Al-AlusiAli 'Imran · 3:126–128

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:126–128

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أيِ الإمْدادُ المَفْهُومُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقُوَّةِ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأمَدَّكُمُ اللَّهُ تَعالى بِما ذُكِرَ، وما جَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الإمْدادَ إلّا بُشْرى لَكم، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْوَعْدِ بِالإمْدادِ، وقِيلَ: لِلتَّسْوِيمِ أوْ لِلتَّنْزِيلِ أوْ لِلنَّصْرِ المَفْهُومِ مِن نَصْرِكُمُ السّابِقِ، ومُتَعَلِّقُ البِشارَةِ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِلْإمْدادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ، والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والبُشْرى إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، وجَعَلَ مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ أوْ مَفْعُولٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مُتَعَدِّيَةً لِاثْنَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ الِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ، أيْ وما جَعَلَ إمْدادَكم بِإنْزالِ المَلائِكَةِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا البِشارَةَ لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ، وعَلى الثّانِي مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بُشْرى لَكم.

والجُمْلَةُ ابْتِداءُ كَلامٍ غَيْرِ داخِلٍ في حَيِّزِ القَوْلِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جَنابِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ الأسْبابَ الظّاهِرَةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّأْثِيرِ بِدُونِ إذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ مُخْتَصٌّ بِهِ عَزَّ اسْمُهُ لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، ولا يَقْنَطُوا مِنهُ عِنْدَ فُقْدانِ أسْبابِهِ وأماراتِهِ، وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى فِعْلٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، ووَجَّهَ الخِطابَ نَحْوَ المُؤْمِنِينَ تَشْرِيفًا لَهم وإيذانًا بِأنَّهم هُمُ المُحْتاجُونَ لِما ذُكِرَ، وأمّا رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَغَنِيٌّ عَنْهُ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْيِيدِ الرَّوْحانِيِّ والعِلْمِ الرَّبّانِيِّ.

﴿ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ﴾ أيْ ولِتَسْكُنَ قُلُوبُكم بِالإمْدادِ فَلا تَخافُوا كَثْرَةَ عَدَدِ العَدُوِّ وقِلَّةَ عَدَدِكم، وهَذا إمّا مَعْطُوفٌ عَلى (بُشْرى) بِاعْتِبارِ المَوْضِعِ وهو كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ إلّا أنَّهُ نُصِبَ

صفحة 47

الأوَّلُ لِاجْتِماعِ شَرائِطِهِ، ولَمْ يُنْصَبِ الثّانِي لِفُقْدانِها، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ أيْضًا إلى أصالَتِهِ في العِلِيَّةِ وأهَمِّيَتِهِ في نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ أيْ ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ بَشَّرَكم كَما فَعَلَ أبُو البَقاءِ، والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي في الأوَّلِ.

﴿وما النَّصْرُ﴾ أيْ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النَّصْرُ المَعْهُودُ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ المُودِعِ في الأسْبابِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ قُوَّةً لا تَأثَّرُ إلّا بِهِ أوْ وما النَّصْرُ المَعْهُودُ إلّا مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ المَلائِكَةِ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ ما ذُكِرَ مِنَ البِشارَةِ وتَقْوِيَةِ القُلُوبِ ولَمْ يُقاتِلُوا، أوْ لِأنَّ قُصارى أمْرِهِمْ أنَّهم قاتَلُوا بِتَمْكِينِ اللَّهِ تَعالى لَهم، ولَمْ يَكُنْ لَهم فِعْلٌ اسْتِقْلالًا، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فَعَلُوا، عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قِتالِهِمْ لا يَسْتَدْعِي النَّصْرَ بَلْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ ضَعْفِ المُقابِلِينَ المُقاتِلِينَ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ، فَحَيْثُ أضْعَفَ وقَوّى ومَكَّنَ وما مَكَّنَ وبِهِ حَصَلَ النَّصْرُ، كانَ ذَلِكَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والآيَةُ عَلى هَذا لا تَكُونُ دَلِيلًا لِمَن زَعَمَ أنَّ المُسَبِّباتِ عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فَتَذَكَّرْ، وكَذا لا دَلِيلَ فِيها عَلى وُقُوعِ قِتالِهِمْ ولا عَلى عَدَمِهِ لِاحْتِمالِها الأمْرَيْنِ، وبِكُلٍّ قالَ بَعْضٌ.

والمُخْتارُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُقاتِلُوا في غَزَواتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وإنَّما حَضَرُوا في بَعْضِها بِمُقْتَضى ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنَ المَصْلَحَةِ مِثْلَ حُضُورِهِمْ حِلَقَ أهْلِ الذِّكْرِ، ورُبَّما أعانُوا بِغَيْرِ القِتالِ كَما صَنَعُوا في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى قَوْلٍ، فَعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ سَعْدَ بْنَ مالِكٍ كانَ يَرْمِي في غَزْوَةِ أُحُدٍ وفَتًى شابٌّ كانَ يَنْبُلُ لَهُ، كُلَّما فَنِيَ النَّبْلُ أتاهُ بِهِ وقالَ لَهُ: ارْمِ أبا إسْحاقَ، فَلَمّا انْجَلَتِ المَعْرَكَةُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَلَمْ يُعْرَفْ، وأنْكَرَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ الإمْدادَ بِالمَلائِكَةِ وقالَ: إنَّ المَلَكَ الواحِدَ يَكْفِي في إهْلاكِ سائِرِ أهْلِ الأرْضِ كَما فَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، فَإذا حَضَرَ هو مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى مُقاتَلَةِ النّاسِ مَعَ الكُفّارِ، وأيْضًا أيُّ فائِدَةٍ في إرْسالِ سائِرِ المَلائِكَةِ مَعَهُ وهو القَوِيُّ الأمِينُ، وأيْضًا إنَّ أكابِرَ الكُفّارِ المَوْجُودِينَ في غَزْوَةِ القِتالِ قاتِلُ كُلٍّ مِنهم مِنَ الصَّحابَةِ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّ أحَدًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَ أحَدًا مِنهم، وأيْضًا لَوْ قاتَلُوا فَإمّا أنْ يَكُونُوا بِحَيْثُ يَراهُمُ النّاسُ أوْ لا، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ المُشاهَدُ مِن عَسْكَرِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ أُلُوفًا عَدِيدَةً، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ وهو أيْضًا خِلافُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ ولَوْ كانُوا في غَيْرِ صُورَةِ ابْنِ آدَمَ لَزِمَ وُقُوعُ الرُّعْبِ الشَّدِيدِ في قُلُوبِ الخَلْقِ ولَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ البَتَّةَ، وعَلى الثّانِي يَلْزَمُ حَزُّ الرُّءُوسِ وتَمْزِيقُ البُطُونِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الكُفّارِ مِن غَيْرِ مُشاهَدَةِ فاعِلٍ لِهَذِهِ الأفْعالِ، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وقَدْ وقَعَ بَيْنَ جَمْعَيْنِ سالِمٍ ومُكَسَّرٍ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يَتَواتَرَ ويَشْتَهِرَ لَدى المُوافِقِ والمُخالِفِ، فَحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ، وأيْضًا أنَّهم لَوْ كانُوا أجْسامًا كَثِيفَةً وجَبَ أنْ يَراهُمُ الكُلُّ، وإنْ كانُوا أجْسامًا لَطِيفَةً هَوائِيَّةً تَعَذَّرَ ثُبُوتُهم عَلى الخَيْلِ انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الشُّبَهَ لا يَلِيقُ إيرادُها بِقَوانِينِ الشَّرِيعَةِ ولا بِمَن يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَما كانَ يَلِيقُ بِالأصَمِّ إلّا أنْ يَكُونَ أخْرَسَ عَنْ ذَلِكَ إذْ نَصُّ القُرْآنِ ناطِقٌ بِالإمْدادِ، ووُرُودُهُ في الأخْبارِ قَرِيبٌ مِنَ المُتَواتِرِ فَكَأنَّ الأصَمَّ أصَمُّ عَنْ سَماعِهِ أوْ أعْمى عَنْ رُؤْيَةِ رَباعِهِ، وقَدْ رَوى عَبْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قالَ: لَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِن أُحُدٍ جَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ في أنْدِيَتِهِمْ بِما ظَفِرُوا ويَقُولُونَ لَمْ نَرَ الخَيْلَ البُلْقَ ولا الرِّجالَ البِيضَ الَّذِينَ كُنّا نَراهم يَوْمَ بَدْرٍ، والتَّحْقِيقُ في هَذا المَقامِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ التَّكْلِيفَ يُنافِي الإلْجاءَ، وأنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلى إهْلاكِ جَمِيعِ الكُفّارِ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ بِمَلَكٍ واحِدٍ، بَلْ بِأدْنى مِن ذَلِكَ بَلْ بِلا سَبَبٍ، وكَذا هو قادِرٌ

صفحة 48

عَلى أنْ يُجْبِرَهم عَلى الإسْلامِ ويُقْسِرَهم، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ إظْهارَ هَذا الدِّينِ عَلى مَهْلٍ وتَدْرِيجٍ بِواسِطَةِ الدَّعْوَةِ وبِطْرِيقِ الِابْتِلاءِ والتَّكْلِيفِ، فَلا جَرَمَ أجْرى الأُمُورَ عَلى ما أجْرى، فَلَهُ الحَمْدُ عَلى ما أوْلى، ولَهُ الحُكْمُ في الآخِرَةِ والأُولى، وبِهَذا يَنْدَفِعُ كَثِيرٌ مِن تِلْكَ الشُّبَهِ، وإهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ تَكْلِيفِهِمْ وهو حِينَ نُزُولِ البَأْسِ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى القُدْرَةَ وجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، وفي غَزْوَةِ أُحُدٍ كانَ الزَّمانُ زَمانَ تَكْلِيفٍ، فَلا جَرَمَ أظْهَرَ الحِكْمَةَ لِيَتَمَيَّزَ المُوافِقُ عَنِ المُنافِقِ، والثّابِتُ عَنِ المُضْطَرِبِ، ولَوْ أجْرى الأمْرَ فِيها كَما أجْرى في بَدْرٍ أشْبَهَ أنْ يُفْضى الأمْرُ إلى حَدِّ الإلْجاءِ، ونافى التَّكْلِيفَ ونَوْطَ الثَّوابِ والعِقابِ، ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ المَلائِكَةَ إمّا أجْسامٌ لَطِيفَةٌ نُورانِيَّةٌ، وإمّا أرْواحٌ شَرِيفَةٌ قُدْسِيَّةٌ.

وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَهُمُ الظُّهُورُ في صُوَرِ بَنِي آدَمَ مَثَلًا مِن غَيْرِ انْقِلابِ العَيْنِ وتَبَدُّلِ الماهِيَّةِ، كَما قالَ ذَلِكَ العارِفُونَ مِنَ المُحَقِّقِينَ في ظُهُورِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ومِثْلُ هَذا مِن وجْهٍ، ولِلَّهِ تَعالى المَثَلُ الأعْلى ما صَحَّ مِن تَجَلِّي اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ المَوْقِفِ بِصُورَةٍ فَيَقُولُ لَهم: أنا رَبُّكم، فَيُنْكِرُونَهُ، فَإنَّ الحُكْمَ في تِلْكَ القَضِيَّةِ صادِقٌ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وتَقَدَّسَ وراءَ ذَلِكَ وهو سُبْحانَهُ في ذَلِكَ التَّجَلِّي باقٍ عَلى إطْلاقِهِ حَتّى عَنْ قَيْدِ الإطْلاقِ، ومَن سَلَّمَ هَذا - ولا يُسَلِّمُهُ إلّا ذُو قَلْبٍ سَلِيمٍ - لَمْ يَشْكُلْ عَلَيْهِ الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ وظُهُورُهم عَلى خُيُولٍ غَيْبِيَّةٍ ثابِتِينَ عَلَيْها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الآلِهِيَّةُ والمَصْلَحَةُ الرَّبّانِيَّةُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ رُؤْيَةُ كُلِّ ذِي بَصَرٍ لَهم لِجَوازِ إحْداثِ أمْرٍ مانِعٍ عَنْها، إمّا في الرّائِي أوْ في المَرْئِيِّ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم يُرَوْنَ أحْيانًا ويُخْفَوْنَ أحْيانًا، ويُرى البَعْضُ ويُخْفى البَعْضُ، وزِمامُ ذَلِكَ بِيَدِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، فَما شاءَ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، والشَّيْءُ مَتى أمْكَنَ ووَرَدَ بِهِ النَّصُّ عَنِ الصّادِقِ وجَبَ قَبُولُهُ، ومُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ لا يُجْدِي نَفْعًا، ولَوْ ساغَ التَّأْوِيلُ لِذَلِكَ لَزِمَ تَأْوِيلُ أكْثَرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بَلِ الشَّرائِعُ بِأسْرِها، ورُبَّما أفْضى ذَلِكَ إلى أمْرٍ عَظِيمٍ، فالواجِبُ تَسْلِيمُ كُلِّ مُمْكِنِ جاءَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وتَفْوِيضُ تَفْصِيلِ ذَلِكَ وكَيْفِيَّتِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يُغالَبُ فِيما قَضى بِهِ، وقِيلَ: القادِرُ عَلى انْتِقامِهِ مِنَ الكُفّارِ بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ، وفي إجْراءِ هَذا الوَصْفِ هُنا عَلَيْهِ تَعالى إيذانًا بِعِلَّةِ اخْتِصاصِ النَّصْرِ بِهِ سُبْحانَهُ ﴿الحَكِيمِ﴾ (126) أيِ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها ويَفْعَلُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في سائِرِ أفْعالِهِ، ومِن ذَلِكَ نَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ إنْزالِ المَلائِكَةِ، وفي الإتْيانِ بِهَذا الوَصْفِ رَدٌّ عَلى أمْثالِ الأصَمِّ في إنْكارِهِمْ ما نَطَقَتْ بِهِ الظَّواهِرُ، فَسُبْحانَهُ مِن عَلِيمٍ حَكِيمٍ وعَزِيزٍ حَلِيمٍ.

3:127Page 66

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ وما بَيْنَهُما تَحْقِيقٌ لَحَقِّيَتِهِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَجْعَلَ ﴿إذْ تَقُولُ﴾ ظَرْفًا لِنَصَرَكم لا بَدَلًا مِن ( إذْ غَدَوْت ) لِئَلّا يُفْصَلَ بِأجْنَبِيٍّ، ولِأنَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا في شَأْنِ بَدْرٍ، والمَقْصُورُ عَلى التَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ مِنَ البُشْرى والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ بِالمَلائِكَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَلا يَقْدَحُ في تَعْلِيلِ أصْلِ النَّصْرِ بِالقَطْعِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ النَّصْرِ المَعْهُودِ، والمُعَلَّلُ بِالبِشارَةِ والِاطْمِئْنانِ إنَّما هو الإمْدادُ الصُّورِيُّ لا ما في ضِمْنِهِ مِنَ النَّصْرِ المَعْنَوِيِّ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ وعَمُودُهُ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الصَّبْرِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ مُخِلٌّ بِسِدادِ المَعْنى، كَيْفَ لا ومَعْناهُ قَصْرُ النَّصْرِ المَخْصُوصِ المُعَلَّلِ بِعِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلى الحُصُولِ مِن جِهَتِهِ تَعالى، ولَيْسَ المُرادُ

صفحة 49

إلّا قَصْرُ حَقِيقَةِ النَّصْرِ كَما في الأوَّلِ، أوِ النَّصْرُ المَعْهُودُ كَما في الثّانِي عَلى ذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ فَعَلَ ذَلِكَ التَّدْبِيرَ، أوْ أمَدَّكم بِالمَلائِكَةِ لِيَقْطَعَ مُنْقَطِعٌ عَنِ القَبُولِ، والقَطْعُ الإهْلاكُ، والمُرادُ مِنَ الطَّرَفِ طائِفَةٌ مِنهم قِيلَ: ولَمْ يُعَبِّرْ عَنْ تِلْكَ الطّائِفَةِ بِالوَسَطِ بَلْ بِالطَّرَفِ لِأنَّ أطْرافَ الشَّيْءِ يُتَوَصَّلُ بِها إلى تَوْهِينِهِ وإزالَتِهِ، وقِيلَ: لِأنَّ الطَّرَفَ أقْرَبُ إلى المُؤْمِنِينَ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم كانُوا أشْرافًا، فَفي الأساسِ هو مِن أطْرافِ العَرَبِ أيْ أشْرافِها، ولَعَلَّ إطْلاقَ الأطْرافِ عَلى الأشْرافِ لِتَقَدُّمِهِمْ في السَّيْرِ، ومِن ذَلِكَ قالُوا: الأطْرافُ مَنازِلُ الأشْرافِ، فَلا يَرِدُ أنَّ الوَسَطَ أيْضًا يُشْعِرُ بِالشَّرَفِ، فالمَعْنى لِيُهْلِكَ صَنادِيدَ الَّذِينَ كَفَرُوا ورُؤَساءَهُمُ المُتَقَدِّمِينَ فِيهِمْ بِقَتْلٍ وأسْرٍ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في بَدْرٍ كَما قالَ الحَسَنُ والرَّبِيعُ وقَتادَةُ، فَقَدْ قُتِلَ مِن أُولَئِكَ سَبْعُونَ وأُسِرَ سَبْعُونَ، واعْتِبارُ ذَلِكَ في أُحُدٍ حَيْثُ قُتِلَ فِيهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن رُؤَسائِهِمْ قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وقَدِ اسْتَبْعَدُوهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أيْ يُخْزِيَهم قالَهُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرِّمَّةِ:

لَمْ أنْسَ مِن شَجَنٍ لَمْ أنْسَ مَوْقِفَنا في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ ومَكْبُوتِ

وقالَ الجُبّائِيُّ والكَلْبِيُّ: أيْ يَرُدُّهم مُنْهَزِمِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: أيْ يَلْعَنُهم وأصْلُ الكَبْتِ الغَيْظُ والغَمُّ المُؤَثِّرُ، وقِيلَ: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: إنَّ كَبَتَهُ يَكُونُ بِمَعْنى كَبِدِهِ أيْ أصابَ كَبِدَهُ كَرَآهُ بِمَعْنى أصابَ رِئَتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:

لِأكْبِتَ حاسِدًا وأرى عَدُوًّا ∗∗∗ كَأنَّهُما وداعَكِ والرَّحِيلُ

والآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ قُرِئَ: أوْ يَكْبِدَهم، وأوْ لِلتَّنْوِيعِ دُونَ التَّرْدِيدِ لِوُقُوعِ الأمْرَيْنِ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (127) أيْ فَيَنْهَزِمُوا مُنْقَطِعِي الآمالِ فالخَيْبَةُ انْقِطاعُ الأمَلِ، وفَرَّقُوا بَيْنَها وبَيْنَ اليَأْسِ بِأنَّ الخَيْبَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الأمَلِ، واليَأْسُ يَكُونُ بَعْدَهُ وقَبْلَهُ، ونَقِيضُ الخَيْبَةِ الظَّفَرُ، ونَقِيضُ اليَأْسِ الرَّجاءُ.

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «أنَّ رَباعِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّفْلى اليُمْنى أُصِيبَتْ يَوْمَ أُحُدٍ أصابَها عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ وشَجَّهُ في وجْهِهِ، فَكانَ سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ أوْ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَغْسِلُ الدَّمَ، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ صَنَعُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ: اللَّهُمَّ العَنْ أبا سُفْيانَ، اللَّهُمَّ العَنِ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ العَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللَّهُمَّ العَنْ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ إلَخْ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ».

وعَنِ الجُبّائِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذِنُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَدْعُوَ عَلى الكُفّارِ لَما آذَوْهُ حَتّى إنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ صَلّى الظَّهْرُ ذَلِكَ اليَوْمَ قاعِدًا مِنَ الجِراحِ وصَلّى المُسْلِمُونَ وراءَهُ قُعُودًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ والشَّعْبِيُّ «لَمّا رَأى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ ما فَعَلَ الكُفّارُ بِأصْحابِهِ وبِعَمِّهِ حَمْزَةَ مِن جَدْعِ الأُنُوفِ والآذانِ وقَطْعِ المَذاكِيرِ قالُوا: لَئِنْ أدالَنا اللَّهُ تَعالى مِنهم لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِثْلَ ما فَعَلُوا بِنا ولَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ قَطُّ، فَنَزَلَتْ» .

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَدْعُوَ عَلى المُنْهَزِمِينَ عَنْهُ مِن أصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَنَهاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ وتابَ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

صفحة 50

وهَذِهِ الرِّواياتُ كُلُّها مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُحُدٍ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مِنها أنَّها بِسَبَبِ المُشْرِكِينَ.

وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ بِئْرِ مَعُونَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْسَلَ أرْبَعِينَ، وقِيلَ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قُرّاءِ أصْحابِهِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمُ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو إلى بِئْرِ مَعُونَةَ عَلى رَأْسِ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مِن أُحُدٍ لِيُعَلِّمُوا النّاسَ القُرْآنَ والعِلْمَ، فاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ قَبائِلَ مِن سُلَيْمٍ مِن عُصَيَّةَ ورِعْلٍ وذَكْوانَ فَأحاطُوا بِهِمْ في رِحالِهِمْ فَقاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أخا بِنَيِ النَّجّارِ فَإنَّهم تَرَكُوهُ وبِهِ رَمَقٌ، فَلَمّا عَلِمَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وجَدَ وجْدًا شَدِيدًا وقَنَتَ عَلَيْهِمْ شَهْرًا يَلْعَنُهم فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ ذَلِكَ»، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ شَيْءٌ وإنْ قَلَّ.

﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى الأمْرِ أوْ عَلى شَيْءٍ بِإضْمارِ أنْ أيْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوْ مِنَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ مِن تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ، أوْ لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ أوِ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبِهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِأنَّهُ عَلى الأوَّلِ سَلَبَ ما يَتْبَعُ التَّوْبَةَ والتَّعْذِيبَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ القَبُولِ والرَّدِّ والخَلاصِ مِنَ العَذابِ والمَنعِ مِنَ النَّجاةِ.

وعَلى الثّانِي سَلَبَ نَفْسَ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْنِي لا يَقْدِرُ أنْ يُجْبِرَهم عَلى التَّوْبَةِ ولا يَمْنَعَهم عَنْها ولا يَقْدِرَ أنْ يُعَذِّبَهم ولا أنْ يَعْفُوَ عَنْهم، فَإنَّ الأُمُورَ كُلَّها بِيَدِ اللَّهِ تَعالى، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي، لَكِنْ في مَجِيءِ مِثْلِ هَذا العَطْفِ بِكَلِمَةِ ( أوْ ) نَظَرٌ، وتَعَقَّبَهُ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا إذا كانَ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ والإيجابِ أيْ لَيْسَ ما تَأْمُرُهم بِهِ مِن عِنْدِكَ ولَيْسَ الأمْرُ بِيَدِكَ ولا التَّوْبَةُ ولا التَّعْذِيبُ، فَلَيْسَ هُناكَ عَطْفُ الخاصِّ عَلى العامِّ، وفِيهِ أنَّ الحَمْلَ عَلى التَّكْلِيفِ تَكَلُّفٌ، والحَمْلَ عَلى الشَّأْنِ أرْفَعُ شَأْنًا.

ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ وابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلّا أنْ، والمَعْنى لَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إلّا أنْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالإسْلامِ فَتَفْرَحَ، أوْ يُعَذِّبَهم فَتَشْتَفِيَ بِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ بَعْضِ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَزْوَةِ أُحُدٍ أوْ ما يُشْبِهُها إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّناسُبِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِنهُما مَبْنِيٌّ عَلى اخْتِصاصِ الأمْرِ كُلِّهِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَبْنِيٌّ عَلى سَلْبِهِ عَمَّنْ سِواهُ، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما في هَذِهِ الآياتِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ يَتُوبَ﴾ إلَخْ عَطْفٌ عَلى يَنْقَلِبُوا أيْ يَكُونُ ثَمَرَةُ خِزْيِهِمُ انْقِلابَهم خائِبِينَ أوِ التَّوْبَ عَلَيْهِمْ أوْ تَعْذِيبَهم أوْ عَطْفٌ عَلى ( يَكْبِتَهم ) و﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ المُتَعَلِّقِ بِالعاجِلِ والمَعْطُوفِ المُتَعَلِّقِ لِتَحْقِيقٍ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلْمَنصُورِ إثْرَ بَيانِ أنْ لا تَأْثِيرَ لِلنّاصِرِينَ، وتَخْصِيصُ النَّفْيِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِانْتِفاءِ مِن غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى، وإنَّما خُصَّ الِاعْتِراضُ بِمَوْقِعِهِ لِأنَّ ما قَبْلَهُ مِنَ القَطْعِ والكَبْتِ مِن مَظانِّ أنْ يَكُونَ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِسائِرِ مُباشِرِي القِتالِ مَدْخَلٌ في الجُمْلَةِ، والمَعْنى إنَّ مالِكَ أمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ وهو اللَّهُ تَعالى نَصَرَكم عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم أوْ يَكْبِتَهم أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا أوْ يُعَذِّبَهم إنْ أصَرُّوا، ولَيْسَ لَكَ مِن أمْرِهِمْ شَيْءٌ إنْ أنْتَ إلّا عَبْدٌ مَأْمُورٌ بِإنْذارِهِمْ وجِهادِهِمْ.

والمُرادُ بِتَعْذِيبِهِمُ التَّعْذِيبَ الشَّدِيدَ الأُخْرَوِيَّ المَخْصُوصَ بِأشَدِّ الكَفَرَةِ كُفْرًا، وإلّا فَمُطْلَقُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ مُتَحَقِّقٌ في الفَرِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وحَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ بِالأسْرِ واسْتِيلاءِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ خِلافُ المُتَبادَرِ مِنَ التَّعْذِيبِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وكَذا لا يُلائِمُ ظاهِرَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ فَإنَّهُ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِهَذا التَّعْذِيبِ.

صفحة 51

وأكْثَرُ ما يُعَلَّلُ بِهِ التَّعْذِيبُ الأُخْرَوِيُّ، نَعَمْ حَمْلُهُ عَلى التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ أوْفَقُ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ الفَرّاءُ وابْنُ الأنْبارِيِّ؛ لِأنَّ التَّشَفِّيَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ في الدُّنْيا، ونَظْمُ التَّوْبَةِ والتَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلنَّصْرِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ مِن حَيْثُ إنَّ قَبُولَ تَوْبَتِهِمْ فَرْعُ تَحَقُّقِها النّاشِئِ مِن عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَةِ الإسْلامِ بِسَبَبِ غَلَبَةِ أهْلِهِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى النَّصْرِ الَّذِي هو مِنَ الآياتِ الغُرِّ المُحَجَّلَةِ، وأنَّ تَعْذِيبَهُمُ المَذْكُورَ شَيْءٌ مُسَبَّبٌ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وإنْ فُسِّرَ بِالأسْرِ مَثَلًا كانَ أمْرُ التَّسَبُّبِ مَكْشُوفًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، واسْتَشْكَلَتُ هَذِهِ الآيَةُ بِناءً عَلى أنَّها تَدُلُّ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ فَعَلَ فِعْلًا ومُنِعَ مِنهُ، بِأنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ مَنَعَهُ مِنهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فَهو قادِحٌ بِالعِصْمَةِ ومُنافٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ ما وقَعَ كانَ مِن بابِ خِلافِ الأوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والنَّهْيُ المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ مِن بابِ الإرْشادِ إلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ، ولا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الهَوى في شَيْءٍ، بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ يَصِحُّ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ ويَعْمَلَ بِما أدّى إلَيْهِ اجْتِهادُهُ المَأْذُونُ بِهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الفِعْلُ نَفْسُهُ عَنْ وحْيٍ وإذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ، وأنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ كانَ نَسْخًا لِذَلِكَ الإذْنِ، وأيًّا ما كانَ لا يُنافِي العِصْمَةَ الثّابِتَةَ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فافْهَمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском