Al-AlusiAli 'Imran · 3:161–163

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:161–163

3:161Page 71

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا اسْتَقامَ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ أنْ يَخُونَ في المَغْنَمِ؛ لِأنَّ الخِيانَةَ تُنافِي النُّبُوَّةَ، وأصْلُ الغُلِّ الأخْذُ بِخَفِيَّةٍ ولِذا اسْتَعْمِلُ في السَّرِقَةِ ثُمَّ خُصَّ في اللُّغَةِ بِالسَّرِقَةِ مِنَ المَغْنَمِ قَبْلَ القِسْمَةِ، وتُسَمّى غُلُولًا أيْضًا، قِيلَ: وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأيْدِيَ فِيها مَغْلُولَةٌ أيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولُ فِيها غُلٌّ وهي الحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الأسِيرِ إلى عُنُقِهِ، ويُقالُ لَها: جامِعَةٌ أيْضًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ وغَيْرُهُ: أصْلُ الغُلُولِ مِنَ الغَلَلِ وهو دُخُولُ الماءِ في

صفحة 109

خَلَلِ الشَّجَرِ، وسُمِّيَتِ الخِيانَةُ غُلُولًا لِأنَّها تَجْرِي في المِلْكِ عَلى خَفاءٍ مِن غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي يَحِلُّ، ومِن ذَلِكَ الغِلُّ لِلْحِقْدِ، والغَلِيلُ لِحَرارَةِ العَطَشِ، والغِلالَةُ لِلشِّغارِ، والمُرادُ تَنْزِيهُ ساحَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عَمّا ظَنَّ بِهِ الرُّماةُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ حَكى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ «أنَّ الرُّماةَ حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ يَوْمَئِذٍ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ قالُوا: نَخْشى أنْ يَقُولَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، وأنْ لا يُقَسِّمَ الغَنائِمَ كَما لَمْ يُقَسَّمْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ظَنَنْتُمْ أنّا نَغُلُّ ولا نَقْسِمُ لَكم، ولِهَذا نَزَلَتِ الآيَةُ»، أوْ تَنْزِيهُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا اتَّهَمَهُ بِهِ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ وحَسَّناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها، والرِّوايَةُ الأُولى أوْفَقُ بِالمَقامِ، وارْتِباطُ الآيَةِ بِما قَبْلَها عَلَيْها أتَمُّ؛ لِأنَّ القِصَّةَ أُحُدِيَّةٌ إلّا أنَّ فِيها إشْعارًا بِأنَّ غَنائِمَ بَدْرٍ لَمْ تُقْسَمْ وهو مُخالِفٌ لِما سَيَأْتِي في الأنْفالِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ، والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ أوْلى بِالقَبُولِ عِنْدَ أرْبابِ هَذا الشَّأْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ مُرْسَلًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ طَلائِعَ فَغَنِمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَنِيمَةً، فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يُقَسِّمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدَمَتِ الطَّلائِعُ قالُوا: قَسَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يَقْسِمْ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، فالمَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُعْطِيَ قَوْمًا مِنَ العَسْكَرِ ويَمْنَعَ آخَرِينَ بَلْ عَلَيْهِ أنَّ يَقْسِمَ بَيْنَ الكُلِّ بِالسَّوِيَّةِ، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ عَنْ حِرْمانِ بَعْضِ الغُزاةِ بِالغُلُولِ فَطْمًا عَنْ هَذا الفِعْلِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى حَدِّ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ خُوطِبَ بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأُرِيدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ - ولا يَخْفى بُعْدُهُ - والصِّيغَةُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إخْبارٌ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنَّها لا تَخْلُو عَنْ رَمْزٍ إلى نَهْيٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ في تِلْكَ الحَضْرَةِ المُقَدَّسَةِ، وعَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ خَبَرٌ أُجْرِيَ مَجْرى الطَّلَبِ، وقَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَهْيًا في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾، و﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، و﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ وكَذا لِلِامْتِناعِ العَقْلِيِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، و﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ عَلى صِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وفي تَوْجِيهِها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ ماضِيهِ أغْلَلْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الغُلُولِ كَما تَقُولُ أكْفَرْتُهُ أيْ نَسَبْتُهُ إلى الكُفْرِ، قالَ الكُمَيْتُ:

وطائِفَةٌ قَدْ (أكْفَرَتْنِي) بِحُبِّكم وطائِفَةٌ قالَتْ مُسِيءٌ ومُذْنِبُ

والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يَنْسِبَهُ أحَدٌ إلى الغُلُولِ، وثانِيها أنْ يَكُونَ مِن أغْلَلْتُهُ إذا وجَدْتَهُ غالًّا كَقَوْلِهِمْ أحَمَدْتُهُ وأبْخَلْتُهُ وأجْبَنْتُهُ بِمَعْنى وجَدْتُهُ كَذَلِكَ، والمَعْنى ما صَحَّ لِنَبِيٍّ أنْ يُوجَدَ غالًّا، وثالِثُها أنَّهُ مِن غُلٍّ إلى أنَّ المَعْنى ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ غَيْرُهُ أيْ يَخُونُهُ ويَسْرِقُ مِن غَنِيمَتِهِ، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ النَّبِيِّ بِذَلِكَ وإنْ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يَغُلَّ غَيْرُهُ مِن إمامٍ أوْ أمِيرٍ إمّا لِعِظَمِ خِيانَتِهِ أوْ لِأنَّهُ القائِمُ بِأمْرِ الغَنائِمِ، فَإذا حَرُمَتِ الخِيانَةُ عَلَيْهِ وهو صاحِبُ الأمْرِ فَحُرْمَتُها عَلى غَيْرِهِ أوْلى كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَوْجِيهِ التَّخْصِيصِ بِما ذُكِرَ بَعْدَ الِالتِفاتِ إلى سَبَبِ النُّزُولِ والنَّظَرِ إلى ما سَيَأْتِي بَعْدُ.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أداءِ الوَحْيِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وفِيهِ عَيْبُ دِينِهِمْ وسَبُّ آلِهَتِهِمْ فَسَألُوهُ أنْ يُطْوى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ»، ولا يَخْفى أنَّهُ بِعِيدٌ جِدًّا، ولا أدْرِي كَيْفَ سَنَدُ

صفحة 110

هَذِهِ الرِّوايَةِ، ولا أظُنُّ الخَبَرَ إلّا مَوْضُوعًا، ويَزِيدُهُ بُعْدًا بَلْ لا يَكادُ يُجَوِّزُهُ قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وهو جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ بِالَّذِي غَلَّهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا ويَكُونُ التَّقْدِيرُ في حالِ عَلِمَ الغالُّ بِعُقُوبَةِ الغُلُولِ، وظاهِرُ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإتْيانَ عَلى ظاهِرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ ثُمَّ قالَ: ألا لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَها حَمْحَمَةٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَّنَ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أغِثْنِي فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغَتْكَ» .

والأخْبارُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ السِّرَّ في ذَلِكَ أنْ يُفْضَحَ بِهِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ زِيادَةً في عُقُوبَتِهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ولا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَقْلًا.

والِاسْتِبْعادُ غَيْرُ مُفِيدٍ، وقَدْ وقَعَ ما يُشْعِرُ بِالِاسْتِبْعادِ قَدِيمًا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ أوْ مِائَتَيْ بَعِيرٍ كَيْفَ يَصْنَعُ بِها ؟ ! قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ، وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلُ مِثْلَ هَذا.

ووَرَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ الإتْيانَ بِالغُلُولِ مِنَ النّارِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ في الآيَةِ حَذْفٌ أيْ يَأْتِ بِما غَلَّ مِنَ النّارِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعُ خَلِفاتٍ، فَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾» .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ، وقِيلَ: الإتْيانُ بِهِ مَجازٌ عَنِ الإتْيانِ بِإثْمِهِ تَعْبِيرًا بِما عَمِلَ عَمّا لَزِمَهُ مِنَ الإثْمِ أيْ يَأْتِ بِما احْتَمَلَ مِن وبالِهِ وإثْمِهِ، واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما تَضَمَّنَتْهُ الأخْبارُ جاءَ عَلى وجْهِ المَثَلِ كَأنَّ اللَّهَ تَعالى إذْ فَضَحَ الغالَّ وعاقَبَهُ العُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ جَرى مَجْرى أنْ يَكُونَ آتِيًا بِهِ وحامِلًا لَهُ ولَهُ صَوْتٌ، ولا يَخْفى أنَّ جَوابَ أبِي هُرَيْرَةَ لِلرَّجُلِ يَأْبى هَذا التَّأْوِيلَ.

وقِيلَ: إنَّ المَعانِيَ تَظْهَرُ في صُوَرٍ جُسْمانِيَّةٍ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ خَبَرُ مَجِيءِ المَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ، وتَلَقِّي القُرْآنِ صاحِبَهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ الشّاحِبِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ القَبْرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لا يَبْعُدُ ظُهُورُ الأعْمالِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي بِصُوَرٍ تُناسِبُها فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَعْصِيَةَ كُلِّ غالٍّ تَظْهَرُ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ غُلُولِهِ، فَيَأْتِي بِها هُناكَ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الأخْبارُ عَلى ظاهِرِها مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ارْتِكابِ التَّمْثِيلِ، وجَوابُ أبِي هُرَيْرَةَ لا يَأْباهُ، وإلْقاؤُهُ في النّارِ أيْضًا غَيْرُ مُشْكِلٍ، وأهْلُ الظّاهِرِ لَعَلَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ يُلْقى مِن غَيْرِ تَعْذِيبٍ، وبِتَقْدِيرِهِ لا مَحْذُورَ أيْضًا فِيهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ خَلْقًا حِينَ قَوْلِ جَهَنَّمَ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ فَيَضَعُهم فِيها، ومَعَ هَذا وتَسْلِيمِ صِحَّةِ الخَبَرِ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِاسْتِثْناءِ بَعْضِ الغُلُولِ عَنِ الإلْقاءِ إذْ قَدْ يَكُونُ الغُلُولُ مُصْحَفًا ولا أظُنُّ أحَدًا يَتَجاسَرُ عَلى القَوْلِ بِإلْقائِهِ.

صفحة 111

﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أيْ تُعْطى كُلُّ نَفْسٍ مُكَلَّفَةٍ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ تامًّا وافِيًا، فَفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ أوْ أنَّهُ أُقِيمَ المَكْسُوبُ مَقامَ جَزائِهِ، وفي تَعْلِيقِ التَّوْفِيَةِ بِكُلِّ مَكْسُوبٍ مَعَ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الغالِّ عِنْدَ إتْيانِهِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَخامَةِ شَأْنِ اليَوْمِ والمُبالَغَةِ في بَيانِ فَظاعَةِ حالِ الغالِّ ما لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا كانَ كُلُّ كاسِبٍ مَجْزِيًّا بِعَمَلِهِ لا يَنْقُصُ مِنهُ شَيْءٌ، وإنْ كانَ جُرْمُهُ في غايَةِ القِلَّةِ والحَقارَةِ، فالغالُّ مَعَ عِظَمِ جُرْمِهِ بِذَلِكَ أوْلى، وهَذا سَبَبُ العُدُولِ عَمّا يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن نَحْوِ ثُمَّ يُوَفّى ما كَسَبَ؛ لِأنَّهُ اللّائِقُ بِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَرادُ ثُمَّ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ لَها حَقٌّ في تِلْكَ الغَنِيمَةِ ما كَسَبَتْ مِن نُقْصانِ حَقِّها مِن غُلِّهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّظْمُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ حَمْلِهِ ما غَلَّ وبَيْنَ جَزائِهِ، أوْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أيْ بَعْدِ حَمْلِهِ ما غَلَّهُ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ، وجَعَلَهُ مُنْتَظَرًا فِيما بَيْنَ النّاسِ مُفْتَضَحًا حامِلًا ما غَلَّهُ تُوَفّى مِنهُ كُلُّ نَفْسٍ، ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاحْتِمالِ مِمّا يُصانُ عَنْهُ كَلامُ المَلِكِ المُتَعالِ، فالحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ هو القَوْلُ الأوَّلُ المُتَضَمِّنُ لِنُكْتَةِ العُدُولِ، وأمْرُ (ثُمَّ) عَلَيْهِ ظاهِرٌ سَواءٌ جُعِلَتْ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ، أوِ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ.

أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ الإتْيانَ بِما غَلَّ عِنْدَ قِيامِهِ مِنَ القَبْرِ عَلى ما هو الظّاهِرُ والجَزاءُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ جَزاءَ الغالِّ وعُقُوبَتَهُ أشَدُّ فَظاعَةً مِن حَمْلِ ما غَلَّهُ والفَضِيحَةُ بِهِ، بَلْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الحَمْلُ كالعِلاوَةِ عَلى الحَمْلِ، بَلْ يَكادُ أنْ يَكُونَ نَعِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَلْقى بَعْدُ، والجُمْلَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ.

﴿وهُمْ﴾ أيْ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَنْقُصُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ والعَدْلِ ثَوابُ مُطِيعِهِمْ ولا يُزادُ عِقابُ عاصِيهِمْ.

3:162Page 71

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢

So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ أيْ سَعى في تَحْصِيلِهِ وانْتَحى نَحْوَهُ كَمَن باءَ أيْ رَجَعَ ﴿بِسَخَطٍ﴾ أيْ غَضَبٍ عَظِيمٍ جِدًّا وهو بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ ويُقالُ: بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ أيْ رَجَعَ مُصاحِبًا لِسَخَطٍ.

﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ كائِنٌ مِنهُ تَعالى.

وفِي المُرادِ مِنَ الآيَةِ أقْوالٌ: أحَدُها أنَّ المَعْنى ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى في العَمَلِ بِالطّاعَةِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ سُبْحانَهُ في العَمَلِ بِالمَعْصِيَةِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ. ثانِيها: أنَّ مَعْناهُ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ في تَرْكِ الغُلُولِ كالنَّبِيِّ ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِفِعْلِ الغُلُولِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِالمَقامِ. ثالِثُها: أنَّ المُرادَ ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ تَعالى بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ﴾ مِنهُ جَلَّ جَلالُهُ في الفِرارِ عَنْهُ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: وهو المُطابِقُ لِما حُكِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا أُمِرَ بِالخُرُوجِ إلى أُحُدٍ قَعَدَ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ واتَّبَعَهُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ - وفِيهِ بُعْدٌ - وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مَصِيرُهُ ذَلِكَ، وفي الجُمْلَةِ احْتِمالانِ: الأوَّلُ: أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مَسُوقَةً لِبَيانِ حالِ مَن باءَ بِسَخَطٍ، ويُفْهَمُ مِن مُقابِلِهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الرِّضْوانَ كانَ مَأْواهُ الجَنَّةُ، ولَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الزَّجْرِ، وقِيلَ: لَمْ يُذْكَرْ مَعَ الرِّضْوانِ الجَنَّةُ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ تَعالى أكْبَرُ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِكُلِّ نَعِيمٍ، وكَوْنُ السَّخَطِ مُسْتَلْزِمًا لِكُلِّ عِقابٍ فَيَقْتَضِي أنْ تُذْكُرَ مَعَهُ جَهَنَّمُ في حَيِّزِ المَنعِ لِسَبْقِ الجَمالِ الجَلالِ فافْهَمْ، والثّانِي: أنَّها داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ

صفحة 112

فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿باءَ بِسَخَطٍ﴾ عَطْفَ الصِّلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ إمّا تَذْيِيلٌ أوِ اعْتِراضٌ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الصِّلَةِ بِتَقْدِيرٍ، ويُقالُ: في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ جَهَنَّمُ، و(المَصِيرُ) اسْمُ مَكانٍ، ويُحْتَمَلُ المَصْدَرِيَّةُ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ المَرْجِعِ بِأنَّ المَصِيرَ يَقْتَضِي مُخالَفَةَ ما صارَ إلَيْهِ مِن جَهَنَّمَ لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الصَّيْرُورَةَ تَقْتَضِي الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى كَصارَ الطِّينُ خَزَفًا، والمَرْجِعُ انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ قَدْ كانَ عَلَيْها كَقَوْلِكَ: مَرْجِعُ ابْنِ آدَمَ إلى التُّرابِ، وأمّا قَوْلُهم مَرْجِعُ العِبادِ إلى اللَّهِ تَعالى فَبِاعْتِبارِ أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى حالٍ لا يَمْلِكُونَ فِيها لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا كَما كانَ قَبْلَ ما مَلَكُوا.

3:163Page 71

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.

﴿هُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المَوْصُولِينَ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَرَجاتٌ﴾ خَبَرُهُ، والمُرادُ هم مُتَفاوِتُونَ إطْلاقًا لِلْمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، أوْ شَبَّهَهم بِالدَّرَجِ في تَفاوُتِهِمْ عُلُوًّا وسُفْلًا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، أوْ جَعَلَهم نَفْسَ الدَّرَجاتِ مُبالَغَةً في التَّفاوُتِ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا بَلِيغًا بِحَذْفِ الأداةِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ولا تَشْبِيهَ أيْ (هُمْ) ذَوُو دَرَجاتٍ أيْ مَنازِلَ أوْ أحْوالٍ مُتَفاوِتَةٍ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: لَهم دَرَجاتٌ، وذَهَبُ بَعْضُهم أنَّ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبَ الدَّرَجاتِ عَلى الدِّرْكاتِ، إذِ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ، والثّانِي لِلثّانِي.

﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِدَرَجاتٍ عَلى المَعْنى، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها.

﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ ودَرَجاتِها فَيُجازِيهِمْ بِحَسَبِها، والبَصِيرُ كَما قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ: هو الَّذِي يُشاهِدُ ويَرى حَتّى لا يَعْزُبُ عَنْهُ ما تَحْتَ الثَّرى، وإبْصارُهُ أيْضًا مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ بِحَدَقَةٍ وأجْفانٍ، ومُقَدَّسٌ عَنْ أنْ يَرْجِعَ إلى انْطِباعِ الصُّوَرِ والألْوانِ في ذاتِهِ كَما يَنْطَبِعُ في حَدَقَةِ الإنْسانِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّأثُّرِ المُقْتَضِي لَلْحَدَثانِ، وإذا نُزِّهَ عَنْ ذَلِكَ كانَ البَصَرُ في حَقِّهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي يَنْكَشِفُ بِها كَمالُ نُعُوتِ المُبْصَراتِ، وذَلِكَ أوْضَحَ وأجْلى مِمّا نَفْهَمُهُ مِن إدْراكِ البَصَرِ القاصِرِ عَلى ظَواهِرِ المَرْئِيّاتِ انْتَهى.

ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّ البَصَرَ صِفَةٌ زائِدَةٌ عَلى العِلْمِ، وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِنّا، ومِنَ المُعْتَزِلَةِ والكَرّامِيَّةِ قالُوا: لِأنّا إذا عَلِمْنا شَيْئًا عِلْمًا جَلِيًّا ثُمَّ أبْصَرْناهُ نَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ الحالَتَيْنِ بِالبَدِيهَةِ، وإنَّ في الحالَةِ الثّانِيَةِ حالَةً زائِدَةً هي الإبْصارُ.

وقالَ الفَلاسِفَةُ والكَعْبِيُّ وأبُو الحُسَيْنِ البَصْرِيُّ والغَزالِيُّ عِنْدَ بَعْضٍ وادَّعى أنَّ كَلامَهُ هَذا مُشِيرٌ إلَيْهِ أنَّ بَصَرَهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالمُبْصَراتِ، ومِثْلُ هَذا الخِلافِ في السَّمْعِ، والحَقُّ أنَّهُما زائِدانِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ، وأنَّهُما لا يُكَيَّفانِ ولا يُحَدّانِ، والإقْرارُ بِهِما واجِبٌ كَما وصَفَ بِهِما سُبْحانَهُ نَفْسَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ وإلَيْهِ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском