: تَأْدِيبًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي هو حَقُّهُ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ الَّذِي تُوجَدُ فِيهِ الزُّبْدَةُ مِنَ الخُلاصَةِ والمَجْمُوعِ، ولا يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ ما يَلِي الأداةُ هو المُشَبَّهُ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ﴾ وإلّا لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: كَمَثَلِ حَرْثٍ لِأنَّهُ المُشَبَّهُ بِهِ المُنْفَقُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِثْلُ إهْلاكِ ما يُنْفِقُونَ كَمِثْلِ إهْلاكِ رِيحٍ، أوْ مِثْلِ ما يُنْفِقُونَ كَمَهْلَكِ رِيحٍ، والمَهْلَكُ اسْمُ مَفْعُولٍ هو الحَرْثُ، والوَجْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مُرَكَّبًا قِلَّةُ الجَدْوى والضَّياعُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فَيُشَبَّهُ إهْلاكُ اللَّهِ تَعالى بِإهْلاكِ الرِّيحِ، والمُنْفَقِ
صفحة 37
بِالحَرْثِ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً مَنثُورًا بِما في الرِّيحِ البارِدَةِ مِن جَعْلِهِ حُطامًا، وقُرِئَ - تُنْفِقُونَ - بِالتّاءِ.
﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُنْفِقِينَ أيْ ما ظَلَمَهم بِضَياعِ نَفَقاتِهِمُ الَّتِي أنْفَقُوها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ اللّائِقِ المُعْتَدِّ بِهِ، وإمّا لِلْقَوْمِ المَذْكُورِينَ أيْ ما ظَلَمَ اللَّهُ تَعالى أصْحابَ الحَرْثِ بِإهْلاكِهِ لِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذا النَّفْيُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ( 711 ) تَأْكِيدًا لِما فُهِمَ مِن قَبْلُ إشْعارًا وتَصْرِيحًا، وقُرِئَ ( ولَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّ أنْفُسَهُمُ اسْمُها، وجُمْلَةَ ( يَظْلِمُونَ ) خَبَرُها والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ يَظْلِمُونَها ولَيْسَ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا كَما في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِهِ:
وما كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُ ∗∗∗ ولَكِنْ مَن يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقُ
وتَعَيَّنَ حَذْفُهُ فِيهِ لِمَكانِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ الَّتِي لا تَدْخُلُ عَلَيْها النَّواسِخُ، وتَقْدِيمُ ( أنْفُسَهم ) عَلى الفِعْلِ لِلْفاصِلَةِ لا لِلْحَصْرِ وإلّا لا يَتَطابَقُ الكَلامُ لِأنَّ مُقْتَضاهُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ هم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا أنَّهم يَظْلِمُونَ أنْفُسَهم لا غَيْرَهم وهو في الحَصْرِ لازِمٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ.
3:118Page 65
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨
O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مَن يَهُودَ لِما كانَ بَيْنَهم مِنَ الجِوارِ والحِلْفِ في الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ يَنْهاهم عَنْ مُباطَنَتِهِمْ تُخَوِّفُ الفِتْنَةَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، نُهِيَ المُؤْمِنُونَ أنْ يَتَوَلَّوْهم، وظاهِرُ ما يَأْتِي يُؤَيِّدُهُ، والبِطانَةُ خاصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ أمْرَهُ مَأْخُوذٌ مِن بِطانَةِ الثَّوْبِ لِلْوَجْهِ الَّذِي يَلِي البَدَنَ لِقُرْبِهِ وهي نَقِيضُ الظِّهارَةِ ويُسَمّى بِها الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ( لا تَتَّخِذُوا ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبِطانَةٍ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، و–دُونَ - إمّا بِمَعْنى غَيْرِ أوْ بِمَعْنى الأدْوَنِ والدَّنِيءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ المُضافُ إلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى ( لا تَتَّخِذُوا ) الكافِرِينَ كاليَهُودِ والمُنافِقِينَ أوْلِياءَ وخَواصَّ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أوْ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ مَنزِلَتُهُ مَنزِلَتَكم في الشَّرَفِ والدِّيانَةِ، والحُكْمُ عامٌّ، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ خاصًّا فَإنَّ اتِّخاذَ المُخالِفِ ولِيًّا مَظِنَّةُ الفِتْنَةِ والفَسادِ، ولِهَذا ورَدَ تَفْسِيرُ هَذِهِ البِطانَةِ بِالخَوارِجِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا، ولا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ» فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ فَقالَ: نَعَمْ لا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ولا تَسْتَسِرُّوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكم، ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ أصْلُ الألْوِ التَّقْصِيرُ يُقالُ: ألا كَغَزا يَأْلُو ألْوًا إذا قَصَّرَ وفَتَرَ وضَعُفَ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
وما المَرْءُ ما دامَتْ حَشاشَةُ نَفْسِهِ بِمُدْرِكٍ أطْرافَ الخُطُوبِ ولا (آلى)
أرادَ ولا مُقَصِّرٌ في الطَّلَبِ وهو لازِمٌ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِالحَرْفِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ في قَوْلِهِمْ: لا آلُوكَ نُصْحًا ولا آلُوكَ جُهْدًا عَلى تَضْمِينِ مَعْنى المَنعِ أيْ لا أمْنَعُكَ ذَلِكَ، وقَدْ يُجْعَلُ بِمَنعِ التَّرْكِ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ، وفي القامُوسِ: ما ألَوْتَ الشَّيْءَ أيْ ما تَرَكْتَهُ، والخَبالُ في الأصْلِ الفَسادُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ فَيُورِثُهُ اضْطِرابًا كالمَرَضِ والجُنُونِ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الشَّرِّ والفَسادِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ لا يُقَصِّرُونَ لَكم في الفَسادِ والشَّرِّ بَلْ يَجْهَدُونَ في مَضَرَّتِكم، وعَلَيْهِ يَكُونُ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ والِاسْمُ الظّاهِرُ مَنصُوبَيْنِ بِنَزْعِ الخافِضِ
صفحة 38
وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الثّانِي مَنصُوبًا عَلى الحالِ أيْ مُخْبَلِينَ أوْ عَلى التَّمْيِيزِ.
واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا إبْهامَ في نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ إلى الفاعِلِ، ولا يَصِحُّ جَعْلُهُ فاعِلًا إلّا عَلى اعْتِبارِ الإسْنادِ المَجازِيِّ والنَّصْبِ بِنَزْعِ الخافِضِ، ووُقُوعُ المَصْدَرِ حالًا لَيْسَ بِقِياسٍ إلّا فِيما يَكُونُ المَصْدَرُ نَوْعًا مِنَ العامِلِ نَحْوَ أتانِي سُرْعَةً وبُطْئًا كَما نَصَّ عَلَيْهِ الرَّضِيُّ في بَحْثِ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، واعْتَمَدَهُ السَّيالَكُوتِي، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ أنَّ التَّمْيِيزَ هُنا مُحَوَّلٌ عَنِ المَفْعُولِ نَحْوَ ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ لِأنَّ المَفْرُوضَ أنَّ الفِعْلَ لازِمٌ فَمِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ مَفْعُولٌ لِيُحَوَّلَ عَنْهُ ؟! ومُلاحَظَةُ تَعِدِّيهِ إلَيْهِ بِتَقْدِيرِ الحَرْفِ قَوْلٌ بِالنَّصْبِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ وقَدْ سَمِعْتَ ما فِيهِ.
وأُجِيبَ بِالتِزامِ أحَدِ الأمْرَيْنِ الحالِيَّةِ أوْ كَوْنِهِ مَنصُوبًا عَلى النَّزْعِ مَعَ القَوْلِ بِالسَّماعِ هُنا والمَعْنى عَلى الثّانِي لا يَمْنَعُونَكم خَبالًا أيْ أنَّهم يَفْعَلُونَ مَعَكم ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ، ولا يُبْقُونَ عِنْدَهم شَيْئًا مِنهُ في حَقِّكم وهو وجْهٌ وجِيهٌ، والتَّضْمِينُ قِياسِيٌّ عَلى الصَّحِيحِ والخِلافُ فِيهِ واهٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، والمَعْنى والإعْرابُ عَلى الثّالِثِ ظاهِرانِ بَعْدَ الإحاطَةِ بِما تَقَدَّمَ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ أيْ أحَبُّوا عَنَتَكم أيْ مَشَقَّتَكُمُ الشَّدِيدَةَ وضَرَرَكم.
وقالَ السُّدِّيُّ: تَمَنَّوْا ضَلالَتَكم عَنْ دِينِكم، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ.
﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ ظَهَرَتْ أماراتُ العَداوَةِ لَكم مِن فَلَتاتِ ألْسِنَتِهِمْ وفَحْوى كَلِماتِهِمْ لِأنَّهم لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لَكم لا يَمْلِكُونَ أنْفُسَهم ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَحْفَظُوا ألْسِنَتَهم، وقالَ قَتادَةُ: ظُهُورُ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهم حَيْثُ أبْدى كُلٌّ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى بُغْضِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِأخِيهِ، وفِيهِ بُعْدٌ، إذْ لا يُناسِبُهُ ما بَعْدَهُ، والأفْواهُ جَمْعُ فَمٍ وأصْلُهُ فُوهٌ، فَلامُهُ هاءٌ، والجُمُوعُ تَرُدُّ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا تَصْغِيرُهُ عَلى فُوَيْهٍ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ فُوهِيٌّ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ بَدا البَغْضاءُ ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ﴾ مِنَ البَغْضاءِ ( ﴿أكْبَرُ﴾ ) أيْ أعْظَمُ مِمّا بَدا لِأنَّهُ كانَ عَنْ فَلْتَةٍ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا قَلِيلًا ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ أظْهَرْنا لَكُمُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ قَدْ أظْهَرْنا لَكُمُ الدَّلالاتِ الواضِحاتِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الوَلِيُّ مِنَ العَدُّوِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (811) أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العَقْلِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الفَضْلَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُّوِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَواعِظَ اللَّهِ تَعالى ومَنافِعَها، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمَلَ ما عَدا ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ لِأنَّها حالٌ لا غَيْرَ جاءَتْ مُسْتَأْنَفاتٌ جَوابًا عَنِ السُّؤالِ عَنِ النَّهْيِ، وتَرْكُ العَطْفِ بَيْنَها إيذانًا بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها في مَوْضِعٍ النَّعْتِ – لِبِطانَةٍ - إلّا ( قَدْ بَيَّنّا ) لِظُهُورِ أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، والأوَّلُ أحْسَنُ لِما في الِاسْتِئْنافِ مِنَ الفَوائِدِ، وفي الصِّفاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى خِلافِ المَقْصُودِ أوْ إيهامِهِ لا أقَلَّ وهو تَقْيِيدُ النَّهْيِ ولَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ، وما عَدا ذَلِكَ مُسْتَأْنَفٌ لِلتَّعْلِيلِ عَلى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ بِأنْ يَكُونَ اللّاحِقُ عِلَّةً لِلسّابِقِ إلى أنْ تَكُونَ الأُولى عِلَّةً لِلنَّهْيِ، ويَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِالمَجْمُوعِ أيْ لا تَتَّخِذُوهم بِطانَةً لِأنَّهم لا يَأْلُونَكم خَبالًا لِأنَّهم يَوَدُّونَ شِدَّةَ ضَرَرِكم بِدَلِيلِ أنَّهم قَدْ تَبْدُو البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ، وإنْ كانُوا يُخْفُونَ الكَثِيرَ، ولا بُدَّ عَلى هَذا مِنِ اسْتِثْناءِ ( قَدْ بَيَّنّا ) إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلًا لِبُدُوِّ البَغْضاءِ، ويَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ فافْهَمْ.
3:119Page 65
هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩
Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."
﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ مُخْطِئُونَ في اتِّخاذِهِمْ بِطانَةً، وفي إعْرابِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَذاهِبُ لِلنَّحْوِيِّينَ، فَقالَ الأزْهَرِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وجَماعَةٌ: إنَّ ( ها ) لِلتَّنْبِيهِ، و( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ
صفحة 39
وجُمْلَةُ ( تُحِبُّونَهم ) خَبَرٌ، و( أُولاءِ ) مُنادى أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، والِاخْتِصاصُ لا يَكُونُ بِاسْمِ الإشارَةِ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ و( أُولاءِ ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما قالَهُ الرَّضِيُّ مِن أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن: ها أنا ذا أفْعَلُ، وها أنْتَ ذا تَفْعَلُ، تَعْرِيفُ نَفْسِكَ أوِ المُخاطَبِ، إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ بَلِ اسْتِغْرابُ وُقُوعِ مَضْمُونِ وُقُوعِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدُ مِنَ المُتَكَلِّمِ أوِ المُخاطَبِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لازِمَةٌ لِبَيانِ الحالِ المُسْتَغْرَبَةِ ولا مَحَلَّ لَها إذْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ ها أنْتَ ذا قائِلًا، والحالُ هَهُنا لازِمَةٌ لِأنَّ الفائِدَةَ مَعْقُودَةٌ بِها وبِها تَتِمُّ، والعامِلُ فِيها حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ.
واعْتَرَضَهُ الرَّضِيُّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحالِ إذْ لَيْسَ المَعْنى أنْتَ المُشارُ إلَيْهِ في حالِ فِعْلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ ما قالَهُ البَصْرِيُّونَ هو الظّاهِرُ مِن كَلامِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: ها أنْتَ ذا قائِمًا فَصَرَّحُوا بِالحالِيَّةِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى الإخْبارِ بِالحالِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِبْعادِ، ومَدْلُولُ الضَّمِيرِ واسْمُ الإشارَةِ مُتَّحِدٌ، واعْتِبارُ مَعْنى الإشارَةِ لِمُجَرَّدِ تَصْحِيحِ العَمَلِ لا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ بَحْثُ الرَّضِيُّ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، و( تُحِبُّونَهم ) في مَوْضِعِ الصِّلَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: ( أنْتُمْ ) مُبْتَدَأٌ أوَّلُ و( أُولاءِ ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وتُحِبُّونَهم خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ عَلى حَدِّ أنْتَ زَيْدٌ تُحِبُّهُ، وقِيلَ: إنَّ ( أُولاءِ ) هو الخَبَرُ، والجُمْلَةُ ما بَعْدَهُ خَبَرٌ ثانٍ، وقِيلَ: ( أُولاءِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والإشارَةُ لِلتَّحْقِيرِ فاسْتُعْمِلَتْ هُنا لِلتَّوْبِيخِ كَأنَّهُ ازْدَرى بِهِمْ لِظُهُورِ خَطَئِهِمْ في ذَلِكَ الِاتِّخاذِ.
والمُرادُ بِمَحَبَّةِ المُؤْمِنِينَ لَهُمُ المَحَبَّةُ العادِيَةُ النّاشِئَةُ مِن نَحْوِ الإحْسانِ والصَّداقَةِ، ومِثْلُها وإنْ كانَ غَرِيبًا يُلامُ عَلَيْهِ إذا وقَعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في حَقِّ أعْداءِ الدِّينِ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمْ رَيْبَ المَنُونِ، لَكِنْ لا يَصِلُ إلى الكُفْرِ، وإنَّما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِاعْتِبارٍ آخَرَ لا يَكادُ يَقَعُ مِن أُولَئِكَ المُخاطَبِينَ، وقِيلَ المُرادُ (تُحِبُّونَهُمْ) لِأنَّكم تُرِيدُونَ الإسْلامَ لَهم وتَدْعُونَهم إلى الجَنَّةِ، ولا يُحِبُّونَكم لِأنَّهم يُرِيدُونَ لَكُمُ الكُفْرَ والضَّلالَ وفي ذَلِكَ الهَلاكُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ أيِ الجِنْسِ كُلِّهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ أنْتَ الرَّجُلُ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ، ويَكُونُ الكِتابُ حِينَئِذٍ إشارَةً إلى القُرْآنِ تَعَسُّفٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في ( لا يُحِبُّونَكم ) واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ إذا وقَعَ حالًا لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ واوُ الحالِ ولِهَذا تَأوَّلُوا - قُمْتُ وأصُكُّ عَيْنَيْهِ - عَلى حَذْفِ المُبْتَدَأِ أيْ قُمْتُ وأنا أصُكُّ عَيْنَيْهِ، ومِثْلُ هَذا التَّأْوِيلِ وإنْ جاءَ هُنا أيْ ولا يُحِبُّونَكم وأنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ، إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى تُحِبُّونَهم أُولى لِسَلامَتِهِ مِنَ الحَذْفِ، وفِيهِ أنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ التَّخْطِئَةِ ولا كَذَلِكَ الإيمانُ بِالكِتابِ كُلِّهِ فَإنَّهُ مَحْضُ الصَّوابِ، والحَمْلُ - عَلى أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ لِأنَّ إيمانَهم كَلا إيمانٍ فَلا يُجامِعُ المُحِبَّةَ - سَدِيدٌ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي في تَقْرِيرِ الحالِيَّةِ دُونَ العِطْفِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما في البَحْرِ مِنَ الِاعْتِذارِ، والمَعْنى يُحِبُّونَكم والحالُ أنَّكم تُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ فَما بالُكم تُحِبُّونَهم وهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِكم.
﴿وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نِفاقًا ﴿وإذا خَلَوْا﴾ أيْ خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ﴾ أيْ لِأجْلِكُمُ ﴿الأنامِلَ﴾ أيْ أطْرافَ الأصابِعِ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ لِأجْلِ الغَضَبِ والحَنَقِ لِما يَرَوْنَ مِنِ ائْتِلافِ المُؤْمِنِينَ واجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ ونُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم بِحَيْثُ عَجَزَ أعْداؤُهم عَنْ أنْ يَجِدُوا سَبِيلًا إلى التَّشَفِّي واضْطَرُّوا إلى مُداراتِهِمْ، وعَضُّ الأنامِلِ عادَةُ النّادِمِ الأسِيفِ العاجِزِ، ولِهَذا أُشِيرَ بِهِ إلى حالِ هَؤُلاءِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هُناكَ عَضًّا بِالفِعْلِ
صفحة 40
( قُلْ ) يا مُحَمَّدُ بِلِسانِكَ، وقِيلَ: المُرادُ حَدِّثْ نَفْسَكَ بِإذْلالِهِمْ وإعْزازِ الإسْلامِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وتَحْرِيضٌ لَهم عَلى عَداوَتِهِمْ وحَثٌّ لَهم عَلى خِطابِهِمْ خِطابَ الخُصَماءِ، فَإنَّهُ لا أقْطَعَ لِلْمَحَبَّةِ مِن جِراحَةِ اللِّسانِ، فالمَقْصُودُ عَلى هَذا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ مُجَرَّدُ الخِطابِ بِما يُكْرِهُونَهُ، والصَّحِيحُ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهم أنَّهُ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وكَوْنُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ خَفاءٌ، إذْ لا يُخاطَبُ المَدْعُوُّ عَلَيْهِ بَلِ اللَّهُ تَعالى، ويُسْألُ مِنهُ ابْتِلاؤُهُ لا خَفاءَ في خَفائِهِ وأنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: قاتَلَكَ اللَّهُ تَعالى، وقَوْلِهِمْ: دُمْ بِعِزٍّ، وبِتْ قَرِيرَ عَيْنٍ، وغَيْرِهِ مِمّا لا يُحْصى، والمُرادُ كَما قِيلَ: الدُّعاءُ بِدَوامِ الغَيْظِ وزِيادَتِهِ بِتَضاعُفِ قُوَّةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ حَتّى يَهْلِكُوا بِهِ، وهَذا عِنْدَ العَلّامَةِ الثّانِي مِن كِنايَةِ الكِنايَةِ حَيْثُ عَبَّرَ بِدُعاءِ مَوْتِهِمْ بِالغَيْظِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو دُعاءُ ازْدِيادِ غَيْظِهِمْ إلى حِينِ الهَلاكِ وبِهِ عَنْ مَلْزُومِهِ الَّذِي هو قُوَّةُ الإسْلامِ وعِزُّ اسْمِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ أوِ ازْدِيادِهِ لَيْسَ مِمّا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ ويُدْعى بِهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَجازَ مَذْكُورٌ، وأمّا الكِنايَةُ عَلى الكِنايَةِ فَنادِرَةٌ وقَدْ صَرَّحَ بِها السُّبْكِيُّ في قَواعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ ونَقَلَ فِيها خِلافًا، ومَعَ هَذا الفَرْقِ بَيْنَ الكِنايَةِ بِالوَسائِطِ والكِنايَةِ عَلى الكِنايَةِ مِمّا يَحْتاجُ إلى التَّأمُّلِ الصّادِقِ، ولَعَلَّهُ فَرْقٌ اعْتِبارِيٌّ، وأيْضًا ما ذَكَرَهُ مِن أنَّ مُجَرَّدَ المَوْتِ بِالغَيْظِ إلَخْ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُحَسِّنُ لِذَلِكَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَمِّهِمْ حَيْثُ إنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا هَذا المَوْتَ الفَظِيعَ والحالَ الشَّنِيعَ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (911) أيْ بِما خَفِيَ فِيها، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ أيْ قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِيمٌ بِما هو أخْفى مِمّا تُخْفُونَهُ مِن عَضِّ الأنامِلِ إذا خَلَوْتُمْ فَيُجازِي بِهِ، وأنْ يَكُونَ خارِجًا عَنْهُ، أيْ قُلْ لَهم ما تَقَدَّمَ ولا تَتَعَجَّبْ مِن إطْلاعِي إيّاكَ عَلى أسْرارِهِمْ، فَإنِّي عَلِيمٌ بِالأخْفى مِن ضَمائِرِهِمْ، والنَّهْيُ عَنِ التَّعَجُّبِ حِينَئِذٍ إمّا خارِجٌ مَخْرَجَ العادَةِ مَجازًا بِناءً عَلى أنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وإمّا باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ إنْ كانَ المُخاطَبُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ يَقِفُ عَلى هَذا الخِطابِ، فَلا إشْكالَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ خِلافًا لِمَن وهِمَ في ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences