Al-AlusiAli 'Imran · 3:145–148

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:145–148, continued

﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ أنَّهُ بَشَرٌ كَسائِرِ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ فَكَما خَلَوْا مِن قَبْلِهِ سَيَخْلُو هو مِن بَعْدِهِمْ ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ ورَجَعْتُمُ القَهْقَرى، والإشارَةُ في ذَلِكَ إلى أنَّهُ تَعالى عاتَبَ مِن تَزَلْزَلَ لِذَهابِ الواسِطَةِ العُظْمى عَنِ البَيْنِ وهو مُنافٍ لِمُشاهَدَةِ الحَقِّ ومُعايَنَتِهِ، ولِهَذا قالَ الصِّدِّيقُ الأكْبَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ تَعالى حَيٌّ لا يَمُوتُ، ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ لِفَنائِهِ الذّاتِيِّ ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ﴾ بِالإيمانِ الحَقِيقِيِّ ﴿الشّاكِرِينَ﴾ بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ بِأداءِ حُقُوقِهِ مِنَ الِائْتِمارِ بِأوامِرِ الشَّرْعِ والِانْتِهاءِ عَنْ نَواهِيهِ ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ﴾ هَذا المَوْتَ المَعْلُومَ، أوِ المَوْتَ عَنْ أوْصافِها الدَّنِيَّةِ وأخْلاقِها الرَّدِّيَةِ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ومَشِيئَتِهِ أوْ جَذْبِهِ بِإشْراقِ نُورِهِ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ جَزاءً لِعَمَلِهِ ﴿نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ ولَعَلَّهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا الثَّوابَيْنِ ولَمْ يَكُنْ لَهم غَرَضٌ سِوى العُبُودِيَّةِ، وأبْهَمَ جَزاءَهم لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ أمْرٌ وراءَ العِبارَةِ، ولَعَلَّهُ تَجَلِّي الحَقِّ لَهم، وهَذا غايَةُ مُتَمَنِّي المُحِبِّينَ ونِهايَةُ مَطْلَبِ السّالِكِينَ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى رِضاهُ وتَوْفِيقَهُ.

3:146Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

﴿وكَأيِّنْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَوْبِيخًا لِلْمُنْهَزِمِينَ أيْضًا حَيْثُ لَمْ يَسْتَنُّوا بِسُنَنِ الرَّبّانِيِّينَ المُجاهِدِينَ مَعَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مَعَ أنَّهم أوْلى بِذَلِكَ حَيْثُ كانُوا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ فَقِيلَ: إنَّها بَسِيطَةٌ وُضِعَتْ كَذَلِكَ ابْتِداءً والنُّونُ أصْلِيَّةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَيّانَ وغَيْرُهُ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ مُوافِقٌ لِلرَّسْمِ، وقِيلَ وهو المَشْهُورُ: إنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن (أيٍّ) المُنَوَّنَةِ وكافِ التَّشْبِيهِ، واخْتُلِفَ في (أيٍّ) هَذِهِ فَقِيلَ: هي أيُّ الَّتِي في قَوْلِهِمْ: أيُّ الرِّجالِ، وقالَ ابْنُ جِنِّي: إنَّها مَصْدَرٌ أوى يَأْوِي إذا انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وأصْلُهُ أوْيٍ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتْ وادْغِمَتْ مِثْلَ طَيٍّ وشَيٍّ، وحَدَثَ فِيها بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنى التَّكْثِيرِ المَفْهُومِ مِن كَمْ كَما حَدَثَ في كَذا بَعْدَ التَّرْكِيبِ مَعْنًى آخَرَ، فَكَمْ وكَأيِّنْ بِمَعْنى واحِدٍ قالُوا: وتُشارِكُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ: الإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ والبِناءُ ولُزُومُ التَّصْدِيرِ، وإفادُهُ التَّكْثِيرِ وهو الغالِبُ، والِاسْتِفْهامُ وهو نادِرٌ، ولَمْ يُثْبِتْهُ إلّا ابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ عُصْفُورٍ وابْنُ مالِكٍ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كائِنٌ تَقْرَأُ سُورَةَ الأحْزابِ آيَةً فَقالَ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ، وتُخالِفُها في خَمْسَةِ أُمُورٍ أيْضًا: أحَدُها أنَّها مُرَكَّبَةٌ في المَشْهُورِ، وكَمْ بَسِيطَةٌ فِيهِ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ثُمَّ حُذِفَتْ ألِفُها لِدُخُولِ الجارِ، وسُكِّنَتْ لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الكَلِمَةِ بِالتَّرْكِيبِ، والثّانِي أنَّ مُمَيِّزَها مَجْرُورٌ بِمِن غالِبًا حَتّى زَعَمَ ابْنُ عُصْفُورٍ لُزُومَ ذَلِكَ، ويَرُدُّهُ نَصُّ سِيبَوَيْهِ عَلى عَدَمِ اللُّزُومِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

اطْرُدِ اليَأْسَ بِالرَّجاءِ فَكائِنٌ آلِمًا حُمَّ يُسْرُهُ بَعْدَ عُسْرِ

والثّالِثُ أنَّها لا تَقَعُ اسْتِفْهامِيَّةً عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِعُ أنَّها لا تَقَعُ مَجْرُورَةً خِلافًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ وابْنِ عُصْفُورٍ

صفحة 82

أجازا بِكايِنٍ تَبِيعُ الثَّوْبَ، والخامِسُ أنَّ خَبَرَها لا يَقَعُ مُفْرَدًا، وقالُوا: إنَّ بَيْنَها وبَيْنَ - كَذا - مُوافَقَةً ومُخالَفَةً أيْضًا، فَتَوافُقُها –كَذا - في أرْبَعَةِ أُمُورٍ: التَّرْكِيبُ والبِناءُ والإبْهامُ والِافْتِقارُ إلى التَّمْيِيزِ، وتَخالُفُها في ثَلاثَةِ أُمُورٍ: الأوَّلُ أنَّها لَيْسَ لَها الصَّدْرُ تَقُولُ: قَبَضْتُ كَذا وكَذا دِرْهَمًا، الثّانِي أنَّ تَمْيِيزَها واجِبُ النَّصْبِ فَلا يَجُوزُ جَرُّهُ بِمِنِ اتِّفاقًا ولا بِالإضافَةِ خِلافًا لِلْكُوفِيِّينَ أجازُوا في غَيْرِ تَكْرارٍ ولا عَطْفٍ أنْ يُقالَ: كَذا ثَوْبٍ وكَذا أثْوابٍ قِياسًا عَلى العَدَدِ الصَّرِيحِ، ولِهَذا قالَ فُقَهاؤُهم: إنَّهُ يَلْزَمُ بِقَوْلِ القائِلِ لَهُ عِنْدِي كَذا دِرْهَمٍ مِائَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمٍ ثَلاثَةٍ وبِقَوْلِهِ: كَذا كَذا دِرْهَمًا أحَدَ عَشَرَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا دِرْهَمًا عِشْرُونَ، وبِقَوْلِهِ: كَذا وكَذا دِرْهَمًا أحَدٌ وعِشْرُونَ حَمْلًا عَلى المُحَقَّقِ مِن نَظائِرِهِنَّ مِنَ العَدَدِ الصَّرِيحِ، ووافَقَهم عَلى هَذا التَّفْصِيلِ - غَيْرَ مَسْألَتَيِ الإضافَةِ - المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والسِّيرافِيُّ وابْنُ عُصْفُورٍ، ووَهِمَ ابْنُ السَّيِّدِ في نَقْلِ الإجْماعِ عَلى إجازَةِ ما أجازَهُ المُبَرِّدُ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ، الثّالِثُ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ غالِبًا إلّا مَعْطُوفًا عَلَيْها كَقَوْلِهِ:

عِدِ النَّفْسَ نُعْمى بَعْدَ بُؤْسِكَ ذاكِرًا ∗∗∗ كَذا وكَذا لُطْفًا بِهِ نُسِيَ الجَهْدُ

وزَعَمَ ابْنُ خَرُوفٍ أنَّهم لَمْ يَقُولُوا كَذا دِرْهَمًا، وذَكَرَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ مَسْمُوعٌ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، ثُمَّ إنَّ إثْباتَ تَنْوِينِ (كَأيِّنْ) عَلى القَوْلِ المَشْهُورِ في الوَقْفِ والخَطِّ عَلى خِلافِ القِياسِ لِما أنَّهُ نَسْخُ أصْلِها، وفِيهِ لُغاتٌ وكُلُّها قَدْ قُرِئَ بِهِ: أحَدُها (كَأيِّنْ) بِالتَّشْدِيدِ عَلى الأصْلِ وهي اللُّغَةُ المَشْهُورَةُ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، والثّانِيَةُ – كائِنٌ - بِألِفٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ كاعِنٍ كاسْمِ الفاعِلِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

وكائِنٌ لَنا فَضْلًا عَلَيْكم ومِنَّةٌ ∗∗∗ قَدِيمًا ولا تَدْرُونَ ما مِن مُنْعِمِ

واخْتُلِفَ في تَوْجِيهِها فَعَنِ المُبَرِّدِ أنَّها اسْمُ فاعِلٍ مِن كانَ يَكُونُ وهو بَعِيدُ الصِّحَّةِ إذْ لا وجْهَ لِبِنائِها حِينَئِذٍ ولا لِإفادَتِها التَّكْثِيرَ، وقِيلَ: أصْلُها المُشَدَّدَةُ فَقُدِّمَتِ الياءُ المُشَدَّدَةُ عَلى الهَمْزَةِ وصارَ – كَيَئِنٍ - بِكافٍ وياءٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ ووَزْنُهُ كَعَلَفٍ، ونَظِيرُ هَذا التَّصَرُّفِ في المُفْرَدِ تَصَرُّفُهم في المُرَكَّبِ كَما ورَدَ في لُغَةٍ نادِرَةٍ رَعَمْلِي بِتَقْدِيمِ الرّاءِ في لَعَمْرِي ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ الأُولى لِلتَّخْفِيفِ فَقُلِبَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها أوْ حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ لِثِقَلِها بِالحَرَكَةِ والتَّضْعِيفِ، وقُلِبَتِ الياءُ السّاكِنَةُ ألِفًا كَما في آيَةٍ، ونَظِيرُهُ في حَذْفِ إحْدى الياءَيْنِ وقَلْبِ الأُخْرى ألِفًا طائِيٌّ في النِّسْبَةِ إلى طَيٍّ اسْمِ قَبِيلَةٍ، فَإنَّ أصْلَهُ طَيِّئِيٌّ بِياءَيْنِ مُشَدَّدَتَيْنِ بَيْنَهُما هَمْزَةٌ، فَحُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ وقُلِبَتِ الأُخْرى، والثّالِثَةُ – كَأْيٍ - بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، ووَجْهُها أنَّها حُذِفَتِ الياءُ الثّانِيَةُ وسُكِّنَتِ الهَمْزَةُ لِاخْتِلاطِ الكَلِمَتَيْنِ وجَعْلِهِما كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ كَما سَكَّنُوا الهاءَ في لَهْوٍ وفَهْوٍ، وحُرِّكَتِ الياءُ لِسُكُونِ ما قَبْلَها، والرّابِعَةُ - كَيْئِنٍ - بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، والخامِسَةُ كَئِنْ بِكافٍ مَفْتُوحَةٍ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ونُونٍ، ووَزْنُهُ كَعٍ، ووَرَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:

كَئِنْ مِن صَدِيقٍ خِلْتُهُ صادِقَ الإخا ∗∗∗ أبانَ اخْتِبارِي إنَّهُ لَمُداهِنُ

ووَجْهُهُ أنَّهُ حُذِفَتْ إحْدى الياءَيْنِ ثُمَّ حُذِفَتِ الأُخْرى لِلتَّنْوِينِ أوْ حُذِفَتا دُفْعَةً واحِدَةً، واحْتُمِلَ ذَلِكَ لَمّا امْتَزَجَ الحَرْفانِ والكافُ لا مُتَعَلِّقَ لَها لِخُرُوجِها عَنْ مَعْناها، ومَن قالَ بِهِ كالحَوْفِيِّ فَقَدْ تَعَسَّفَ، ومَوْضِعُهُما رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾ تَمْيِيزٌ لَهُ كَتَمْيِيزِ كَمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا الكَلامُ في ذَلِكَ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنَ النَّبِيِّ

صفحة 83

هُنا الرَّسُولُ وبِهِ صَرَّحَ الطَّبَرْسِيُّ ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أيْ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وهو التَّفْسِيرُ المَشْهُورُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، واسْتَشْهَدَ لَهُ كَما رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ حِينَ سَألَهُ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ بِقَوْلٍ حَسّانَ:

وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْـ ∗∗∗ ـدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِبِّيّا

وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى رِبَّةٍ بِكَسْرِ الرّاءِ، وكَوْنُ الضَّمِّ فِيها لُغَةً غَيْرُ مُتَحَقَّقٍ - وهي الجَماعَةُ - لِلْمُبالَغَةِ وخَصَّها الضَّحّاكُ بِألِفٍ، وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُمُ العُلَماءُ الفُقَهاءُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضٍا وعَلَيْهِ فَهو مَنسُوبٌ إلى الرَّبِّ - كَرَبّانِيٍّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقِراءَةِ الضَّمِّ، والمُوافِقُ لَهُ الفَتْحُ، وبِهِ قُرِئَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: قُتِلَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي خَبَرِ المُبْتَدَأِ أوْجُهٌ: أحَدُها أنَّهُ الفِعْلُ مَعَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ الرّاجِعِ إلى (كَأيِّنْ) أوْ إلى (نَبِيٍّ) وحِينَئِذٍ - فَمَعَهُ رِبِّيُّونَ - جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوْ مِن (نَبِيٍّ) لِتَخْصِيصِهِ مَعْنًى، أوْ (مَعَهُ) حالٌ، و﴿رِبِّيُّونَ﴾ فاعِلُهُ.

وثانِيها أنَّهُ جُمْلَةٌ ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ جُمْلَةُ الفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

وثالِثُها أنَّهُ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ مَضى ونَحْوُهُ، وحِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ صِفَةً لِنَبِيٍّ، و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ حالًا عَلى ما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُسْنَدًا لِرِبِّيُّونَ فَلا ضَمِيرَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةً لِنَبِيٍّ.

ورابِعُها أنْ يَكُونَ رِبِّيُّونَ مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ فَلا ضَمِيرَ، والجُمْلَةُ هي الخَبَرُ.

وقُرِئَ قُتِّلَ بِالتَّشْدِيدِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: وحِينَئِذٍ فَلا ضَمِيرَ في الفِعْلِ لِما في التَّضْعِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّكْثِيرِ وهو يُنافِي إسْنادَهُ إلى الواحِدِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ ضَمِيرُ الأوَّلِ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَماعَةِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، ومِن هُنا قِيلَ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُؤَيِّدُ إسْنادَ قُتِلَ إلى الرِّبِّيِّينَ، ويُؤَيِّدُها أيْضًا ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ، وقَوْلُ الحَسَنِ وجَماعَةٌ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في الحَرْبِ قَطُّ، ثُمَّ إنَّ مَنِ ادَّعى إسْنادَ القَتْلِ إلى النَّبِيِّ وأنَّهُ في الحَرْبِ أيْضًا عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ المَقامَ، حَمَلَ النُّصْرَةَ المَوْعُودَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ عَلى النُّصْرَةِ بِإعْلاءِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ لا عَلى الأعْداءِ مُطْلَقًا لِئَلّا تَتَنافى الآيَتانِ، وهَذا أحَدُ أجْوِبَةٍ في هَذا المَقامِ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها فَتَذَكَّرْ، والتَّنْوِينُ في نَبِيٍّ لِلتَّعْظِيمِ، وزَعَمَ الأجْهُورِيُّ أنَّهُ لِلتَّكْثِيرِ.

﴿فَما وهَنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى قاتَلُوا عَلى أنَّ المُرادَ عَدَمُ الوَهْنِ المُتَوَقَّعِ مِنَ القِتالِ والتَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ وُرُودِ ما يَسْتَدْعِي خِلافَهُ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لَكِنَّهُ بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: صُنْعٌ جَدِيدٌ، ومِن هُنا صَحَّ دُخُولُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وزَجَرْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، وأصْلُ الوَهْنِ الضَّعْفُ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ وابْنُ أبِي مالِكٍ هُنا بِالعَجْزِ، والزُّجاجُ بِالجُبْنِ أيْ فَما عَجَزُوا أوْ فَما جَبُنُوا.

﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في أثْناءِ القِتالِ وهَذا عِلَّةٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ، نَعَمْ يُفْهَمُ المَنفِيُّ مِن تَقْيِيدِ المُثْبَتِ بِهَذا الظَّرْفِ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، فَإنْ جُعِلَ الضَّمِيرانِ لِجَمِيعِ الرِّبِّيِّينَ فَهي عِبارَةٌ عَما عَدا القَتْلِ مِن مَكارِهِ الحُرُوبِ الَّتِي تَعْتَرِي الكُلَّ، وإنَّ جُعِلا لِلْبَعْضِ الباقِينَ بَعْدَ قَتْلِ الآخَرِينَ وهو الأنْسَبُ كَما قِيلَ: بِمَقامِ تَوْبِيخِ المُنْخَذِلِينَ بَعْدَ ما اسْتُشْهِدَ الشُّهَداءُ، فَهي عِبارَةٌ عَنْ ذَلِكَ أيْضًا مَعَ ما اعْتَراهم بَعْدَ قَتْلِ إخْوانِهِمْ مِن نَحْوِ الخَوْفِ والحُزْنِ، هَذا عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي: قُتِلَ وقُتِّلَ، عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُخَفَّفَةً ومُشَدَّدَةً فَقَدْ قالُوا: إنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الظّاهِرِ فالضَّمِيرانِ لِلْباقِينَ حَتْمًا والكَلامُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ: قُتِلَ بَنُو فَلانٍ إذا وقَعَ القَتْلُ فِيهِمْ ولَمْ يَسْتَأْصِلْهم، وإنْ أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ

صفحة 84

كَما هو الظّاهِرُ الأنْسَبُ عِنْدَ البَعْضِ بِالتَّوْبِيخِ عَلى الِانْخِذالِ بِسَبَبِ الإرْجافِ بِقَتْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وإلَيْهِ ذَهَبُ قَتادَةُ والرَّبِيعُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والسُّدِّيُّ - كَما قِيلَ - فَهُما لِلْباقِينَ أيْضًا إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُ الرِّبِّيِّينَ مَعَ النَّبِيِّ في القَتْلِ ولِلْجَمِيعِ إنِ اعْتُبِرَ كَوْنُهم مَعَهُ في القِتالِ ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ ما فَتَرَوْا عَنِ الجِهادِ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: ما عَراهم ضَعْفٌ في الدِّينِ بِأنَّ تَغَيَّرَ اعْتِقادُهم لِعَدَمِ النَّصْرِ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ أيْ ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وقِيلَ: ما خَضَعُوا لِعَدُوِّهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ اسْتَكانَ بِهَذا المَعْنى، وكَذا بِمَعْنى تَضَرَّعَ، واخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هو مِنَ السُّكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلَ لِأنَّ الخاضِعَ يَسْكُنُ لِمَن خَضَعَ لَهُ فَألِفُهُ لِلْإشْباعِ وهو كَثِيرٌ ولَيْسَ بِخَطَأٍ خِلافًا لِأبِي البَقاءِ، ولا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ خِلافًا لِأبِي حَيّانَ، أوْ مِنَ الكَوْنِ فَوَزْنُهُ اسْتَفْعَلَ وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ والسِّينُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَأنَّهُ طَلَبَ مِن نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ لِمَن قَهَرَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كالعَدَمِ فَهو يَطْلُبُ مِن نَفْسِهِ الوُجُودَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ العَرَبِ: باتَ فُلانٌ - بِكَيْنَةِ سُوءٍ - أيْ بِحالَةِ سُوءٍ، أوْ مِن - كانَهُ يَكِينُهُ - إذا أذَلَّهُ، وعُزِيَ ذَلِكَ إلى الأزْهَرِيِّ وأبِي عَلِيٍّ، وحِينَئِذٍ فَألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الهاءِ مِن ﴿وهَنُوا﴾ وقُرِئَ بِكَسْرِها وهي لُغَةٌ والفَتْحُ أشْهَرُ، وقُرِئَ بِإسْكانِها عَلى تَخْفِيفِ المَكْسُورِ، وفي الكَلامِ تَعْرِيضٌ لا يَخْفى.

﴿واللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ (146) عَلى مُقاساةِ الشَّدائِدِ ومُعاناةِ المَكارِهِ في سَبِيلِهِ فَيَنْصُرُهم ويُعَظِّمُ قَدْرَهم.

والمُرادُ بِالصّابِرِينَ إمّا الرِّبِّيُّونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلتَّصْرِيحِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّبْرِ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ مَعَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإمّا ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم وهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها.

3:147Page 68

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ قَوْلَهُمْ﴾ كالتَّتْمِيمِ والمُبالَغَةِ في صَلابَتِهِمْ في الدِّينِ وعَدَمِ تَطَرُّقِ الوَهْنِ والضَّعْفِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: كَلامٌ مُبَيِّنٌ لِمَحاسِنِهِمُ القَوْلِيَّةِ إثْرَ بَيانِ مَحاسِنِهِمُ الفِعْلِيَّةِ، و(قَوْلَهُمْ) بِالنَّصْبِ خَبَرٌ لِكانَ واسْمُها المَصْدَرُ المُتَحَصِّلُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: ما كانَ قَوْلَهم، في ذَلِكَ المَقامِ واشْتِباكِ أسِنَّةِ الشَّدائِدِ والآلامِ ﴿إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أيْ صَغائِرَنا ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ أيْ تَجاوُزَنا عَنِ الحَدِّ، والمُرادُ كَبائِرُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: الإسْرافُ تَجاوُزٌ في فِعْلِ ما يَجِبُ، والذَّنْبُ عامٌّ فِيهِ وفي التَّقْصِيرِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقابِلُ الإسْرافَ وكِلاهُما مَذْمُومٌ، وسَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إطْلاقُ الذُّنُوبِ عَلى الكَبائِرِ فافْهَمْ.

والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ حالٌ مِنهُ، وإنَّما أضافُوا ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنَّهم بُرَآءُ مِنَ التَّفْرِيطِ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ واسْتِقْصارًا لِهَمِّهِمْ وإسْنادًا لِما أصابَهم إلى أعْمالِهِمْ، عَلى أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِتِلْكَ الذُّنُوبِ وذَلِكَ الإسْرافِ ما كانَ ذَنْبًا وإسْرافًا عَلى الحَقِيقَةِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ، وقِيلَ: أرادُوا مِن طَلَبِ المَغْفِرَةِ طَلَبَ قَبُولِ أعْمالِهِمْ حَيْثُ إنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، وقَدَّمُوا الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ عَلى ما هو الأهَمُّ بِحَسَبِ الحالِ مِنَ الدُّعاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ أيْ عِنْدِ جِهادِ أعْدائِكَ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا وإمْدادِنا بِالمَدَدِ الرُّوحانِيِّ مِن عِنْدِكَ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ (147)

صفحة 85

تَقْرِيبًا لَهُ إلى حَيِّزِ القَبُولِ، فَإنَّ الدُّعاءَ المَقْرُونَ بِالخُضُوعِ الصّادِرَ عَنْ زَكاءٍ وطَهارَةٍ أقْرَبُ إلى الِاسْتِجابَةِ.

ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: المُرادُ مَن (ثَبِّتْ أقْدامَنا) ثَبِّتْنا عَلى دِينِكَ الحَقِّ فَيَكُونُ تَقْدِيمُ طَلَبِ المَغْفِرَةِ عَلى هَذا التَّثْبِيتِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيةِ، وتَقْدِيمُهُما عَلى طَلَبِ النُّصْرَةِ لِما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: إنَّهم طَلَبُوا الغُفْرانَ أوَّلًا لِيَسْتَحِقُّوا طَلَبَ النَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ بِتَرَجُّحِهِمْ بِطَهارَتِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ عَلَيْهِمْ وهم مُحاطُونَ بِالذُّنُوبِ، وفي طَلَبِهِمُ النَّصْرَ مَعَ كَثْرَتِهِمُ المُفْرِطَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها ما سَبَقَ إيذانٌ بِأنَّهم لا يَنْظُرُونَ إلى كَثْرَتِهِمْ ولا يُعَوِّلُونَ عَلَيْها، بَلْ يُسْنِدُونَ ثَباتَ أقْدامِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى ويَعْتَقِدُونَ أنَّ النَّصْرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهُ ما كانَ قَوْلُهم إلّا هَذا دُونَ ما فِيهِ شائِبَةُ جَزَعٍ وخَوَرٍ وتَزَلْزُلٍ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُنْهَزِمِينَ ما لا يَخْفى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ عَنْهُما بِرَفْعِ (قَوْلُهُمْ) عَلى أنَّهُ الِاسْمُ والخَبَرُ إنْ وما في حَيِّزِها أيْ ما كانَ قَوْلُهم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ المُنْبِئَ عَنْ أحاسِنِ المَحاسِنِ، قالَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ: وهَذا كَما تَرى أقْعَدُ بِحَسَبِ المَعْنى وأوْفَقُ بِمُقْتَضى المَقامِ لِما أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِ قَوْلِهِمُ المُطْلَقِ خُصُوصِيَّةَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ عَنْهم مُفَصَّلًا كَما تُفِيدُهُ قِراءَتُهُما أكْثَرَ إفادَةً لِلسّامِعِ مِنَ الإخْبارِ بِكَوْنِ خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ قَوْلَهم لِما أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَوْقِعَ البَيانِ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ هو الخَبَرُ، فالأحَقُّ بِالخَبَرِيَّةِ ما هو أكْثَرُ إفادَةً وأظْهَرُ دَلالَةً عَلى الحَدَثِ وأوْفَرُ اشْتِمالًا عَلى نِسَبٍ خاصَّةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الوُقُوعِ في الخارِجِ وفي ذِهْنِ السّامِعِ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ هَهُنا في أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها أتَمَّ وأكْمَلَ، وأمّا ما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ النِّسْبَةِ المُطْلَقَةِ الإجْمالِيَّةِ فَحَيْثُ كانَتْ سَهْلَةَ الحُضُورِ خارِجًا وذِهْنًا كانَ حَقُّها أنْ تُلاحَظَ مُلاحَظَةً إجْمالِيَّةً وتُجْعَلَ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ لا مَقْصُودًا بِالذّاتِ في بابِ البَيانِ، وإنَّما اخْتارَ الجُمْهُورُ ما اخْتارَ، والقاعِدَةُ صِناعِيَّةٌ هي أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ مَعْرِفَتانِ فالأعْرَفُ مِنهُما أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، ولا رَيْبَ في أعْرَفِيَّةِ (أنْ قالُوا) لِدَلالَتِهِ عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ وزَمانِ الحَدَثِ، ولِأنَّهُ يُشْبِهُ المُضْمَرَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصِفُ ولا يُوصَفُ بِهِ، و(قَوْلَهُمْ) مُضافٌ إلى مُضْمَرٍ وهو بِمَنزِلَةِ العِلْمِ فَتَأمَّلِ انْتَهى.

وقالَ أبُو البَقاءِ: جُعِلَ ما بَعْدَ إلّا اسْمًا لِكانَ، والمَصْدَرُ الصَّرِيحُ خَبَرًا لَها أقْوى مِنَ العَكْسِ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ (أنْ قالُوا) يُشْبِهُ المُضْمَرَ في أنَّهُ لا يُوصَفُ وهو أعْرَفُ، والثّانِي أنَّ ما بَعْدَ (إلّا) مُثْبَتٌ، والمَعْنى كانَ قَوْلَهم رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إلَخْ دَأْبَهم في الدُّعاءِ، وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: كَأنَّ المَعْنى ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ في ذَلِكَ المَقامِ إلّا هَذا القَوْلُ وكَأنَّ غَيْرَ هَذا القَوْلِ مُنافٍ لِحالِهِمْ، وهَذِهِ الخاصِّيَّةُ يُفِيدُها إيقاعُ (أنْ) مَعَ الفِعْلِ اسْمًا لِكانَ، وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الِانْتِصافِ مِن أنَّ فائِدَةَ دُخُولِ (كانَ) المُبالَغَةُ في نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ بِتَعْدِيدِ جِهَةِ فِعْلِهِ عُمُومًا بِاعْتِبارِ الكَوْنِ وخُصُوصًا بِاعْتِبارِ خُصُوصِيَّةِ المَقالِ فَهو نَفْيٌ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ قالَ: فَعَلى هَذا لَوْ جَعَلْتَ رَبَّ الجُمْلَةِ (أنْ قالُوا) واعْتَمَدْتَ عَلَيْهِ وجَعَلْتَ (قَوْلَهُمْ) كالفَضْلَةِ حَصَلَ لَكَ ما قَصَدْتَهُ، ولَوْ عَكَسْتَ رَكِبْتَ التَّعَسُّفَ، ألا تَرى إلى أبِي البَقاءِ كَيْفَ جَعَلَ الخَبَرَ نَسْيًا مَنسِيًّا في الوَجْهِ الثّانِي واعْتَمَدَ عَلى ما بَعْدَ (إلّا) انْتَهى.

ومِنهُ يُعْلَمُ ما في كَلامِ مَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ فَإنَّهُ مَتى أمْكَنَ اعْتِبارُ جَزالَةِ المَعْنى مَعَ مُراعاةِ القاعِدَةِ الصِّناعِيَّةِ لا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ جَعْلَ الِاسْمِ غَيْرِ الأعْرَفِ ضَعِيفٌ، قالَ في المُغْنِي: واعْلَمْ أنَّهم حَكَمُوا لِأنْ وإنِ المُقَدَّرَتَيْنِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِحُكْمِ الضَّمِيرِ لِأنَّهُ لا يُوصَفُ، كَما أنَّ الضَّمِيرَ أيْضًا كَذَلِكَ فَلِهَذا قَرَأتِ السَّبْعَةُ ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا﴾، ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا﴾ والرَّفْعُ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ انْتَهى، وعَلَّلَ بَعْضُهم أعْرَفِيَّةَ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ بِأنَّهُ لا يُنْكَرُ.

صفحة 86

وقَدِ اعْتَرَضُوا عَلى كُلٍّ مِن تَعْلِيلَيِ ابْنِ هِشامٍ والبَعْضِ.

أمّا الِاعْتِراضُ عَلى الأوَّلِ فَبِأنَّ كَوْنَهُ لا يُوصَفُ لا يَقْتَضِي تَنْزِيلَهُ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ فَكَمِ اسْمٌ لا يُوصَفُ بَلْ ولا يُوصَفُ بِهِ ولَيْسَ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ ؟ وأُجِيبَ بِأنَّهُ جازَ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الِاسْمِ مانِعٌ مِن جَعْلِهِ بِمَنزِلَةِ الضَّمِيرِ لِأنَّ عَدَمَ المانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنَ المُقْتَضى ولا شَرْطًا في وُجُودِهِ، وأمّا الِاعْتِراضُ عَلى الثّانِي فَبِأنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّهُ قَدْ يُنَكَّرُ كَما في ﴿وما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى﴾ أيِ افْتِراءً قالَهُ الشِّهابُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ لا يُنَكَّرُ أنَّهُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لا يُنَكَّرُ لا أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ لا يُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ أصْلًا، ويُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِتَقْيِيدِ المَصْدَرِ بِالمُعَرَّفِ في عِبارَةِ المُغْنِي حَيْثُ يُفْهَمُ مِنها أنَّ أنْ وإنْ تارَةً يُقَدَّرانِ بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ وتارَةً بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ، وأنَّهُما إذا قُدِّرا بِمَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ كانَ لَهُ حُكْمُ الضَّمِيرِ، ومِن هُنا قالَ صاحِبُ المَطْلَعِ في مَعْنى ذَلِكَ التَّعْلِيلِ: إنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إنِ اخْتُزِلَ عَنِ الإضافَةِ يَبْقى مُنَكَّرًا بِخِلافِ (أنْ قالُوا) بَقِيَ في كَلامِ المُغْنِي أُمُورٌ: الأوَّلُ: أنَّ التَّقْيِيدَ بِأنْ وإنْ هَلْ هو اتِّفاقِيٌّ أمِ احْتِرازِيٌّ ؟ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ (الأوَّلُ) احْتِجاجًا بِأنَّهُ أُطْلِقَ في الجِهَةِ السّادِسَةِ مِنَ البابِ الخامِسِ أنَّ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ وصِلَتَهُ في نَحْوِ ذَلِكَ مَعْرِفَةٌ فَلا يَقَعُ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، ولَمْ يُخَصَّ بِأنْ وإنْ، ولِلذّاهِبِ إلى الثّانِي أنْ يَقُولَ فَرْقٌ بَيْنَ مُطْلَقِ التَّعْرِيفِ وكَوْنِهِ في حُكْمِ الضَّمِيرِ كَما لا يَخْفى، وابْنُ هِشامٍ قَدْ أخَذَ المُطْلَقَ في المُطْلَقِ وقَيَّدَ المُقَيَّدَ بِالمُقَيَّدِ فَلا بَأْسَ بِإبْقاءِ كِلا العِبارَتَيْنِ عَلى ما يَتَراءى مِنهُما.

(الثّانِي) أنَّهُ يُفْهَمُ مِن ظاهِرِهِ أنَّ الأداتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتا بِمَصْدَرٍ مُنَكَّرٍ لا يَكُونُ في حُكْمِ الضَّمِيرِ، وظاهِرُ هَذا أنَّهُ يَجُوزُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ وفِيهِ تَرَدُّدٌ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ثُبُوتِ مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ لِذَلِكَ جَوازُ الوَصْفِ، لِأنَّ امْتِناعَ الوَصْفِ أعَمُّ مِن مَرْتَبَةِ الضَّمِيرِ، ونَفْيُ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ يُفْهَمُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَصْدَرَ المُقَدَّرَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ سَواءٌ أُضِيفَ إلى ضَمِيرٍ أوْ غَيْرِهِ بِمَثابَةِ الضَّمِيرِ، ولَمْ يُصَرِّحْ أحَدٌ مِنَ الأئِمَّةِ بِذَلِكَ، لَكِنْ حَيْثُ إنَّ ابْنَ هِشامٍ ثِقَةٌ وإمامٌ في الفَنِّ ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أئِمَّتِهِ ما يُخالِفُهُ يُقْبَلُ مِنهُ ما يَقُولُ.

الرّابِعُ: أنَّ ما حَكَمَ بِهِ مِن أنَّ الرَّفْعَ ضَعِيفٌ كَضَعْفِ الإخْبارِ بِالضَّمِيرِ عَمّا دُونَهُ في التَّعْرِيفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ مِن جَوازِ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ المَحْضَةِ في بابِ النَّواسِخِ بَوْنٌ عَظِيمٌ، ويُؤَيِّدُ كَلامَ ابْنِ مالِكٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ وكَأنَّهُ لِتَحْقِيقِ هَذا المَقامِ ولِما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا في تَحْقِيقِ مَعْنى الآيَةِ، قالَ المَوْلى قُدِّسَ سِرُّهُ: فَتَأمَّلْ فَتَأمَّلْ.

3:148Page 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أيِ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ قَتادَةُ: الفَتْحُ والظُّهُورُ والتَّمَكُّنُ والنَّصْرُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قِيلَ: وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا لِأنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى طاعَتِهِمْ، وفِيهِ إجْلالٌ لَهم وتَعْظِيمٌ، وقِيلَ: تَسْمِيَةُ ذَلِكَ ثَوابًا مَجازٌ لِأنَّهُ يُحاكِيهِ.

واسْتَشْكَلَ تَفْسِيرُ ابْنِ جُرَيْجٍ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَ الإسْلامِ بَلْ كانَتِ الأنْبِياءُ إذا غَنِمُوا مالًا جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأخَذَتْهُ فَكَيْفَ تَكُونُ الغَنِيمَةُ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا ولَمْ يَصِلْ لِلْغانِمِينَ مِنها شَيْءٌ ؟! وأُجِيبَ بِأنَّ المالَ الَّذِي تَأْخُذُهُ النّارُ غَيْرُ الحَيَوانِ، وأمّا الحَيَوانُ فَكانَ يَبْقى لِلْغانِمِينَ دُونَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ ذَلِكَ هو الثَّوابَ الدُّنْيَوِيَّ.

﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ أيْ وثَوابَ الآخِرَةِ الحَسَنَ، وهو عِنْدَ ابْنِ جُرَيْجٍ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتُهُ، وعِنْدَ قَتادَةَ هي الجَنَّةُ، وتَخْصِيصُ الحَسَنِ بِهَذا الثَّوابِ لِلْإيذانِ بِفَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ وأنَّهُ المُعْتَدُّ بِهِ عِنْدَهُ تَعالى، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ ثَوابِ الدُّنْيا عَلَيْهِ مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ، أوْ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ بِالنَّصْرِ عَلى الكافِرِينَ.

﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (148) تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِلْعَبْدِ مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ، واللّامُ

صفحة 87

إمّا لِلْعَهْدِ، ووُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ إيذانًا بِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِن بابِ الإحْسانِ، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وفِيهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في تَحْصِيلِ ما حُكِيَ مِنَ المَناقِبِ الجَلِيلَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском