Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:133–134
3:133Page 67
۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣
And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous
﴿وسارِعُوا﴾ عَطْفٌ عَلى أطِيعُوا أوِ اتَّقُوا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِغَيْرِ واوٍ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْنافِ وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والعِراقِ أيْ بادِرُوا وسابِقُوا، وقُرِئَ بِالأخِيرِ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ أيْ أسْبابِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سارِعُوا إلى أداءِ الفَرائِضِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلى الإسْلامِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ: إلى الهِجْرَةِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: إلى التَّكْبِيرَةِ الأُولى، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: إلى أداءِ الطّاعاتِ، وعَنْ يَمانٍ: إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وعَنِ الضَّحّاكِ: إلى الجِهادِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ: إلى التَّوْبَةِ، والظّاهِرُ العُمُومُ ويَدْخُلُ فِيهِ سائِرُ الأنْواعِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى الجَنَّةِ لِما أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقِيلَ: لِأنَّها كالسَّبَبِ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ نَعْتًا لِمَغْفِرَةٍ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ، ووَصْفُ المَغْفِرَةِ بِكَوْنِها مِنَ الرَّبِّ دُونَ الجَنَّةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها وتَنْوِيهًا بِشَأْنِها، وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ: «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَتْ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً في عَتَبَةِ دارِهِ: اجْدَعْ أنْفَكَ، اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ. فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم، ثُمَّ تَلاها عَلَيْهِمْ» . والتَّنْوِينُ في مَغْفِرَةٍ لِلتَّعْظِيمِ ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ، وكَذا في ( جَنَّةٍ ) ويُؤَيِّدُهُ أيْضًا وصْفُها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ والمُرادُ كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:
حَسِبْتُ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ
فَإنَّهُ أرادَ كَصَوْتِ عَناقٍ، والعَرْضُ أقْصَرُ الِامْتِدادَيْنِ، وفي ذِكْرِهِ دُونَ ذِكْرِ الطُّولِ مُبالَغَةٌ، وزادَ في المُبالَغَةِ بِحَذْفِ أداةِ التَّشْبِيهِ وتَقْدِيرِ المُضافِ، فَلَيْسَ المَقْصُودُ تَحْدِيدَ عَرْضِها حَتّى يَمْتَنِعَ كَوْنُها في السَّماءِ، بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ السَّعَةِ بِما هو في تَصْوِيرِ السّامِعِينَ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تَصِفُ الشَّيْءَ بِالعَرْضِ إذا أرادُوا وصْفَهُ بِالسَّعَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: أعْرَضَ في المَكارِمِ إذا تَوَسَّعَ فِيها، والمُرادُ مِنَ ( السَّمَواتِ والأرْضِ ) السَّمَواتُ
صفحة 57
السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَّمَواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها بِبَعْضٍ فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها فَوْقَ السَّمَواتِ السَّبْعِ تَحْتَ العَرْشِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقِيلَ: إنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وقِيلَ: إنَّها خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومَعْنى كَوْنِها في السَّماءِ أنَّها في جِهَةِ العُلُوِّ ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى في العُلُوِّ أمْثالَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِأضْعافٍ مُضاعَفَةٍ، ولا يُنافِي هَذا خَبَرَ أنَّها في السَّماءِ الرّابِعَةِ إنْ صَحَّ ولا ما حُكِيَ عَنِ الأكْثَرِ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكَ: في الدّارِ بُسْتانٌ إذا كانَ لَهُ بابٌ مِنها يَشْرَعُ إلَيْهِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا يُنافِي خُرُوجَ البُسْتانِ عَنْها، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ لا يُنافِي الخَبَرَ أيْضًا كَوْنُ عَرْضِ الجَنَّةِ كَعَرْض السَّماوات والأرْض مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ (السَّمَواتِ) السَّمَواتِ السَّبْعَ كَما قِيلَ بِهِ.
ومِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها في السَّماءِ تَحْتَ العَرْشِ أوِ الرّابِعَةِ إلّا أنَّ هَذا العَرْضَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى فِيها ما يَزِيدُ.
وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ قِيلَ: وبِذَلِكَ يُدْفَعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ إذا كانَ عَرْضُ الجَنَّةِ ( كَعَرْضِ السَّمَواتِ والأرْضِ ) فَأيْنَ تَكُونُ النّارُ، ووَجْهُ الدَّفْعِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا الآنُ فَهي دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، ويَوْمَ يَثْبُتُ لَها ذَلِكَ لا تَكُونُ فِيهِ السَّمَواتُ والأرْضُ كَهَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ المُشَبَّهِ بِعَرْضِهِما عَرْضُها، ولا يَخْفى أنَّ القَوْلَ: بِالزِّيادَةِ في السَّعَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ سَلِمَ إلّا أنَّ كَوْنَها اليَوْمَ دُونَ هَذِهِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِكَثِيرٍ في حَيِّزِ المَنعِ ولا يَكادُ يُقْبَلُ، والسُّؤال المَذْكُورُ أجابَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ التَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ «قالَ: قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِكِتابِ هِرَقْلَ وفِيهِ: إنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتِ والأرْضِ فَأيْنَ النّارُ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ ؟» ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِنَ الجَوابِ إسْقاطُ المَسْألَةِ وبَيانُ أنَّ القادِرَ عَلى أنْ يُذْهِبَ اللَّيْلَ حَيْثُ شاءَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ النّارَ حَيْثُ شاءَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ خَبَرُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ إلى أنَّ العَرْضَ هَهُنا لَيْسَ مُقابِلَ الطُّولِ بَلْ هو مِن قَوْلِكَ عَرَضْتُ المَتاعَ لِلْبَيْعِ، والمَعْنى أنَّ ثَمَنَها لَوْ بِيعَتْ كَثَمَنِ السَّمَواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِذَلِكَ عِظَمُ مِقْدارِها وجَلالَةُ قَدْرِها، وأنَّهُ لا يُساوِيها شَيْءٌ وإنْ عَظُمَ، فالعَرْضُ بِمَعْنى ما يُعْرَضُ مِنَ الثَّمَنِ في مُقابَلَةِ المَبِيعِ، ورُبَّما يُسْتَغْنى عَلى هَذا عَنْ تَقْدِيرِ ذَلِكَ المُضافِ، ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ خِلافُ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ مِن أنَّ المُرادَ وصْفُها بِأنَّها واسِعَةٌ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ هُيِّئَتْ لِلْمُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، وأنَّ دُخُولَ غَيْرِهِمْ كَعُصاةِ المُؤْمِنِينَ والأطْفالِ والمَجانِينِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، وإذا حُمِلَتِ التَّقْوى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأمّا فِيهِ فَبَعِيدٌ عَلى التَّقْوى عَنِ الشِّرْكِ لا ما يَعُمُّهُ وسائِرَ المُحَرَّماتِ لَمْ نَسْتَغْنِ عَنْ هَذا القَوْلِ أيْضًا؛ لِأنَّ المَجانِينَ مَثَلًا لا يَتَّصِفُونَ بِالتَّقْوى حَقِيقَةً ولَوْ كانَتْ عَنِ الشِّرْكِ كَما لا يَخْفى.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ جَنّاتٌ مُتَفاوِتَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ المَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم لا بِالذّاتِ ولا بِالتَّبَعِ، ولَعَلَّها الفِرْدَوْسُ المُصَرَّحُ بِها في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فَأسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» وفِيهِ تَأمُّلٌ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الماضِي، وجَعْلُهُ مِن بابِ ( ونُفِخَ في الصُّورِ ) خِلافُ الظّاهِرِ ولا داعِيَ إلَيْهِ كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ ( أُعِدَّتْ ) السّابِقُ في حَقِّ النّارِ.
صفحة 58
وأمّا دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ خارِجَةٌ عَنْ هَذا العالَمِ بِناءً عَلى أنَّها تَقْتَضِي أنَّ الجَنَّةَ أعْظَمُ مِنهُ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِها فَفِيهِ نَظَرٌ كَما يُرْشِدُكَ إلَيْهِ النَّظَرُ فِيما تَقَدَّمَ.
والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لَجْنَةٍ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنها لِأنَّها قَدْ وصِفَتْ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً قالَ أبُو البَقاءِ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المُضافِ إلَيْهِ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها أنَّهُ لا عَمَلَ لَهُ وما جاءَ مِن ذَلِكَ مُتَأوَّلٌ عَلى ضَعْفِهِ، والثّانِي أنَّ العَرْضَ هُنا لا يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ بَلِ المَسافَةُ، والثّالِثُ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها.
3:134Page 67
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤
Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمُتَّقِينَ مادِحٌ لَهم، وقِيلَ: مُخَصَّصٌ أوْ بَدَلٌ أوْ بَيانٌ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى إضْمارِ الفِعْلِ أوْ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ( هم ) ومَفْعُولُ ( يُنْفِقُونَ ) مَحْذُوفٌ لِيَتَناوَلَ كُلَّ ما يَصْلُحُ لِلْإنْفاقِ المَحْمُودِ أوْ مَتْرُوكٌ بِالكُلِّيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي.
﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ أيْ في اليُسْرِ والعُسْرِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: في حالِ السُّرُورِ والِاغْتِمامِ، وقِيلَ: في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ بِأنْ يُوصِي، وقِيلَ: فِيما يَسُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الوَلَدِ والقَرِيبِ، وفِيما يَضُرُّ كالنَّفَقَةِ عَلى الأعْداءِ، وقِيلَ: في ضِيافَةِ الغَنِيِّ والإهْداءِ إلَيْهِ، وفِيما يُنْفِقُهُ عَلى أهْلِ الضُّرِّ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ السَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَسُرُّ، والضَّرّاءِ الحالَةُ الَّتِي تَضُرُّ، والمُتَبادِرُ ما قالَهُ الحَبْرُ، والمُرادُ إمّا ظاهِرُهُما أوِ التَّعْمِيمُ كَما عُهِدَ في أمْثالِهِ، أيْ أنَّهم لا يَخْلُونَ في حالٍ ما بِإنْفاقِ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن كَثِيرٍ أوْ قَلِيلٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها تَصَدَّقَتْ بِحَبَّةِ عِنَبٍ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهُ تَصَدَّقَ بِبَصَلَةٍ، وفي الخَبَرِ: «اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ،» «ورُدُوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحَرَّقٍ».
﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أصْلُ الكَظْمِ شَدُّ رَأْسِ القِرْبَةِ عِنْدَ امْتِلائِها، ويُقالُ: فَلا كَظِيمٌ أيْ مُمْتَلِئٌ حُزْنًا و( الغَيْظُ ) هَيَجانُ الطَّبْعِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ما يُنْكِرُ، والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الغَضَبِ عَلى ما قِيلَ: إنَّ الغَضَبَ يَتْبَعُهُ إرادَةَ الِانْتِقامِ البَتَّةَ، ولا كَذَلِكَ الغَيْظُ، وقِيلَ: الغَضَبُ ما يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ والبَشَرَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ، والغَيْظُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: هُما مُتَلازِمانِ إلّا أنَّ الغَضَبَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والغَيْظُ لا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ.
والمُرادُ والمَتْجَرِّعِينَ لِلْغَيْظِ المُمْسِكِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ امْتِلاءِ نُفُوسِهِمْ مِنهُ فَلا يُنْفِقُونَ مِمَّنْ يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَيْهِمْ ولا يُبْدُونَ لَهُ ما يَكْرَهُ، بَلْ يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإنْفاذِ والِانْتِقامِ وهَذا هو المَمْدُوحُ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأ اللَّهُ تَعالى قَلْبَهُ أمْنًا وإيمانًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ تَعالى عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أيِّ الحُورِ شاءَ» وفي الأوَّلِ جَزاءٌ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وفي الثّانِي ما هو مِن تَوابِعِهِ، وهَذا الوَصْفُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الفاعِلِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وأمّا الإنْفاقُ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَجَدِّدًا عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُفِيدُ التَّجَدُّدَ والحُدُوثَ ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ أيِ المُتَجاوِزِينَ عَنْ عُقُوبَةِ مَنِ اسْتَحَقُّوا مُؤاخَذَتَهُ إذا لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ إخْلالٌ بِالدِّينِ، وقِيلَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ إذا أساءُوا، والعُمُومُ أوْلى.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ”أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ تَعالى أجْرٌ فَلا يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا“ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرِفَ لَهُ البُنْيانُ، وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ، فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ ويَصِلْ مَن قَطَعَهُ» ”.
صفحة 59
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الآيَةِ:“ إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ " . والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ إنْ كانَتِ القِلَّةُ عَلى ظاهِرِها ومُتَّصِلٌ إنْ كانَتْ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَوْنُ بَعْضِ الخَصائِصِ كَثِيرًا في الأُمَمِ السّابِقَةِ لا يَقْتَضِي تَفْضِيلَهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ومَن ظَنَّ ذَلِكَ تَكَلَّفَ في تَوْجِيهِ الحَدِيثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ الكاظِمِينَ الغَيْظَ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِغَلَبَةِ الغَيْظِ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ السّالِفَةِ لِقِلَّةِ حَمِيَّتِهِمْ ولِذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ فِيما بَيْنَهم قَلِيلًا، ولِما تَمَرَّنَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ في الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى، والتَزَمُوا الِاجْتِنابَ عَنِ المُداهَنَةِ صارَ إنْفاذُ الغَيْظِ عادَتَهم فَلا يَكْظِمُونَ إذا ابْتُلُوا إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فالقَلِيلُ في الخَبَرِ هُمُ الَّذِينَ يَكْظِمُونَ لِقِلَّةِ الحَمِيَّةِ وهُمُ الكَثِيرُونَ في الأُمَمِ السّالِفَةِ فَلا اخْتِصاصَ لَهم بِمَزِيَّةٍ لِيُتَوَهَّمَ تَفْضِيلُهم عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْجِيهَ مِمّا تَأْباهُ الإشارَةُ والعِبارَةُ، وأحْسَنُ مِنهُ بَلْ لا نِسْبَةَ أنَّ الكَثْرَةَ نَظَرًا إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أُمَّةٍ أُمَّةٍ، ولا يَضُرُّ قِلَّةُ وُجُودِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِينا بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الخَلائِقِ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ بُعِثَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأسْرِها قَلِيلَةٌ بِالنَّظَرِ إلى مَجْمُوعِ الأُمَمِ فَضْلًا عَنْ خِيارِها فَتَدَبَّرْ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إشْعارٌ بِكَمالِ حُسْنِ مَوْقِعِ عَفْوِهِ عَلَيْهُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الرُّماةِ، وتَرْكِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِما فَعَلُوا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ونُدِبَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى تَرْكِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ مِن مُجازاةِ المُشْرِكِينَ بِما فَعَلُوا بِحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَتّى قالَ حِينَ رَآهُ قَدْ مُثِّلَ بِهِ: «لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مَكانَكَ» . ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ هُنا بِصِيغَةِ الفاعِلِ أيْضًا دُونَ الفِعْلِ لِأنَّ العَفْوَ أشْبَهُ بِالكَظْمِ مِنهُ بِالإنْفاقِ.
﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (134) تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، و(ال) إمّا لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُحْسِنِينَ عَلى ما قِيلَ: إيذانًا بِأنَّ النُّعُوتَ المَعْدُودَةَ مِن بابِ الإحْسانِ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالأعْمالِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الإحْسانُ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ عَلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ عارٍ عَنْ وُجُوهِ القُبْحِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم في جَمِيعِ تِلْكَ النُّعُوتِ مُحْسِنُونَ إلى الغَيْرِ لا في الإنْفاقِ فَقَطْ.
ومِمّا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الإحْسانِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أنَّ جارِيَةً لِعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَعَلَتْ تَسْكُبُ عَلَيْهِ الماءَ لِيَتَهَيَّأ لِلصَّلاةِ فَسَقَطَ الإبْرِيقُ مِن يَدِها فَشَجَّهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ فَقالَ لَها: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي، قالَتْ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ: قَدْ عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكِ، قالَتْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences